تربية الشباب 2: الآثار والمنافع

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2022-10-10 - 1444/03/14
عناصر الخطبة
1/آثار تربية الشباب ومنافعها 2/نماذج من تربية السلف لشبابهم 3/رسائل للقائمين على تربية الشباب 4/نصائح وتوجيهات إلى شباب الأمة.

اقتباس

أَيُّهَا الْآبَاءُ الْكِرَامُ: اعْلَمُوا قَدْرَ الْمُهِمَّةِ الَّتِي تَحَمَّلْتُمُوهَا؛ فَإِنَّكُمْ تُرَابِطُونَ عَلَى ثَغْرٍ عَظِيمٍ مِنْ ثُغُورِ الْإِسْلَامِ، وَحِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِ، وَتَفَكَّرُوا فِي النَّتَائِجِ الْحَسَنَةِ الَّتِي سَتَجْرِي عَلَى أَيْدِيكُمْ لَوْ نَجَحْتُمْ فِي مُهِمَّتِكُمْ؛ إِنَّكُمْ سَتُرَبُّونَ الْأَجْيَالَ صِغَارًا لِيَصْلُحُوا بِتَرْبِيَتِكُمْ كِبَارًا...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: طُوبَى لِزَارِعٍ أَحْسَنَ عَمَلَهُ، وَبَذَلَ جُهْدَهُ، وَتَابَعَ غَرْسَهُ حَتَّى نَمَا وَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، فَهَنِيئًا لَهُ يَوْمَ الْحَصَادِ بِطَيِّبِ الثَّمَرِ، وَحَلَاوَةِ الْمَنْظَرِ الَّذِي يُدْخِلُ عَلَى نَفْسِهِ السُّرُورَ، وَيَغْمُرُهَا بِالْحُبُورِ.

 

وَهَكَذَا نَقُولُ لِكُلِّ مُرَبٍّ -مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ وَمُعَلِّمٍ- نَجَحَ فِي تَرْبِيَةِ النَّشْءِ، فَرَأَى ثَمَرَةَ جُهْدِهِ فِي شَبَابٍ مَلَئُوا الْعُيُونَ بَهْجَةً بِعَظَمَةِ صَلَاحِهِمْ وَانْتِفَاعِ الْحَيَاةِ بِهِمْ، وَمَلَؤُوا الْقُلُوبَ فَرَحًا بِنَجَاحَاتِهِمْ وَإِنْجَازَاتِهِمْ.

 

إِنَّ الشَّبَابَ -أَيُّهَا الْكِرَامُ- إِذَا تَلَقَّوْا تَرْبِيَةً صَالِحَةً مِنْ صِغَرِهِمْ نَشَؤُوا نَشْأَةً طَيِّبَةً، وَتَجَلَّتْ فِي حَيَاتِهِمْ آثَارُ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، فِي مَظَاهِرَ تَسُرُّ الْخَاطِرَ وَتُبْهِرُ النَّاظِرَ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ تِلْكَ الْآثَارِ النَّافِعَةِ لِتَرْبِيَةِ الشَّبَابِ:

نُمُوَّ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ لَدَيْهِمْ؛ فَالشَّبَابُ وَالْفَتَيَاتُ إِذَا قَوِيَ فِي قُلُوبِهِمُ التَّدَيُّنُ الصَّحِيحُ صَارَ سِيَاجًا مَانِعًا مِنْ وُقُوعِ النَّفْسِ فِي حَمْأَةِ الْمُخَالَفَاتِ وَأَشْرَاكِ الرَّذِيلَةِ، وَوَلَّدَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ مُرَاقَبَةَ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَالْمُسَارَعَةَ إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَغَرَسَ فِيهِمُ الْفَضَائِلَ وَالْمَكَارِمَ، وَأَبْعَدَهُمْ عَنِ الرَّذَائِلِ وَالْقَبَائِحِ، فَصَارُوا يَمْشُونَ فِي دَرْبِ الْحَيَاةِ عَلَى نُورٍ مُبِينٍ، بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَ لَدَيْهِمْ وَازِعٌ دِينِيٌّ؛ فَإِنَّهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، قَالَ تَعَالَى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)[الْأَنْعَامِ: 122].

 

وَمِنَ الْآثَارِ أَيْضًا: قِيَامُهُمْ بِالْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ الَّتِي عَلَيْهِمْ؛ فَهُنَاكَ حَقُّ اللَّهِ وَأَدَاؤُهُ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ، وَهُنَاكَ حَقُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَكُونُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ، وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَهُنَاكَ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ، وَيُؤَدَّى بِبَرِّهِمَا وَتَرْكِ عُقُوقِهِمَا، وَهُنَاكَ حَقُّ الْجِيرَانِ، وَيَكُونُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِأَذِيَّتِهِمْ، وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ هَذِهِ الْحُقُوقَ وَغَيْرَهَا فِي آيَةِ الْحُقُوقِ الْعَشَرَةِ فَقَالَ تَعَالَى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)[النِّسَاءِ: 36]؛ فَمَا أَجْمَلَ أَنْ نَرَى شَبَابًا يُؤَدُّونَ هَذِهِ الْحُقُوقَ!.

 

وَمِنَ الْآثَارِ النَّافِعَةِ لِتَرْبِيَةِ الشَّبَابِ: الْأَمْنُ الْفِكْرِيُّ وَالْأَخْلَاقِيُّ لِلْمُجْتَمَعِ؛ فَهُنَاكَ أَفْكَارٌ ضَالَّةٌ تَجُوسُ خِلَالَ الْعُقُولِ يُرَادُ مِنْهَا إِضْلَالُ الشَّبَابِ عَنِ الْحَقِّ، وَهُنَاكَ دَعَوَاتٌ هَدَّامَةٌ تَسْعَى لِإِفْسَادِ أَخْلَاقِ الشَّبَابِ، وَلَيْسَ مِنْ حِصْنٍ يَرُدُّ هَذَا الِاعْتِدَاءَ الْفِكْرِيَّ وَالْأَخْلَاقِيَّ عَنْ شَبَابِ الْأُمَّةِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ تَرَبَّوْا تَرْبِيَةً إِسْلَامِيَّةً سَلِيمَةً.

 

وَلَقَدْ بَدَا هَذَا وَاضِحًا فِي شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ سَافَرُوا لِلدِّرَاسَةِ فِي بِلَادِ الْغَرْبِ؛ فَمَنْ كَانَ قَدْ تَرَبَّى تَرْبِيَةً صَحِيحَةً فَإِنَّهُ يَثْبُتُ عَلَى خُلُقِهِ وَفِكْرِهِ رَغْمَ كُلِّ أَمْوَاجِ الْإِغْرَاءِ وَالتَّضْلِيلِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَرَبَّ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَأَثَّرُ خُلُقِيًّا وَفِكْرِيًّا بِتِلْكَ الْمُجْتَمَعَاتِ الْفَاسِدَةِ.

 

وَمِنَ الْآثَارِ النَّافِعَةِ: بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ وَزِيَادَةُ الْإِنْتَاجِيَّةِ فِي شَتَّى الْمَجَالَاتِ؛ فَإِنَّ الشَّبَابَ يَمْتَلِكُونَ طَاقَاتٍ وَقُدُرَاتٍ جَبَّارَةً، فَإِذَا تَرَبَّوْا تَرْبِيَةً نَاجِحَةً فَرَّغُوهَا فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَنَفْعِ أَهْلِهَا؛ فَكَمْ نَرَى الْيَوْمَ مِنْ أَعْمَالٍ بَشَرِيَّةٍ نَاجِحَةٍ تَقُومُ عَلَى كَوَاهِلِ الشَّبَابِ، وَهَلْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الَّذِينَ قَامَ عَلَيْهِمْ عَمُودُ الْإِسْلَامِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إِلَّا مِنَ الشَّبَابِ.

 

وَمِنَ الْآثَارِ: تَحَمُّلُ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْأُسَرِيَّةِ مُسْتَقْبَلًا؛ فَالشَّبَابُ وَالشَّابَّاتُ إِذَا تَرَبَّوْا تَرْبِيَةً إِسْلَامِيَّةً صَحِيحَةً عَرَفُوا قَدْرَ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْأُسَرِيَّةِ حِينَمَا يَصِيرُ الشُّبَّانُ آبَاءً وَالشَّابَّاتُ أُمَّهَاتٍ؛ فَلَقَدْ عَرَفُوا فِي تِلْكَ التَّرْبِيَةِ أَنَّ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الْأُسْرَةِ أَمَانَةٌ يَجِبُ أَدَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَهُنَاكَ نَمَاذِجُ مُشْرِقَةٌ مِنْ تَرْبِيَةِ السَّلَفِ لِشَبَابِهِمْ، حَتَّى غَدَوْا بِذَلِكَ قُدْوَاتٍ صَالِحَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ فَفِي مَجَالِ التَّرْبِيَةِ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- لِهَذَا الْمِثَالِ الرَّائِعِ مِنَ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ لِهَذَا الشَّابِّ الَّذِي طَغَتْ عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ:

فَقَدْ جَاءَ شَابٌّ يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ فِي الزِّنَا، فَلَمْ يُعَنِّفْهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَزْجُرْهُ، بَلْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهِ مَوْعِظَةً زَاجِرَةً بِأُسْلُوبٍ تَرْبَوِيٍّ بَدِيعٍ؛ فَسَأَلَهُ: هَلْ يَرْضَى فِعْلَ الزِّنَا بِقَرِيبَاتِهِ: أُمِّهِ، بِنْتِهِ، أُخْتِهِ... إِلَخْ، فَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: لَا، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ: وَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يَرْضَوْنَهُ لِقَرِيبَاتِهِمْ.

 

فَخَرَجَ ذَلِكَ الْفَتَى وَالزِّنَا أَبْغَضُ شَيْءٍ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ".

 

أَرَأَيْتُمْ مَا أَعْظَمَ هَذَا الْأُسْلُوبَ التَّرْبَوِيَّ، وَمَا أَحْسَنَ نَجَاحَهُ فِي هَذَا الشَّابِّ!.

 

وَفِي مَجَالِ التَّرْبِيَةِ عَلَى آدَابِ مُجَالَسَةِ الْكِبَارِ يُرَبِّي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أَيَّامَ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَدَبِ فِي مَجْلِسِ عُمَرَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: "قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ: إِنِّي أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ يَسْتَخْلِيكَ وَيَسْتَشِيرُكَ وَيُقَدِّمُكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَإِنِّي أُوصِيكَ بِخِلَالٍ ثَلَاثٍ: لَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلَا يُجَرِّبَنَّ عَلَيْكَ كَذِبًا، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا".

 

اللَّهُ أَكْبَرُ: مَا أَعْظَمَ هَذِهِ الْوَصَايَا التَّرْبَوِيَّةَ مِنَ الْأَبِ لِابْنِهِ!

 

وَفِي مَجَالِ التَّرْبِيَةِ عَلَى حُسْنِ الْأَعْمَالِ عِنْدَ الْبُلُوغِ؛ حَيْثُ يَرْوِي وَالِدُ الْإِمَامِ ابْنِ عُيَيْنَةَ نَصِيحَةً تَرْبَوِيَّةً لَهُ فِي عَصْرِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: "لَمَّا بَلَغْتُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ: قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْكَ شَرَائِعُ الصِّبَى فَاخْتَلِطْ بِالْخَيْرِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا تُزَايِلْهُ فَتَبِينَ مِنْهُ؛ وَلَا يَغُرَّنَّكَ مَنْ مَدَحَكَ بِمَا تَعْلَمُ أَنْتَ خِلَافَهُ مِنْكَ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَقُولُ فِي أَحَدٍ مِنَ الْخَيْرِ مَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ إِلَّا قَالَ فِيهِ عِنْدَ سُخْطِهِ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ عَلَى قَدْرِ مَا مَدَحَهُ، وَاسْتَأْنِسْ بِالْوَحْدَةِ مِنْ جُلَسَاءِ السُّوءِ؛ وَلَا تَنْقُلْ أَحْسَنَ ظَنِّي بِكَ إِلَى أَسْوَأِ ظَنِّي بِمَنْ هُوَ دُونَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَنْ يَسْعَدَ بِالْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ أَطَاعَهُمْ؛ فَأَطِعْهُمْ تَسْعَدْ، وَاخْدِمْهُمْ تَقْتَبِسْ مِنْ عِلْمِهِمْ. قَالَ سُفْيَانُ: فَجَعَلْتُ وَصِيَّةَ أَبِي هَذِهِ قِبْلَةً أَمِيلُ إِلَيْهَا وَلَا أَمِيلُ عَنْهَا، وَلَا أَعْدِلُ عَنْهَا"(الزُّهْدُ الْكَبِيرُ).

 

فَرَحِمَ اللَّهُ هَذَا الْأَبَ الْمُرَبِّيَ النَّاجِحَ عَلَى هَذِهِ الْوَصِيَّةِ، وَرَحِمَ اللَّهُ هَذَا الِابْنَ الْبَارَّ الَّذِي عَمِلَ بِهَا!

 

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ شَبَابَنَا، وَيَجْعَلَ مِنَّا مُرَبِّينَ صَالِحِينَ مُصْلِحِينَ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْأَمِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْآبَاءُ الْكِرَامُ: اعْلَمُوا قَدْرَ الْمُهِمَّةِ الَّتِي تَحَمَّلْتُمُوهَا؛ فَإِنَّكُمْ تُرَابِطُونَ عَلَى ثَغْرٍ عَظِيمٍ مِنْ ثُغُورِ الْإِسْلَامِ، وَحِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِ، وَتَفَكَّرُوا فِي النَّتَائِجِ الْحَسَنَةِ الَّتِي سَتَجْرِي عَلَى أَيْدِيكُمْ لَوْ نَجَحْتُمْ فِي مُهِمَّتِكُمْ؛ إِنَّكُمْ سَتُرَبُّونَ الْأَجْيَالَ صِغَارًا لِيَصْلُحُوا بِتَرْبِيَتِكُمْ كِبَارًا:

رَبُّوا عَلَى الْإِصْلَاحِ فِتْيَانَ الْحِمَى *** تَجِدُوهُمُ كَهْفَ الصَّلَاحِ كُهُولَا

فَهُوَ الَّذِي يَبْنِي الطِّبَاعَ قَوِيمَةً *** وَهُوَ الَّذِي يَبْنِي النُّفُوسَ عُدُولَا

 

وَسَتَبْنُونَ جِيلًا سَيَبْنِي أَجْيَالًا بَعْدَهُ وَيَنْشَأُ عَلَى يَدَيْهِ مُجْتَمَعٌ نَقِيٌّ، وَلَكُمْ أَجْرُ ذَلِكَ: وَ"مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

فَلَا تَفْتُرُوا عَنْ مُهِمَّتِكُمْ، وَلَا تَهِنُوا فِي جِهَادِكُمْ.

 

وَيَا أَيُّهَا الشَّبَابُ: اعْلَمُوا أَهَمِّيَّةَ فَتْرَةِ شَبَابِكُمْ، وَاسْتَثْمِرُوهَا فِيمَا يَنْفَعُكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ، وَوَثِّقُوا صِلَتَكُمْ بِالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَالْمُرَبِّينَ الْوَاعِينَ، وَإِيَّاكُمْ وَالِالْتِفَاتَ لِدَعَوَاتِ الْمُفْسِدِينَ، وَإِغْرَاءَاتِ الْفَاتِنِينَ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ شَبَابَكُمْ سَيُحَدِّدُ مُسْتَقْبَلَكُمْ، فَاعْمُرُوهُ بِالتَّرْبِيَةِ عَلَى الصَّلَاحِ، فَمَنْ شَبَّ عَلَى شَيْءٍ شَابَ عَلَيْهِ، وَلَا تَنْسَوْا سُؤَالَ رَبِّكُمْ لَكُمْ عَنْ شَبَابِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ"، وَمِنْهَا: "عَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: تِلْكُمْ بَعْضٌ مِنَ الْآثَارِ الْحَمِيدَةِ وَالْمَكَاسِبِ الثَّمِينَةِ لِمَنْ أَحْسَنَ تَرْبِيَةَ أَبْنَائِهِ وَطُلَّابِهِ وَتَعِبَ فِي تَرْبِيَتِهِمْ فِي شَبَابِهِمْ؛ فَأَحْسِنُوا تَرْبِيَةَ شَبَابِكُمْ وَخُذُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى طَرِيقِ الْهِدَايَةِ وَالْفَلَاحِ، وَكُونُوا لَهُمْ قُدْوَاتٍ حَسَنَةً تَسْعَدُونَ بِثِمَارِ تَرْبِيَتِكُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِصَلَاحِهِمْ وَاسْتِقَامَتِهِمْ وَنَفْعِهِمْ لَكُمْ وَلِأَنْفُسِهِمْ وَمُجْتَمَعَاتِهِمْ وَأُمَّتِهِمْ، وَفِي الْآخِرَةِ تَنَالُونَ مَرْضَاةَ رَبِّكُمْ بِقِيَامِكُمْ بِالْأَمَانَةِ الَّتِي حَمَّلَكُمْ إِيَّاهَا.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ، حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ:56].

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَنَا وَأَصْلِحْ بِهِمْ، وَخُذْ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى سُبُلِ الْخَيْرِ الْعَمِيمِ، وَانَفْعْ بِهِمْ أُمَّتَنَا، وَارْفَعْ بِهِمْ شَأْنَ مِلَّتِنَا يَا كَرِيمُ.

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ.

 

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ كَلِمَتَهُمْ.

 

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

 

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى النِّعَمِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

المرفقات
QkZH0CsdfJssD0Y8yWSrQgofSvpVjSRzDc3H7MeR.doc
yI18DiyZM4O6zAFXUnnKPUJufPuE3HOOftbDEQDt.pdf
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life