تدارك - المتسولون

الشيخ راشد بن عبدالرحمن البداح

2023-04-24 - 1444/10/04
التصنيفات: رمضان الزكاة
عناصر الخطبة
1/الحث على التوبة 2/معنى عدم القبول في رمضان 3/استغلال ما بقي من أيام رمضان 4/تنبهات حول إخراج الزكاة

اقتباس

أتدريْ ما معنى عدمِ القبولِ في رمضانَ؟ ‏معناهُ كأنكَ تسلمْتَ ورقةَ الأسئلةِ، ومعَها ورقةُ إجابةٍ نموذجيةٍ، ومع ذلكَ رسبْتَ في الامتحانِ!، قالَ ابنُ رجبٍ: "لما كثُرتْ أسبابُ المغفرةِ في رمضانَ، كانَ الذي تفوتُه المغفرةُ فيه محرومًا غايةَ الحرمانِ"...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمدُ للهِ حَمْدًا كثيرًا طيبًا مبارَكًا فيهِ، كما يُحبُ ربُنا ويَرضَى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه شهادةً تكونُ فرضًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ أهلِ الأرضِ  طُولاً وعَرْضًا، فصلَّى اللهُ وسلمَ عليهِ تسليمًا هوَ بهِ أَحْضَى.

 

أما بعدُ: فالتقوَى التقوَى، فهذا شهرُها الأقوَى، والمؤمنُ قد يَضعُفُ عنِ بعضِ العملِ، بل قد يقعُ في الحرامِ، ولكنهُ يَتدارَكُ فيندمُ فيتوبُ، فيكونُ بهذا مُتقيًا.

 

عجبًا! كيف يكونُ متقيًا وهوَ قد ارتكبَ محرمًا وفي رمضانَ؟! الجوابُ خذْهُ من كتابِ ربِكَ، فإنه -سبحانَه- لما ذكرَ الجنةَ، وأنها: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران: 133]، ذَكَرَ صفاتِهم، ومنها أنهمْ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[آل عمران: 135].

 

يالِلهِ العَجَبُ! مُتقونَ ويَفعلونَ فواحشَ؟! نعمْ؛ لأنهمَ لما أذنَبوا (ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)[آل عمران: 135]، ولأنهمْ (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا)[آل عمران: 135] ، فكلَما أذنبتَ في رمضانَ فتُبْ، وإن كنتَ فرطتَ، فالقادمُ أفضلُ، والأيامُ المقبلةُ أعظمُ.

 

أيُها الصائمُ: أتدريْ ما معنى عدمِ القبولِ في رمضانَ؟ ‏معناهُ كأنكَ تسلمْتَ ورقةَ الأسئلةِ، ومعَها ورقةُ إجابةٍ نموذجيةٍ، ومع ذلكَ رسبْتَ في الامتحانِ!، فاللهم نسألكَ أنْ ترحمَنا ولا تحرِمَنا قالَ ابنُ رجبٍ: "لما كثُرتْ أسبابُ المغفرةِ في رمضانَ، كانَ الذي تفوتُه المغفرةُ فيه محرومًا غايةَ الحرمانِ".

 

فيا مَن أدرَكَ شهرَ رمضانَ المباركَ: تَدَارَكْ، وما يُدريكَ؛ لعلكَ تُلِحُ وتُلِحُ، ثم يَنظرُ اللهُ إلى قلبِكَ، فيعطيْكَ أكثرَ مما سألتَ، ويقالُ لكَ في لحظةِ افتقارٍ: (فَبَشَّرْنَاهُ)[الصافات: 101].

 

تَدَارَكْ، فقد كانَ نبيكَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يتَدَارَكُ، فاتتهُ راتبةُ الظهرِ البعديةُ فقضاها بعدَ العصرِ، وكَانَ إِذَا لَمْ يُصَلِّ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ صَلاَّهُنَّ بَعْدَهَا، وإِذَا فَاتَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنَ النَّهَارِ، بل فاتَه اعتكافُ رمضانَ فقضاهُ في شوالَ.

 

فلنبادِرْ أيامَ شهرِنا؛ فإنَ اللهَ قَلَّلَها فقالَ: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)[البقرة: 184]، ذهبَ نصفُها، وبقيَ أعظمُها، ولنتخيَّلْ أننا الآنَ صباحَ العيدِ، وليَطرحْ كلُ واحدٍ منا على نفسِه الأسئلةَ الصريحةَ التاليةَ: هلْ أنا ممن غُفرَ له ما تقدمَ من ذنبهِ؟! هل سأدرِكُ ليلةَ القدرِ؟ هلْ واظبتُ على التراويحَ التي مدتُها نصفُ ساعةٍ؛ لأُحصِّلَ قيامَ ليلةٍ تمتدُ عشرَ ساعاتٍ؟ هلْ ختمتُ ختماتٍ؟ هل أكثرتُ الدعواتِ؟.

 

وأهمُ من ذلكَ كلِه: هلْ حافظتُ وسأحافظُ على كل صلواتِ رمضانَ وعددُهُن مئةٌ وخمسونَ صلاةً؟.

 

فأبلِغُوا الذينَ ينامُونَ عن صلاةِ العصرِ بعدَ الدوامِ أو الدراسةِ، أو ينامونَ عن الظهرِ وقتَ الإجازةِ، أن الصلاةَ أعظمُ من الصومِ، وقد يُرَدُّ صيامُهم لتركِهِم صلاتَهم.

 

فيا نائمًا عن صلواتٍ: تَدَارَكْ، ويا مُشاهِدًا محرماتٍ: تَدَارَكْ، ويا مُفَوّتًا خَتَماتٍ: تَدَارَكْ، ويا من غَزَاهُ الشَيبُ: تَدَارَكْ، ويا من تمضِي أيامُ عمرِه: تَدَارَكْ.

 

جاءَ رجلٌ إلى عمرَ -رضيَ اللهُ عنه- فقالَ: فاتَتْني الصلاةُ الليلةَ، فقال: "أدرِكْ ما فاتَكَ مِن ليلتِكَ في نهاركَ، فإن اللهَ (جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)[الفرقان: 62]".

 

وإن سرعةَ الأيامِ لَمُخيفةٌ، والأحداثَ تتسارَعُ مِن حولِنا، والأمواتَ يتساقطونَ أمامَنا؛ (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)[الذاريات: 50].

 

فاللهم لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، ظَلَمْنا نُفُوسَنَا وَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنَا، فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا جَمِيعًا، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ مُولِينا ومَولانا، والصلاةُ والسلامُ على داعِينا وهادِينا.

 

أما بعدُ: فقد اعتادَ الناسُ دفعَ الزكاةِ في رمضانَ، وثَمَّتَ ثلاثةُ تنبيهاتٍ:

الأولُ: ليَحذرْ أن يطلبَها أو يأخذَها مَن يَعلمُ في نفسِه أنه ليسَ من أهلِها، فالوعيدُ شديدٌ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ"؛ أَيْ: أَنَّهُ يَأْتِي سَاقِطًا، لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا جَاهَ، أَوْ يُعَذَّبُ فِي وَجْهِهِ، حَتَّى يَسْقُطَ لَحْمُهُ؛ لِكَوْنِهِ أَذَلَّ وَجْهَهُ بِالسُّؤَالِ.

 

الثانيْ: أن بعضَ المزكينَ اعتادَ أن يعطيَ فقيرًا من الزكاةِ في كلِ سنةٍ، ثم قد يَقطعُها لسببٍ يراهُ، فيقعُ في نفسِ الفقيرِ سخطٌ على المُزكِي، وهذا السخطُ محرمٌ، فقد ذمَ اللهُ بهذهِ الصفةِ المنافقينَ فقالَ: (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)[التوبة: 58].

 

التنبيهُ الثالثُ: هؤلاءِ المتسولونَ في الأسواقِ والمساجدِ؛ هل يُعطَونَ من الزكاةِ؟ الجوابُ: لا يُعطونَ؛ لأنك لم تتحرَ عن مدَى فقرِهم، ولأنهم قد يكونونَ من المتخلفينَ نظاميًا، فتُعينُهم على فَعْلتِهم، ولأن نظامَ مكافحةِ التسولِ يمنعُ تمكينَهم؛ للأضرارِ الاجتماعيِة والأمنيةِ والاقتصاديةِ.

 

فاللهمَّ أعِنَّا على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عَبَادَتِكَ، اللهمَ أقبِل بقلوبِنا في رمضانَ، ومُنَّ علينا فيه بالرضوانِ، اللهمَّ وَفِّقْنا للصَّالِحَاتِ قَبْلَ المَمَاتِ، وأرْشِدْنَا إلى اسْتِدْرَاكِ الهَفَواتِ مِنْ قَبْلِ الفَوَاتِ، وألْهِمْنا أَخْذَ العُدَّةِ للوَفَاة قَبْلَ المُوَافَاةِ، واعفُ عنَّا خَطَايَا الخُطُوَاتِ إلى الخَطِيْئَاتِ، اللَّهُمُّ اِحْفَظْ بِلَادَنَا بِالْأَمْنِ وَالْإيمَانِ، وبالسَّلامَةِ والإسلامِ، اللَّهُمَّ احْفَظْ لَنَا مَلِكَنَا ووَلِيَّ عَهْدِهِ واجزهِمْ عنا خيرَ الجزاءِ، وَارْزُقْهُم بِطَانَةً صَالِحَةً نَاصِحَةً.

 

اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life