بر الوالدين

محمد بو سنه

2022-10-04 - 1444/03/08
عناصر الخطبة
1/اقتران بر الوالدين بتوحيد الله 2/فضل الوالدين 3/عظم حق الأم ثم الأب 4/حق الوالدين والأدب معهما 5/أحاديث نبوية في فضل بر الوالدين 6/قصص رائعة في بر الوالدين
اهداف الخطبة

اقتباس

أكبر الناس مِنَّة وأعظمهم نعمة على الإنسان بعد رسل الله: والداه، اللذان جعلهما الله سببا لوجوده، واعتنيا به منذ كان حملاً إلى أن صار رجلاً، فأمه حملته شهوراً تسعاً، في الغالب تعاني آلاماً من مرض ووحم وثقل، فإذا آن وقت الوضع وجاءها المخاض شاهدت الموت، وقاست...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

روى البخاري ومسلم، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله".

 

بر الوالدين فريضة لازمة، وواجب متحتم، وعقوقهما حرام، وذنب عظيم.

 

وقد جعل الله بر الوالدين قرين توحيده وعبادته -سبحانه-، وبيّن ما يجب لهما، وما لا يحل فعله معهما، فقال جل وعلا: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء: 23 - 24].

 

ولن يستطيع الأبناء والبنات مجازاة الآباء والأمهات على ما قاموا به نحوهم من الطفولة إلى الرجولة، من عطف ورعاية وتربية، إلا أن يجد الولد أباه مملوكاً فيشتريه فيعتقه، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه".

 

فشكر المنعم واجب، ولله -سبحانه- على عباده نعم لا تحصى، كما قال تعالى: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) [النحل: 18].

 

فمن تلكم النعم: أن الله -عز وجل- خلقنا وأوجدنا، وجعل سبحانه للوالدين نعمة الإنجاب والتربية الصالحة، والعناية التامة بالأولاد، وأكبر الناس مِنَّة وأعظمهم: نعمة على الإنسان بعد رسل الله: والداه، اللذان جعلهما الله سببا لوجوده، واعتنيا به منذ كان حملاً إلى أن صار رجلاً، فأمه حملته شهوراً تسعاً، في الغالب تعاني آلاماً من مرض ووحم وثقل، فإذا آن وقت الوضع وجاءها المخاض شاهدت الموت، وقاست من الآلام ما الله به عليم، فتارة تموت، وتارة تنجو، وليت الألم والتعب ينتهي بالوضع؛ يكن الأمر سهلاً، ولكن يكثر النصب، ويشدد التعب بعده، قال الله -تعالى-: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) [الأحقاف: 15].

 

ثم ترضعه حولين كاملين، فتقوم به مثقلة، وتقعده به مثقلة، تضيق أحشائها وقت حمله، وتضعف أعضاؤها عند وضعه وإرضاعه، ثم بعد ذلك بكاء وصياح بالليل يحرم الوالدين النوم، وكذلك بالنهار يقلق راحتهما، ومرض يعتري الولد من وقت لآخر، يتعب قلبيهما، يذرف دموعهما، تعهد من الأم لجسمه بالغسل، ولثيابه بالتنظيف، ولفضلاته بالإزالة، لا يوماً ولا يومين ولا شهراً ولا شهرين، ليلهما ونهارهما كله في متاعب ومشاق، وكثير ما يضحي الوالدين براحتهما في سبيل راحة الأبناء والبنات، والطفل يعرف أمه ويحبها قبل كل أحد، فإذا غابت صاح حتى تأتيه، وإذا أعرضت عنه دعاها وناجاها بما قدر عليه من كلام أو غيره، وإذا أصابه شيء يؤلمه استغاث بها وناداها، يظن أن الخير كله عندها ولا الشر يصيبه ما دامت تضمه على صدرها وترعاه بعينها، وتدافع عنه بيديها، ولذلك فالأم مقدمة في الحضانة إذا فارقها زوجها، ولم تتزوج حتى يميز ويختار من شاء منهما، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر بن العاص -رضي الله عنهما- أن امرأته، قالت: "يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنت أحق به ما لم تنكحي" ما لم تتزوجي.

 

ثم الولد لا يحب بعد أمه إلا أباه، إذا دخل سر وبش به، وإن خرج تعلق به، وإذا حضر قعد على حجره، وإذا غاب سأل عنه وانتظره، فأي حب وإحترام بعد هذا؟

 

ولكن -يا للأسف- سرعان ما ينسى الجميل، وينكر المعروف، ويلتفت إلى زوجته وأولاده، وينسى أباه، ولذلك لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء، إنما يحتاج الأولاد إلى توصيتهم ببر الوالدين، وتذكيرهم بواجبهم نحوهما.

 

ولقد أجاد من قال:

 

فلا تطع زوجة في قطع والدة *** عليك يا ابن أخي قد أفنت العمرا

فكيف تنكر أماً بثقلك احتملت *** وقد تمرغت في أحشائها شهراً

وعالجت بك أوجاع النفاس وكم *** سرت لما ولدت مولدها ذكراً

وأرضعتك إلى حولين مكملة *** في حجرها تستقي من ثديها الدررا

ومنك ينجسها ما أنت راضعة *** منها ولا تشتكي نتنا ولا قذراً

وقل هو الله بالمرات تقرؤها *** خوفاً عليك وترخي دونك السترا

وعـاملتـك بإحســان وتربيـة *** حتى استويت وصرت كيف ترى

فلا تفضل عليها زوجة أبداً *** ولا تدع قلبها بالقهر منكسراً

والوالد الأصل لا تنكر لتربيته *** واحفظه لا سيما إن إدرك الكبرا

فما تؤدي له حقاً عليك ولو *** على ظهرك حج البيت واعتمرا

 

فاللهم وفقنا لما وفقت إليه القوم، وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم، وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الذي يربح فيه المتقون.

 

واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

وبعد:

 

فقد فصَّل سبحانه وتعالى ما يجب علينا من الإحسان إلى الوالدين، فقال: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) [الإسراء: 23].

 

أي إذا وصل الوالدان أو أحدهما إلى الكبر، حال الضعف والعجز، وصارا عندك في آخر العمر، كما كنت عندهما في أوله وجب عليك أن تحنو عليهما، وتشفق عليهما، وتلطف بهما، وتعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه.

 

ويظهر الإحسان إلى الوالدين بأن تتبع معهما أموراً خمسة:

 

أولاً: ألا تتأفف من شيء تراه، أو تشمه من أحدهما، أو منهما، مما يتأذى منه الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما واحتسب الأجر عليه من الله -جل وعلا-، كما صبرا عليك في صغرك، واحذر الملل القليل والكثير، وعليك بالرفق واللين معهما، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

 

ثانياً: أن لا تنغص ولا تكدر حياتهما بكلام قبيح تزجرهما به، فقد بلغنا من بعض من لا يحفظون للوالدين حقوقاً، ولا يعرفون لهما معروفاً ولا إحساناً، بلغنا عنهم أنهم يجرحونهما بكلام قبيح، حتى بلغ بأحدهم أن أمه زارته في بيته، فغلظ لها الكلام، وفتح الباب وطردها.

 

فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

ثالثاً: أن تقول لهما قولاً كريماً، أي حسناً طيباً مقروناً بالإحترام والتعظيم، مما يقتضيه حسن الأدب، كأن تقول: يا أبي يا والدي يا أمي، ولا تدعوهما بأسمائهما، ولا ترفع صوتك أمامهما، ولا تحدق فيهما بنظرك، بل يكون نظرك إليهما نظر عطف ولطف وتواضع، أخرج ابن أبي حاتم عن عروة في قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) [الإسراء: 24] قال: إن إغضباك فلا تنظر إليهما طويلاً، فإن أول ما يعرف به الغضب الرجل شدة نظرة إلى من غضب عليه.

 

وسئل الحسن: إلى أي شيء ينتهي إليه عقوق الوالدين؟ قال: أن يحرمهما ويهجرهما، ويحد النظر إليهما.

 

رابعاً: أن تدعو الله أن يرحمهما برحمته الواسعة جزاء رحمتهما بك، وجميل شفقتهما عليك.

 

خامساً: أن تتواضع لهما وتطيعهما فيما أمراك به ما لم يكن معصية لله، وينبغي عليك أن تشتاق وترتاح كلما بذلت ما يطلبان منك من حطام الدنيا الفانية.

 

وعلى الجملة، فقد أكد جل وعلا التوصية بالوالدين من وجوه كثيرة، وكفاهما أن جعل الإحسان اليهما مع توحيده -سبحانه-.

 

وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة من ذلك: أن رجلاً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستأذنه في الجهاد معه، فقال: "أحي والداك؟" قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد".

 

ومن ذلك ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة".

 

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: أقبل رجل إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد وأبتغي الأجر من الله -تعالى-؟ فقال: "فهل من والديك أحدٌ حي؟" فقال: نعم، بل كلاهما، قال: "تبتغي الأجر من الله -تعالى-؟" قال: نعم، بل كلاهما، قال: "تبتغي الأجر من الله -تعالى-؟ قال: نعم، قال: "فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما".

 

وفي رواية لأبي داود قال الرجل: جئت أبا يعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان؟ فقال: "ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما".

 

وعن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من سره أن يمد في عمره، ويزاد في رزقه، فليبر والديه، وليصل رحمه".

 

وعن أسير بن جابر قال: كان عمر -رضي الله عنه- إذا أتى عليه أمراء اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى إليه، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: ألك والدة؟ قال: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن؛ كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بار، لو أقسم على الله لأبره، فإن استعطعت أن يستغفر لك فافعل، فاستغفر لي".

 

فانظروا -رحمكم الله- إلى هذه المنزلة التي بلغها هذا البار بأمه، حتى كان من شأنه أن يخبر عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وأن يقول لعمر: "إن استطعت أن يستغفر لك فافعل".

 

وانظر إلى حرص عمر على البحث عن هذا الرجل البار ليطلب منه الاستغفار له.

 

ورأى ابن عمر رجلاً قد حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة، فقال: يا ابن عمر أتراني جازيتها؟ قال: ولا بطلقة واحدة من طلقاتها، ولكن أحسنت، والله يثيبك على القليل بكثير.

 

فاللهم وفقنا للإحسان إلى الوالدين، وجنبنا عقوقهما، واغفر لهما، وارحمهما كما أحسنا إلينا.

 

والحمد لله رب العالمين.

 

 

المرفقات
بر الوالدين.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life