امتثال الصحابة رضي الله عنهم لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2023-08-12 - 1445/01/25
التصنيفات:

 

 

فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعدُ:

 

فمن مُقتضيات الإيمان محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقديم مَحبَّته على كلِّ أحدٍ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه مِن والده، وولده، والناس أجمعين))؛ [متفق عليه].

 

ومِن لوازم محبَّته صلى الله عليه وسلم طاعته فيما أمَر، واجتناب ما نهى عنه، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله عز وجل؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [النساء: 80].

 

ومَن عصاه فقد عصى الله جل جلاله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أطاعَني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله))؛ [متفق عليه].

 

وطاعته تكون بامتثال أمره، واجتناب نَهْيه، والصحابة رضي الله عنهم لهم مواقفُ كثيرة يصعُب حصرُها، تدل على فضيلتهم بامتثالهم لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن أمثلة تلك المواقف:

فعل ما أمَر به الرسول عليه الصلاة والسلام ولو خالف أهواءهم:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال: رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده، وولده، والناس أجمعين))؛ [متفق عليه]؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: النفس داخلة في قوله: (والناس أجمعين)، فيجب على الإنسان أن يقدِّم محبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على محبة نفسه.

 

ومن العلامة الفاصلة أن الإنسان المحب للنبي عليه الصلاة والسلام، يجب عليه تقديم محبته على محبة نفسه، وذلك بطاعته فما أمَر، واجتناب ما نهى، ولو خالَف ذلك هوى نفسه ورغبته، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يقدِّمون محبةَ الرسول صلى الله عليه وسلم على محبة ما تهواه أنفسُهم، ولهم مواقف في ذلك؛ منها:

تقديم أبي هريرة رضي الله عنه طاعةَ رسول الله عليه الصلاة والسلام على حظ نفسه:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ولله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأعتمدُ بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنتُ لأَشدُّ الحجرَ على بطني من الجوع، وقد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرَف ما به من الجوع، وطلَب أن يَلحَقَ به، فوجَد في بيته لبنًا في قدح أُهدِي إليه، فقال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: ((الْحِقْ أهل الصُّفة، فادْعُهم لي))؛ يقول أبو هريرة: فساءني ذلك وقلتُ: وما هذا اللبن في أهل الصُّفة؟ كنتُ أحقُّ أن أُصيبَ من هذا اللبن شربةً أتقوَّى بها ... ولم يكنْ من طاعة الله ورسوله بُدٌّ؛ [أخرجه البخاري].

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي الحديث من الفوائد: فضل أبي هريرة ... وتقديمه طاعةَ النبي صلى الله عليه وسلم على حظ نفسه مع شدة احتياجه.

 

زواج فاطمة بنت قيس من أسامة بن زيد رضي الله عنهما مع كراهتها لذلك:

عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن زوجها طلَّقها ثلاثًا، فلم يجعل لها رسول الله عليه الصلاة والسلام سُكنى ولا نَفقة، قالت: قال لي رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((إذا حلَلتِ فآذِنيني)) فآذنتْه، فخطَبها معاوية، وأبو جهم، وأسامة بن زيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما معاوية فرجل تَرِبٌ، وأما أبو جهم فرجلٌ ضرَّاب للنساء، ولكن أسامة بن زيد))، فقالت بيدها هكذا: أسامةُ أسامة، فقال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((طاعة الله وطاعة رسوله خيرٌ لك))، قالتْ: فتزوَّجتُهُ، فاغتَطَبْتُ به؛ [أخرجه مسلم].

 

قال الإمام النووي رحمه الله: وأما إشارته صلى الله عليه وسلم بنكاح أسامة، فلمَّا علِمه من دينه وفضله، وحُسن طرائقه وكرم شمائله، فنصَحها بذلك فكرِهته لكونه مولًى، ولكونه كان أسودَ جدًّا، فكرَّر عليها النبي صلى الله عليه وسلم الحثَّ على زواجه لِما عَلِمَ من مصلحتها في ذلك، وكان كذلك، ولهذا قالت: فجعل الله لي فيه خيرًا، واغْتَطبَتْ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية التي بعدها: ((هذا طاعة الله وطاعة رسوله خيرٌ لك))، وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: كأنها رَضِيَ الله عنها تُقلِّل من شأنه بيدها، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أحالها على شيء لا بُدَّ للمؤمنين منه، وهو طاعة الله ورسوله، فطاعة الله ورسوله كلها خير، والعاقبة لمن أطاع الله ورسوله، حتى وإن توهَّم في أول الأمر أنه لا يستفيد ... فهذا أسامة بن زيد كرِهته فاطمة بنت قيس رضي الله عنهما، وفي النهاية تقول: إنها اغتطبتْ به، وجعل الله بينهما مودة ورحمة، فإياك أن تخالفَ أمر الله ورسوله، أطِع الله ورسوله، فإن الخير في طاعة الله ورسوله، والعاقبة للمتقين، قد لا يخطر ببالك أن هذا الشيء تكون عاقبته هذه العاقبة الحميدة، ولكن إذا كان مبنيًّا على طاعة الله ورسوله، فهو الخير، وهو العاقبة الحميدة.

 

إعادة معقل بن يسار رضي الله عنه أختَه إلى زوجها:

عن الحسن رضي الله عنه قال: حدثني معقل بن يسار قال: زوجتُ أختًا لي من رجل، فطلَّقها، حتى إذا انقضَتْ عِدتُها جاء يَخطبها، فقلت له: زوَّجتُك وأفْرَشتُك وأكرمتُك، فطلَّقتها ثم جئتَ تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريدُ أن ترجع إليه، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ [البقرة: 232]، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه، فترك الحَمِيَّة واستقاد لأمر الله؛ [أخرجه البخاري]، وفي رواية: فلمَّا سمِعها معقل قال: سمعًا لربي وطاعةً، ثم دعاه، فقال: أُزوجك وأُكرمك؛ [أخرجه الترمذي].

 

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: هذه تقع من بعض الجُهال، فإذا طلَّق الرجل امرأته، ثم انقضَت العدةُ وخطَبها، قال: أمس تُطلِّق ابنتنا، واليوم تخطبها! لا نزوِّجك، فقال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232]، فليَدَعِ الإنسانُ الأَنَفَةَ، وليُعْطِها حقَّها ويُزوجها، والله تعالى مقلِّبُ القلوب، فلعله كرِهها في وقت من الأوقات، ثم عاد فأحبَّها.

 

إذنُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لزوجه بالخروج إلى المسجد مع كراهته لذلك:

عن سالم بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كان عمر رجلًا غيورًا، فكان إذا خرج إلى الصلاة اتَّبعتْه عاتكة بنت زيد، فكان يكره خروجَها، ويكره منعَها، وكان يُحدثُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا استأذنتْكم نساؤكم إلى الصلاة، فلا تَمنعوهنَّ))؛ [أخرجه أحمد].

 

قال الشيخ أحمد عبدالرحمن البنا الساعاتي رحمه الله: أما كراهته خروجها، فلأنه كان شديد الغيرة على نسائه، وأما كراهته منعها، فحذرٌ من الوقوع فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

 

عدم مخالفة ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام مهما كانت الأسباب:

امتثال حذيفة رضي الله عنه لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام:

عن حذيفة رضي الله عنه قال: لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وقد أخذتنا ريحٌ شديدة، وقُرٌّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم، جعله الله عز وجل معي يوم القيامة))، فسكتنا فلم يُجبه منا أحدٌ، ثم قال: ((ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم، جعله الله عز وجل معي يوم القيامة))، فسكتْنا، فلم يُجبه منا أحدٌ، فقال: ((قمْ يا حذيفة، فأتْنا بخبر القوم))، فلم أجد بُدًّا إذ دعاني باسمي أن أقومَ، قال: ((اذهب فأتني بخبر القوم، ولا تَذْعَرْهم عليَّ))، فلما ولَّيتُ من عنده، جعلتُ كأنما أمشي في حمَّام حتى أتيتُهم، فرأيتُ أبا سفيان يَصْلِي ظهرَه بالنار، فوضعتُ سهمًا في كبد القوس، فأردتُ أن أَرميه، فذكرتُ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ولا تَذْعَرْهم عليَّ))، ولو رميتُه لأَصبتُه، فرجعتُ وأنا أمشي في مثل الحمَّام، فلما أتيتُه أخبرتُه بخبر القوم، وفَرَغْتُ، قُرِرتُ، فألبَسني رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن فضل عباءة كانت عليه يُصلِّي فيها، فلم أزَل نائمًا حتى أصبحتُ، فلمَّا أصبحتُ قال: ((قمْ يا نَوْمان))؛ [أخرجه مسلم].

 

قال العلامة عثيمين رحمه الله: وفيه دليلٌ على كمال عقل الصحابة رضي الله عنهم، وأن الغيرة التي في قلوبهم لا تَحمِلهم على مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو كان من أهل الطيش - الذين يدَّعون أنهم ذَوو غيرة - لقتَله؛ لأنه يتمكَّن منه بسرعة، ولكن الجهاد أن يجاهد الإنسان نفسه، ويُصبِّرها على طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليس الجهاد هو التهور... وفي ظني - والله أعلم - أنه لو وقع مثل هذا في كثير من شبابنا اليوم لقتَله، ثم تأوَّل، لكن الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم هي الخير كلُّه.

 

عدم مغادرة أبي ذر رضي الله عنه مكانَه الذي أمره الرسول أن يبقى فيه:

عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: (كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حُرَّة المدينة عشاءً، استقبلنا أُحُدٌ، فقال: ((يا أبا ذر، ما أُحبُّ أن أُحدًا لي ذهبًا، يأتي عليَّ ليلة أو ثلاث، عندي منه دينارٌ لا أَرْصُدُه لدَينٍ، إلا أن أقولَ به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا))، وأرانا بيده، ثم قال: ((يا أبا ذرٍّ))، قلتُ: لبَّيك وسَعديك يا رسول الله، قال: ((الأكثرون هم الأقلُّون، إلا مَن قال هكذا وهكذا))، ثم قال: ((مكانك لا تبرَح أبا ذرٍّ حتى أرجِع))، فانطلق حتى غاب عني، فسمِعتُ صوتًا، فخشيتُ أن يكون عُرِضَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأردتُ أن أذهبَ، ثم ذكرتُ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبرَحْ))، فمكَثتُ... الحديث؛ [متفق عليه].

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي حديث الباب من الفوائد: أدب أبي ذرٍّ مع النبي صلى الله عليه وسلم .. وفيه أن امتثال أمر الكبير والوقوف عنده، أَولى من ارتكاب ما يخالفه بالرأي، ولو كان فيما يقتضيه الرأي توهُّمُ دفعِ مَفسدةٍ حتى يتحقَّق ذلك، فيكون دفعُ المفسدة أَولى.

 

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: في هذا الحديث فوائدُ؛ منها: حُسنُ امتثال الصحابة رضي الله عنهم للأمر، وعدم تسرُّعهم، وإلا فإن مقتضى الحال أن يُسارع أبو ذر رضي الله عنه لإنقاذ النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ذهب عنه ليلًا وسمع صوتًا، وخاف على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مقصودٌ، وقد كان في المدينة منافقون أعداء للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لحُسن امتثالهم لأمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يبرح مكانه وبقِي.

 

سرعه المبادرة إلى امتثال أمر الرسول عليه الصلاة والسلام:

الصحابة رضي الله عنهم كان لهم مواقفُ عجيبة في سرعة امتثالهم لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن تلك المواقف:

جلوس ابن مسعود رضي الله عنه عند باب المسجد عندما سمع الرسول يقول: ((اجلسوا)):

عن جابر رضي الله عنه قال: لَمَّا استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، قال: (اجلِسوا)، فسمِع ابن مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((تعالَ يا عبدالله بن مسعود))؛ [أخرجه أبو داود].

 

قال الشيخ محمد أشرف الصديقي العظيم آبادي رحمه الله: (فسمِع ذلك)؛ أي: أمره صلى الله عليه وسلم بالجلوس، (فجلس على باب المسجد) مبادرةً إلى الامتثال.

 

لحاق ابن عمر برجل ليُخبره أنه يُحبه في الله امتثالًا لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام:

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: بينما أنا جالسٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أتاه رجل فسلَّم عليه، ثم ولَّى عنه، قلت: يا رسول الله، إني لأُحب هذا في الله، قال: ((فهل أعلمتَه ذاك؟))، قلتُ: لا، قال: ((فأعلِمْ ذاك أخاك))، فاتَّبَعْتُه فأدركتُه، فأخذتُ بِمَنْكِبه، فسلَّمتُ عليه، وقلتُ: والله إني لأُحبك لله، قال هو: والله إني لأُحبك لله، قلت: لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرَني أن أُعْلِمك، لم أفعَل؛ [أخرجه ابن حبان].

 

جلوس ابن رواحة رضي الله عنه في الطريق عندما سمع الرسول يقول: ((اجلسوا)):

وعن أيوب قال: بلَغني أن ابن رواحة رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالطريق يقول: ((اجلسوا))، فجلس في الطريق، فمرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما شأنُك؟ قال: سمعتُك تقول: ((اجلِسوا))، فجلستُ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((زادَك الله طاعةً))؛ [أخرجه عبدالرزاق في المصنف].

 

كَفْؤُ ما في القُدور من طعام مع شدة جوعهم وحاجتهم للطعام:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، مرَّ بالقُدور وهي تغلي، فقال لنا: ((ما هذه الحُمر: أهلية أم وحشيَّة؟))، فقلنا: بل أهلية، قال: ((فأكْفِئوها))، فكفأناها وإنا لجياعٌ نَشتهيه؛ [أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف].

 

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهُ جاءٍ، فقال: أُكلت الحُمر! فسكَت، ثم أتاهُ الثانية فقال: أُكلت الحمر! فسكتَ، ثم أتاهُ الثالثة فقال: أُفنيتِ الحُمرُ! فأمر مُناديًا، فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر الأهلية، فأُكْفِئت القُدُور، وإنها لتفورُ باللحم؛ [متفق عليه].

 

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: وفي هذا الحديث فضيلة الصحابة رضي الله عنهم، وسرعة مُبادرتهم إلى امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان الناس حينذاك مجاهدين محتاجين للأكل، وكانوا جائعين، واللحم يفور في القدور، فتعلُّق النفوس به كبيرٌ، ومع ذلك لَمَّا نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي، أكْفَؤُوها وهي تفور باللحم، وهذا دليلٌ على قوة الإيمان، بينما الواحد منَّا إذا أُخبر بنهي الله ورسوله في أمر يهواه، تجده يتململ ويتأخَّر، ويتطلب الأعذار، ويقول: لعل أحدًا من أهل العلم خالَف في ذلك، وهذا خلاف ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من المبادرة والسرعة لامتثال الأمر.

 

وقال رحمه الله: وفي هذه الأحاديث من الفوائد: سرعة امتثال الصحابة رضي الله عنهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يحتاجون إلى الأكل، والقدور تفور باللحم، ولَمَّا نادى مُنادي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يَكْفِئُوها كفَؤوها، ولم يتردَّدوا في هذا... وهذا يدلُّ على تمام التسليم لأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

إراقة ما في الأواني من خمور:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنتُ أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأُبَيَّ بن كعب - من فَضيخِ زَهْوٍ وتَمرٍ، فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حُرِّمت، فقال أبو طلحة: قمْ يا أنس فأَهْرِقْها، فأَهْرَقْتُها؛ [متفق عليه].

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ووقع من رواية أخرى عن مالك في هذا الحديث: قُمْ إلى هذه الجِرار فاكْسِرها، قال أنس: فقمتُ إلى مِهراس لنا، فضربتُها بأسفله حتى انكسَرت، وفي رواية عبدالعزيز بن صهيب في التفسير: (فوالله ما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل)، ووقع في رواية: (فجرَتْ في سِكَكِ المدينة)؛ أي: طُرقها، وفيه إشارة إلى توارُد مَن كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى جرَتْ في الأَزِقَّةِ مِن كَثرتِها.

 

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: من فوائد الحديث: سرعة امتثال الصحابة لأمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فإنهم لم يُقدِموا على شُرب الخمر الذي قد صُنع، بل أراقوه، وهذا من تمام انقيادهم رضي الله عنهم؛ ا. هـ.

 

وقال رحمه الله: من الفوائد: سرعة امتثال الصحابة رضي الله عنهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن الخمر بين أيديهم، ولَما نادى المنادي بأنها حرام خرَجوا وأراقوها في الأسواق، ولم يتلكَّؤوا، وهذا يدل على تمام التسليم لأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم براوية من الخمر، فأهداها إليه، فقال له: ((هل علِمتَ أن الله قد حرَّمها؟))، ولم يَقْبَلْها، فسارَّه رجلٌ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((بِمَ سارَرْتَه؟))، قال: قلتُ: بِعْها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الذي حرَّم شُربَها حرَّم بيعَها))، ففتح الرجل فمَ الراوية، وأراق الخمر؛ [أخرجه مسلم].

 

رفع الإزار وقصُّ الشعر الطويل:

عن أبي رضي الله عنه وكان جليسًا لأبي الدرداء رضي الله عنه، قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: ابن الحنظلية، قال له أبو الدرداء: كلمة تنفَعنا ولا تضرُّك، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نِعمَ الرجل خُزيم الأسدي، لولا طُولُ جُمَّته وإسبالُ إزاره))، فبلغ ذلك خزيمًا فعَجِلَ، فأخَذ شَفرة فقطَع بها جُمَّته إلى أذُنُيه، ورفَع إزاره إلى أنصاف ساقيه))؛ [أخرجه أبو داود].

 

قال العلامة السهارنفوري رحمه الله: (فعَجِلَ)؛ أي: بادَر، (فأخذ شَفرةً): السكين.

 

وعن عبدالله بن محمد بن عقيل، قال: سمعتُ ابن عمر يقول: كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبطيةً، فنظر فرآني قد أسبلتُ، فجاء فأخَذ بِمَنكِبي، وقال: ((يا ابن عمر، كلُّ شيءٍ مسَّ الأرض من الثياب، ففي النار))، قال: فرأيتُ ابن عمر يتَّزرُ إلى نصف الساق؛ [أخرجه أحمد].

 

وعن سمرة بن فاتك رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((نِعم الفتى سَمُرة لو أخَذ مِن لِمَّته وشَمَّر مِن مِئزره))، ففعل ذلك سمرة، أخذ مِن لِمَّته وشمَّر مِن مِئزره؛ [أخرجه أحمد].

 

وعن وائل بن حُجر رضي الله عنه قال: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وَلي شعرٌ طويل، فلمَّا رآني قال: ((ذُبابٌ ذُبابٌ))، فرجعتُ فجزَرتُه ثم أتيتُه من الغد، فقال: ((إني لم أَعْنِكَ، وهذا أحسنُ))؛ [أخرجه أبو داود].

 

قال العلامة السهارنفوري رحمه الله: (ثم أتيتُه من الغد فقال) لَمَّا رآني قطعتُ شعري الطويل: ((إني لم أَعْنِكَ))؛ يعني: ولم أُرِدْكَ بقول: ذُبابٌ ذبابٌ ... وفيه فضيلة الصحابة، ومبادرتهم إلى إزالة ما كَرِه منهم.

 

جيل فريد يسارع ويسابق إلى تنفيذ ما يأمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، بخلاف ما عليه كثير من المسلمين اليوم - هداهم الله - من إسبال لباسهم بعد أن زيَّن لهم الشيطان أنهم لا يفعلون ذلك خُيلاءَ، فلا حرَج عليهم في ذلك، والأمر بخلاف ذلك، فالإسبال حرام ومن كبائر الذنوب، ومَن فعله خيلاءَ، فعقوبته أشدُّ، نسأل الله السلامة والعافية لجميع المسلمين، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: الإزارُ من الكعبين فما فوق على سبيل الوجوب، فلا يجوز للإنسان أن يُنزل ثيابه - سواء كانت قميصًا أو سراويلَ - إلى أسفل من الكعبين، فإن أنزَله إلى أسفل من الكعبين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أسفل من الكعبين ففي النار))، وهذا يدلُّ على أن تنزيل الثياب إلى أسفل الكعبين من كبائر الذنوب؛ لأن الكبيرة هي فيها وعيد في الدنيا أو الآخرة.

 

فإن قال قائل: أنا لا أُنزله إلى أسفل الكعبين على سبيل الخُيلاء، ولكن على سبيل الرفاهية والعادة.

فالجواب: هذا حرام ومن كبائر الذنوب، وإن لم يكن على سبيل الخُيلاء؛ لأن الذي يفعله على سبيل الخيلاء إثمُهُ أعظمُ من هذا، فإثمُهُ أن الله لا يُكلمه، ولا ينظر إليه، ولا يُزكيه، وله عذاب أليمٌ.

 

قال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ثلاثة لا يُكلمهم اللهُ يوم القيامة، ولا ينظرُ إليهم، ولا يُزكيهم، ولهم عذاب أليم))، قال أبو ذرٍّ: من هم يا رسول الله، خابوا وخسِروا؟ قال: ((المسبلُ، والمنانُ، والمُنفقُ سلعتَه بالحَلِف الكاذب))، وعلى كل حالٍ فإن المسألة خطيرة جدًّا، والناس ابتُلوا بها، نسأل الله لهم الهداية؛ ا.هـ.

 

مبادرة نساء الصحابة إلى الصدقة مع ضيق الحال:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهِدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد، فصلَّى وخطب، ثم أتى النساء فوعَظهنَّ وأمرهنَّ بالصَّدقة، فرأيتُهنَّ يَهوين إلى آذانهنَّ وحُلوقهنَّ يَدفَعنَ إلى بلال؛ [متفق عليه].

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي مبادرة تلك النسوة إلى الصدقة بما يَعزُّ عليهنَّ مِن حُلِيِّهِنَّ، مع ضيق الحال في ذلك الوقت - دلالةٌ على رفيع مقامهنَّ في الدين، وحِرصهنَّ على امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضِي الله عنهنَّ.

 

لقد بادَرْنَ رضي الله عنهنَّ إلى الإنفاق في سبيل الله مع ضيق الحال، وبعض نساء المسلمين - هداهن الله - ممن يَملكنَ الأموال الكثيرة، يُنفقْنَها في كماليات، ويصل الحال ببعضهنَّ إلى إنفاق تلك الأموال إسرافًا وتبذيرًا، فاللهم وفِّقهنَّ إلى إنفاق تلك الأموال في طاعتك ورضاك.

 

وضع كعب بن مالك شَطْرًا مِن دَينه على ابن أبي حَدْرَد رضي الله عنهما:

عن عبدالله بن كعب أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد دَينًا كان له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فارتفعتْ أصواتهما حتى سمِعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرَج إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ونادى، فقال: ((يا كعبُ))، فقال: لبَّيك يا رسول الله، فأشار إليه أن ضَعِ الشطر مِن دَينك، قال كعب: قد فعلتُ يا رسول الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قُمْ فاقْضِه))؛ [متفق عليه]؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: (لقد فعلتُ): مبالغةٌ في امتثال الأمر.

 

ولو أخذ كثير من المسلمين بما فعل كعب بن مالك رضي الله عنه، وأسقطوا بعض حقوقهم على الآخرين، لتلاشى وجودُ كثيرٍ من الخصومات في المحاكم والشُّرَط.

 

امتثالهم للأمر وعدم السؤال هل الأمر للوجوب أو الندب؟

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: لَمَّا بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثَت زينب في فداء أبي العاص بمال فيه قِلادةٌ لها، كانت خديجة أدخلتْها بها على أبي العاص، فلمَّا رآها النبي صلى الله عليه وسلم، رقَّ لها رقةً شديدة، وقال: ((إن رأيتُم أن تُطلقوا لها أسيرَها، وتردُّوا عليها الذي لها))، قالوا: نعم؛ [أخرجه أبو داود].

 

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في تعليقه على صحيح مسلم عند شرحه لأحاديث "تحريم أكل لحم الحُمر الإنسية": لا ينبغي للإنسان إذا سمِع أمر الله ورسوله أن يقول: هل هذا للإيجاب أو للاستحباب؟ بل يفعَل ولا يتردَّد، وإذا فعَل فنقول: فِعلُه هذا طاعةٌ لله ورسوله، نعم لو أن الإنسان وقع في المخالفة، وسأل: أواجب ذلك أم لا؟ من أجل أن يُجدِّد التوبة إذا كان واجبًا، فهذا له وجهٌ، أما أن يسمع الأمر، ثم يقول: هل هو للاستحباب أو للإيجاب؟ فهذا غلطٌ، بل إذا أُمرتَ فافعَل، وقال رحمه الله في تعليقه على صحيح البخاري "كتاب تفسير القرآن": هنا إشكال، وهو أن بعض الناس إذا قلت له: افعَل هذا، قد أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: أهو واجب؟! فنقول: سبحان الله! وهل لا تفعله إلا إذا كان واجبًا؟! أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم به، فافعَل، وأحيانًا نقول له: هذا نهى عنه الرسول عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا تفعله، ثم يُجادلك: أحرام هو؟ ولهذا نقول: إذا نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فاترُكْه؛ ا. هـ.

 

فينبغي للمؤمن أن يعوِّد نفسَه على امتثال أمر الرسول، وترك نهيه، ومن فعَل زادتْ محبَّتُه للرسول صلى الله عليه وسلم، ونال الثواب من الله الكريم، وزاد إيمانُه، وكان ممن تأسَّى بالصحابة رضي الله عنهم، اللهم وفِّقنا للاقتداء بصحابة رسولك عليه الصلاة والسلام.

 

التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life