عناصر الخطبة
1/ دوام الحال من المحال 2/ الحياة بين الضيق والفرج 3/ كيف تعامل الأنبياء والصالحون مع الابتلاءات؟ 4/ أهمية التفاؤل وحسن الظن في الله تعالى.
اهداف الخطبة

اقتباس

إذا دهمتك مصائب الحياة, وضاقت عليك الأرض بما رحبت, فتذكر أن لك ربًّا يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء, وتذكر أن بعد الشدة فرجاً.. إذا وقع بك يومًا البلاء, وضاق بفُسحة العيش الفضاء, فتذكر أنك لست أولَ من عانى مثلَه, وقد ابتلي قبلك أقوام فزال البلاء.. وذهبت الشدة وجاء الفرج...

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي لا يُسأل عما يفعل، فلا تيأسْ من رحمته ولا تَعْجَل، فسبحانه من أَقبَل بجوده وبِرِّه على من رجع إليه وأقبل، ورأى زَلَّةَ المسيء وجُنْحُ الظلام مُسبِل.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, له الملك, وله الحمد وهو على كل شيء قدير, شهادةَ عبدٍ خضع لهيبته وتذلل.

 

يا من عليه مدى الأيام معتمدي*** إليك وجهت وجهي لا إلى أحد

أنت المجيب لمن يدعوك يا أملي*** يا عُدتي يا شفائي ويا سندي

يا مالك الملك يا معطي الجزيل لمن***يرجو نَداه بلا حصر ولا عدد

ما لي سواك وما لي غير بابك يا**مولاي فامح بعفوك ما جنته يدي

 

وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله.

كل القلوب إلى الحبيب تميل *** ومعي بهذا شاهد ودليل

أما الدليل إذا ذكرت محمداً *** صارت دموعُ العارفين تسيل

هذا رسول الله نبراس الهدى*** هذا لكلّ العالمين رسول

صلى عليك الله يا علم الهدى*** ما حن مشتاق وسار دليل

 

فاللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته واقتدى بهديه واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين, ونحن معهم يا أرحم الراحمين.

 

أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18].

 

يا أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.. حياة الإنسان في هذه الدنيا بين مد وجزر, تَضيق وتُفرج, يفرح ويحزن, ينشغل ويفرغ.. وبعد الشِدَّة فرج.

 

لا تبقى هذه الحياة على حال, (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد: 4], وما ضاقت إلا فُرجت (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح: 5- 6], ولن يغلب عسر يسرين.. وبعد الشِدَّة فرج.

 

إذا دهمتك مصائب الحياة, وضاقت عليك الأرض بما رحبت, فتذكر أن لك ربًّا يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء, (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [النمل: 62].. وتذكر أن بعد الشدة فرجًا.

 

إذا وقع بك يومًا البلاء, وضاق بفُسحة العيش الفضاء, فتذكر أنك لست أولَ من عانى مثلَه, وقد ابتلي قبلك أقوام فزال البلاء.. وذهبت الشدة وجاء الفرج.

 

هذا يوسف -عليه السلام-, أُلقي في غيابة الجب, وبيع بثمن بخس دراهم معدودة, ثم اتهم في عرضه, وسجن ظلمًا, ضيق بعد ضيق, وشدة بعد شدة, لكن العاقبة: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 21]... فاعلم أن بعد الشدة فرج.

 

وهذا يعقوب -عليه الصلاة والسلام-, يُخطف منه أحب أولاده إليه, وآثرهم لديه, ثم يتبعه ابنه الثاني بعد سنين, فعَمي من كثرة البكاء والحزن على فقد ولديه، (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) [يوسف: 84], وبعد سنوات من الشدة والبلاء يعود له الولدان, (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [يوسف: 96].

 

وهذا يونس -عليه السلام- يُلقى من السفينة, إلى بحر متلاطم الأمواج, فالتقمه الحوت, ففتح عينيه, فإذا هو حيٌّ في ظلمة بطن الحوت, في ظلمة البحر, في ظلمة الليل, ظلمة وسط ظلمة وسط ظلمة (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: 87], قال الله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء: 88].

 

وهذا أيوب -عليه السلام- يطول به البلاء, وتنتشر في جسده الأمراض والأدواء, ويطول به الأمر حتى هجره الناس, وهجره أخيرًا أهله وزوجه, هجروه وتركوه, (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأنبياء: 89] قال الله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) [الأنبياء: 90].

 

وهذا زكريا -عليه السلام-, طال عيشه ولم يرزق بالولد, كبر سنه, ورَقَّ عظمه, وهَزُل لحمه, واشتعل رأسه شيبًا, لكنه ما فتئ يدعو ربه, (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 38].. نعم.. لقد علموا أن بعد الشدة فرج.

 

وهذا نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يهاجَم من كفار قريش وصناديدها, ويُتهم في عقله, يشاع أنه ساحر.. كاهن.. مجنون.. يصلي عند الكعبة فتلقى على عنقه الأوساخ والقاذورات, ثم يخرج من مكة طريدًا, فيتبعه الكفار ويقاتلونه في عدة معارك, يشج رأسه, وتُكسر رَباعيته, وفي النهاية يدخل مكة فاتحًا متواضعًا, فيعفو عن كفار قريش, ويقول لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء, وبعد الشدة يكون الفرج.

 

وكم لله من لطف خفيٍ *** يدق خفاه عن فهم الذكي

وكم من يُسر أتى من بعد عُسر *** وفرَّجَ لوعةَ القلب الشجي

وكم من هم تساء به صباحاً *** فتَعقُبُه المسرة بالعشي

إذا ضاقت بك الأسباب يوماً *** فثق بالواحد الأحد العلي

 

أيها المسلمون.. تقول العرب "دوام الحال من المحال", ويقولون: "اصبر تنل", ويقولون: "كل هم إلى فرج".

 

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى *** ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

 

إذا أُصبت بمصيبة, أو نَزَلَت بك نازلة, فتذكر أن أصعب ما في المصيبة أولُها.. ثم تهون.. وتذكر أن وقت الشدة سيزول ويذهب, وأن الصبر عند الصدمة الأولى.

 

حكوا أن ملكًا من ملوك الهند طلب من وزير له أن ينقش على خاتم له جملة, إذا قرأها وهو حزين فرح, واذا قرأها وهو سعيد حزن, فنقش الوزير: "هذا الوقت سوف يمضي"!

 

دع الأيام تفعل ما تشاء *** وطب نفسا إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي *** فما لحوادث الدنيا بقاء

 

بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما سمعتم, وأستغفر الله تعالى لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على النبي الأمين, أما بعد:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

يا أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.. إذا طرقت أحدَنا مصيبة أو بلية فليحسن الظن بالله, روى المنذري وصححه الشيخ الألباني من حديث واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "قال اللهُ جَلَّ وعَلا: أنا عندَ ظَنِّ عَبدي بي، إنْ ظَنَّ خيرًا فَلهُ, وإنْ ظَنَّ شَرًّا فَلهُ".

 

قَالَ بعض الصَّالِحين: "اسْتعْمِل فِي كل بلية تطرقك حسن الظَّن بِاللَّه عز وَجل فِي كشفها، فَإِن ذَلِك أقربُ بك إِلى الْفرج".

 

أحسن الظن بالله, وناجه وناده:

إن كان لا يرجوك إلاّ محسن *** فبمن يلوذ ويستجير المجرمُ!؟

ما لي إليك وسيلة إلا الرَّجا *** وجميلُ عفوك ثم إني مسلمُ

 

ذكر التنوخي في كتابه (الفرج بعد الشدة) عن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ قَالَ: لما حُبستُ الحبسة الْمَشْهُورَة، أُدخلت السجْن، فأُنزلت على أنَاس فِي قيد وَاحِد، وَمَكَان ضيق، لَا يجد الرجل إِلَّا مَوضِع مَجْلِسه، وَفِيه يَأْكُلُون، وَفِيه يَتَغَوَّطُونَ، وَفِيه يُصلُّونَ.

 

قَالَ: فجيء بِرَجُل من أهل الْبَحْرين، فَأدْخل علينا، فَلم نجد مَكَانًا، فَجعلُوا يتبرمون بِهِ، فَقَالَ: اصْبِرُوا، فَإِنَّمَا هِيَ اللَّيْلَة.

 

فَلَمَّا دخل اللَّيْل، قَامَ يُصَلِّي، فَقَالَ: يَا رب، مَننتَ عَليّ بِدينِك، وعلمتني كتابك، ثمَّ سلطت عَليّ شَرّ خلقك، يَا رب، اللَّيْلَة، اللَّيْلَة، لَا أُصبح فِيهِ.

 

فَمَا أصبحنا حَتَّى ضُرِبت أَبْوَاب السجْن: أَيْن البحراني، أَيْن البحراني؟ فَقَالَ كل منا: مَا دعِي السَّاعَة، إِلَّا ليقْتل، فإذا هو قد خُلِّي سَبيلُه.

 

فجَاء، فَقَامَ على بَاب السجْن، فَسلَّم علينا، وَقَالَ: أطِيعُوا الله لَا يضيعكم.

(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [النمل: 62].

 

طاعة الله والتوبة إليه ودعاؤه.. من أعظم ما يُحَصَّلُ به الفرج بعد الشدة.. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ نبيَّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو بهذه الكلمات عِندَ الكربِ: "لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ العرشِ العظيمِ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السماواتِ وربُّ الأرض رب العرشِ الكريمِ".

 

روى ابن أبي الدنيا قال: أُتي زياد برجل فأمر به ليُقتَل, فلما أحس الرجل بالموت قال: ائذنوا لي أتوضأ وأصلي ركعتين فأموتُ على توبة, لعلي أنجو من عذاب الله, فقال زياد: دعوه فليتوضأ وليُصلِّ ما بدا له, قال: فتوضأ وصلى كأحسن ما يكون, فلما قضى صلاته أتي به ليُقتل, فقال له زياد: هل استقبلت التوبة؟ قال: أي, والذي لا إله غيره, فخلى سبيله.

 

أيها المسلمون.. ما ضاقت إلا انفرجت..

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فُرِجَت وكنتُ أظنها لا تفرجُ

 

اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

عباد الله.. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

 

 

المرفقات
الفرج بعد الشدة1.doc
التعليقات
اشرف
02-08-2018

الله يبارك فيك خطبة رائعة تفرج النفوس وتزيل الغموم وتزيد من صبر الصابرين علي البلاء

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life