العشر وتدارك الشهر

الشيخ د علي بن عبدالعزيز بن علي الشبل

2024-03-25 - 1445/09/15
التصنيفات: رمضان الصوم
عناصر الخطبة
1/انتصاف شهر رمضان 2/الثبات على الطاعة والحذر من الملل 3/اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر 4/اعتكاف العشر الأواخر 5/قيام ليلة القدر 6/ خير الدعاء وأفضله.

اقتباس

وأقبلت عليكم -يا عباد الله- عشر ليالٍ مباركات، هي أفضل ليالي العام على الإطلاق؛ لاشتمالها على ليلةٍ شريفةٍ فاضلة، هي ليلة القدر التي مَن قامها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، هذه العشر كان لنبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فيها عملٌ وأيّ عمل...

الخطبةُ الأولَى:

 

إن الحَمْدُ للهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إقرارًا به وتوحيدًا.

 

وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله بعثه الله -عَزَّ وَجَلَّ- بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ، وعلى آله، وأصحابه، ومن سلف من إخوانه من المرسلين، وسار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد، أيها الناس: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من دينكم الإسلام بالعروة الوثقى، فإن أجسادنا على النار لا تقوى. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

أَيُّهَا المؤمنون: هذا رمضان بدت أيامه ولياله بالتصرم والانقضاء، فمضى أكثر من نصفه، وبقي أقل من نصفه، وبقي فيه العشر المباركات، التي أقبلت عليكم، ألا فاحذروا -عباد الله- من الملل، فإن مِن الناس مَن تقوى نفسه يومًا ويومين ثم تضعف بعد ذلك، فيدب إليها الملل، وهذا ما حذره منا نبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، فقال كما جاء في الصحيحين عنه: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا"؛ كم كان جهدكم ونشاطكم وهمتكم في أول الشهر، ثم بعد ذلك تضاعفت وتضعضعت.

 

 وأقبلت عليكم -يا عباد الله- عشر ليالٍ مباركات، هي أفضل ليالي العام على الإطلاق؛ لاشتمالها على ليلةٍ شريفةٍ فاضلة، هي ليلة القدر التي مَن قامها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، هذه العشر كان لنبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فيها عملٌ وأيّ عمل، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه.

 

ففي الصحيحين من حديث عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها قالت: "كان إذا دخل العشر –أي العشر الأخير من رمضان- أحيا النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- ليله، وأيقظ أهله، وشدّ مئزره"؛ أحيا ليله، بِمَ يا تُرى؟ بالقيام والقنوت لله -عَزَّ وَجَلَّ-، فلم تكتحل عيناه بنوم، وأيقظ أهله فلم يجعلهم ينامون في العشر ما كانوا ينامون في غيرها.

 

وشد مئزره وهو كنايةٌ عن أمرين؛ شد مئزره من نشاطه واجتهاده الزائد في العشر في العبادة ما لم يجتهده في غيرها، والمعنى الثاني: شد مئزره فلم يقرب أهله، ولم يحل إزاره على أهله في الجماع، فهو -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلام- يعتكفها في المسجد، والاعتكاف في المسجد من مبطلاته الجماع؛ كما قال الله -جَلَّ وَعَلا-: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)[البقرة: 187].

 

 فأروا اللهَ من أنفسكم -يا عباد الله- خيرًا، واجتهدوا، وابذلوا، فما هي إلا أيامٌ وليالي ما أسرع ما تمضي وتنقضي، فيا سعد من أودع له فيها عملاً صالحاً يُسرُّ به يوم لقاء ربه، ويا خيبة من كان ضد ذلك.

 

 نفعني الله وَإِيَّاكُمْ بالقرآن العظيم، وما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

الحَمْدُ للهِ عَلَى إحسانه، والشكر له عَلَى توفيقه وامتنانه، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إعظامًا لشانه، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الداعي إِلَى رضوانه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ومن سلف من إخوانه، وسار عَلَى نهجهم، واقتفى أثرهم، واتبعهم وأحبهم وذبَّ عنهم إِلَى يوم رضوانه، وَسَلّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مزيدًا.

 

أَمَّا بَعْدُ: عباد الله: إن هذه العشر المباركات أقبلت عليكم وما أسرع ما تنقضي منكم، والناسُ فيها ما بين فائزٍ وخاسر، ما بين محرومٍ حرم نفسه فيها الأجر والعمل، وما بين كاسبٍ فيها في تجارته وربحه مع ربه.

 

 كان نبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- إذا دخل العشر اعتكفها، فكان إذا صلى الفجر في فجر يوم الحادي والعشرين دخل معتكفه -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، والاعتكاف -يا عباد الله- لزوم مسجدٍ طاعةً لله، فحقيقته الخلوة بالله -عَزَّ وَجَلَّ-، تستمح ربك من ذنوبك وتفريطك وإسرافك، وتخلو بربك ترجوه وتخشاه، وتعظمه وتعبده.

 

 ومن فضائل العشر –يا عباد الله- أن فيها هذه الليلة الشريفة التي أخفاها الله -عَزَّ وَجَلَّ- عنا؛ لنجتهد في العشر كلها في العبادة، فمن قام العشر كلها إيمانًا واحتسابًا أدرك لا محالة هذه الليلة الشريفة التي عبادتها وقيامها خيرٌ من عبادة ألف شهر.

 

ولا يغرنكم -يا عباد الله- ما ينتشر عند بعض المعبرين للأحلام، وعند بعض الناس من تعيين ليلةٍ بعينها في هذه السنة أن تكون هي ليلة القدر، لا تكون قبلها ولا بعدها، فإن هؤلاء خلفاء وأعوان لإخوانهم من الشياطين، ليصرفوكم ويحجبوكم عن هذه الليلة، قوموها جميعًا أوتارها وأشفاعها، فإن من قامها جميعًا مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة.

 

وابتهلوا فيها إلى ربكم بحوائجكم، وسلوه تفريج همومكم ومغفرة ذنوبكم، والدعاء لآبائكم وأمهاتكم وإخوانكم المسلمين، فإنه يؤمن عليكم فيها في الدعاء ملك يقول لك: آمين ولك بمثل.

 

ولقد سألت أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- عن خير الدعاء وأفضله؛ فقالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن أنا وافقتُ ليلة القدر فما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعفُ عنا".

 

ثم اعلموا -عباد الله- أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وشر الأمورِ محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم عباد الله بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، ولا يأكل الذئب إلا من الغنم القاصية.

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آلِ محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللهم وارضَ عن الأربعةِ الخلفاء، وعن العشرةِ وأصحابِ الشجرة، وعن المُهاجرين والأنصار، وعن التابعِ لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

 

 اللهم عزًا تُعز به أولياءك، وذلاً تذل به أعداءك، اللهم أبرم لهذه الأمةِ أمرًا رشدًا يُعز به أهل طاعتك، وبُهدى بهِ أهل معصيتك، ويؤمر فيهِ بالمعروف، ويُنهى فيهِ عن المنكر يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم آمنا والمُسلمين في أوطاننا، اللهم أصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا والمُسلمين فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم من ضرنا وضر المؤمنين فضره، ومن مكر بنا فامكر به، ومن كاد علينا فكِد عليهِ يا خير الماكرين، يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم من أراد بلادنا أو أراد أمننا أو أراد ولاتنا وعلماءنا وأراد شعبنا بسوء اللهم فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيرهُ تدميرًا عليه، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائِلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نُغتال وأنت ولينا، اللهم تقبَّل صيامنا وصلاتنا وركوعنا وسجودنا.

 

اللهم تقبَّل منا الصيام يا رب العالمين، اللهم كن للمُستضعفين من المُسلمين في كل مكان، كن لنا ولهم وليًا ونصيرًا وظهيرًا يا ذا الجلالِ والإكرام، اللهم ارحم المُسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

 

اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم لقاك يا ذا الجلالِ والإكرام، اللهم إنا نسألك الهدى والتُقى، والعفاف والغنى، ونسألك عزًا للإسلام وأهله وذلاً للكفر وأهلهِ يا ذا الجلال والإكرام.

 

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المُرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life