العشر الأول من ذي الحجة .. فضائل وأسرار

عادل عبدالله هندي

2022-10-06 - 1444/03/10
التصنيفات: مقالات في الوعي

اقتباس

يقول ابن رجب الحنبلي: «لما كان الله سبحانه قد وضع في نفوس عباده المؤمنين حنينًا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادرًا على مشاهدته كل عام، فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركًا بين السائرين والقاعدين».

 

 

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سَيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد:

 

فها هي نفحات الله تترى على أمتنا بين الحين والآخر؛ إننا في أيام نفحات طيبة كريمة، أيام الحجّ، أيّام المغفرة والعتق من النار، هنيئًا لمن تعرّض لنفحات الله تعالى.

 

إنّ مِن رّحمـة الله تعالى بعباده أن يسّر لهم سُبُل الطاعة والعبادة؛ فهيّأ الزمان -بين حين وآخر- للعبادة والطاعة، فنجد رمضان ونفحاته ورحماته المنزّلَة، وشهر ذي الحَجّة الأغرّ الأكرم، ونفحات الكرم والمغفرة والعتق من النيران؛ وما كان هذا إلا تيسيرًا على عباد الله، وتسهيلاً للطاعة، وتهيأةً للجوّ من أجل تنسّم عبيـر البركة والرحمة. لا سيما وأنّ النفس البشرية تحتاج من حين لأخر إلى من يذكّرها ويعينها على طاعة الله، وليس هناك أفضل من معين من حضور أيام الخير والبركة والفضل والكرم.

 

وها نحن أَيّها الأحبّة الأكارم:

نلتقي مع أفضل أيام الله تعالى في العام، فإذا كان ربنا قد فضّل ليلة القدر على غيرها من الليالي، وفضّل شهر رمضان على غيره من الشهور، وفضّل يوم الجمعة على غيره من الأيام، فإنّ أيّام العشر الأوائل من ذي الحِجّة هي أفضل الأيام بنص القرآن والسُّنّة.

 

نلتقي مستحضرين حديث النبيّ -صلى الإله عليه وسلّم- حيث يقول: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ»...

 

فأهلا ومرحبا بك يا شهر الحجّ والبركات..

أهلا ومرحبا بك يا «عرفات» الله؛ حيث تدمع العيون، وترقّ الأفئدة..

أهلا ومرحبًا بمنظر الحجيج وهم يطوفُون ويلبّون: لبيك اللهم لبيك...

أهلاً ومرحبًا بختام عام هجري وبداية عامٍ جديد...

أهلا ومرحبًا بأفضل أيام الدنيا على الإطلاق.... والمسلم ينبغي أن يكون مقدِّرًا لشرَف الزمان والمكان... فالزمان شريف، والمؤمن بإيمانه يحرص على إقامة الطاعة فيها، واستغلالها استغلالاً.

 

عناصر الموضوع:

أولا: لماذا نهتمّ بالعشر الأول من ذي الحجة.

ثانيا: أعمـال العَشْـر الصالِحـة.

ثالثًا: الأضحية وما يتعلّق بها من أحْكام وفوائد.

 

أولا: لماذا نهتمّ بالعشر الأُول من ذي الحِجّة؟

لقـد خصَّ الله -سبحانه وتعالى- بعض الأمكنة والأزمنة بفضائل ومزايا، حيث ضاعف فيها الأجر والثواب، ومن هذه الأزمنة التي خصَّها الله بفضائل العشر الأول من ذي الحجة، فقد جعل الشرع الأعمال الصالحة فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله، فعلى العبد أن يكثر فيها من الأعمـال الصّالحة، كالصّلاة والزّكاة والصوم والصدقة وغيرها؛ حتى ينال الأجر الكبير، والجزاء الوفير من الله العلي الكبير.

 

ولذا ففرض علينا أن نهتمّ بالعشر الأوائل من ذي الحِجّـة، ومن أسباب الاهتمام بها ما يأتي:

أولاً: لأنّ الله شرّفها وكرّمها، فأقسم بها في أوّل سورة الفجر ( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) [الفجر: 1، 2].

 

ثانيًا: لأنّه اجتمع فيها أمهات العبادات والفضائل. (من صلاة وصيام وزكاة وحجّ.....). قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره".

 

ثالثًا: لأنّها أقرب فرصة للعبد في القرْب من الله تعالى، وذكره واللجوء إليه، قال تعالى: ( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ) [البقرة: 203]، وقال أيضًا: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ) [الحج: 27، 28]. فالأيّام المعدودات هي العشر الأُول من ذي الحِجّة.

 

رابعًا: لأنها آخر موسم من مواسم العام الهجري (فبماذا ستختم عامَك في هذه الأيام). وقد اجتمع لهذه الأيام شرف الزمان والمكان معًا، وشرف الطاعة المالية والبدنية والروحية معًا.

 

خامسًا: لأنّ فيها يوْم (عرفة)، وهو يساوي في النقاء والطهارة عامين كامِلين كما ثبت في الحديث. «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ».

 

سادسًا: لأنّ العمل فيها يساوي ثواب المجاهدين في سبيل الله تعالى.

 

سابعًا: لأنها أيام أكمل الله فيها الدين وأتمّ فيها النعمة على عباده، قال الله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [المائدة: 3]. وقد نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع من العام العاشر الهجري.

 

ثامنًا: لأنّها أيام تعبّد نبيّ الله موسى فيها لربّه وتحنّث، قال تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) [الأعراف: 142]. قال ابن كثير: «قيل: إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاص قوم موسى من فرعون وإنجائهم من البحر». فحريّ بنا أن نستفيد ونغتنم هذه الأيام الصالحة، وأن نتبع هدي النبي -صلى الله عليه وسلّم فيها-.

 

ثانيًا: أعمال العشْر الصّالحة

ومع قدر هذه الأيّـام وشرفِها فلا بد أن يكون المسلم على قدرها من الاهتمام والتصرّف، ولقد تفضّل نبينا بالتأكيد على أهمية العمل الصالح فيها، والدليل على ذلك ما ثبت عند البخاري مرفوعًا: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». وحتى لا يقل أحد أنا محروم من زيارة بيت الله الحرام، فقد جعل الله الأيام العشر فرصة لغير الحجّاج أن يتعبّدوا ويتقربوا إلى الله تعالى.

 

يقول ابن رجب الحنبلي: «لما كان الله سبحانه قد وضع في نفوس عباده المؤمنين حنينًا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادرًا على مشاهدته كل عام، فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركًا بين السائرين والقاعدين».

 

ومن بين هذه الأعمال ما يأتي:

أولا: إعلان التوبة النصوح بين يدي الله تعالى في هذه الأيام: فإذا كانت التوبة مطلوبة في كل يوم وليلة؛ لا سيّما وأنّ الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل، فإن التوبة مطلوبة بالأحْرَى في هذه الأيام الكريمات المبارَكات، فمما يتأكد في هذا العشر التوبة إلى الله تعالى والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب. والتوبة هي الرجوع إلى الله تعالى وترك ما يكرهه الله ظاهراً وباطناً ندماً على ما مضى، وتركا في الحال، وعزماً على ألا يعود والاستقامة على الحقّ بفعل ما يحبّه الله تعالى. والواجب على المسلم إذا تلبس بمعصية أن يبادر إلى التوبة حالاً بدون تمهل لأنه لا يدري في أي لحظة يموت، ولأنّ السيئات تجر أخواتها. يقول الله تعالى: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [النور: 31].

 

ثانيًا: الصوم: وفيه حديث حفصة بنت عمر رضي الله عنها في مسند الإمام أحمد قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع صيام عاشوراء وعشر ذي الحجة وثلاثة أيام من كل شهر" لا سيّما صيام يوم عرفة؛ لأنّ يوم عرفة يوم يعتق الله فيه رقابًا من النّار، وهو يوم دعاء ولجوء ومغفرة من الرحيم الرحمن، يوم يدنو الله فيه من عباده، يوم يباهي فيه الله بعباده، فاستنقذ نفسك فيه! قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ». وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ». وفي الحديث الصحيح كما عند البخاري: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».

 

ثالثًا: الذكر والتكبير والتهليل والتحميد: يقول الله تعالى: «وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ»، وفي الحديث -كما عند الإمام أحمد في مسنده، والحديث صحيح، وفيه -يقول النبي الحبيب صلى الله عليه وسلّم: «ما منْ أيامٍ أعظم عند الله ولا أحَبُّ إليه العمل فيهنَّ منْ هذه الأيام العَشْر، فأكثروا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحميد». وقد ورد أنّ سعيد بن جبير ومجاهدًا وعبد الرحمن بن أبي ليلى كانا يدخلان السوق في أيام العشر فيكبِّران فيكبر السوق بتكبيرهما، وأن عبد الله بن عمر وأبا هريرة كانا يدخلان السوق فيكبّران لا يدخلان إلا لذلك.

 

رابعًا: نية ذبح الأضحية، ويعد من الأعمال الصالحة: العزم على فعل الأضحية مع الالتزام بسنن وهدي الذبح، فمما وجَّـه إليه الإسلام من آداب في هذه العشر أن من عزم على أن يضحي كره له حلق شيء من شعره أو تقليم أظافره لما روى مسلم عن أم سلمة أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره».

 

خامسًا: الإكثار من الصدقات المادية والمعنوية: لما فيها من التقرّب إلى الله تعالى وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه عن طريق البذل والعطاء والإحسان للآخرين، قال تعالى: ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) [سورة الحديد: 11]. ولما يترتب على ذلك من تأكيد الروابط الاجتماعية في المجتمع المسلم من خلال تفقّد أحوال الفقراء والمساكين واليتامى والمُحتاجين وسد حاجتهم، لا سيّما وأنّ موسم العيد فيه يحتاج الفقراء للطعام والملبس الجديد، وفي ذلك درْس في الإحساس وبث المشاعر الطيبة. ثُمّ لأنّ في الصّدَقة أجراً عظيماً وإن كانت معنويةً وغير مادية؛ فقد ورد في الحديث الصحيح كما عند البخاري: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ»، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ»...

 

سادسًا: الإكثار من الأعمال الصَّالحة عمومًا: لأنّ العملَ الصَّالح محبوب إلى الله تعالى وهذا يستلزم عِظَم ثوابه عند الله تعالى. فمن لم يمكنه الحجّ فعليه أن يعمر هذه الأوقات الفاضلة بطاعة الله تعالى من الصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء والصدقة وبر الوالدين وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من طرق الخير وسُبُل الطاعة.

 

وهذه مجموعة من الأعمال الصالحة العامّة والخاصّة: قراءة القرآن وتعلمه - والاستغفار - وبر الوالدين - وصلة الأرحام والأقارب - وإفشاء السلام وإطعام الطعام - والإصلاح بين الناس - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وحفظ اللسان والفرج - والإحسان إلى الجيران - وإكرام الضيف - والإنفاق في سبيل الله - وإماطة الأذى عن الطريق - والنفقة على الزوجة والعيال - وكفالة الأيتام - وزيارة المرضى - وقضاء حوائج الإخوان - والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم - وعدم إيذاء المسلمين - والرفق بالرعية - وصلة أصدقاء الوالدين - والدعاء للإخوان بظهر الغيب - وأداء الأمانات والوفاء بالعهد - والبر بالخالة والخالـ وإغاثة الملهوف - وغض البصر عن محارم الله - وإسباغ الوضوء - والدعاء بين الآذان والإقامة - وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة - والذهاب إلى المساجد والمحافظة على صلاة الجماعة - والمحافظة على السنن الراتبة - والحرص على صلاة العيد في المصلى - وذكر الله عقب الصلوات - والحرص على الكسب الحلال - وإدخال السرور على المسلمين - والشفقة بالضعفاء - واصطناع المعروف والدلالة على الخير - وسلامة الصدر وترك الشحناء - وتعليم الأولاد والبنات - والتعاون مع المسلمين فيما فيه خير.

 

ثالثًا: الأضحية.. وما يتعلّق بها من أحكام وفوائد

يُعَدُّ ذبح الأضاحي من العبادات المشروعة التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى في يوم النحر أو خلال أيام التشريق، عندما يذبح القُربان من الغنم أو البقر أو الإبل، ثم يأكل من أُضحيته ويُهدي ويتصدق، وفي ذلك كثيرٌ من معاني البذل والتضحية والفداء، والاقتداء بهدي النبُوّة المُبارَك.

 

وهي سنة أبينا إبراهيم عليه السلام، واقتدى به نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام-، ولا شكّ أنّ في ذبح الأضاحي وإراقة الدماء يوم العيد من الفوائد التربوية والنفسية والاجتماعية ما فيه.

 

فحين يُقبل المسلم على ذبح الأضحية يتذكّر الآتي:

1- يتذَكَّر نبيّ الله إبراهيم وقد أوشك على ذبح ولده؛ وكان الهدف نحر أي محبة في قلب نبي الله إبراهيم إلا محبة الله تعالى، لا سيّما وقد ملأ حب ولده شغاف قلبه.

 

2- يتذكّر أنّ الله أذِن بإراقة دماء الأضاحي والبهائم والشياه، بينما عظّم وحرّم إراقة دماء البشر، وجعل هدم الكعبة حجرًا حجرًأ أهون عنده من إراقة دماء المسلمين.

 

3- يتذكّر الفقراء والمحتاجين، ويتعلّم العطاء لله تعالى، وانتظار المثوبة منه على البذل والتضحية.

 

4- يتذكّر صلة الرحم والأقارب وهو يعطيهم من لحم الأضحية؛ دعوةً للتواصل بين الأهل والأحباب.

 

5- يتذكّر تلك الأسرة الربانية المجاهدة المتوكّلة الصابرة المحتسبة صاحبة اليقين في ربّها، وهي أسرة نبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، نتعلّم منها ونستفيد كل معاني التجرد والتضحية والثبات والتوكل واليقين في الله تعالى.

 

6- أن يتذكّر أن الأضحية فيها خير له ولأهله، قال تعالى: ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) [الحج: 36].

 

ما يتعلّق بالأضحية من أحكام:

الأضحية شرعاً: ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام النحر تقرباً إلى الله تعالى، والأضحية من أفضل أعمال العيد.

 

يقول الله تعالى في كتابه مشرّعًأ وآمرًا نبيه: ? فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ? [الكوثر: 2].

 

وأما السنة فقد ثبت في الصحيحين أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ضحَّى بكبشين أقرنين، فهي مشروعة بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع أهل العلم.

 

حكمة مشروعيتها:

وقد شرعت لحكم عظيمة، منها التأسي بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، والفرح بالعيد، والتوسعة على الناس فيه، ومشابهة الحجيج في بعض مناسكهم. والصحيح أنها سنة مؤكدة، وليس في الباب حديث صريح يدل على وجوبها.

 

ومن بين الأحكام المتعلقة بالأضاحي ما يأتي:

أولا: استحضار النية لله تعالى، وأنّ الذبح إنما هو لإرضاء الله وشكر نعمته لا غير، قال تعالى: ( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ) [الحج: 37].

 

ثانيًا: من نوى الأضحية فعليه من أول ذي الحجة أن يمتنع عن الأخذ من شعره وأظافره، ويستحب أن يعيش أهل البيت جميعًأ هذه الروح الكريمة؛ من مشاركة الحجاج والإحساس بروح التلبية والتوحيد والطاعة لله رب العالمين، ففي الحديث الصحيح عند مسلم: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا».

 

ثالثًا: أن يختار الأضحية من أكفء أنواع الذبائح، من حيث اللحم والسّنّ والمال الطيب الطاهر.

 

رابعًا: إراحة الذبيحة عند الذبح، وهذا مما يبين عظمة الإسلام مقارنة بإنسان الغرب الذي قام يعذّب الذبيحة قبل ذبحها، فأنت كمسلم لا تري الذبيحة الشفرة أو السكين، إشفاقًا عليها، وتريحها قبل أن تذبحها بإطعامها وما شابه، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». [رواه مسلم في صحيحه].

 

أيها المسلمون:

• هيا فلنحيا هذه الأيام بروح المجاهدين والعابدين..

• نحياها بروح الحجّاج المتبتلين الأوابين القائمين الذاكرين الله كثيرًا..

• نحيا العشر بهمّة الصالحين المصلحين العاشقين لتوبة من الله ورحمة منه عزّ وجلّ...

• نحيا هذه الأيام وكلنا أمل في الله تعالى بأن يفرّج الكرب عنا وعن بلادِنا وأن يحفظنا والمسلمين جميعًا من كل سوء وبلاء...

• هيا فلنعشها لله، ونحيا فيها لله، لا نتحرّك حركة إلا ونحن نوقن بأنها ترضي الله تعالى، ولا نتكلّم بكلمة ولا نسمع شيئا ولا ننظر إلى شيء إلا ونحن -على يقين- بأن فيها مرضاة ربنا وخالقنا سبحانه!!!

 

نسألُ الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه...

اللهم أصلِح ذوات بيننا، وأعِد أيام العشر على أمتنا كلها بالخير واليُمن والبركات...

اللهم تقبّل منا صالح أعمالنا، واختم لنا بالصالحات...

اللهم احفظ مصرنا من كل سوء وبلاء، واصرف عنها سوء المعيشة وشرّ الغلاء...

اللهم أعِد إلينا كرامتنا، ويسّر أمورنا، واحفظ أعراضنا، وحقق أمانينا، وثبت إيماننا....

اللهم أذِقْنا حلاوة الإيمان بك والقرب منك...

اللهم انصر المسلمين المستضعفين في كل مكان، وعليك باليهود الغاصبين المتجبرين، اقذف الرعب في قلوبهم وقلوب من والاهم وأيّدهم وعاونهم.

اللهم تقبّل من حجّاج بيتك الحرام.. وارزقنا قريبًا برحمتك زيارة بيتك واقبلنا وتقبّلنا يا أرحم الراحمين...

اللهم آمين.

 

 

 

التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life