الطيب والخبيث

حسين بن حمزة حسين

2024-02-15 - 1445/08/05
عناصر الخطبة
1/منابع الطيب والطيبات 2/لا يوصف بأكمل الطيب إلا الله 3/الطيب من البشر والأعمال والأقوال 5/التحذير من الخبث الذي يضاد الطيب 5/الحث على التزام الطيبات 6/مآل الطيبين ومآل الخبيثين

اقتباس

فالطِّيب صفةُ كمال وجمال وجلال من صفات الله -جلّ جلاله-، فهو المنزّه عن النقائص، المقدّس من الآفات والعيوب، فأطْهر الطّيب وأطيبُه وأكملُه بجمالِه وجلالِه وحُسنه الكاملُ على الإطلاق لا يوصف به إلا الله -عز وجل-، فالله -تعالى- طيّب في ذاته...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إخوة الإيمان: الطيّب والخبيث، كلمتان متضادتان، فالطّيّب ضدُّ الخبيث وخلافه، قال -تعالى-: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[المائدة: 100]، فالطّيّب كلّ ما تحبه النفوس السّليمة وترتاح إليه، والخبيث ضدّه وهو كلّ ما تستقبحه النفوس السليمة وتَنفُر منه، وهو أشدّ من الباطل بل نهايته.

 

إخوة الإيمان: سأسرد لكم -بإذن الله- شيئاً من منابع الطّيب لتستزيدوا منها، وبعض منابع الخُبث لتحذروا الوقوع بها، فأقول مستعينا بالله -تعالى- راجياً من الله العون والتوفيق.  

 

أطيب الطيّبات وأصلها وأشرفُها وأعلاها غذاءُ القلوب والأرواح، الايمان بالله -عز وجل-، فنؤمن أنه -تعالى- هو الربّ خالق كل شيء لا إله إلا هو، الإله الحق ذو الألوهية والعبودية على خلقه، المتفرّد بأسمائه وصفاته وعظمته؛ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الشورى: 11]؛ فتتوجّه إليه النفوس بالتوحيد، فلا يُعبد سواه، ولا يُساوى به غيره، ولا يُشرك بعبادته معه أحد كائناً من كان، لا مَلَكٌ مقرب ولا نبي مرسل ولا وثن ولا شجر ولا أحد من الآحاد.

 

وضد ذلك أخبث الخُبث، الكفر بالله -عز وجل-، وهو إنكار حقّ الله -عز وجل- بالألوهية أو الربوبية أو جحدُ شيء من كمال أسمائه وصفاته، أو تكذيبُ أنبيائه ورسله أو اتخاذُ شركاء مع الله -تعالى- بالعبادة، فذلك أظلمُ الظلم والعدوان، خبث في صاحبه حتى يتركه، قال -تعالى-: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان: 13]، قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)[إبراهيم: 24 - 26].

 

أطْيبُ الكلام وأطْهره كلامُ الله -عز وجل-، المدوّن بالمصحف الشريف، القرآن العظيم، عظموه تطيب نفوسكم في الدنيا والآخرة، فهو أعظم منابع الطيب، أكثروا من تلاوته وتدبّر آياته والعمل به والتحاكم إليه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، صِدْق في أخباره، عدل في أحكامه، حَكَمٌ حكيمٌ في شرعه، فهو نبعُ الطّيب، موعظةُ القلوب وشفاءُ الصدور، وهو الهدى والنور والرحمة.

 

احذروا أخبث الكلام الكذب على الله -عز وجل-، والكذب على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والكذب على الناس بالإفساد بينهم بنشر الشائعات والغيبة والنميمة والشتم واللعان وبذاءة اللسان -نسأل الله السلامة-

 

إخوة الايمان: وصفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اللَه -عز وجل- بأنه طيّب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنّ اللهَ طيّبٌ لا يقبل الا طيّبا"، فالطِّيب صفةُ كمال وجمال وجلال من صفات الله -جلّ جلاله-،  فهو المنزّه عن النقائص، المقدّس من الآفات والعيوب،  فأطْهر الطّيب وأطيبُه وأكملُه بجمالِه وجلالِه وحُسنه الكاملُ على الإطلاق لا يوصف به إلا الله -عز وجل-، فالله -تعالى- طيّب في ذاته، طيّب في صفاته، طيّب في أفعاله، طيب في حُكمه وأقداره،  يقول ابن القيم -رحمه الله-: "فالطّيِّب لا يقبل ولا يليق به إلا الطِّيب".

 

وأطيب خلق الله الأنبياء والرّسل -عليهم الصلاة والسلام-، وأطيبهم أولو العزم منهم، وأطيبهم أطيب الخلق وسيدهم أجمعين، رسولنا محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وسلم-، فهو المثل الأعلى لمراقي الطّيب، بل هو أصل ونبع الطّيب المطيّب بكل فضيلةٍ، والمنزهُ عن كل رذيلة، وطابَ من طيبِه أطيب أمة على وجه الأرض، أهل السنة والجماعة الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين -جعلنا الله منهم-، قال -تعالى-: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الأعراف: 157].

 

أخبث خلق الله الطواغيت الذين يدّعون الربوبية أو الألوهية لأنفسهم أو لغيرهم، كفرعون والسحرة والكهان والمشعوذين، أخبثهم إبليس الشيطان الأكبر -أعاذنا الله منه ومن أعوانه-؛ وذلك لتجاوزه الحد في الكفر والطغيان، ومن أعوانه هذا الزمان الذين يدعون للمناهج الكفرية من إلحاد وعلمانية وشيوعية ووحدة الأديان، الذين يدعون للمذاهب الفكرية من قومية عصبية ورافضة صفويّة أنجس المذاهب، وصوفية قبورية، وكثير من المذاهب التي تدعي الإسلام والإسلام منها بريء، قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[البقرة: 257]، قال العلماء: كل من تعاون مع إبليس الخبيث، وكان من جنده في الإغواء وتحبيذ المنكر ونشر الفساد والخبث، وسعى في الصدّ عن سبيل الله، ودعا لتحكيم غير شرع الله؛ فهو شيطان خبيث، خلْقٌ حازوا الخُبث، فجمعوا الشرّ ظاهره وباطنه أوّله وآخره، ودعوا إليه.

 

عباد الله: أطيب الأعمال عبادة الله -عز وجل-، وأعظم العبادة إفراد الله -تعالى- بالتوحيد وتصفيتها من الشرك، وأحبّ الطاعات ما تقرّ به القلوب، وتَأْنس به النفوس، وتطهُر به الأبدان، الصلوات المكتوبة، قال -تعالى-: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45]، ثم ما أمر الله -تعالى- به من أركان الإسلام الفرائض والواجبات، ثم النوافل والمستحبات وسائر الطاعات.

 

أخبث الأعمال الكبائر والفواحش من الذنوب والآثام، وهو كل ذنب توعّد الله فاعله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، كالشرك، والسحر، وقتل النفس المعصومة بغير حق، وعقوق الوالدين، والربا، وأكل مال اليتيم، والظّلْم والعدوان، وأم الخبائث المخدرات والمسكرات، والزنا أقذر الفواحش، ذنب ساعة يهدم عمُر، اسألوا أبناء الدّور اللقطاء عن خُبث الزنا، لا أب ولا أم، ولا أخ ولا أخت، ولا عائلة ولا نسب، قال -تعالى-: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)[النور: 26].

 

 

الخطبة الثانية:

 

إخوة الإيمان: كثُرة الخبَث أذانٌ بنزول العذاب وهلاك الأمم، قيل: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟!"، قال -تعالى-: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)[آل عمران: 179].

 

فعليكم بمنابع الطّيب أعظمها: معرفة الله -عز وجل- والإيمان به، وملازمة كتابه وهدي نبيه -صلى الله عليه وسلم-، حافظوا على هذه الصلوات المكتوبة كما أمر الله بها، قدّموها على أمور دنياكم تفلحوا في الدنيا والآخرة.

 

عليكم بالطيّب الحلال من المأكولات والمشروبات والملبوسات والزوجات والأصدقاء والأصحاب تهنؤوا في دنياكم وأخراكم، عليكم بصمام الأمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لتنشروا منابع الطّيب، وتجففوا منابع الشر والخبث، يقول ابن القيم -رحمه الله-: "حرّم الله الجنة على من كان في قلبه نجاسةً وخبث، فلا يدخلها إلا بعد طِيبه وطُهره، فالجنة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شيء من الخبث".

 

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن المؤمنَ تحضرهُ الملائكةُ، فإذا كانَ الرجلُ الصالحُ قالوا: اخرجِي أيّتُها النفسُ الطيّبةُ كانت في الجسدِ الطيّبِ، اخرجي حميدةً وأبشري بروحٍ وريحانٍ وربٍّ غيرِ غضبانٍ، فلا يزال يُقَالُ لها حتى تخرجَ فيُعْرَجُ بها حتى ينتهي بها إلى السماءِ، فيُستفتحُ لها فيقالُ: من هذا؟ فيقالُ: فلانُ ابن فلانٍ، فيقال: مَرْحَبا بالنفسِ الطيبةِ كانت في الجسدِ الطيبِ، ادخلي حَمِيدَةً وأبْشِري بروحٍ وريحانٍ وربٍّ غيرِ غضبانٍ، فلا يزالُ يقال لها، فيقالُ لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماءِ التي فيها اللهُ -عز وجل-، وإذا كانَ الرجلُ السُّوءُ قال: اخرجِي أيتها النفسُ الخبيثَةُ كانت في الجسدِ الخبيثِ، اخرجي ذَميمةً وأبشِري بحميمٍ وغسّاقٍ وآخرُ من شَكْلهِ أزْواجٌ، فلا يزالُ يقالُ لها ذلكَ حتى تخرجَ فينتهي بها إلى السماءِ فيقال: من هذا؟ فيقال: فلانُ ابن فلانٍ، فيقال: لا مرحبا بالنفسِ الخبيثةِ كانت في الجسدِ الخبيثِ، ارجعي ذميمةً؛ فإنه لا تُفتحُ لك أبوابُ السماءِ، فتُرْسَل إلى الأرضِ ثم تصير إلى القبرِ"(صححه الألباني).

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life