الشيشان .. الحرب المنسية

أدمن قديم

2022-10-04 - 1444/03/08
التصنيفات:

 

 

ظلت منطقة القوقاز مسرحًا للعديد من الحروب منذ القرن الثامن عشر، وذلك لعدة أسباب، أهمها هو احتوائها على العديد من الآبار النفطية التي يسيل لها لعاب الإمبراطوريات، والسبب الآخر هو أنها تقع في فضاء ما بين إمبراطوريات عدة، مثل الإمبراطوريات الروسية والعثمانية والصفوية. فقد كانت منطقة القوقاز خاضعة للسيطرة العثمانية قبل أن يغزوها الروس في عام 1722، في حين كانت أذربيجان تحت سيطرة الدولة الصفوية الإيرانية، ودافع العثمانيون عن الشيشان عندما قاد الإمام منصور حربًا ضد الغزو الروسي من سنة 1780م حتى سنة 1791م ثم أكمل المسيرة الإمام غازي مولا محمد والذي قاد حرباً ضدهم من سنة 1824م وحتى سنة 1832م.

ومنذ ذلك الحين اندلعت العديد من الحروب المتفرقة بين الروس والقوقاز، حتى انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وأعلن القائد الشيشاني الشهير جوهر دوداييف استقلال الشيشان، مما أشعل الحرب الضارية بين الروس والشيشان من 1994 حتى 1997. ثم عادت الحرب وتجددت سنة 1999.

ولكن اليوم دخلت الحرب في الشيشان في حالة من السبات العميق بعد أن وقعت في مسار دوامة من الظروف الإقليمية والخارجية أدت إلى الإطاحة بها خارج نطاق الاهتمامات العالمية والإسلامية؛ فبعد أن غزت أمريكا أفغانستان عام 2001 ومن بعدها العراق عام 2003، انصب كل الاهتمام الإسلامي على هاتين البقعتين المهمتين من العالم الإسلامي، بل إن قضية فلسطين ذاتها توارت عن الأنظار مقارنة بقضية العراق، خصوصاً بعد أن حدث الانشقاق الداخلي بين حركتي فتح وحماس ووقعت القضية الفلسطينية هي الأخرى في براثن الشقاق.

أما الشيشان، تلك المنطقة ذات الأغلبية المسلمة السنية التي تطالب بالانفصال عن روسيا، فقد وقعت في دوامة عصيبة من تقاطع المصالح الغربية الروسية، فطفت على السطح قضايا أكثر أهمية بالنسبة للعالم الغربي، منها الغزو الروسي لجورجيا وقضية البرنامج النووي الإيراني وما تلاه من تصاعد الحديث عن الدرع الصاروخي، وهو ما أدخل منطقة روسيا والقوقاز ومعها إيران ضمن لعبة أكبر من الحرب على الشيشان، وهي لعبة المساومة الأمريكية الروسية على الدرع الصاروخي وعقد صفقة تقتضي بإطلاق يد روسيا في القوقاز وجورجيا مقابل عدم تطوير روسيا لمنظومة الصواريخ الإيرانية وعدم مد يد العون لها في برنامجها النووي، وكذلك عدم دعمها في مجلس الأمن.

وقع الشيشان إذن في دوامة من لعبة المصالح الروسية الغربية، أدت إلى أن غض الغرب الطرف عن الشيشان وما يحدث فيه من انتهاكات يومية لحقوق الإنسان، بل دخلت وسائل الإعلام الغربية في حالة من التعتيم الإعلامي على أخبار الشيشان ولم تعد أخبارها تسيل لعاب صانعي السياسة الغربية، بعد أن ضحوا بها وبحقوق الإنسان من أجل عقد صفقات أمنية واقتصادية مع روسيا، ذلك البلد الذي تعتمد عليه دول الاتحاد الأوروبي في ضخ الغاز إليه، بالإضافة إلى دخوله في لعبة التوازنات السياسية بعد الغزو الأمريكي للعراق، وانتعاشته الاقتصادية بعد أن ارتفعت أسعار النفط في الفترة الأخيرة ونعمت روسيا بفوائضه المالية التي انتشلته من عثرته الاقتصادية.

موقف العالم الإسلامي:

أصبحت الحرب في الشيشان منسية بعد أن انشغل العرب بأنفسهم في العراق وفلسطين وأفغانستان والصومال والسودان، وكلها مناطق تماس تدخل في لب الأمن القومي العربي؛ حيث إن العراق هي البوابة الشرقية أمام المد الشيعي الصفوي، والصومال هي البوابة الجنوبية ومدخل مضيق باب المندب الاستراتيجي وأصبحت مسرحًا لعمليات القرصنة هددت الأمن القومي المصري وأدت إلى خفض إيرادات قناة السويس، كما أن فلسطين هي قلب الأمة العربية ومسرح الصراع مع الصهاينة، أما أفغانستان فذات أهمية استراتيجية لأنها بوابة العبور إلى كل من باكستان وإيران، ووضعت فيها الولايات المتحدة أقدامها الثقيلة، لتكون بجانب البرنامجين النووين الباكستاني والإيراني، كما أنها على أهبة الاستعداد للتدخل في باكستان في حال وقوع السلطة هناك في أيدي الإسلاميين.

أما الدول الإسلامية غير العربية القريبة من الشيشان ـ مثل إيران وتركيا ـ فشبكة مصالحها تمنعها من التدخل في تلك المشكلة التي تعد خطًا أحمر لدى روسيا؛ فإيران لها مصالح متشابكة مع الدب الروسي ولا تتحمل أن تثير حنقه في قضية الشيشان، فضلاً عن أن الشيشان هم أهل سنة وإيران تعتبر أن في مصلحتها العليا ألاَّ تقوم حركات سنية في أي منطقة من العالم وبخاصة بجوارها؛ فقد كانت إيران من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط حركة طالبان في شرقها، كما صرح بذلك علي أبطحي، كما أنه ليس من المصلحة الإيرانية أن تنفصل الشيشان عن روسيا وتُنشأ دولة سنية في القوقاز على حدودها الشمالية، ولذلك فإن إيران تتعامى تمامًا عن المشكلة الشيشانية وكأنها غير موجودة، اللهم إلا إذا أثبت الشيشانيون تقدمًا عسكريًا، فحينئذ فقط يمكن أن تفكر إيران جديًا في التدخل، ولكن من أجل قمعهم بالشراكة مع روسيا.

كما أن تركيا والتي أثبتت في الفترة الأخيرة أنها واحدة من أكبر الداعمين للقضايا العربية والإسلامية، بعد أن تدخلت في قضية فلسطين وتوسطت في محادثات السلام الإسرائيلية السورية، وكذلك تحدثت بلهجة حادة ضد الصين عندما قاموا بقمع الإيجور المسلمين، بالإضافة إلى الموقف الشجاع لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان في دافوس ضد الرئيس "الإسرائيلي" شيمون بيريز، إلا أن شبكة المصالح التركية الروسية هي الأخرى تمنع أحفاد العثمانيين من التحدث في تلك المشكلة الشائكة الآن، خاصة أن الشيشان كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية التي كانت في صدام مع الدب الروسي على مصادر النفط وعلى الوصول الاستراتيجي إلى البحر الأسود ومضيق البسفور ومن ثم الولوج إلى البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى العلاقة التركية الشائكة بينها وبين الأرمن بسبب إرث الدولة العثمانية، وكل تلك الأسباب تجعل تركيا تغلق شفتيها أمام القضية الشيشانية التي من الممكن أن تسبب لها مشكلات استراتيجية واقتصادية جمة في حال تدخلها.

أهمية الشيشان النفطية:

تحتل الشيشان أهمية استراتيجية للدب الروسي وذلك أنها تحتوي على مخزون كبير من النفط، لذلك لا تتحمل روسيا أن تترك تلك البقعة الغالية عليها، والتي تتميز بقرب النفط من سطح الأرض وبالتالي تنخفض تكلفة استخراجه، لدرجة أن أولى حالات اكتشاف النفط كانت عندما لاحظ الرحالة وجود بقع سوداء غريبة تخرج من تحت الأرض في كثير من مناطق الشيشان، والتي كان يستخدمها القروين في المنطقة على أنها زيوت للتشحيم وللإضاءة. وفي أواخر القرن التاسع عشر وبعد غزو روسيا للشيشان، تم استخراج كميات ضئيلة من النفط بجهود بسيطة، وتم تدشين أول بئر نفطي في عام 1893 في شمال جروزني .

وقبل صعود السوفيت إلى السلطة تم تطوير الحقول النفطية في الشيشان على يد البلجيك والبريطانيين والروس والشيشان ومؤسسة أزيري. وبعد قيام الثورة البلشفية بتأميمها، استغرق الأمر خمس عشرة سنة لاستعادة حجم الإنتاج إلى المستويات التي كانت عليه في أوائل القرن التاسع عشر، ومع بداية الحرب العالمية الثانية، كانت الشيشان وأنجوشيتيا تنتجان ما يقرب من 4 ملايين طن من خام النفط عالي الجودة سنويًا، وهي ما أسال لعاب هتلر في سعيه للسيطرة على احتياطات نفط جروزني والعاصمة الأذرية باكو.

وقد وصلت مصافي النفط في جروزني إلى ذروتها عام 1971 عندما قامت مصافيها الثلاثة بمعالجة 21.3 مليون طن من النفط الخام (أكثر من 7% من إجمالي إنتاج النفط الروسي)، بما في ذلك قطاعات من حقول نفط باكو بالإضافة إلى الإنتاج المحلي. ولكن بعد تحديث مصافي النفط في باكو وبناء منشآت نفطية جديدة في الاتحاد السوفيتي، بدأ إنتاج مصافي النفط الشيشاني في التدهور، وبحلول عام 1980 تقلص إنتاج النفط في الشيشان وأنجوشيتيا إلى 7.4 مليون طن، وبحلول عام 1985 وصل إلى 5.3 مليون طن، وهذا التقليص أدى أيضًا إلى الموجة الأولى من الهجرة الجماعية من العرق الروسي، والذين تركوا الشيشان ليستوطنوا في مناطق إنتاج النفط الجديدة مثل يورينجوي وتيومين.

ولكن أثناء حكم الاتحاد السوفيتي أصبحت الشيشان مكانًا للبنية التحتية النفطية عالية التطوير، وقام السوفيت ببناء 45 منشأة نفطية، ومؤسسة تعليمية على المستوى الجامعي متخصصة في دراسات النفط، ومركز أبحاث وتطوير وثلاثة مصافي قامت بتوظيف عشرات الآلاف من الأشخاص، بما في ذلك العديد من العمالة عالية التدريب، من كل ذلك نستنتج الأهمية الاستراتيجية الكبرى للشيشان في صناعة النفط الروسية، لذا ظلت الشيشان مسرحًا للعمليات العسكرية والأمنية لروسيا التي ترفض التخلي عنها بسهولة مثلما تخلت عن العديد من الدول السوفيتية السابقة التي انفصلت مع تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991.

مرحلة جديدة من الحرب:

واليوم تدخل الشيشان مرحلة جديدة من الحرب، هذه المرة من أجل طمس الهوية الإسلامية للشيشان، فبعد أن دانت لروسيا السيطرة على الشيشان قامت بإجراء العديد من الإجراءات الشكلية من أجل تأكيد ضمها إلى الاتحاد الفيدرالي الروسي، وقامت روسيا بإجراء انتخابات مؤخرًا اشتركت فيها أحزاب روسية وشيوعية ولم تشترك فيها أية أحزاب تمثل الشعب الشيشاني، هذا في ظل الرئيس التابع لموسكو رمضان قاديروف، وجرت انتخابات بلدية في الأحد الماضي 11 أكتوبر، وشارك فيها أحزاب روسيا الموحدة والشيوعي وروسيا العادلة والليبرالي الديمقراطي، في غياب تام للممثلين الحقيقيين للشعب الشيشاني.

أما الأخطر من تلك الانتخابات فهو المحاولات المستميتة من جانب الروس لطمس الهوية الإسلامية للشعب الشيشاني؛ حيث قامت روسيا مؤخرًا بجلب العديد من الفنانين لإحياء الحفلات الغنائية، كان آخرها ذلك الحفل الذي أقامته المغنية اللبنانية ميريام فارس، حيث أحيت حفلاً بمناسبة العيد الوطني الشيشاني وعيد الصداقة الشيشانية الروسية. فطبقًا لموقع إيلاف حظيت "ميريام خلال الرحلة باستقبال حافل من قبل الرئيس الشيشاني "رمضان قاديروف" حيث تم نقلها عبر طائرة خاصة يرافقها فريق عملها وتمت استضافتهم جميعًا في القصر الرئاسي والتقطت ميريام الصور التذكارية مع أنجاله وهم يرتدون الزي الوطني الشيشاني. في اليوم التالي قامت ميريام بافتتاح أكبر دار أزياء في الشيشان وكان من بين الحضور مصمم الأزياء العالمي روبرتو كا فاللي وإلى جانبه مصمم الأزياء الشيشاني الشهير فلافا زيتفيف وبعد انتهاء العرض رغب الرئيس الشيشاني بتكريم ضيوفه، فأقام احتفالية خاصة أحيتها مجموعة من الفنانات الشيشانيات، فقمن بأداء أغنية "غمرني" للفنانة ميريام فارس" .

تدخل المسلمين الأفراد عندما تعجز الحكومات:

في الوقت الذي تخلى فيه المسلمون عن دعم الشيشان، تسعى الدول الأخرى لاستغلال قضية الشيشان من أجل تحقيق مصالحها القومية العليا، مثل جورجيا التي تخوض حربًا مع الدب الروسي، واتهمتها روسيا بدعمها لتنظيم القاعدة؛ حيث صرح رئيس جهاز الأمن الاتحادي إلكسندر بورتنيكوف إن تسجيلات صوتية لمن وصفهم بمتشددين تثبت "أنهم أقاموا بالاشتراك مع القاعدة علاقة بممثلين للأجهزة السرية الجورجية"، وأوضح أن تبليسي ساعدت في تدريب ونقل "إرهابيين" من جورجيا إلى جنوب روسيا المضطرب وبشكل أساسي جمهورية الشيشان. وأضاف أنه "طبقا للوثائق الواردة من أجهزة إنفاذ القوانين جرى إحباط أنشطة لخمسة متشددين تدربوا على الهجمات الانتحارية". كما أعلن أن شخصا اعتقل في موسكو كان يخطط "لهجوم إرهابي" في عطلة عامة في 5 سبتمبر/أيلول الماضي قرب الكرملين بالعاصمة. واتهم المسؤول الروسي جورجيا أيضا بالضلوع في تسليم أسلحة ومتفجرات وموارد مالية لمساعدة الأنشطة "التخريبية" في داغستان خاصة تدمير خطوط أنابيب النفط والغاز.

من تلك الحادثة نستنتج أن الأفراد تحركوا كالعادة عندما عجزت الحكومات، وذلك بأن قام تنظيم القاعدة بالتواصل مع الدولة الجورجية المعادية لروسيا والموالية للغرب من أجل إيجاد سبل لتواصل الجهاد في القوقاز، تلك الدولة التي تستحق أن تعقد انتخابات لتقرير المصير وليس انتخابات محلية وبلدية لتكريس الاحتلال الروسي للشيشان، فالسيطرة الروسية تعني المزيد من القمع وطمس الهوية وتجفيف منابع الدين الإسلامي هناك، والذي يعتبره الروس "أصل الشرور" ومحرك الجهاد والذي يلهم الشيشان بمشاعر الانفصال عن روسيا صنم الشيوعية في العالم، وتعني السيطرة الروسية أيضًا المزيد من محاولات طمس الهوية الإسلامية عن طريق التحكم في مناهج التعليم وعقد العديد من الحفلات وعروض الأزياء لبنات الشيشان المسلمات.

فإذا أرادت الدول العربية والإسلامية أن تنأى بأنفسها عن الصراع في الشيشان طبقًا لمصالحها الاستراتيجية، فليس أقل من أن تحافظ تلك الدول على الهوية الإسلامية لذلك الشعب المقاتل، والذي خاض حروبًا ضارية فقط من أجل الحفاظ على هويته الإسلامية، وهو ما يمثل عمقًا استراتيجيًا للعالمين العربي والإسلامي في منطقة القوقاز، وليس أقل من الضغط على الدب الروسي من أجل إيصال المساعدات الإنسانية وفتح المراكز الإسلامية هناك، وهذا حق أصيل لشعب مسلم يبغي الحفاظ على دينه وعلى هويته الإسلامية، حتى لو كان ذلك في إطار الدولة الروسية الفيدرالية، وهذا هو أقل القليل الذي ينبغي على الحكومات الإسلامية فعله.. انتظارًا لذلك اليوم الذي يأتي فيه قائد مسلم يكون عونًا ومددًا للشعب الشيشاني، ويتخذ مواقف جريئة لنصرة المستضعفين في القوقاز، وربما نرى هذا اليوم قريبًا على يد الأجيال الجديدة من "العثمانيين الجدد" في تركيا.

• باحث في العلوم السياسيَّة.

المصدر: قاوم

 

 

 

التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life