أوّاب إبراهيم
ملتقى الخطباء: غادر الشيخ أحمد الأسير مسجده بلال بن رباح تاركاً وراءه فراغاً كبيراً في الساحة اللبنانية. فالأسير –اتفقنا معه او اختلفنا- شكل ظاهرة إسلامية إعلامية سياسية أمنية، لم تقتصر أصداؤها على لبنان، بل تعدّته إلى أصقاع الأرض، فكرّس نفسه الشخصية الإسلامية الأبرز في لبنان خلال السنتين الماضيتين، منطلقاً من إمامة مسجد في عبرا، ليصل إلى فكرة إطلاق قناة فضائية.
لم يكن الشيخ أحمد الأسير معصوماً، فهو ارتكب أخطاء كثيرة في مسيرته القصيرة نسبياً، ووقع في زلاّت أكثر، لكن ذلك لاينفي الإنجازات الكثيرة التي حققها، ونجاحه بأن يكون صوت شريحة واسعة من المسلمين في لبنان، وجدوا فيه ضالتهم. فهو كان يتحدث جهارة بما كانوا يهمسون به في الغرف المغلقة، وكان حديثه بسيطاً واضحاً مباشراً صادماً، وفي أحيان كثيرة وقحاً، أو على الأقل بجرأة لم يعهدها اللبنانيون، الذين رضخوا لسقوف وخطوط حمراء رسمتها بعض القوى لرموزها وقادتها، ومنحتها القدسية والهالة، فكان الأسير سبّاقاً في الإطاحة بهذه القدسية وجريئاً بتسمية الأمور بمسمّياتها دون خضوع لأي سقوف، فشكل سابقة لحق به الآخرون بعد ذلك.
التأييد الذي لاقاه الأسير لم يكن فقط نتيجة جرأة خطابه، فهو تمتع بمواصفات القائد الذي كان ينتظره الكثيرون، من كاريزما وجاذبية وثقة بالنفس وشجاعة وثبات على الموقف وصل حد "العناد". فكان وزير الداخلية يضطر في مرات كثيرة لمقابلة الأسير لينقل إليه تمنيات رئيس الجمهورية بأن يوقف اعتصاماً أو يفضّ تظاهرة أو يلغي تحركاً "سلمياً". رغم هذا العناد، كان الأسير بين ناسه ومعهم دائماً. فهو قضى قرابة شهر "آكل شارب نايم" في الاعتصام الذي أعلنه عند دوار مكسر العبد بصيدا، يحلق شعره، يلهو على دراجة هوائية، يلعب كرة الماء أو كرة الطاولة، وفي مرات أخرى تلمحه مقرفصاً إلى جانب مؤيديه عند أحد دوارات صيدا يحمل لافتة تطالب بنزع سلاح "حزب إيران"، أو يتقدم مؤيديه الذين نزلوا إلى منطقة التعمير لإزالة صور ولافتات حزب الله.
التواضع الذي ميّز الشيخ الأسير لايعني أنه شخصية بسيطة. فالأداء الذي قدمه خلال الشهور الماضية أكد على قدرته عالية في اقتناص الفرص لاسيما إعلامياً. وهو نجح بتحركات بسيطة أن يتصدر المشهد الذي يتصدره الآخرون بصرف ملايين الدولارات، رغم الاتفاق الضمني الذي تمّ في المرحلة الأخيرة بين السلطة اللبنانية ووسائل الإعلام على تهميشه وإهمال تحركاته، ومنع وسائل الإعلام من تغطية الفعاليات التي كان ينظمها.
أحد محطات هذه البراعة حين اعترض الأهالي "المسنودين سياسياً" في عيون السيمان طريق الشيخ الأسير أثناء رحلة إلى الثلج بصحبة مئات من مناصريه وعوائلهم، فكشف عن الوجه البشع للعنصرية والفوقية والطائفية الذي يملأ قلوب شريحة من اللبنانيين الذين يحاولون الظهور بمظهر الانفتاح والحضارة، ليتبين أنها الأكثر تخلفاً وإثارة للاشمئزاز.
الشيخ الأسير، ومن خلال رفع شعار "شو وقفت عليي" أرغم السلطة اللبنانية على منحه مكتسبات وحصانة أمنية لم تحصل عليها قوى أخرى كثيرة. والصوت العالي الذي ميّز خطابه جعل الجميع يلتفتون إليه، فمنهم من انزعج منه، ومنهم من التفّ حوله ودعمه وسانده.
من المتوقع أن يغيب الشيخ أحمد الأسير عن المشهد في المرحلة القادمة، وسنفتقد مع هذا الغياب صوته العالي الجريء في المطالبة بتصحيح الوضع الأعوج القائم. تبقى الآمال معقودة على أن ماحصل في صيدا قبل أيام شكل هزّة لبعض القوى والمرجعيات التي تغطّ في سباتها، لتتحرك وتضرب يدها على الطاولة، وتهدد بقلب الطاولة كما كان يفعل الشيخ الأسير.
غاب الشيخ الأسير عن المشهد، في حين أن الأوضاع الشاذة التي كان يطالب بتغييرها مازالت مستمرة، وهي صارت أكثر عنجهية وغروراً وتكبّراً، بعدما شاركت –بشذوذها- بإزاحة الأسير عن المشهد.
الأداء الذي خطّه الشيخ الأسير في الجرأة والشجاعة يجب أن يتابعه الآخرون الذي دأبوا في المرحلة الماضية على تقليده والسير خلفه، عليهم الاستمرار بالصراخ والقول للخطأ أنه خطأ، لا أن يتم الاعتياد عليه والانصياع له، لكن الأهم أن عليهم كذلك الاتعاظ من الأخطاء التي وقع بها الأسير وتجنبها.
نهاية مؤسفة لظاهرة الشيخ الأسير، المؤسف أكثر أن تغيب الإيجابيات التي حملتها هذه الظاهرة بعد غياب صاحبها.
التعليقات