عناصر الخطبة
1/أهمية الحرية ومعناها 2/مظاهر الحرية في الإسلام 3/مفاهيم خاطئة في الحرية

اقتباس

إِنَّ الْحُرِّيَّةَ الْفِكْرِيَّةَ الَّتِي يُنَادِي بِهَا الْيَوْمَ بَعْضُ مُنْتَكِسِي الْفِطْرَةِ: أَنْ تَجْهَرَ بِشَتْمِ الْعَقِيدَةِ، وَأَنْ تَسْتَخِفَّ بِالدِّينِ، وَأَنْ تَعْمَلَ مَا تَشَاءُ، وَتَرْتَكِبَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ مَا يَحْلُو لَكَ، دُونَ مُرَاعَاةٍ لِتَعَالِيمِ الدِّينِ وَلَا لِآدَابِ الْمُجْتَمَعِ...

الْخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ لِيَضْمَنَ الْحُرِّيَّةَ لِلْإِنْسَانِ؛ حَيْثُ إِنَّهَا إِحْدَى مُقَوِّمَاتِ الشَّخْصِيَّةِ، وَهِيَ أَسَاسٌ لِأَيِّ مُجْتَمَعٍ إِنْسَانِيٍّ، وَلِذَلِكَ حَرَصَ الْإِسْلَامُ عَلَى تَحْصِيلِهَا وَتَهْذِيبِهَا وَتَقْوِيمِهَا، وَضَمِنَهَا لِلْمُسْلِمِ؛ حُرِّيَّةُ الْعَمَلِ وَالْمَأْوَى، وَالتَّمَلُّكِ وَالتَّعَلُّمِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْحُرِّيَّاتِ.

 

وَأَوَّلُ وَأَعْظَمُ وَأَرْقَى مَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ؛ هُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي هُوَ تَحْرِيرٌ لِلْإِنْسَانِ مِنْ قُيُودِ الْعُبُودِيَّةِ لِغَيْرِ اللهِ. الْحُرِّيَّةُ الصَّادِقَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالتَّذَلُّلِ للهِ وَالْعُبُودِيَّةِ لَهُ -جَلَّ فِي عُلَاهُ-؛ إِذْ فِي الْعُبُودِيَّةِ للهِ تَحَرُّرٌ مِنْ سُلْطَانِ الشَّهْوَةِ.

 

كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ كَفَلَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعِيشَ آمِنًا لَا يَعْتَدِي عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَمَنَعَهُ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى الْآخَرِينَ؛ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، أَعْطَاهُ الْحَقَّ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أُمُورِ نَفْسِهِ، وَحَمَّلَهُ مَسْئُولِيَّةَ هَذَا التَّصَرُّفِ؛ (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)[البقرة: 286].

 

وَأَعْطَاهُ حُرِّيَّةَ التَّفْكِيرِ فِي خَلْقِ اللهِ؛ (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..)[آل عمران: 190].

 

وَأَعْطَاهُ حَرِّيَّةَ الْحَرَكَةِ وَالسَّيْرِ فِي الْأَرْضِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِخَيْرَاتِهَا؛ (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ)[الملك: 15].

 

وَمِنَ الْحُرِّيَّاتِ الَّتِي مَنَحَهَا الْإِسْلَامُ لِلْإِنْسَانِ: مَنْحُهُ لَهُ مَشِيئَةَ الدُّخُولِ فِي الْإِيمَانِ مِنْ رَفْضِ ذَلِكَ؛ (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[الكهف:29]، وَمَنْ يَتَأَمَّلُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يَجِدُ أَنَّ التَّخْيِيرَ جَاءَ مِنْ قَبِيلِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ؛ إِذْ إِنَّ كُلَّ مَنْ وَهَبَهُ اللهُ أَدَوَاتِ التَّكْلِيفِ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِجَابَةُ لِدَعْوَةِ الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ دَفْعُ الْجِزْيَةِ، دُونَ التَّعَرُّضِ لِلْإِسْلَامِ وَأَتْبَاعِهِ؛ بِحَرْبٍ، أَوْ تَشْكِيكٍ، أَوْ مُضَاهَاةٍ لَهُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى دِينٍ غَيْرِهِ؛ مَعَ الِالْتِزَامِ بِحُدُودِ الْحُرِّيَّةِ وَضَوَابِطِهَا الشَّرْعِيَّةِ.

 

وَيُخْطِئُ مَنْ يَجْعَلُ الْحُرِّيَّةَ مَرْكَبًا يَسْتَبِيحُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ دُونَ ضَوَابِطَ؛ فَلَيْسَ مِنَ الْحُرِّيَّةِ أَنْ يُرْضِيَ الْإِنْسَانُ شَهْوَتَهُ عَلَى حِسَابِ آلَامِ الْآخَرِينَ، وَلَيْسَ مِنَ الْحُرِّيَّةِ أَنْ يُدْمِنَ الْمُسْكِرَاتِ، وَيَتْرُكَ وَرَاءَهُ ذُرِّيَّةً مُحَطَّمَةَ الْمَلَكَاتِ.

 

إِنَّ الْحُرِّيَّةَ الْفِكْرِيَّةَ الَّتِي يُنَادِي بِهَا الْيَوْمَ بَعْضُ مُنْتَكِسِي الْفِطْرَةِ: أَنْ تَجْهَرَ بِشَتْمِ الْعَقِيدَةِ، وَأَنْ تَسْتَخِفَّ بِالدِّينِ، وَأَنْ تَعْمَلَ مَا تَشَاءُ، وَتَرْتَكِبَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ مَا يَحْلُو لَكَ، دُونَ مُرَاعَاةٍ لِتَعَالِيمِ الدِّينِ وَلَا لِآدَابِ الْمُجْتَمَعِ.

 

وَلَا شَكَّ أَنَّ فَهْمَ الْحُرِّيَّةِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ سَيَسُوقُ الْمُجْتَمَعَ إِلَى الدَّمَارِ، وَيُعَرِّضُ ثَوَابِتَهُ لِلْخَرَابِ، وَأَيُّ تَمَاسُكٍ يَبْقَى فِي الْمُجْتَمَعِ وَكُلُّ فَرْدٍ فِيهِ يَعْمَلُ بِمَا يَرَى، وَلَوْ ضَرَّ ذَلِكَ الْآخَرِينَ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: الْعَارُ كُلُّ الْعَارِ أَنْ تُسْحَقَ الْمَبَادِئُ وَالْقِيَمُ بِاسْمِ الْحُرِّيَّةِ، وَالْعَارُ كُلُّ الْعَارِ أَنْ يُتَطَاوَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَلَى أَصْحَابِهِ الْأَمَاجِدِ وَعَلَى رُمُوزِ الْإِسْلَامِ تَحْتَ مُسَمَّى الْحُرِّيَّةِ.

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْإِسْلَامَ وَضَعَ الْإِطَارَ الْمَتِينَ الَّذِي يَحْمِي كَلِمَةَ الْحُرِّيَّةِ الْبَرَّاقَةِ مِنَ الِانْحِدَارِ إِلَى الْهَاوِيَةِ، وَحَدَّدَ مَعَالِمَهَا الصَّحِيحَةَ حَتَّى لَا تُسْتَغَلَّ هَذَا الِاسْتِغْلَالَ السَّيِّئَ فِي تَدْمِيرِ الْمُجْتَمَعَاتِ.

 

وَلَقَدْ ضَرَبَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَثَلًا مِنْ أَرْوَعِ الْأَمْثِلَةِ، يُبَيِّنُ الْحَدَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالْفَوْضَى، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ؛ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا؛ فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا؛ فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

فِي هَذَا الْمَثَلِ الرَّائِعِ يَتَبَيَّنُ الْمَوْقِفُ مِمَّنْ يُسِيئُونَ اسْتِعْمَالَ حُرِّيَّتِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ فِيمَا يُؤْذِي الْأُمَّةَ وَيَضُرُّ الْوَطَنَ، وَيُفْسِدُ الْأَمْرَ عَلَى النَّاسِ جَمِيعًا؛ فَدَائِرَةُ حُرِّيَّةِ الْفَرْدِ تَتَّسِعُ فِي نَظَرِ الْإِسْلَامِ، مَا دَامَ لَا يُؤْذِي بِهَذِهِ الْحُرِّيَّةِ نَفْسَهُ أَوْ مُجْتَمَعَهُ أَوْ دِينَهُ.

 

وَفِي الْخِتَامِ -أَيُّهَا الْأَخْيَارُ- كُلُّنَا نُؤْمِنُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ مَطْلَبٌ فِطْرِيٌّ إِنْسَانِيٌّ إِسْلَامِيٌّ عَقْلِيٌّ أَكَّدَتْهُ الْفِطْرَةُ، وَأَيَّدَتْهُ الْخِلْقَةُ، وَدَعَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ، لَكِنَّ الْعَاقِلَ يُدْرِكُ أَنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ تَظَلَّ تَحْتَ مَظَلَّةِ الْحُدُودِ الَّتِي وَضَعَهَا وَاهِبُهَا، وَهُوَ اللهُ -جَلَّ فِي عُلَاهُ-.

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، واخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ كَلِمَتَهُمْ.

 

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا وَوَالِدِينَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَالنَّارِ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ؛ حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

المرفقات
storage
storage
التعليقات
زائر
14-01-2023

الخطب ممتازه بس قصيره

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life