التحذير من الفساد وأهله

يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه

2022-10-11 - 1444/03/15
التصنيفات: قضايا اجتماعية
التصنيفات الفرعية: الأحداث العامة
عناصر الخطبة
1/على المسلم أن يحرص على كثرة ذكر الله تعالى 2/انتشار الفساد وكثرة الموبقات تنذر بالعقوبات 3/بعض صور الموبقات والفساد 4/فضيلة التجاوز عن المعسرين 5/معاناة أهل بيت المقدس والأسرى والمعتقلين

اقتباس

إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا، من حمل علينا السلاح فليس منا، لا تضربوا المسلمين، من لطَم خدَّ مسلم لطمةً بدَّد الله عظامه يوم القيامة، إذا التقى المسلمان فتصافحا، وذكرَا الله -تعالى- لم يفترِقَا حتى يغفر لهما...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ فالقِ الحَبِّ والنَّوَى، وخالقِ العبدِ وما نوَى، المطَّلِعِ على باطنِ القلبِ وما حوَى، قرَّب موسى وكلَّمَه بالوادي المقدَّس طُوى، وخاطبَه بقوله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)[طه: 13]، واصطفى نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وعرَج به إلى السماوات العُلَا؛ (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)[النَّجْمِ:18]، (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)[النَّجْمِ:4]، ونشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ، فطَر الخلائقَ بقدرته، ونشَر الرياحَ برحمته، فهو صاحبُ النِّعم والإحسان، والفضل والامتنان، وهو السلام، وداره دار السلام، التي مَنْ دخلَها أَمِنَ من البوار، وسَلِمَ من الدمار، وحَظِيَ بجوار العزيز الغفار، والنبي المختار، والصالحين الأخيار.

 

ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خُصَّ بالمقام المحمود، والحوض المورود، وأكرَمه المولى -تبارك وتعالى- بالكوثر؛ وهو نهر في الجنة، حافَّتاه من ذهَب وفضة، يجري على الياقوت والدُّرّ، ماؤه أشدُّ بياضًا من اللَّبن، وأحلى من العسل، وتربتُه أطيبُ من المسك، مَنْ شَرِبَ منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا، وأعطاه المولى -تبارك وتعالى- الأمةَ المرحومةَ، والدعوةَ المقبولةَ، كان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنما أنا رحمة مهداة"، وكان يقول: "أنا أول مَنْ تنشقُّ عنه الأرضُ يومَ القيامة، أنا أول مَنْ يقرع بابَ الجنة"، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِكْ عليه، وعلى آله الطيبينَ، الموفينَ بالعهود، وأصحابه خير الجنود، والتابعينَ ذوي الصدق والإيقان، والخير والمحبة والامتنان، وارضَ عنا معهم برحمتك يا ذا العفو والإحسان، ويا ذا الجلال والإكرام.

 

أما بعد، فيا عباد الله: أجزل الله في الآخرة أجركم، وأعلى في الدنيا مقامكم، ورفع فيهما ذكركم، وغفَر لكم يوم الحساب ذنبكم، وجعلنا وإياكم من أهل طاعته، فافتحوا قلوبكم معاشرَ المؤمنين لسماع ذِكره، وتدبَّروا في أمره؛ فإن الذكرى تنفع المؤمنين، مَنْ قال إذا أصبح وإذا أمسى: "باسم الله، وبالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اعتصمتُ بالله، وتوكلتُ على الله، حسبي الله، لا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم" وُقِيَ وكُفِيَ وشُفِيَ من الحَرَق والغَرَق والهدم وميتة السوء، "مَنْ أصبَح معافى في بدنه، آمِنًا في سربه، عندَه قوتُ يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا".

 

يا ابنَ آدمَ: يكفيكَ منها ما سدَّ جوعتك، ووارى عورتك، اللهم إنا نسألك نفسًا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك.

 

عباد الله: كل شيء إلى دورانٍ، وكل حي فانٍ، وإن الدار الآخرة لَهي الحيوان، ما أجمل لباس التقوى، ونحن في زمن انتشر فيه الفساد، حوادث الاعتداءات على النفوس البريئة، والقتل والسرقة، والربا والزنا والخنا، وأكل أموال الناس بالباطل، وأموال اليتامى ظلمًا، واحتكار السلع ورفع الأسعار، كلُّ ذلك مشاهَد اليومَ.

 

وتذكَّروا -يا عبادَ اللهِ- أن من علامات اقتراب الساعة نكاح الرجل الرجل، وللأسف أصبح مشروعًا ويُبارَك من بعض الناس والدول، ومَنْ يُشار إليهم، ونعني هنا زواج المثليين، ونكاح الرجل امرأته في دبرها حرام، ونكاح المرأة المرأة حرام، ليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا، حتى يتوبوا، ويرجعوا إلى الله، مَنْ زنا بامرأة فهو يُعذَّب مع ما يلقى في قبره من العقارب، ومَنْ ظلَم امرأةً أو أصاب منها حرامًا ملأ عينيه نارًا، ومَنْ رجَع عن شهادة أو كتمَها أطعَمَه اللهُ لحمَه على رؤوس الخلائق، مَنْ تولَّى خصومةَ قومٍ ظلَمةٍ، أو أعانهم عليها نزَل مَلَكُ الموت يُبشِّره بلعنة ونار خالدًا فيها وبئس المصير، ومن خفَّ لسلطان جائر في حاجة، فهو قرينُه في النار، ومَنْ دلَّ سلطانًا على جور قُرِنَ مع فرعون وهامان في النار والعياذ بالله، وكان هو وذلك السلطان من أشد الناس عذابًا، إذا ظهر السوء في الأرض أنزَل الله بأهل الأرض بأسَه، "ليأتينَّ زمانٌ لا يُبالي المرءُ فيما أخَذ المالَ، بحلال أم حرام، ويوشك أن تدخل المسجد -وأعني مسجد الجماعة- فلا نرى فيه رجلًا خاشعًا".

 

فيا أيها المسلم: عليكَ بما تعرف، ولا تتلوَّن في أمر الله، انظروا -أيها المؤمنون- في مجتمعنا اليوم، ورغم الإجراءات الظالمة إلا أننا نظلم أنفسنا، ونقع في المحرمات، ونحن في أمسِّ الحاجة للوحدة والتماسك، نظافة المجتمع من الرذائل والموبقات من أهم عوامل النصر والكرامة، فما الذي يحدُث اليومَ، مَنْ غشَّ مسلمًا في بيع أو شراء فليس منا، ومن بات وفي قلبه غش لأخيه المسلم بات وأصبح في سخط الله حتى يتوب ويرجع، التاجر الصدوق الأمين المسلم مع الشهداء يوم القيامة، يا معشر التجار، إن سوقكم هذه يُخالِطُها اللغوُ والحَلِفُ فشُوبُوها بالصدقة.

 

عبادَ اللهِ: حوسب رجلٌ ممَّن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير إلا أنه كان رجلًا يخالط الناس، وكان موسرا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، وقد ورد في الأثر، أن الله -تبارك وتعالى- قال للملائكة: "فنحن أحقُّ بذلك منه، فتجاوَزُوا عنه"، هكذا ينبغي أن تكون المعاملات في مجتمعنا، التسامح والتعاون والمحبة، وليس استغلال المحتاجين والمساكين، وبخاصة إذا طلبوا المساعدة منا، قال الإمام محمد بن واسع -رحمه الله تعالى-: "ما رَدَدْتُ أحدًا عن حاجة أقدر على قضائها، ولو كان فيها ذَهابُ مَالِي"، سبحان الله! ما أزهدَ كثيرٍ من الناس في فعل الخير، عجبتُ لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة، لا يرى نفسه للخير أهلًا، فلو أننا لا نرجو جنة، ولا نخشى نارًا، ولا ثوابًا ولا عقابًا، لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق، فإنها تدل على سبل النجاح والفلاح والصلاح.

 

عبادَ اللهِ: بعض الناس يسرقون الأرض، ويعتدون على أراضي الوقف، وأراضي الضعفاء واليتامى والمساكين، مَنْ أخَذ أرضًا بغير حقها كُلِّفَ أن يحمل ترابَها إلى المحشر؛ "أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلَّفَه اللهُ أن يَحفِرَه حتى يبلغ آخِرَ سبع أراضين، ثم يُطوَّقَه إلى يوم القيامة حتى يقضى بين الناس".

 

فيا أيها المؤمنون: مَنْ سرَّه أن تُستجاب دعوته في الشدائد والكرب فليُكثر من الدعاء، وبخاصة في الرخاء، فتوجهوا -يا عباد الله- بقلوب سليمة إلى الله، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين، استغفِروا الله.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي لا يبلغ مدحتَه القائلون، ولا يُحصي نعماءه العادُّون، ولا يؤدي حقَّه المجتهدون، ونشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ، علَّام الغيوب، ومُنوِّر القلوب، وكاشف الهموم والكروب.

 

اللهم إنَّا نتوجَّه إليكَ من هذه الرحاب الطاهرة، أن تستجيب لنا يا رب العالمين، اللهم دَاوِنا بدوائك، واشفنا بشفائك، وأغننا بفضلك عمن سواك، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا رسول الله، أرشَد الخَلقَ لدِينِ الحقِّ بسيفه وهديه للحق، محمد الطاهر الزكي، الذي أرسى قواعدَ الدِّين، وبنى دولة التوحيد، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِكْ عليه، وعلى آله الطيبين، وأصحابه المقرَّبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد، فيا عباد الله: الكرب عظيم، والهول شديد، ونحن هنا نعاني مِحَنًا ما ظهر منها وما بطن، مسجدنا الأقصى المبارك، والاقتحامات الاستفزازية، وجرائم القتل المتعمَّد، وهَدْم البيوت ظلمًا وعدوانًا، وأَسرَانا الذين تحمَّلوا ما لم تحمله الجبال، والحمد لله بعظهم أفلحوا ونجحوا، وآخرون ينتظرون الفرج والخلاص، وبعض المغرضين اليوم يسيئ إليهم، بإخراج وإنتاج أفلام تحمل معها الخزي والعار والهلاك والدمار لأهلها، فأسرانا تيجان في سماء الأرض المقدسة المباركة، ومن يسيئ إليهم فهو خارج عن وحدتنا وأمتنا، إلا أن يتوب ويرجع ويصلح نفسه، ويصلح ما أفسده، ونحن من هنا، نتوجه إلى الله -تبارك وتعالى- أن يمن عليهم بالصبر واليقين والثبات، وأن يطلق سراحهم أجمعين.

 

وهناك في أرض العزة والكرامة لا يزال أهلنا محاصرين ويقاسون، فنسأل الله -تبارك وتعالى- أن يفك حصارهم، وأن يكتب لهم الأمن والأمان والعافية وحسن الختام.

 

عباد الله: ليس من والٍ يلي أمةً قلَّت أو كثُرَتْ لا يعدل فيها إلا كبَّه الله على وجهه في النار، مَنِ استرعى رعيةً فلم يُحِطْهُم بنصحه لم يجد ريحَ الجنة، وريحُها يوجد من مسيرة مائة عام، ما من إمام أو والٍ يُغلِق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون حاجته وخَلته ومسكنته، أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائر، إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه، تكثر الفتن في آخر الزمان، ويكثر القتل والظلم وسفك الدماء، لا تقوم الساعة حتى يقتل الرجل جاره وأخاه وربما أباه، وَيْحَكُمْ! أيها الناسُ، هل سمعتم بأن الرجال كانوا يقتلون النساء، وَيْحَكُمْ! تقتلون من لا يبسط إليكم يدًا، ولا يريد بكم ضرًّا، ولا يملك لنفسه دفعًا، أتقتلون مَنْ يُنشَّأ في الحِليَة وهو في الخصام غير مبين؟!

 

لا يزال العبد في فُسحة من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا، يا عجبًا ممَّن يلغو في دماء المسلمين كأنه كلب ثم يسأل عن دم البراغيث، إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا، من حمل علينا السلاح فليس منا، لا تضربوا المسلمين، من لطَم خدَّ مسلم لطمةً بدَّد الله عظامه يوم القيامة، إذا التقى المسلمان فتصافحا، وذكرَا الله -تعالى- لم يفترِقَا حتى يغفر لهما، إن للمؤمنين أخلاقًا طاهرة، وأعلامًا ظاهرة، وأحلامًا وافرة، لا يجهلون بعد علم، ولا يسفهون بعد حلم، ولا ينتقمون بعد عفو.

 

عبادَ اللهِ: إذا نودي للصلاة فتحت أبواب السماء، واستجيب الدعاء، سلوا الله -تعالى- العافية، فإن الله -تعالى- يحب أن يُسأل، وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفرَجِ، مَنْ أراد أن تُستجاب دعوتُه، وأن تُكشف كربتُه فليُفرِّج عن معسر.

 

اللهم أعِزَّنا بعِزِّ الطاعة، ولا تذلنا بذُلِّ المعصية، اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأنت يا مقيم الصلاة، أقم الصلاة؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 45].

المرفقات
6GAyGs5Qx6VVHEVclvcyuVN1EgAROSUZQsbJoufG.doc
3OUHrz1iXKWuR1L7shc6W4OTuOsGy5wZYkqY2cfG.pdf
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life