إن ربي لطيف لما يشاء

الشيخ راشد بن عبدالرحمن البداح

2022-10-10 - 1444/03/14
التصنيفات: التوحيد
عناصر الخطبة
1/ثلاث حِكم لطيفة في أقدار الله المؤلمة 2/اللطيف اسم من أسماء الله الحسنى وبعض ألطاف الله بعباده

اقتباس

أيها المؤمنونَ: من أسماءِ اللهِ -تعالى-: "اللطيفُ"، ومعناه الذي يسوقُ عبده إلى الخيرِ، ويعصمُه من الشرِ، بطرقٍ خفيةٍ لا يشعرُ بها، ومن لطفهِ بعبدهِ: أن يُجرِيَ عليهِ من أصنافِ المحنِ التي يكرهُها وتشقُ عليه وهي عينُ صلاحهِ، فيظلُ العبدُ حزينًا من جهلهِ بربهِ، ولو علمَ ما دُخرَ له في الغيبِ لحمِدَ اللهَ وشَكرَه على ذلكَ. ومن لُطفه بعبادهِ أنه ...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريدُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، يعطي ويمنع: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)[فصلت: 46]، وأشهدُ أن نبيَنا محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه. (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)[سبأ: 46]، صلى اللهُ عليهِ وسلَّم تسليماً إلى يومِ المزيدِ.

 

أما بعدُ: فيا عبادَ اللهِ: اتقوا اللهَ حقَ تقواهُ، فإن مَن اتقى اللهَ حفظهُ ووقاهُ.

 

أيها المؤمنونَ: لله حِكمٌ دقيقةٌ لطيفةٌ تُحيِّرُ الألبابَ لدقةِ حكمتهِ وحُكمهِ، وخفيِ لطفهِ، وكمالِ علمهِ، ومن هذه الحِكم ما ينِدُّ عن فهمِ أكثرِ الناسِ، ومنها ما لا يُدركونَه، وإن ثمتَ ثلاثةَ أمورٍ دقيقةٍ مهمةٍ يجبُ تدبرُها في هذا الأمرِ: أولاً: أن المصائبَ تزدادُ على خيارِ الخلقِ، ولكنها تختلفُ أثراً وحكمةً، وقد صحَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَرَقَهُ وَجَعٌ، فَجَعَلَ يَشْتَكِي وَيَتَقَلَّبُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ صَنَعَ هَذَا بَعْضُنَا لَوَجِدْتَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الصَّالِحِينَ يُشَدَّدُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ مُؤْمِنًا نَكْبَةٌ مِنْ شَوْكَةٍ، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، إِلَّا حُطَّتْ بِهِ عَنْهُ خَطِيئَةٌ، وَرُفِعَ بِهَا دَرَجَةً".

 

وفي هذا تذكيرٌ وتعليمٌ للمسلمينَ أن ثمنَ الاتِّباعِ ليس سلامةُ الدنيا بل سلامةُ الآخرةِ.

وقد يُصابُ الإنسانُ بمصيبةٍ، وغيرُه ممن هو أعظمُ ذنباً منه مصيبتُه أدنى، ومن الناسِ من تنزلُ به المصيبةُ رحمةً به ليرجعَ إلى ربهِ؛ كما قالَ ابنُ عباسٍ في قولهِ تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[السجدة: 21] قالَ: "هي المصائبُ" فقد تكونُ المصائبُ لبعضِنا رفعةً، ولآخرينَ كفارةً، ولغيرِهم عقوبةً، لكن لا يحُق لنا أن نوزعَ هذا التقسيمَ على المصابينَ من تلقاءِ أنفسِنا.

 

ثانياً: أن المصائبَ تتنوعُ في الناسِ ظهوراً وخفاءً ونوعاً وقدراً، فقد يَخصُ اللهُ بعضَ خلقهِ بنوعٍ باطنٍ من البلاءِ؛ لأنه أليقُ في تكفيرِ ذنبهِ، وقد رُويَ في الحديثِ: "إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا مِنَ الْعَمَلِ ابْتَلَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا عَنْهُ".

 

ومن الناسِ من تُلازمُه صغائرُ البلايا لطفًا به من ربهِ، ولو كانت مصيبةً واحدةً كبيرةً عليهِ لما أطاقَ. وقد سألَتْ عائشةُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذهِ الآيةِ: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)[النساء: 123] فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ هَذِهِ مُتَابَعَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعَبْدَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّةِ، وَالنَّكْبَةِ وَالشَّوْكَةِ، حَتَّى الْبِضَاعَةُ يَضَعُهَا فِي كُمِّهِ فَيَفْقِدُهَا، فَيَفْزَعُ لَهَا، فَيَجِدُهَا فِي ضِبْنِهِ، حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ"(رواه أحمدُ وحسنهُ ابنُ حجرٍ).

 

ثالثاً: أن كثيراً من العِبادِ يقتصرُ نظرُه في اعتبارِ المصائبِ إلى وجوهِ الحرمانِ والمنعِ والسلبِ، ولا ينظرُ إليها مع وجوهِ العطاءِ، فلتوقن أن المصيبةَ التي تُرجِعُك إلى اللهِ خيرٌ من النعمةِ التي تُبعِدُك عنه، وقد قال الحسنُ البصريُ في قولهِ تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)[العاديات: 6] قال: "هو الكفورُ الذي يَعُدُّ المصائبَ ويَنسى نِعَمَ ربهِ".

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ على لُطفهِ الخفيِ، وفضلهِ وإحسانهِ الجليِ، والصلاةُ والسلامُ على النبيِ الأميِ.

 

أما بعدُ: فمن أسماءِ اللهِ -تعالى- العجيبةِ: اسمُه اللطيفُ، ومعنى: "اللطيفِ" الذي يسوقُ عبده إلى الخيرِ، ويعصمُه من الشرِ، بطرقٍ خفيةٍ لا يشعرُ بها.

 

ومن لطفهِ بعبدهِ: أن يُجرِيَ عليهِ من أصنافِ المحنِ التي يكرهُها وتشقُ عليه وهي عينُ صلاحهِ، فيظلُ العبدُ حزينًا من جهلهِ بربهِ، ولو علمَ ما دُخرَ له في الغيبِ لحمِدَ اللهَ وشَكرَه على ذلكَ.

 

ومن لُطفه بعبادهِ: أنه يُقدّرُ أرزاقَهم بحسبِ علمهِ بمصلحتِهم لا بحسبِ مُراداتِهم فقد يُريدونَ شيئاً وغيرُه أصلحُ فيُقدرُ لهم الأصلحَ وإن كرهوهُ لُطفاً بهم، وبراً وإحساناً: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ)[الشورى: 19].

 

فاللهم الطف لنا في تيسيرِ كلِ عسيرٍ فإن تيسير كلِ عسيرٍ عليك يسير.

 

اللَّهُمَّ صُبَّ عَليْنا الخَيْر صَبَّا صَبَّا، ولا تَجْعَل عَيْشَنَا كَدَّا.

 

اللهم ادفعْ عنا الغلاءَ والبلاءَ، وسوءَ الفتنِ، ما ظهرَ منها وما بطنَ.

 

اللهم مَن أرادَنا أو أرادَ بلادَنا ومقدساتِنا وحرماتِنا بسوءٍ فأشغلْه بنفسِه، ورُدَّ كيدَه في نحرِهِ.

 

اللهم آمِنَّا في أوطانِنا ودورنِا، وأصلح أئمتَنا وولاةَ أمورنِا، وافرج لهم في المضائق, واكشف لهم وجوه الحقائق, وأعنهم ببطانةٍ ناصحةٍ, تدلهم على الخيرِ, وتحذرهم من الشرِ.

 

اللهم احفظ وسدد جنودَنا في حدودِنا، اللهم احفظ عليهم كل غائبة بخير.

 

اللهم أصلح أحوالَ المسلمين في كل مكان، واهد ضالَهم، واكْسُ عاريَهم، واحمل حافيَهم، وأطعم جائَعهم.

 

نستغفرُ اللهَ الحيَ القيومَ ونتوبُ إليهِ.

 

اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا.

اللهم اسقِ عبادَك وبلادَك وبهائمَك، وانشرْ رحمتَك، واجعلْ ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتِك وبلاغًا إلى حينٍ.

 

اللهم يا ذا النعمِ التي لا تُحصَى عددًا نسألكَ أن تصليَ وتسلمَ على محمدٍ أبدًا.

 

المرفقات
SYuYcJz9cr9rbMuTc5EDjLKrOHpvgUC7TEbmv8zr.doc
ld0ZQnQD8t7uteT0hnRPJNHgkOe1O6W8qy1VvJee.pdf
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life