إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًّا (1)

الشيخ لاحق محمد أحمد لاحق

2022-10-07 - 1444/03/11
عناصر الخطبة
1/أهمية إتقان مهارة اتخاذ القرار 2/قدرة الإنسان على الاختيار بين البدائل 3/عداوة الشيطان للمسلم 4/‏خطوات عملية إجرائية لاتخاذ القرار الرشيد 5/جهود المملكة في الحد من جائحة كورونا.

اقتباس

إن الشيطانَ حاضرٌ في كل قرار يتخذه الإنسان في حياته؛ لكي يجعله يتخذ القرار الذي يُبعده على مصلحته في الدنيا والآخرة، فالشيطان يريد أن يكون الإنسان شقيًّا في الدنيا والآخرة، يريده مشركًا ضعيفًا مريضًا فقيرًا حزينًا بائسًا خاسرًا في الدنيا والآخرة.

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له.

 

وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ما ترك خيرًا إلا دلَّنا عليه، ولا ترك شرًّا إلا حذَّرنا منه.

 

ونعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم وشركه، وهمزه ونفخه ونفثه ووسوسته، ونعوذ بالله من شرور جنوده أجمعين.

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

أما بعد: فستكون خُطبتنا هذا اليوم عن أهم مهارة في الحياة، مهارة يجب علينا أن نُتقنها وأن نعلِّمها أولادنا وموظفينا وكافة المسلمين والبشر كافة، مهارة إذا أتقنها الإنسان كانت سببًا مهمًّا في نجاته من النار، ودخول الجنة بإذن الله، وسبب في الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، إنها مهارة اتخاذ القرار، ومفهوم اتخاذ القرار هو: عملية الاختيار الأمثل من بين خيارين أو أكثر.

 

عباد الله، قال الله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)[الإنسان: 3]، وقال -تعالى-: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى)[الليل: 5 - 10]، وقال -سبحانه وتعالى-: (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا)[النبأ: 39].

 

وقال -تعالى-: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا)[الكهف: 29]، وقال -تعالى-: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[البقرة: 256].

 

أيها المسلمون: إن المتدبر في الآيات السابقة ليَعلم تمام العلم أن الله قد جعل للإنسان قدرة على الاختيار في الحياة الدنيا، وذلك من تمام عدله -سبحانه وتعالى-.

 

عباد الله: تدبَّروا هذه الآيات؛ قال الله -سبحانه وتعالى- لأبينا آدم -عليه السلام-: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)[البقرة: 35، 36].

 

عباد الله: إن الشيطانَ حاضرٌ في كل قرار يتخذه الإنسان في حياته؛ لكي يجعله يتخذ القرار الذي يُبعده على مصلحته في الدنيا والآخرة، فالشيطان يريد أن يكون الإنسان شقيًّا في الدنيا والآخرة، يريده مشركًا ضعيفًا مريضًا فقيرًا حزينًا بائسًا خاسرًا في الدنيا والآخرة.

 

وإن كل قول وصمت وكل فعل وترك، وكل شعور إيجابي وسلبي، إنما هو قرار يتخذه الإنسان، وإن الله -سبحانه وتعالى- من تمام عدله أن أعطى الإنسان القدرة على الاختيار الأنسب، فالإنسان يختار أن يدخل الإسلام ويختار الخروج منه، ويختار الإيمان أو الكفر، ويختار الشكر أو الجحود، ويختار الطاعة أو المعصية...

 

إن حياتنا كلها عبارة عن اتخاذ قرارات، وقد نصيب وقد نخطئ، فإن أَصبنا سعِدنا في الدنيا والآخرة، وإن أخطأنا عمدًا أو إهمالاً شقِينا في الدنيا والآخرة.

 

عباد الله: إن عملية البيع والشراء والزواج والطلاق، وأداء أركان الإسلام وتركها، والسفر والإقامة، واختيار التعلم أو الجهل، والإقدام على الطاعة أو المعصية، وإنفاق المال في الحلال والحرام، والمحافظة على الصحة والقيم، والتعامل الحسن مع جميع الناس، إنما هي قرارات، فمنا من يُحسن اتخاذ القرار ومنا مَن يسيء قراراته.

 

اللهم اهدنا الصراط المستقيم في كل قرار نتَّخذه يا رب العالمين.

 

‏‎بارك الله لي ولكم وللمسلمين في القرآن العظيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وله الأمر وإليه ترجعون. وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.

 

أما بعد: فقد أولى العلماء اهتمامًا كبيرًا في تحديد ‏خطوات عملية إجرائية لاتخاذ القرار الرشيد، وإن العمل بهذه الخطوات لهو من التوكل على الله حقَّ توكُّله؛ قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)[آل عمران: 159].

 

وإليكم مراحل عملية اتخاذ القرار:

1- تحديد المشكلة وتشخيصها أو تحديد الهدف النهائي من التغيير.

وهذه المرحلة من أهم المراحل التي يجب على الفرد توخي الدقة والإتقان في أدائها، فتحديد المشكلة وتحديد الهدف مرحلة حساسة تترتب عليها المراحل القادمة، فالخطأ في هذه المرحلة يؤدِّي إلى الفشل في جميع الخطوات التي تتبعها، وهنا واللهِ يحذر إبليس وجنوده، ويُكثِّفون جهودهم في هذه المرحلة لأهميتها، فمثلاً قرر إنسان أن يدخل الجنة، أو أن يزيد من دخله الحلال، أو أن يحافظ على صحته، أو أن يحلَّ مشكلة للمسلمين أو للبشر، هنا يحضر إبليس وجنوده لإفشال المشروع وإجهاضه في مهده، وإن قرَّر الإنسان أن يكفر أو يشرك أو يعصي الله، أو ينشر منكرًا، أو يطلق أو يفسد في الأرض، فإن إبليس وجنوده يُزينون الهدف ويزينون الخطوات، ويدعمون ذلك.

 

2- جمع البيانات والمعلومات والبدائل، في هذه المرحلة يجب أن نجمع المعلومات من مصادرها الصحيحة الموثَّقة، ويجب أن تكون مكتوبة واضحة كاملة، وهنا يجب استشارة أهل العلم الموثوقين كل في تخصُّصه.

 

3- تحديد البدائل المتاحة، وقد تكون اثنين أو أكثر، داخلية أو خارجية، سهلة أو صعبة، وهنا أيضًا يحضر إبليس وجنوده؛ إما بصرف الإنسان عما يحقِّق شكر الله، أو بتوجيهه لكفر النعم، أو بتقديم المفضول على الفاضل، ويسعى إبليس في هذه المرحلة إلى صرف الإنسان عن الموارد الصحيحة أو نقصها أو للتعجيل، أو التسويف أو إعجاز الإنسان وتكسيله، أو إعاقته أو إيقافه.

 

4- التقييم العلمي للبدائل واختيار أفضلها، وهناك مصفوفة جميلة ابتكرها الإنسان للمقارنة بين البدائل المتاحة؛ بحيث تكون البدائل في العمود الأيمن وتكون معايير الاختيار في رؤوس الأعمدة الأخرى، ثم نجعل لكل معيار نقاطًا إيجابية، ونجمع النقاط في كل صف لكل بديل، وسنحصل على أعلى نقاط للبديل الأفضل.

 

5- اختيار البديل المناسب.

6- التنفيذ الفوري للقرار، ومتابعته بعد عملية اختيار البديل المناسب، تأتي عملية التنفيذ، وتتبعها بداية ظهور الآثار والنتائج المترتبة عليها سلبية كانت أم إيجابية، وبروز نقاط القوة والضعف، وبدء عملية تقييم النتائج المترتبة، ومدى كفاءتها في تلبية المتطلبات التي وُضعت لأجلها، وفي حال عدم تحقق النتائج المرجوَّة من القرار يجب إعادة هيكلة قرارات بديلة وتصحيحيَّة، لسد الثغرات الحاصلة، وإيجاد البدائل والحلول المناسبة من جديد.

 

إخواني الكرام: في هذه الأيام تبذل المملكة العربية السعودية جهودًا كبيرة على المستوى المحلي والدولي في مكافحة جائحة كورونا، ومن ذلك صرف لقاح كورونا مجانًا للجميع، ولم يتخذوا ذلك إلا بعد الاجتهاد والتمحيص، والآن بإمكانك أن تطبِّق الخطوات العملية لاتخاذ القرار بتلقي لقاح كورونا، وسوف تصل حتمًا إلى ما وصل إليه علماء الصحة وكبار المسؤولين، وعقلاء البشر.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أَوْلَى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة".

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

 

عباد الله: إني داعٍ فأمِّنوا - تقبل الله منا ومنكم فلعلها تكون ساعة استجابة -: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، اللهم يا حي قيوم يا حي يا قيوم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك، يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا، وارزقنا واشفنا، واكفنا وعافنا واعف عنا، رب أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، رب اصرف عنا السوء والفحشاء وكيد الأعداء، وأن نقول عليك ما لا نعلم، اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين واحفظ حكامنا وعلمائنا وقيمنا وتعليمنا وحدودنا وانصر جنودنا ومكن لنا في الأرض يا رب العالمين.

 

اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت وعافنا فيمن عافيت، وبارك لنا فيما أعطيت واصرف عنا برحمتك شر ما قضيت.

 

اللهم اجعل لنا نورًا في قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا ووجوهنا وألسنتنا وأقلامنا واجعل لنا نورًا حياتنا وقبورنا ويوم حشرنا وعبورنا على الصراط نورًا ويوم تدخلنا الجنة أنت نور السماوات والأرض سبحانك.

 

ربنا اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.

 

اللهم ارحم موتانا وموتي المسلمين اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم وجازهم بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفوًا وغفرانا اللهم أبدلهم دارًا خيرًا من دارهم وأهلا خيرًا من أهلهم اللهم اجعل قبورهم روضات من رياض الجنة.

 

اللهم أعنّا على شكرك وذكرك وحسن عبادتك، اللهم ادفع عنا الوباء والربا والغلاء والزنا والزلازل والقلاقل والفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا، اللهم انصر من نصر المسلمين واخذل من خذلهم، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل أهل الكفر والنفاق والفاسقين.

 

اللهم أعذنا من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن ومن غلبة الدين وقهر الرجال، رب علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا.

 

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

 

المرفقات
Pl1OYCK9GZRcmzktSWI7EeLuRHg5yvH99Jl0yfe6.doc
LMMLg1lgnK2hSwsvf8mOw9vn5pNDQr3SE9pW1nXq.pdf
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life