عناصر الخطبة
1/ فضيلة عدل الأمراء واهتمامهم لأمر المسلمين 2/ القرارات الملكية الأخيرة وأثرها في استقرار الدولة 3/ دعم حلقات تحفيظ القرآن 4/ دعم مكاتب الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات 5/ دعم هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 6/ دعمه عمارة بيوت الله 7/ قرار الحفاظ على كرامة كبار العلماء 8/ إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد 9/ قرارات إضافية تقتضيها احتياجات الواقع
اهداف الخطبة

اقتباس

فنحن -ولله الحمد- في بلد غني، نملك فيها ثلث المخزون من النفط العالمي، وأقوى بلاد العالم في السياحة الدينية من الحج والعمرة، ومن ناحية بيع النفط والبتروكمياويات وغير ذلك، فما دام أن الله تعالى أنعم وتفضل وتكرم فلماذا لا يعم هذا الخير كل من يسكن معنا على أرض هذا البلد الطاهر لتكرر دعواته بنشر الخير والصلاح والتقى ..

 

 

 

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والنظير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، فهدى الله به من الضلالة، وبصّر به من الجهالة، وكَثّر به بعد القلة، وأغنى به بعد العَيلة، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين وأصحابه الغر الميامين، ما تكحلت عين بنظر، ووعت أذن بخبر، وسلم تسليمًا كثيرًا. 

أما بعد:

أيها الإخوة المؤمنون: متقرر عند جميع العقلاء أن ربنا -سبحانه وتعالى- خلق الناس في طبقات ودرجات متفاوتة، فرفع الله بعض الناس على بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا، وجعل الله تعالى على كل من رفع منزلة على غيره جعل عليه من الحقوق والواجبات ما يتناسب مع هذه المنزلة التي رفع إليها، فيجب على الأب ما لا يجب على غيره من الإصلاح في أسرته وأولاده، ويجب على من كان فوقه من مسؤول أو أمير أو وزير أو ملك وما شابه ذلك، فكلما علت رتبة أحدهم ازدادت عليه الواجبات أكثر مما تكون على من تحته.

وقديمًا جاء أبو ذر -رضي الله عنه- إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: يا رسول الله: وليت فلانًا ووليت فلانًا وفلانًا، يا رسول الله: اجعلني على مسؤولية من المسؤوليات، اجعلني على ولاية، اجعلني مسؤولاً عن أشخاص، مسؤولاً عن أرزاق، مسؤولاً عن شعب يكون فيهم أرامل وأيتام، ويكون فيهم أصحاب بطالة، ويكون فيهم أقوام متنوعون، يا رسول الله: قد وليت فلانًا ووليت فلانًا، فولني يا رسول الله، فنظر النبي -عليه الصلاة والسلام- إليه بعين المشفق، بعين الناصح، وقال له: يا أبا ذر: "إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من قام بحقها".

وقال -عليه الصلاة والسلام-: "الأكثرون هم المقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا أو هكذا". يعني هم الذين يُخزَوْنَ يوم القيامة، فمن كان مكثرًا في ماله، أو عاليًا في منصبه، أو كان له شعب يقودهم، هؤلاء يخزون يوم القيامة، إلا من كان يقوم بحق الله تعالى فيهم ويحسن تصرفه ويحسن حكمه فيهم.

ألم تر إليه -عليه الصلاة والسلام- لما ذكر القضاة الذين يتصرفون ويحكمون بين الناس في أموالهم وأعراضهم ودمائهم، ويفضون خصوماتهم ومشكلاتهم، قال -عليه الصلاة والسلام-: "القضاة ثلاثة: فقاضيان في النار، وقاض في الجنة". فمن حكم من القضاة بغير شرع الله، أو اتبع هواه بغير شرع الله، أو ظلم أحدًا لمصلحة شخصية، أو استعمل منصبه هذا لأجل أن يكثر الأصفار أمام أرقام أرصدته، أو أن يحوز أرضًا، أو يسكن قصرًا، هؤلاء يكونون من أهل النار بشهادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولقد كان الخلفاء بعد حبيبنا وسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- يقومون بالعدل بين الناس، ويحكمون بينهم بالقسط، ويقومون بما أوجب الله تعالى عليهم من إعطاء كل ذي حق حقه، فكانوا يعمرون المساجد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وكانوا يدعمون العلماء وحلقات الذكر وما شابه ذلك، وإن شئت فانظر إلى أبي بكر -رضي الله تعالى عنه-، كيف كان يفعل برعيته، وانظر إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، كيف كان يفعل برعيته، فكان يحرص على الضعيف والمسكين واليتيم، وكان يعطيهم حقوقهم قبل أن يطالبهم بها.

أيها المسلمون: لذا كان واجبًا على كل من تولى ولاية، ليس فقط من كان رئيسًا على دولة، كلا بل كل من تولى ولاية فهو مسؤول عنهم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"، فالأب راعٍ في بيته، والأم راعية في بيتها، كلكم راعٍ، وكلما ارتفعت هذه الرعاية وكثرت تحته وجب عليه ما لا يجب على غيره، لذا سرنا والله ما أمر به خادم الحرمين -وفقه الله تعالى- خلال الأيام الماضية من عدد من الأوامر الملكية التي دعم بها حلقات تحفيظ القرآن ودعم بها العلماء ودعم بها العلم والمساجد.

فسرنا كثيرًا أنه دعم حلقات تحفيظ القرآن، ودعم أهلها بمائة مليون ريال؛ ليصل هذا المال إلى كل من كان يعمل في تحفيظ القرآن مِنْ طالب أو مدرس أو مشرف، بدل ما كانوا يقفون على أبواب المساجد يطلبون من الناس أن يدعمهم لأجل أن تسير حلقاتهم، وبدل ما كانت تلك الحلقات تقيم المهرجانات والأسواق الخيرية لأجل أن تجمع المال لتدفع رواتب المدرسين وتكاليف الطلاب، ولقد رأيت بعض المشرفين على الحلقات يمضون إلى المحلات التي تبيع الأواني المنزلية أو الملابس الرجالية أو لعب الأطفال يقدمون إليهم الخطابات: عندنا حلقة لتحفيظ القرآن، عندنا طلاب يحفظون القرآن، نرجوكم ادعمونا بجوائز، أعطونا شيئًا نشجعهم به. فعندما يأتي مثل هذا المبلغ بلا شك سينفعهم -بإذن الله تعالى- نفعًا كبيرًا.

وفي ذلك رد أيضًا -أيها المسلمون- على أن دولتنا هي دولة إسلامية لا تريد إلا الخير ولا تريد إلا الإصلاح ما استطاعت، وأن أولئك الذين يريدون أن ينشروا العلمانية والليبرالية، أو أولئك الذين هم من المفسدين في الأرض، الذين يزعمون أن حلقة تحفيظ القرآن لا تخرج إلا إرهابيين وقطاع طريق ومفسدين ومفجرين ومكفرين، أن هؤلاء ينتسبون إلى البلد، ولا تتشرف بلاد الحرمين الشريفين أن تحوي أمثال تلك الأسماء.

ولقد رأينا في الجرائد في الأيام الماضية بعض من يرسم كاريكاتيرات يستهزأ فيها بحلقات تحفيظ القرآن، وبمعلم القرآن، الذين كرّمهم الله وشرفهم، فـ"خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، فالله -جل وعلا- شرّف حاملي القرآن وكرمهم وعظمهم ورفع درجاتهم، فمن أحسن قولاً من هؤلاء الذين يقرؤون القرآن ويثنون أقدامهم في حلقاته، يعلمون أهله ويتدبرون ويتعلمون. فرُسم في الكاريكاتير رجل يعلم مجموعة من الأطفال تحفيظ القرآن، ثم يوزع عليهم بعض الأحزمة الناسفة، استهزاءً بهذه الحلقات، وكأن هذا القرآن إنما يدعو إلى قتل الناس، ويدعو إلى ظلمهم وتفجيرهم، وأكل حقوقهم وترويعهم، فهو ذم للقرآن قبل أن يكون ذمًا لحلقات تحفيظ القرآن.

فلما تأتي مثل هذه المكرمة بتوزيع هذا المال، فإن ذلك رد أيضًا على من منع حلقات تحفيظ القرآن في بلاد الحرمين وفي منطقة مكة المكرمة، زاعمًا أن فيها من الملاحظات كذا وكذا، فهذا رد عليه من الدولة ومن الملك -وفقه الله- بأن هذه الحلقات لم نر منها إلا خيرًا، ولم نر إلا صلاحًا وتقوى، فها هي تُدعم الآن بمثل هذا المال، ونسأل الله تعالى أن يوفق جميع التجار ليقتدوا بخادم الحرمين.

هذه المائة مليون فيها بركة، لكن الحلقات كثيرة، حلقات رجالية، وحلقات نسائية، وحلقات الأطفال، وحلقات للفتيات، وهم كثر ولله الحمد في هذا البلد المبارك، فالرياض وحدها فيها أكثر من مائة وخمسين ألف طالب في حلقات تحفيظ القرآن، هذا في الرياض وحدها، وفيها أكثر من خمسين ألف فتاة تدرس في الدور النسائية الخاصة بتحفيظ القرآن، هذا في الرياض وحدها، فكيف بك إذا ذهبت إلى غير منطقة الرياض كم ستجد؟! وإذا ذهبت إلى المناطق الأخرى في المملكة في شرقها وشمالها وجنوبها وغربها، وإذا ذهبت إلى الهجر والبوادي ونظرت إلى كثرة الطلاب تعلم أن هذه المائة مليون مع بركتها ومع كثرتها إلا أننا لا نزال بحاجة إلى زيادة، فأين التجار الذين يحبون القرآن؟! أين زكواتهم عن دعم حلقات تحفيظ القرآن؟!

ينبغي أن يقتدوا فيتبرعوا بما يستطيعون من مالهم لدعم مثل هذه الحلقات، ولا يلتفت إلى من يقول له: أنت تدعم الإرهاب!! أنت تدعم التكفير!! أنت تدعم التفجير!! من أولئك الذين يتكلمون وهم في الحقيقة أعداء للقرآن؛ لأنهم يحولون بين القرآن وبين أن يحفِّظه أحد لأبنائنا أو يفسّره أو يربيه عليه.

ومما سرنا أيضًا من خطاب خادم الحرمين -وفقه الله- أنه دعم مكاتب الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات، دعمها أيضًا بأكثر من مائة مليون ريال، ولا شك أن هذا الدعم فيه دعم للدعاة الذين يؤتى بهم لدعوة العمال هنا من الصينيين والسريلانكيين والهنود والأمريكان والأوروبيين، وفيه دعم للكتب التي تدعو للإسلام، وفيه دعم لطباعة الكتب التي تذب عن الإسلام، وفيه دعم أيضًا للإيجار الذي يلاحق به أولئك الذين يستأجرون مكاتب الدعوة في عدة مناطق، والله إن بعضهم كان يرسل إليّ: يا شيخ: نحن مهددون بأن يعطل مكتب الدعوة، وأن نخرج من البيت الذي نستأجره، بقي علينا من الإيجار عشرة آلاف ريال أو خمسة عشر آلاف ريال، يا شيخ: اكتب لنا خطابًا، يا شيخ: ادفع لنا كذا، وهؤلاء هم منار الله في الأرض: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33].

دعم أمثال هؤلاء هو بركة لهذا البلد كله، وهو دعامة لبقاء هذا البلد وبقاء الملك فيه، فإن من شجع الدعوة إلى الله تعالى ودعم أهلها وصار هاديًا للناس مهديًا فهو يعمل بوظيفة الأنبياء، فإن الأنبياء كانت وظيفتهم الدعوة إلى الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي)، ماذا أفعل؟! (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108]، (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125].

إن دعم الدعوة إلى الله تعالى هو دعم لوظيفة الأنبياء، واستمرار لطريق الأنبياء، وحفظ لسبيل الأنبياء، وسير على منهاج الأنبياء، إن الدعوة إلى الله تعالى هي حصانة لبقاء هذا البلد، دعم الدعوة في طباعة الكتب، في كفالة الدعاة، في إقامة الملتقيات الدعوية التي يلقون فيها المحاضرات.

وإنني أعجب من أحدهم لما سئل من يومين أو ثلاثة، سئل: لماذا منعت المخيمات الدعوة في المنطقة؟! لماذا وقفت ضد الدعاة؟! كانت المخيمات الدعوية يجتمع فيها الشباب بدلاً من أن يتجولوا ويتسكعوا في الأسواق والشوارع بسياراتهم، ويعبثوا بأعراض الناسـ أصبحوا يجتمعون في المخيمات الدعوية، يصل العدد في بعض المحاضرات إلى خمسين ألفًا وإلى ستين ألفًا، ويقدمون أنواعًا من البرامج، وقد كان الأمير السابق قبلك كان يفتتح هذه المخيمات ويدعمها، فلما جئت أنت منعتها، فإذا به يقول: اكتشفنا أن بعض هذه المخيمات الدعوية يشجع على الإرهاب ويدرب على رمي الرصاص!! عجباًً!! فأين أولئك الذين دربُوا على رمي الرصاص؟! لماذا لم تبلغ عنهم؟! لماذا لم يسجنوا؟! لماذا لم تنصحهم؟! لماذا لم تنشر صورهم؟!!

المسألة فقط كلام من عندك، فيأتي هذا الخطاب من خادم الحرمين -وفقه الله- يرد على هذا وأمثاله، ويقول: هل تقول المخيمات الدعوية تدرب على الإرهاب ورمي الرصاص؟!! ها نحن ندعمها بالأموال، من أجل أن يهتدي شبابنا، لأجل أن يهتدي تارك الصلاة، ولأجل أن يهتدي متعاطي المخدرات، ولأجل أن يهتدي العاق والديه، ولأجل أن يصل الإنسان رحمه ويقيم صلاته وأن يعمل بمسائل الدين.

هذا رد على كل من يشكك في مثل هذه الأساليب الدعوية التي تميزت بها هذه البلاد ولله الحمد، ثم بدأت أعداد كبيرة من بلاد المسلمين تقتدي بما تفعله هذه البلاد من ملتقيات ومن مكاسب للدعوة ومن غير ذلك من أساليب الرشاد.

فنسأل الله أن يجزي خادم الحرمين الشريفين خير الجزاء على أمنه؛ لأن دعم هذه الطرق الدعوية يثبت الأمن لهذه البلاد.

ومما سرنا أيضًا في هذه القرارات الملكية ما أمر به -وفقه الله- من دعم هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمائتي مليون ريال، وهذا أمر واجب علينا جميعًا: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، ماذا تفعلون؟! (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110]، (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)، لماذا؟! (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 79].

قال -عليه الصلاة والسلام-: "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه -أو قال: الظالم- ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم".

وقال -عليه الصلاة والسلام-: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

إن بقاء الأمة وأمن البلاد يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما تركت أمةٌ الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، أو تكلمت على المحتسبين فيها وضيقت عليهم، إلا وجدت الخراب والبوار والدمار وانتشار المنكرات والآفات فيها، فيظهر فيهم الفزع والاضطراب والخوف والغلاء والزلازل، وتظهر عقوبات من الله تعالى.

نعم، "أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم"، فأين أولئك الفجار الظلمة المفسدون الذين لما قام بعض الإخوة بالتعاون مع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقامت الهيئة -وفقها الله- بإرسال عدد من المحتسبين لأجل أن ينكروا بعض المنكرات، سواء في معرض الكتاب أم في غيره، ينصحون الناس بالكلمة الطيبة وبالبشاشة وبالأسلوب الحسن، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإذا بعدد من الكتُاب الظلمة الذين ما وقفوا مع الأمة في أزماتها، ولم يبذلوا للأمة من أموالهم ولا من أرواحهم ولا من دمائهم، إذا بهم يقعون في هؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ويتكلمون في عقولهم وفي أعراضهم، ويستهزئون بهم من خلال كتابات ومن خلال رسومات.

وأبعد الناس -والله- عن نفع الأمة هم هؤلاء الكُتاب من الذين يسمون أنفسهم بالمثقفين، فخلال اثني عشر يومًا مضت، خلال أيام الاضطرابات والتظاهرات التي دُعي إليها في الرياض وغيرها، نجد في جريدة عكاظ مائتان وسبعة وتسعون مقالاً، ما كُتب فيها عن هذه الاضطرابات خلال اثنتي عشر يومًا كاملة وعن النهي عنها والدعوة إلى أمن البلد فقط خمسة مقالات!! فما همهم أمن البلد ولا التفتوا لهمه، بل همهم أن يروا البنات يقودون السيارات حولهم في الشوارع، همهم أن يخرجوا إلى الشاطئ فيروا النساء بالمايوهات!! هذا همه وهو يكتب عما أهمَّه، أما أن يكتب عن اضطراب أمنى، يكتب عن عدم الاستماع إلى أجهزة خارجية، هذا لا يهمه.

في جريدة الرياض خلال اثني يومًا مائتان وسبع وعشرون مقالاً، ما كُتب عن الاضطرابات والتحذير منها فقط خمس مقالات أيضًا، والبقية في شهواتهم يكتبون، أين هؤلاء الكُتاب عن هموم البلد إن كانوا وطنيين حقًّا؟! أين هم في ساحة القتال؟! أين هم لما غزا العراق الكويت في تلك السنين؟! لم نر واحدًا منهم في الخرج ولا في حفر الباطن لما كنا نذهب مع الإخوة من أجل أن نخرج العوائل التي دخلت سياراتهم في الرمال، لم نر والله إلا أصحاب اللحية والمطاوعة، أين هؤلاء الكُتاب الذين يتغنون بالوطن؟! أين أنتم في الأزمات؟! أين هؤلاء الكُتاب لما وقع ما وقع من حرب المملكة مع الحوثيين؟! أين هم؟! ذهبت وذهب غيري في ساحة القتال ولم نر والله إلا المشايخ والمطاوعة الذين يتكلمون عليهم ويلمزونهم، أين هم في هموم الأمة؟! لا تراهم عندما تقع الأزمات إلا في شوارع لندن وباريس، يحرص أحدهم على أن يكثر أرصدته، أن يقيم علاقات خارجية، أن يحضر الحفلات في السفارات التي يدعى إليها، والله أعلم ما يقع عندما يحضر هذه الحفلات!!

أين كتاباتكم عن هموم الوطن إذا كنتم صادقين فعلاً بأنكم تدافعون عن الوطن؟! هذا أكبر رد على أمثال هؤلاء العفن، الذين ابتلينا بهم في جرائدنا.

يتكلم عن المحتسبين، عن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، على المشايخ، ثم يقول: أنا أنادي بالوطنية!! أين أنت والوطنية؟! لا يتكلم إلا عما يهم شهوته، وما يزيد ماله، وما يخدمه عند من جندوه من خارج هذه البلاد بلاد الحرمين الشريفين، التي جعل الله تعالى أكثر من مليار ونصف في العالم يتوجهون ويسجدون إلى جهاتها، إلى الكعبة، هذه أشرف من أن يتكلم فيها أمثال هؤلاء.

إن كانوا صادقين فيقفوا فعلاً مع وطنهم عند أزماته ولا يكتفي أحدهم أن يحمل القلم بيمينه والسيجارة بيساره، وربما حمل شيئًا آخر غير السيجارة ويبدأ يكتب كل يوم مقالاً يأخذ عليه ألف ريال، ولولا أن يكتب ما يرضى من جندوه لما وصلت له الألف ريال أصلاً.

فدعم خادم الحرمين -وفقه الله- لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رد على أمثال هؤلاء المشككين، وقطع للألسنة الظالمة، وإسكات للأفواه المنتنة، هو كبت للظالمين والمفسدين الذين هم مثل المنافقين، الذين كانوا كما كان المنافقون في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- يتربصون بالمؤمنين: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ)، نحن شركاء معكم في الوطن ما دام الأمر أمنًا وسلامة، (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) [النساء: 141].

والله ليوقفن الله هؤلاء الكُتاب وهؤلاء المفسدين، ليوقفنهم الله تعالى يوم القيامة في يوم عظيم لا ينفعه قلمه ولا جريدته ولا أرصدته ولا كمبيوتره ولا موقعه ولا من دفعه، لا ينفعه إلا ما كان عنده من عمل صالح.

ومما سرنا أيضًا فيما قرره خادم الحرمين -وفقه الله- دعمه لبيوت الله تعالى بأكثر من خمسمائة مليون لعمارتها والقيام عليها، وفعلاً والله، والله كنا نحتاج إلى هذا، لا أحصى عدد الأئمة الذين كانوا يأتون إليّ: يا شيخ: الميكرفونات عندنا معطوبة نحتاج ثلاثة آلاف ريال، كلِّم لنا أحد التجار، والثاني: يا شيخ: نريد خطابًا لصاحب المفروشات الفلانية لأجل أن يخفض لنا لنغيِّر فرش المسجد، وقُرى كنت أزورها أحيانًا والله ألقي المحاضرة في مسجدهم فيقتلنا الحر، فأقول: يا جماعة: شغلوا المكيفات، فيقولون: يا شيخ: معطوبة إلا مكيفين، فأقول: ألا توجد مراوح؟! فيقولون: نحتاج إلى خمسة آلاف ريال لتركيب المراوح وهي ليست لدينا.

كنا نحتاج إلى هذا الدعم، نحتاج فعلاً أن تُدعم بيوت الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ...) [التوبة: 18].

وقد كان أحد الصحابة يسمى بنعيم المجمر، لأنه كان يجمر المسجد ويطيبه، فسُمي بذلك، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يجلس في مسجده فيرى أَمَةً سوداء تأتي أحيانًا إلى المسجد تقمُّه وتأخذ ما وقع فيه من أذى أو شعر أو مسواك وما شابه ذلك، فلما فقدها النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد أيام سأل عنها، فقيل: يا رسول الله: ماتت، قال: "ماتت!! لم لم تخبروني؟!"، وكأنه يقول: من صلى عليها؟! من حضر دفنها؟! لم لم تخبروني؟! قالوا: يا رسول الله: ماتت بليل فكرهنا أن نوقظك، وهي ليست بمكانة أبي بكر وعمر عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فيوقَظ من أجلها، بل هي امرأة من عامة الناس ضعيفة، قال -عليه الصلاة والسلام-: "دلوني على قبرها"، ثم ذهب -عليه الصلاة والسلام- إلى قبر هذه الأمة التي ما فعلت شيئًا ظاهرًا نعلمه إلا أنها كانت تقم المسجد، كانت تمسح الأذى من المسجد فقط، ثم استغفر -عليه الصلاة والسلام- مصليًا عليها في قبرها، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم".

فهنيئًا لمن اعتنى ببيوت الله تعالى، هنيئًا لمن أهدى إلى المسجد ولو عطرة يعطر به المسجد، أو كيلو بخور يبخر به المسجد، أو جاء ببعض المداخن الكهربائية ثلاثة أو أربعة ووضعها في المسجد، هنيئًا لمن اعتنى بتنظيف المسجد سواء أهدى للمسجد مكنسة كهربائية ينظف بها، هنيئًا لمن رأى المسجد متهالكًا في دهانه أو في جدرانه فمضى واتفق مع عمال بآلات يسيرة ودهن المسجد من جديد، أو أصلح مكيفاته، هنيئًا لكل من اعتنى ببيوت الله تعالى، هنيئًا لهم.

وفي الحديث عند البخاري يقول -عليه الصلاة والسلام-: "من بنى لله مسجدًا ولو كمثل مفحص قطاة، بنى الله له بيتًا في الجنة". وفي رواية قال: "بني الله له مثله في الجنة". والقطاة نوع من الطيور إذا أراد أن يبيض أقبل وحفر في الأرض ثم طار وغطاه بالتراب. فجزى الله خادم الحرمين لما أمر بمثل ذلك.

ومن أعظم ما سرّنا في هذه القرارات إسكات من كانوا يتكلمون في الإعلام وفي الصحف عن المشايخ والعلماء، والله وصلوا إلى درجة لما أقرؤها وأتأملها أتذكر العز بن عبد السلام -رحمه الله تعالى-؛ لما أراد الخليفة في عصره أن يسلم النصارى بعض بلدان المسلمين فقام العز بن عبد السلام منكرًا عليه، وخطب في الإنكار عليه، وجمع الناس منكرًا عليه، فأقبل إليه وربطه، ربط العالم الجليل سلطان العلماء، ثم حمله معه ووضعه في خيمة قريبة منه، وجلس في خيمة كبرى ليستقبل وفد النصارى الذين سيكتب معهم العقد ليتنازل لهم عن بلدان المسلمين، وكان القيد ثقيلاً والشيخ كبيرًا، فأخذ يئن وهو يحرك رجليه، فقال له أحد ملوك النصارى: ما هذا الأنين؟! فقال الخليفة مبتهجًا لجهله قال: هذا واحد من علمائنا أنكر عليّ أني أعطيكم بعض بلادنا وخطب عن هذا الموضوع وجاء وتكلم، فأخذته وربطته وقيدته وأحضرته معي خوفًا من أين ينفلت وهو داخل البلد، أحضرته لأتأكد أنه بجانبي، وتوقع أن يقول له النصارى: والله أنت بطل، والله أنت شجاع، أنت فعلاً شخصية قوية، أتدرون ماذا قال له ملك النصارى؟! قال له: "هذا هو والله العالم الصادق، والله لو كان هذا من علمائنا لغسلنا قدميه ولشربنا مرقتها". هذا العالم الصادق.

يأتيك كاتب لا يساوي بُصاق المفتي ويكتب عن المفتي يستهزئ به، أو كاتب آخر يستهزئ بالشيخ العالم صالح الفوزان، أو واحد بمقال ينكّت على خطيب جمعة أو على دكتور في الجامعة له عشرون سنة يدرس فيها ومن طلابه القضاة وخطباء مساجد، ويأتي ليستهزئ به هذا الكاتب في مقال!! ولو سألت هذا الكاتب: ما معنى (اللهُ الصَّمَدُ) لا يدري!! لكن لو سألته ربما عن بعض أنواع الشهوات لأخبرك بها تفصيلاً عن أسمائها وأنواعها وطريقة الحصول عليها، ثم يأتي ليستهزئ بأمثال هؤلاء، فإذا بقرار الملك -وفقه الله- يلزم هؤلاء بالسكوت، وأن لا يتكلم في أعراض العلماء الذين قال الله تعالى فيهم: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11].

فالعلماء هم منار البلاد، وهم سراج للعباد، إذا ظهروا للناس أبصروا، وإذا خفيت عليهم تحيروا، الذين جعلهم الله في كل زمان بقايا منهم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه!! وكم من ضال هدوه!! ما أحسن أثرهم على الناس!! وما أقبح أثر الناس عليهم!!

العلماء لهم جلالة ولهم مكانة ولهم مقام، وينبغي أن يحمى جناب العلماء، وأن تحفظ لهم هيبتهم، حتى إذا أفتى العالم غدًا بفتوى يستمع الناس له وينصتون، لكن عندما يكون العالم كل يوم مرسومًا في كاريكاتير، كل يوم يخرجون عليه بمقال، ثم يقول المسؤول للعالم: يا شيخ: طلع لنا فتوى للناس تلزمهم بكذا، الناس لن يسمعوا العالم، إذا لم تحفظ له أنت مقامه ولم تحفظ له مكانته ولم ترفع رتبته وتسكت الألسن المنتنة التي تتكلم في عرضه، إذا لم تحفظه أنت فسوف يسقط مقامة ولن يلتفت الناس إليه.

حفظ الله الملك أن أخرج مثل هذا القرار، فعلاً علماؤنا لهم مقام، ولا يجوز أن يتكلم فيهم أحد.

ومما سرّنا أيضًا إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وفعلاً هي هيئة مهمة، نجلس في مجالسنا فتجد واحدًا يقول: يا أخي: عندنا فساد إداري في الشركة، كيف فساد إداري؟! فيقول: يا أخي: أنا عندي أوراق تثبت أن فلانًا يأخذ كذا، وفلانًا يلعب بالفواتير، ثم كانت تُرفع سابقًا إلى بعض الأقسام التي ترفع إليها ولا نرى لها نتيجة، يتكلم الناس عن رشاوى مع الأسف انتشرت، والله -يا جماعة- يستفتونني مرارًا في رشاوى كثيرة مثل من يريد نقل أخته يدفع رشوة، ومن يريد ينقل زوجته يدفع رشوة، طالبات يتصلن بي تقول إحداهن: يا شيخ: تخرجت بقسم كذا وكذا، وفي حاجة إلى وظيفة، ونسبتي فوق 90% ولم أجد واسطة، وقالت: قال لي شخص: ادفعي عشرة آلاف وأوظفك، رشاوى، و"لعن الله الراشي والمرتشي".

أما الفساد الإداري فمع الأسف يقام المشروع في بلد مجاور فيتكلف خمسمائة مليون، ويقام عندنا بستة مليارات، أمر عجيب، هل نُحضر حجارة من السماء وحديدًا من المريخ؟! ما السبب في هذا الاختلاف؟!

والأعجب من ذلك تقرأ عن أحد المشاريع في الموقع الخاص بالجهة التي نفذت المشروع في المملكة، فيقولون: تكاليفه ستة مليارات ونصف، ثم تدخل إلى موقع الشركة المنفذة سواء شركة صينية، أم يابانية، أم سورية، فإذا تكلفته ستمائة مليون فقلت في نفسي: عجيب!! الشركة المنفذة وضعت بالدقة كم كلفها وهؤلاء يقولون: ستة مليارات ونصف، أين ذهبت المليارات الزائدة؟! في جيب من؟!

يا جماعة: هذا ليس كلامًا من عندي، هذا كلام الناس في مجالسهم، وكلامهم في الإنترنت، الأمر أصبح مكشوفًا الآن مهما حاول الإنسان أن يخفيه.

لذلك ملك الحرمين الشريفين أصدر الأمر بإنشاء هذه الهيئة لمكافحة الفساد، فواجب على كل من يعلم بوجود فساد ما، أن يكتب إليهم، اكتب إليهم، وأرسل صورة للملك وصورة لولي العهد وصورة للنائب الثاني، وابعث لكل الوزراء صورًا.

إذا لم نتعاون نحن في مكافحة الفساد، في إيصال الحق إلى أهله، فنحن عاجزون ضعفاء أذلة، وإذا وجد الإنسان الطرق المناسبة فعليه أن يستخرج حقه بها.

أسأل الله تعالى أن يحفظ علينا أمننا، وأن يحفظ الأمن في جميع بلدان المسلمين، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب عظيم.
 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

 

أيها الإخوة المسلمون: لا نزال ننتظر من خادم الحرمين الشريفين أن يصدر أيضًا قرارات في نفع كل من يسكنون في هذا البلد المبارك، من إخوة لنا وهم ليسوا سعوديين، لكنهم ولدوا في هذا البلد، أو أقبلوا عليه وسكنوا الآن فيه سنوات، وربما إلى الآن لا يستطيع أن يتملك بيتًا أو بينه وبين الكفيل مشاكل متعددة، والكفيل يتعامل معه كأنه سيد يملك عبدًا مملوكًا رقيقًا اشتراه بيده، فيعامله بأنواع الظلم والقهر، وهو لا يملك إلا أن يسكت، فالنظام لا ينفعه ولا ينصره، فنحن نطالب أيضًا بأن ينصر أمثال هؤلاء، بأن تحسّن أوضاعهم، بأن يوقف معهم، بأن تحسّن الأنظمة التي تظلمهم، وأيضًا لا يكفي أن يُعطى فقط الموظفون الرسميون السعوديون زيادة في الرواتب أو مكافآت، إنما أيضًا الذين ليسوا موظفين رسميين، والذين هم أيضًا إخواننا وليسوا سعوديين ويسكنون في هذا البلد، فإن الرواتب إذا زادت زاد على إثر ذلك بالطبيعي جدًّا أسعار المواد الغذائية وغيرها، فالذين زادت رواتبهم لا يتأثرون بذلك، لكنه الذين لم تتغير رواتبهم هم من يتأثر، وربما يمضي عليهم الشهر والشهران والثلاثة وهم لم يستلموا راتبهم أصلاً، فنحن ننادي أيضًا خادم الحرمين أن يعم بإحسانه ولطفه أمثال هؤلاء من إخواننا.

فنحن -ولله الحمد- في بلد غني، نملك فيها ثلث المخزون من النفط العالمي، وأقوى بلاد العالم في السياحة الدينية من الحج والعمرة، ومن ناحية بيع النفط والبتروكمياويات وغير ذلك، فما دام أن الله تعالى أنعم وتفضل وتكرم فلماذا لا يعم هذا الخير كل من يسكن معنا على أرض هذا البلد الطاهر لتكرر دعواته بنشر الخير والصلاح والتقى.

لما رأى عمر -رضي الله عنه- رجلاً يهوديًّا يسأل الناس، قال له: ألا تعمل؟! قال: لا أستطيع أن أعمل، فأنا كبير في السن، فأمر له عمر بعطاء من بيت المال، يهودي يقول: عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، ومع ذلك يصرف له، فما دام يسكن معنا في بلدنا فمرحبًا، يُصرف له عطاء من بيت المال.

فإخواننا الذين يسكنون معنا يجاورننا في بيوتنا، يصلون معنا في مساجدنا، يشاركوننا في عاداتنا وتقاليدنا، يحملون همنا، يهمهم أمننا، هؤلاء ينبغي لنا أن نلتفت إليهم وأن يعمهم الخير كما عم غيرنا.

أولاً أن نرفع ظلم الكفيل إن كان هناك شيء من الظلم، وأيضًا أن يعموا بشيء من العطايا والمال، لعل الله أن ينفع الأمة بذلك الإحسان: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: 39].

ولا يفوتني أخيرًا أن أدعو لإخواننا في ليبيا، وندعو -والله- بكل آلم لإخواننا في درعا بسوريا، وأن ندعو أيضًا لإخواننا في البحرين بأن يحفظهم الله من كيد الرافضة أعوان المجوس، وأن ندعو الله تعالى لكل من يحمل همًّا أو يذوق ظلمًا، هؤلاء لهم حق علينا في أن ندعو لهم، وأن نقف معهم بما نستطيع، فنسأل الله تعالى أن يفرج عن المسلمين في كل مكان.

اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، وأبعد عن المسلمين شرارهم.
 

 

 

 

المرفقات
إن أريد إلا الإصلاح.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life