أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ

د عبدالعزيز التويجري

2023-01-19 - 1444/06/26
التصنيفات: التوحيد
عناصر الخطبة
1/الله وحده المستحق للمحامد كلها 2/بعض أفعال الله الموجبة لمحبته وحمده ومدحه وحده لا شريك له 3/الثناء على الله ومدحه وتعظيمه والمحافظة على فرائضه والبعد عن محارمه

اقتباس

صفات المدح في الكاملين ذرة من كماله، نعوت الفضل في الأبرار نفحة من إفضاله، ألسنة المادحين وأقلام المثنين حائرة في جلاله. أنت الواجد الماجد الغني الحميد، عز جاهك، جل ثناؤك، تقدست أسماؤك، لا إله غيرك. كلما لمع لك لامع من النعمة، أو لمح لك لامح من الجميل فقل...

الخطبة الأولى:

 

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)[سبأ: 1]، وأشهد أن نبينا محمداً عبدالله ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وزوجاته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما مزيدا؛ أما بعد:

 

من أين أبدأ والمحامد كلها *** لك يا مهيمن يا مصور يا صمد

احترت في أبهى المعاني أن تفي *** بجلال قدرك فاعتذرت ولم أزد

 

المحامد كلها لله -جل جلاله-، وهو المستحق للحمد وحده جل وعلا، فهو يُحمد سبحانه بأسمائه، ويُحمد سبحانه بصفاته، ويُحمد سبحانه بأفعاله؛ أفعاله التي تدور بين الإنعام والإحسان، وبين العدل والحكمة، يُحمد سبحانه على خلقه وأمره، ويُحمد سبحانه على قدره وشرعه: (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)[الأنعام: 1]، فلا تحيط بحمده وشكره الأقلام مهما أوتيت، والفصاحة مهما بلغت.

 

فهو الحميد بكل حمدٍ واقعٍ *** أو كان مفروضاً على الأزمان

هو أهله سبحانه وبحمده *** كل المحامد وصف ذي الإحسان

أنت الكريم وباب جودك لم يزل *** للبذل تعطي سائر الأحيان

فلك المحامد والمدائح كلها *** بخواطري وجوارحي ولساني

ولك المحامد ربنا حمًدا كما *** يرضيك لا يفنى على الأزمان

 

صفات المدح في الكاملين ذرة من كماله، نعوت الفضل في الأبرار نفحة من إفضاله، ألسنة المادحين وأقلام المثنين حائرة في جلاله.

أنت الواجد الماجد الغني الحميد، عز جاهك، جل ثناؤك، تقدست أسماؤك، لا إله غيرك.

كلما لمع لك لامع من النعمة، أو لمح لك لامح من الجميل فقل: الحمد لله، ليبقي الله عليك النعمة.

فالحمد هو الثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، وليس هذا الحمد المطلق إلا لله؛ وما ترون في هذا الكون فلا يبلغ ذرة من عظمة الله وجماله وكمال.

 

ألم تر هذا الكون في صنعه عبرٌ *** وفي كل شيء وفي طلعته خبر

 

لله في الآفاق آياتٍ لعل أقلُها *** هو ما إليه هداكا

ولعل ما في النفس من آياته *** عجب عجاب لو ترى عيناكا

والكون مشحون بأسرار إذا *** حاولْتَ تفسيراً لها أعياكا

وإذا ترى الجبل الأشَمَّ مناطحا *** قِمَمَ السَّحاب فسَلْه من أرساكا

وإذا ترى صخراً تفجر بالمياه *** فسله من بالماء شقَّ صَفَاك ا

وإذا رأيت النهر بالعذب الزُّلال جرى *** فسَلْه من الذي أجراكا

وإذا رأيت الليل يغشى داجياً *** فاسأله من يا ليل حاك دُجاكا

وإذا رأيت الصُّبح يسفر ضاحيا *** فاسأله من يا صبح صاغ ضُحَاكا

ستجيب ما في الكون من آياته *** عجب عجاب لو ترى عيناكا

ربي لك الحمد العظيم لذاتك *** حمداً وليس لواحد إلاَّكا

 

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)[البقرة: 164].

 

الله جميل يحب الجمال، موصوف بالهيبة والجلال، فانظر إلى صنعهِ وخلقه، وقد انبت حدائق ذات بهجة، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، وأبدع الكائنات في تصوير مستقيم، جمال في كواكب السماء، وحسن يكسو الأشياء: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى* وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى)[الأعلى: 1-5]، (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ)[النور: 44]، سبحان ربي (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)[يوسف: 100]، (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)[الرعد: 17] أقبل الوادي ينحدر انحدارا، يحمل أحجارا وأشجارا كأن به جنّة، أو في أحشائه أجِنّة.

 

يا زينة الوادي الرهيب مناظرا *** والعذب ماء والرطيب رمالا

فماؤه كالبحر وهو بعرضه *** كسفينة أرست عليه رحالا

لم أدر حين رأيته متلاطما *** أيزيد ماءً أم يزيد بهاءَ؟

 

(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا)[فاطر: 2] لا يستطيع أحد أن يمسك رزق الله إذا نزل، أو يحجب عطائه إذا وهب: (وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ )[يونس: 107].

 

المخلوق إذا اعطى منَّ وخشي الفقر وقلة الموارد، بل من ضعفه يبخل برزق الله ويحجر واسعاً: (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ)[الإسراء: 100]، والكريم جل جلاله عطائه كريم وفضله عظيم: (وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا)[الإسراء: 20].

 

لَعَمْرِي لنعم الْغَيْث غيثٌ أَصَابَنَا *** بِنجد من أَرض الجزيرة وَابِلُه

فكُنَّا كحي صبّح الغيثُ أهلَه *** وَلم يحْتَمل أظعانُه وحمائلُه

 

فاللهم لك الحمد على تمام النعمة ولك الشكر على إفضالك وإنعامك لا نحصي ثناء عليك، نستغفر اللهم ونتوب إليك.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدلله على الفضل والعطاء، وله الشكر ملء الأرض والسماء، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، وعظموا ربكم، وقدروا له حق قدره، وأكثروا من مدحه، والثناء عليه، فإنه لا أحد أحبُّ إليه المدحَ من الله، ولذلك أثنى على نفسه، وإنما يكون التفاضُل بين الناس إنما هو بمعرفة الله ومحبته والثناء عليه، ومن عرفَ اللهَ وقلبُه سليمٌ أحبَّه وعظَّمه، وكلما ازداد له معرفةً ازداد له طاعة، والذنوب تُضعِفُ تعظيمَ الله ووقاره، ولو تمكَّن وقارُ الله وعظمتُه في قلب العبد ما تجرَّأ أحدٌ على معاصيه، وكل معصيةٍ فمن الجهل بالله، وإجلالُ الله يعظُم بالطاعات، فلا يدعى إلا هو، ولا يُستغاثُ إلا به، ولا يُطرق إلا بابه، ولا يُذل إلا لوجهه، ولا تُبذل المحامد المطلقة إلا له سبحانه وبحمده، ولا تُصرفُ أيُّ عبادةٍ إلا له وحده.

 

واعلموا أن الصلاة من أعظم أركان الإسلام، ومبانيه العظام، مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورٌ وَبُرْهَانٌ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يكُنْ لَهُ نُورٌ وَلاَ بُرْهَانٌ، وَكَانَ مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأَبِيِّ بْنِ خَلَفٍ.

 

اللهم اجعلنا لنعمك شاكرين، ولآلئك متفكرين، ولحدودك محافظين.

 

اللهم صل وسلم عبدك ورسولك نبينا محمد.

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life