أمانة الفطرة والهداية

عبدالله بن حسن القعود

2022-10-08 - 1444/03/12
عناصر الخطبة
1/ الأمر بأداء الأمانة 2/ شمولية الأمانة 3/ من صور الأمانات العظام
اهداف الخطبة

اقتباس

وإن من بين تلك الأمانات الأمانة العظمى أمانة الفطرة والهداية لدين الله والإيمان به سبحانه، الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، الأمانة التي يقتضي الوفاء بها أن تصطبغ فرائض الله وشعائر دينه على قصد، وتوجه بها إلى الله -جل شأنه-، ووفق منهاج رسوله صلى الله -صلى الله عليه وسلم- في نفس الإنسان وحسه وشعوره لتصبح تلك الفرائض والطاعات ترجمة حيّة لجمال الإسلام وحُسْنه وطيبه..

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

 

الحمد لله وعد أهل الوفاء جزيل النعم، وإحلالهم أعلى المنازل بين الأمم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمرنا بأداء الأمانة، وحذرنا الغدر والخيانة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه.

 

اللهم صلِّ وبارك عليه وعلى أصحابه الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، وعلى كل من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.

 

أما بعد: فيقول الله جل ثناؤه: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) [المعارج:32-35]

 

أيها الإخوة المؤمنون: لقد ذكّرتكم في الجمعة الماضية بموقف الحساب، ومحاسبة النفس قبل أن نقف بين يدي الله -سبحانه وتعالى-: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران:30]

 

واليوم أذكّر نفسي وأذكّركم بموضوع خطير وأساسي في حياتنا من أخطر وأعظم ما سَنُسْأل عنه إن لم يكن أساس جميع ما نسأل عنه -أعان الله وثبت وعفا وغفر- ذلكم موضوع الأمانات، يقول سبحانه مذكراً بالمسألة عما ائتمن عليه الإنسان: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) [الصافات:24] ويقول: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) [الإسراء:34] ويقول: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء:36] ويقول في الأمر بتعهدها والقيام بحقها: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [النساء:58] ويقول: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان) [الأحزاب:72] ويقول محذراً من خيانتها وضياعها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) [الأنفال:27]

 

والأمانات التي حملها الإنسان وأمر بأدائها؛ ليثاب على قيامه بها، أو ليعاقب على خيانتها - عامة وشاملة لجميع التكاليف الشرعية، قال ذلك القرطبي وغيرهما من المفسرين، وقال ابن كثير في قول الله -سبحانه-: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [النساء:58]: "يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها".

 

وفي حديث الحسن بن سمرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" رواه الإمام أحمد وأهل السنة. وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله -عز وجل- على عباده من الصلاة والزكاة والصوم والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه، لا يطلع عليه عباده، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يؤتمنون به من غير اطلاع بينة، فأمر -عز وجل- بأدائها؛ فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح: "لتأدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء".

 

وإن من بين تلك الأمانات الأمانة العظمى أمانة الفطرة والهداية لدين الله والإيمان به -سبحانه-، الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، الأمانة التي يقتضي الوفاء بها أن تصطبغ فرائض الله وشعائر دينه على قصد، وتوجه بها إلى الله -جل شأنه-، ووفق منهاج رسوله -صلى الله عليه وسلم- في نفس الإنسان وحسه وشعوره؛ لتصبح تلك الفرائض والطاعات ترجمة حيّة لجمال الإسلام وحُسْنه وطيبه، بل ودعوة صادقة إليه بما يرى من محاسن الإسلام وفضائله في واقع تلك النفس وأمثالها من ذوات الحفاظ على الأمانات وأدائها على الوجه المطلوب ممن يرجى تحقق وعد الله في قوله -جل شأنه-: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [المؤمنون:8-11]

 

ومن بين تلكم الأمانات -أيضاً- مما هو ذو خطر وشأن وأثر عظيم: أمانة الولاية أيًّا كانت إمامة عظمى أو دونها، قال -عليه الصلاة والسلام-: "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه إلا العدل" رواه أحمد، وروى مسلم: "ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة".

 

وهذه الأمانة داخلة قطعاً في قول الله -سبحانه-: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [النساء:58] مع دخولها فيه عطف خاص على عام؛ للتنويه على عظم شأن وخطر الخيانة في الولاية لتعدي آثار ذلك وأضراره إلى الغير، وقد ورد في صحيح مسلم قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا ولا غدر أعظم غدراً من أمير عامة" وورد في صحيح البخاري قوله -عليه الصلاة والسلام-: "كلكم راع ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته".

 

ومن بين تلكم الأمانات -أيضاً- مما هو ذو شأن وخطر: أمانة ذوي الالتصاق والصلة الخاصة بالمؤتمن كأمانة الجوار والقرابة ونحوها مما تعم البلوى به وتدعو الحال له. فقد ورد التغليظ والتشديد في خيانة ذلك، قال -عليه الصلاة والسلام-: "ما تقولون في الزنا؟" قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة. قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه أن يزني بامرأة جاره".

 

وقال فيما رواه البخاري ومسلم: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جار بوائقه" وقال فيما رواه مسلم: "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم".

 

فاتّقوا الله -أيها الإخوة المؤمنون- في أماناتكم عامة، وفي أمانة الفطرة والهداية لدين الله، وأمانة الولاية، وأمانة ذوي الالتصاق بكم خاصة. اتقوا الله فيها؛ فالخيانة فيها خيانة لله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [الأنفال:28] يقول -عليه الصلاة والسلام-: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".

 

 

 

 

المرفقات
أمانة الفطرة والهداية.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life