عناصر الخطبة
1/المال أهون أنواع الميراث 2/ميراث النبوة أفضل ميراث 3/الوصية بالتمسك بالقرآن والعمل بتعاليمه 4/التحذير من المناهج الفاسدة 5/على الوالدين العناية بشؤون الأسرة 6/الوصية بالعناية بالأسرى والمعتقَلين والأقصى المبارك

اقتباس

ولَمَّا كان القرآنُ والسُّنَّةُ النبويَّةُ منهجَ أسلافِنا وميراثَهم الحقيقيَّ الذي تمسكوا به حكموا الأرض وقادوا الأمم، ولَمَّا تبدلَتْ مناهجُنا كما يريد الغرب وأذنابه، ولَمَّا أضَعْنا ميراثَ النبوة، ضاعت معه بلادنا، وفقدنا حرياتنا...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي قال: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[آلِ عِمْرَانَ: 180]، فأنتم وأموالكم راجعون إلى الله يوم القيامة، كما يرجع الميراث إلى المستحق له، وأشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ، وحدَه لا شريكَ له، أورث المتقين الجنة، فقال سبحانه: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا)[مَرْيَمَ: 63]، فاللهم ارزقنا الجنة والنعيم المقيم فيها، وأشهد أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، ورث النبوة والدين في الدنيا، وورث الوسيلة في الآخرة؛ فالوسيلة أعلى منازل الجنة، قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فإنَّها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة"، فاللهم صلِّ وسلِّم على عبدِكَ ورسولِكَ محمد، وآته الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود، واجعلنا في شفاعته، وصل اللهم على آل وأصحابه والتابعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد، أيها المؤمنون: المال الذي تتكالبون عليه وتقطعون أرحامكم من أجله هو أدنى مراتب الميراث، وأقلها شأنًا، وأكثرها تبعةً، فيا من تأكل ميراث أختك وأخيك، ويا من تأكل ميراث أقاربك اعلم أن الله العلي الكبير هو الذي سيأخذك بعقابه، وهو الذي قال فيك وفي أمثالك: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)[النِّسَاءِ: 14].

 

أيها المسلمون: ميراثُ النبوةِ والعلمِ والإمامةِ، الذي تحاربكم عليه اليوم الأمم المتحدة، ومَنْ سار في رَكبِها، هو أفضل ميراث تريدونه؛ فهو الميراث الذي وهبَه اللهُ للمرسَلينَ، وآخِرهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، الذي ورثنا دين الإسلام، والأنبياء كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثُوا العلمَ، فمَنْ أخذَه أخَذ بحظٍّ وافرٍ".

 

فيا مسلمون: عيشوا لدينكم، وموتوا لأجله، كما عاش له ومات لأجله الصحابة والتابعون قبلكم.

 

أيها المرابطون: اسمعوا قَولِي واعقلوه، أنتم خلق متميز من دون الناس، لم تُخلَقوا على هذه الأرض المقدَّسة لتأكلوا ولتشربوا ولتنكحوا، فتلك عيشة الحيوان البهيم، أعزكم الله، وإنَّما خُلقِتُم لتكونوا لدينكم، ولمقدَّساتكم خير خلَف لخير سلَف، فكونوا مثل قُدسكم مقدَّسين، وكونوا مثل أقصاكم مبارَكينَ.

 

يا عبادَ اللهِ: النفاق والولاء للكُفَّار، والانكباب على الفجور والعصيان، ليس هو الميراث الذي أورثكم الله إيَّاه، وإنَّما ميراثكم في أرضكم المقدَّسة المبارَكة، هو الرباط على الحق والدِّين، فلا تنشغلوا عنه بفتات الدنيا وحطامها، يقول الله -سبحانه-: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[التَّوْبَةِ: 105].

 

أيها المؤمنون: أورثَكم اللهُ القرآنَ لتكونوا به سادةَ الدنيا، إن أحسنتُم أَخذَه، ولذلك يتربَّص أعداؤكم بكم كلَّ متربَّص؛ ليُبعدوكم عن القرآن وتعاليمه، فهذا رئيس وزراء دولة غربية كافرة يحمل القرآن بيده ويقول لجموع الوزراء حوله: ما دام هذا الكتاب بأيدي المسلمين فلن يقر لنا قرار في بلادهم.

 

فيا مسلمون: كونوا كما وصفكم القرآن: (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)[آلِ عِمْرَانَ: 110]، احذروا التُّحُوتَ أن تُفسِد عليكم إيمانكم وأخلاقكم، حذارِ حذارِ أن تقرؤوا القرآن وتخالفوا أحكامه، وتأتوا محارمه ولا تتوبون، فمن كان كذلك ذمَّه الله وقال فيهم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا)[الْأَعْرَافِ: 169].

 

يا مؤمنون: وأورثنا اللهُ سُنَّةَ نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- فخرج علينا من أبناء جِلْدَتِنَا مَنْ يُنكِرها؛ وهل تُنصَرون إلا بالقرآن يا عباد الله؟ وهل نُنصَر إلا بالسُّنَّة يا مؤمنون؟ فذاك ميراث رسولكم، فعَضُّوا عليه بالنواجذ، لا تُفرِّطوا فيها، ولا تلتفتوا إلى مُنكِريها، فهي والقرآن ميراثنا الذي به سيادتنا وريادتنا للناس، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معَه".

 

يا عبادَ اللهِ، يا مؤمنون: أجيال النصر الأُولى من الصحابة والتابعين كانوا يُعلِّمون أبناءهم القرآن، آيةً آيةً، ويعملوا بما جاء فيها، وكانوا يعلمون أبناءهم أن المغازي وسيرة رسولهم كما يعلمونهم الآية من كتاب الله، ورَّثوهم كلَّ ذلك، فكانوا رهبانًا في الليل، فرسانًا بالنهار، وهذا هو الميراث والمنهاج الذي تربَّى عليه الصحابةُ الذين فتحوا بيت المقدس مع الفاروق عمر، وهذا هو المنهاج والميراث الذي تربَّى عليه تابعوهم في الفتح الثاني لبيت المقدس، فما هو منهاج أجيالنا الذي تتربى عليه اليوم لتصنع فتحًا جديدًا، ومجدًا تليدًا.

 

أيها المرابطون: هذا هو منهاجكم، به تحفظون أولادكم من الضياع، وبه تحافظون على إرثكم في هذه الديار المقدَّسة، وبه تحفظون نساءكم من التردي في وحل الإباحية، وبه تظل أسرتنا الفلسطينية المسلمة الجدار العازل لمخططات الذل والهوان والتبعية، فلا تستبدلوه بمناهج تفرض عليكم، إياكم أن تضعف نفوسكم لمال أو إغراء، فما عند الله خير وأبقى، وما تقفون به من مواقف خير فهي عمل صالح ورباط مقبول عند الله -تعالى-، قال ربنا -عز وجل-: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[الْبَقَرَةِ: 110].

 

يا مؤمنون، يا عبادَ اللهِ: ولَمَّا كان القرآن والسُّنَّة النبويَّة منهج أسلافنا وميراثهم الحقيقيّ الذي تمسكوا به حكموا الأرض وقادوا الأمم، ولَمَّا تبدلَتْ مناهجُنا كما يريد الغرب وأذنابه، ولَمَّا أضَعْنا ميراثَ النبوة، ضاعت معه بلادنا، وفقدنا حرياتنا، وأصبحنا كالأنعام، تأكل وتشرب وتنام، وتنتظر الجزَّار أن يختار منها مَنْ يذبحه، وصرنا أضحوكة للناس، وصدق الله حيث يقول: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[النَّحْلِ: 118].

 

أيها المؤمنون: الإلحاد ينتشر في عقول أطفالكم، فأين ميراث الإيمان بالله ورسوله؟ مِنْ هذا الميراث الزائف المضلِّل، والعلمانية والمناهج الأرضية منذ عشرات السنين تأكلكم لحمًا وترميكم عظمًا، فأين عقولكم؟ وأين قلوبكم من ميراث العلم والدِّين؟ الذي به تَحيَوْن، والذي به تكونون، والذي به تسودون، والذي به تملكون رقاب الأمم لأخذها لخير الدنيا وسعادة الآخرة.

 

أيها المؤمنون، أيها المرابطون: هل الخلاعة والمجون، وهل التبرج والدياثة، وهل الفسوق والفجور، وهل المدارس المختلطة وهل الخنا والحفلات الماجنة والخلاعة، هل هي ميراثنا الذي نتربَّى عليه؟ هل هي ميراث الدين والنبوة؟ وهل هي تراثنا الذي نتمسك به؟ أم هي ميراث الكافر المستخرب لعقوكم ولدياركم ولأعراضكم؟! هل المثلية ومخرَجات "سِيدَاوْ" ومَنْ جاء بها من ميراث الدِّين؟ أم هي من ميراث الكافرين والمنافقين؟ الذين لا يألون جُهدًا في ذبح ديننا وقِيَمِنا وأخلاقنا.

 

يا أبناء شعبنا المسلم: هل هذه الضلالات والمنكَرات ستُعيد لكم شبرًا واحدًا من مقدساتكم؟ هيهات هيهات! هذا الغافل عن دينه كيف يفطن لوطنه ومقدَّساته؟! هذا الذي يرقص كالشيطان في حفلة ماجنة وحوله شياطين مثله يرقصون، وهذا الذي يُنفِق على حفلة الفسوق آلاف الدنانير هل هؤلاء حقًّا من المرابطين؟ لا وربِّ السماء والأرض، لا، ليسوا من المرابطين، ونعيذ المرابطين أن يكونوا أمثالهم، هؤلاء من معوِّقات النصر والتحرير، وهم من معوِّقات الرحمة؛ فهم الذين أضاعوا ميراث رسولهم -صلى الله عليه وسلم- وهم الذين سيكونون سببًا في نزول العذاب على الناس زيادةً على ما هم فيه من العذاب، ونحن نُنكِر عليهم صنيعَهم وننصحهم بالتوبة النصوح، قبل أن يموتوا؛ (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشُّعَرَاءِ: 88-89].

 

يا عبادَ اللهِ، يا من تؤمنون بسورة الإسراء وتقولون: إن فيها وعد الآخرة، وإنه قريب، لا تنسوا أن الله -تعالى- قال في سورة الإسراء أيضًا: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)[الْإِسْرَاءِ: 16].

 

فيا مرابطون: وعدُ الآخرةِ لا يكون لمن ميراثهم الشيطان والهوى، وإنَّما يكون لمن يرثون الإيمان والعفَّة، لمن يرثون البيت الصالح، والمدرسة الصالحة، والجامعة الصالحة، والمنهاج الرباني.

 

فيا مسلمون: اللهَ اللهَ في أولادكم، فهم ميراثنا الذي نُعوِّل عليه بعد الله، فأنشئوهم رجالًا، ولا تنشئوهم مخانيث، ارزقوهم من ميراث أبي بكر وعمر، وخالد وطارق، فأرضنا ومقدساتنا لا يحررها المخانيث والمثليون والشواذّ، ولا يُحرِّرها المنكبُّون على الرقص والغناء الماجن، ولا تُحرِّرها السهراتُ المغضبِةُ لله ولا المجونُ، فكلُّ ذلك ميراث الكافرين والعصاة، الذين لا يأبه اللهُ بهم، فلا تتولَّوا يا عبادَ اللهِ عن طاعة الله واتباع شرعه، ولكن اسمعوا له وأطيعوا، قال الله -سبحانه- محذِّرًا: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)[مُحَمَّدٍ: 38].

 

أيها المؤمنون: الإسلام هو ميراثكم، اغتصبه منكم حكام العالَم وأممها الذين لم يتركوا شيئًا يؤذي المسلمين إلَّا فعلوه؛ مِنْ قتلٍ وإرهابٍ وتشريدٍ واغتصابٍ للبلاد، واعتداءٍ على الأعراض، ومساسٍ بالقرآن وشعائر الإسلام، ومحاولةِ تخريبِ الأسرة بمَن فيها من رجال ونساء وأطفال، وتوظيف الأموال لتخريب العقول بالمناهج الدراسيَّة الفاسدة، لإبعاد الجيل عن دينه وقيمه وأخلاقه، النابعة من القرآن والسُّنَّة النبويَّة.

 

يا عبادَ اللهِ: ونحن نُضيِّع ديننا بأيادينا غفلةً وجهلًا، فأفيقوا من غفلتكم، واخرجوا من جهلكم، ولا تهتكوا حرمة دينكم، الذي هو ميراثكم؛ (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)[الْحَجِّ: 78]، وكونوا من السابقين بالخيرات، الوارثين للفردوس، الوارثين للقرآن والسُّنَّة ومنهاجهما، واعلموا -رحمكم الله- أن اجتماع الكفر عليكم في هذا الزمان عن بكرة أبيه هو أذان من الله بقرب زواله وإذلاله، ومفاتيح العزة بأياديكم، وأبواب الخلاص أمامكم، فبادِروا بفتحها بالتوبة النصوح، وبحمل الدِّين، كما حملته خيرُ القرون.

 

فاللهم اجعلنا من المصطفينَ الأخيار، وارزقنا حسن الرباط في هذه الديار، وأعذنا من كل متكبر جبار.

 

عبادَ اللهِ: استغفروا الله وتوبوا إليه؛ إنَّه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله ربِّ العالَمِينَ، ونشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ونشهد أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانةَ، ونصَح الأمةَ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِكْ عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد، أيها المسلمون: وأسرانا في المعتقَلات هم من ميراث قضيتنا العادلة، فأحسِنوا خلاصَهم، فالأسير إنسان، ومن حقه أن يعيش حُرًّا، نسأل الله أن يثبتهم على الحق، وأن يعجل في فكاك أسرهم سالمين مكرمين.

 

أيها المؤمنون: وأرض فلسطين أورثنا الله إيَّاها وجعلها على لسان صحابة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وقفا إلى يوم القيامة، فماذا فعلنا بهذه التركة الربانية؟ هل حافظنا عليها من التخزين ومن التطبيع؟ ومن التشرذم ومن الخلاف؟ هل ما زال هذا الميراث هو ميراث الأمة كلها تتطلع إلى استرداده؟ أليس منا مَنْ طبَّع؟ ومنا مَنْ ضيَّع؟ ومنا غير المكترث؟ ومنا مَنْ تنازَل عن هذا الميراث وهو يعلم أن التنازل عنه كبيرة من الكبائر؟ ومنا من والى من أخذ ميراثنا هذا؟

 

فيا مسلمون: بيت المقدس وأكنافه أرض وقف إلى يوم القيامة، فحافِظوا عليه، وبخاصة الوقف الذري فيها، أحيوه والزموه، فهو آخرُ حصونكم الذي تلجؤون إليه في رباطكم، ويا ويل مَنْ فرَّط في أرض بيت المقدس وأكنافه وخان، يا ويله وخزيه وعاره، فمن خان بَرِئَتْ منه ذمةُ الله، وذمةُ رسوله، وذمةُ المؤمنينَ، وباءَ بالخزي والعار، ولم ينفعه مال ولا جاه، ولا ذرية من بعده.

 

يا مؤمنون: وأورثكم اللهُ المسجد الأقصى وخصَّكم بالرباط لهذا الميراث، فمن أخذ بحظه منه فقد أخذ بحظ وافر، هذا المسجد الذي أورثه الله للنبي -صلى الله عليه وسلم- في ليلة الإسراء في مؤتمر كونيّ عالميّ شهده الرسلُ جميعًا وشهدوا عليه وأقروه، فنحن الأولون فيه والآخِرون، ونحن الوارثون له إلى يوم الدِّين، هذا المسجد الذي أُسِّسَ على الطهر والقداسة والبركة، ابتلانا الله فيه بمن يدنسه، وبمن يجاهر بالاعتداء على حرمته وقداسته، بعديد الأساليب المشينة، ونرفع شكوانا إلى الله، فهو ولينا ونصيرنا.

 

فيا مرابطون: الصبرَ الصبرَ، والثباتَ الثباتَ، فأنتم كما وصفَكم ابنُ حَجَرٍ في شرحه لصحيح البخاري، عند حديث الطائفة المنصورة بأن أهل القدس أهل الصبر والجلد، والثبات على الحق كابرًا عن كابر، فنحن الوارثون لدِينِنَا، نتمسَّك به، ونحن الوارثون لكتاب ربنا، وسُنَّة رسولنا، نعَضّ عليهما بالنواجذ، ونحن الوارثون لبيت المقدس وأكنافه؛ حتى يرث الله الأرض ومَنْ عليها، ونحن الوارثون للجنَّة ونعيهما، بفضل الله ورحمته، ونحن الوارثون للمسجد الأقصى نشُدّ إليه الرحالَ، للصلاة والعبادة، نعيش في رحابه طائعين لله عابدين، ونموت تحت سمائه مرابطين، وهتافنا دومًا وأبدًا: الأقصى أقصانا، والمسرى مسرانا، والله ولينا ومولانا، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

فاللهم ربَّنا بفضلك ورحمتك أعلِ كلمةَ الدِّينِ، وانصر الإسلامَ والمسلمينَ، ودَمِّر أعداءَكَ أعداءَ الدِّينِ، وأعز عبادك المؤمنين، اللهم إنا نستودعك رباطنا في المسجد الأقصى، ونستودعك ثباتنا في بيت المقدس، فاحفظنا اللهم بحفظك، وارعنا برعايتك، واكلأنا بعنايتك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم لا تهتك عَنَّا سترك، يا ربنا ومولانا، يا الله، احفظ المسجد الأقصى من كيد الكائدين، ومن عدوان المعتدين، وارزقنا الغدو والرواح إليه في كل وقت وحين، ورده إلى الإسلام والمسلمين عزيزًا كريمًا، يا ذا القوة المتين.

 

يا ربَّنا يا الله، أطلِقْ سراحَ الأسرى والمعتقَلينَ، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، وارفع الحصار عن المحاصَرينَ، واغفر اللهم لنا ولوالدينا، ولمن لهم حقٌّ علينا، واغفر اللهم لجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

 

وأنتَ يا مُقيمَ الصلاة أَقِمِ الصلاةَ؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 45].

المرفقات
AVb8HbE0AK8hXuOKAkfW1hI7LnHMDcblauWzarEA.pdf
gYc16kEimbrKnjFPFUnuovz8HVNv3kbnW93v9Ji1.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life