عناصر الخطبة
1/من أنواع حفظ الله لأصحاب الكهف 2/الاتعاظ والاعتبار من قصة أصحاب الكهف

اقتباس

قِصَّةُ الكَهْفِ آيَةٌ عَجِيْبَةٌ مَنْ تَأَمَّلَهَا وَصَلَ إلى الرُّشْدِ والهِدَايَة، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا تَعَرَّضَ للضَّلَالِ والغِوَايَة، (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا)...

الخُطْبَةُ الأُوْلَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

عِبَادَ الله: مَنْ حَفِظَ حُدُوْدَ اللهِ حَفِظَهُ اللهُ في دِيْنِهِ ودُنْيِاه، وَلَمَّا تَمَسَّكَ أَصْحَابُ الكَهْفِ بِالدِّيْنِ الحَقّ؛ حَفِظَهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الحِفْظِ:

فَحَفِظَهُمْ اللهُ مِنْ أَذَى الشَّمْسِ؛ فَصَارَتْ تَمِيلُ عَنْ كَهْفِهِمْ يَمِينًا وَشِمَالًا، (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ)[الكهف:17].

 

كَمَا حَفِظَ اللهُ أَهْلَ الكَهْفِ بِتَقْلِيْبِ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ نِيَام، (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ)[الكهف:18]. قال ابنُ عَبَّاس: "لَوْ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ عَلَيْهِمْ؛ لَأَحْرَقَتْهُمْ، وَلَوْ أَنَّهُمْ لا يُقَلَّبُونَ؛ لَأَكَلَتْهُمُ الأَرْض".

 

كَمَا حَفِظَ اللهُ أَهْلَ الكَهْفِ مِن التَّأَذِّي بِالمَكَانِ الضَيِّق، قال تعالى: (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ)[الكهف:17]؛ أَيْ في مَكَانٍ مُتَّسَعٍ؛ لِيَدْخُلَ الهَوَاءُ والنَّسِيم، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ كَرْبَ الْغَارِ وَغُمُومَهُ.

 

وَحَفِظَ اللهُ أَصْحَابَ الكَهْفِ؛ فَجَعَلَ أَعْيُنَهُمْ مُنْفَتِحَةً؛ لِئَلَّا تَفْسُد، قال تعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ)[الكهف:18].

       

وَأَحَاطَ اللهُ أَصْحَابَ الكَهْفِ بِسِيَاجٍ مِنَ الهَيْبَةِ والرُّعْبِ؛ كَيْ لا يَصِلَ إِلَيْهِمْ وَاصِل، وَلَا تَلْمَسُهُمْ يَدُ لَامِس، (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا)[الكهف:18].

 

وكانَ مَعَ أَصْحَابِ الكَهْفِ (كَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ)[الكهف:18]؛ أَيْ جَالِسٌ على بَطْنِهِ، وَقَدْ مَدَّ ذِرَاعَيْهِ، يَحْرُسُهُمْ عِنْدَ بَابِ الكَهْف.

 

وَهَذِهِ فَائِدَةُ صُحْبَةِ الأَخْيار؛ فَإِنَّهُ صَارَ لِهَذَا الْكَلْبِ ذِكْرٌ وَشَأْنٌ، قال القُرْطُبِي: "إِذَا كَانَ بَعْضُ الْكِلَابِ قَدْ نَالَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ الْعُلْيَا بِصُحْبَةِ الصُّلَحَاءَ؛ حَتَّى أَخْبَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِالمُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِيْن؛ المُخَالِطِيْنَ لِلصَّالِحِينَ" .

 

قال ابنُ جُرَيْج: "يَرْبِضُ الكَلْبُ بِبَابِهِمْ كَأَنَّهُ يَحْرُسُهُمْ، وَكَانَ جُلُوسُهُ خَارِجَ الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ".

 

وبَعْدَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَتِسْعِ سِنِينَ اسْتَيْقَظَ أَصْحَابُ الكَهْفِ؛ فَدَبَّتْ الحياةُ فِيْهِمْ فَجْأَةً، وَهُمْ بِهَيْئَتِهِمْ حِينَ رَقَدُوا؛ فَلَمْ تَبْلَ أَجْسَادُهُمْ، وَلَمْ تَتَعَفَّنْ ثِيَابُهُمْ.

 

(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ)[الكهف:19]؛ أَيْ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنْ مُدَّةِ نَوْمِهِمْ، وَيَتَعَرَّفُوا على مَا صَنَعَ اللهُ بِهِمْ؛ فَيَعْتَبِرُوا وَيَسْتَدِلُّوا على قُدْرَةِ الله.

 

(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)[الكهف:19]، وَهَذَا مَبْنِيٌّ على ظَنِّهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ وَقَعَ عِنْدَهُمْ اشْتِبَاهٌ في طُوْلِ مُدَّتِهِمْ؛ فَلِهَذَا (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ)[الكهف:19]. فَسَلَّمُوا العِلْمَ إلى الله، وَمِنَ الأَدَبِ فِيْمَنْ اشْتَبَهَ عَلَيهِ العِلْم أَنْ يَقِفَ عِنْدَ حَدِّهِ، وَأَنْ يَرُدَّهُ إلى عَالِمِه.

 

وَاسْتَيْقَظَ أَصْحَابُ الكَهْفِ جِيَاعًا، فَأَرْسَلُوا أَحَدَهُمْ بالدَّرَاهِمِ الَّتِي كانَتْ مَعَهُمْ؛ لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ طَعَامًا يَأْكُلُوْنَه، وَأَمَرُوْهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ مْنَ الطَّعَامِ أَطْيَبَه، وأَنْ يَتَرَفَّقَ في ذَهَابِهِ وَإِيَابِه؛ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ أَمْرُهُمْ؛ فَيَتَعَرَّضُوا لِلْفِتْنَةِ أَو التَّعْذِيْب. (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)[الكهف:19-20].

 

فَالفَلاحُ والنَّجَاحُ بِالتَّمَسُّكِ بِالإِيْمَانِ، وَالخَسَارَةُ الكُبْرَى بِالكُفْرِ وَالعِصْيَان.

 

أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَاسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِه، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَانِه، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُه.

 

عِبَادَ الله: قِصَّةُ الكَهْفِ آيَةٌ عَجِيْبَةٌ مَنْ تَأَمَّلَهَا وَصَلَ إلى الرُّشْدِ والهِدَايَة، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا تَعَرَّضَ للضَّلَالِ والغِوَايَة، (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا)[الكهف:17].

 

اللَّهُمَّ افْتَحْ قُلُوْبَنَا لِتَدَبُّرِ كِتَابِكَ، والتَّفَكُّرِ في آيَاتِكَ وَمَخْلُوْقَاتِك.

 

اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَاخْتِمْ بالصالحاتِ أَعْمَالَنَا.

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمُسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والمُشْرِكِيْن.

 

اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المَهْمُوْمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ المَكْرُوْبِين.

 

اللَّهُمَّ آمِنَّا في أَوْطَانِنَا، وأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُوْرِنَا.

 

عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل:90].

 

فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت:45].

 

المرفقات
l1flJ7vtIf302QdMTw2xgLxYhiP9kRS7XU8CRz7t.pdf
yvOJlm0f0h1wLuvwoVfXWHPnvCNtOVuRfhkdyZgj.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life