أسباب أربعة لنيل الخير والمنفعة

أحمد طالب بن حميد

2024-02-23 - 1445/08/13
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/أمور أربعة تنفع العبد في الدنيا والآخرة 2/بيان حقيقة التضرع لله تعالى وحسن الظن به 3/خيرات وبركات تجديد التوبة

اقتباس

اعلموا أنَّ تجديدَ التوبةِ إلى اللهِ عَيْنُ كُلِّ رُتْبَةٍ ومَقامٍ، أَوَّلِهِ وَآخِرِه، بَاطِنِهِ وَظَاهِرِه، لا مَزيَّةَ لِمَنْ فَقَدَهَا، وَلَا فَقْدَ لِمَنْ وَجَدَها، هي مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ، رُوحُ المقاماتِ وَسَبَبُ الولاياتِ، لم يجعلِ الحقُّ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- رُتْبَةً دُونَها إلا الظلم...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك سيدنا محمد.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالة في النار.

 

أيها المؤمنون: اعلموا أنَّه لا أنفعَ للعبد من أمورٍ أَرْبَعَةِ: الاستسلامِ لِلَّه بالتوحيدِ والانقيادِ له بالطاعةِ، والبراءةِ من الشركِ وأهلِه، والتضرعِ إِلَيهِ -سبحانه- والافتقارِ بين يديه، وَحُسْنِ الظنِّ به -سبحانه وتعالى-، وَتجديد التَّوْبَة إِلَيْهِ، وَلَوْ عاد العبد إِلَى الذَّنْبِ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً؛ ففي الاستسلامِ إلى الله -تبارك وتعالى- سلامة المرء ظاهرًا وباطنًا، والرَّاحَةُ مِنَ التَّدْبِيرِ مع ربه عَاجِلًا، وَالظَّفَرُ بِالْمِنَّةِ العظمى آجِلًا، وَالسَّلَامَةُ مِنَ الشَّرْكِ بِالْمُنازَعَةِ، فكيف للعبد أن ينازع مولاه فيما لا يملكه معه؟! بل عليه أن يلقي نفسه في مملكة ربِّه، فإنما هو قليلٌ في كثيرها، صغيرٌ في كبيرها، يُدبِّره مولاه كما يُدبِّرُها، فلا تَخرُجْ عمَّا هو لكَ من العبودية، إلى ما ليس لك من ادعاء وصف الربوبية؛ فإن التدبير والاختيار من كبائر القلوب والأسرار؛ (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الْقَصَصِ: 68].

 

والتضرع إلى الله -تبارك وتعالى- فيه نزول العوائد ورفع الشدائد، والانطواء في أردية المنن، والسلامة من المحن، فيعوض العبد جزاء ذلك أن يتولى مولاه الدفع عنه في المضار، والجلب له في المسار، وهو الباب الأعظم، والسبيل الأقوم، يؤثِّر مع الكفران، فكيف لا يؤثِّر مع الإيمان؟! قال الله -عز وجل-: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)[الْإِسْرَاءِ: 67]؛ أي: فأجابكم، (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا)[الْإِسْرَاءِ: 67].

 

والتضرع إلى الله -تبارك وتعالى- هو الباب الذي جعله الله -تبارك وتعالى- بينه وبين عباده، تَرِدُ وارداتُ الْأَلْطَافِ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، وَتَتَوَالَى المننُ عَلَى مَنْ وَقَفَ بِهِ عَلَيْهِ، ويَصِلُ إِلَى حَقِيقَةِ العِنَايَةِ مَنْ دَخَلَ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَمتى فَتَحَ عَلَيْكَ بِهِ فَتَحَ عَلَيْكَ مِنْ كُلِّ خَيْرَاتِهِ، وَأَوْسَعِ هِبَاتِهِ، قال الله -عز وجل-: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)[الْأَنْعَامِ: 43].

 

وَأَمَّا حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ فَبَخٍ بَخٍ، وهنيئًا لمَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بها؛ فَمَنْ وَجَدَهُ لَمْ يَفْقِدْ مِنَ الخَيْرِ شَيْئًا، وَمَنْ فَقَدَهُ لَمْ يَجِدْ مِنْهُ شَيْئًا، فإنكَ لا تَجِدُ لَكَ عُذْرًا عِنْدَ اللهِ أَنْفَعَ لَكَ مِنْ حسن الظن بالله وَلَا أجدى، وَلَا تَجدُ أَدَلَّ لكَ عَلَى اللَّهِ -تبارك وتعالى- من حسن الظن به وَلَا أَهْدَى، يُعَلِّمُكَ عَنِ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَهُ مَعَكَ، وَيُبَشِّرُكَ بِبَشَائِرَ لا تَقْرَأُ سُطُورَها العَيْنَانِ، وَلَا يُترجِمُ عَنْهَا اللَّسَانُ، وَتجدُ ذَلِكَ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَاكِيًا عَنِ الله: "أَنَا عِنْدَ ظَن عَبْدِي بِي".

 

بارَك اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكْرِ الحكيمِ، ونفَعَنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قَوْلي هذا، وأستغفِر الله العظيم لي ولكم وللمسلمين فاستغفِروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله ربِّ العالَمِينَ، الرحمن الرحيم، أحمد ربي وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة كلها، وأُثنِي عليه الخيرَ كلَّه، هو كما أثنَى على نفسِه، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ ولي المتقين، وأشهد أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه إمام الصابرين، اللهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التَّوْبَةِ: 119].

 

واعلموا أنَّ تجديدَ التوبةِ إلى اللهِ عَيْنُ كُلِّ رُتْبَةٍ ومَقامٍ، أَوَّلِهِ وَآخِرِه، بَاطِنِهِ وَظَاهِرِه، لا مَزيَّةَ لِمَنْ فَقَدَهَا، وَلَا فَقْدَ لِمَنْ وَجَدَها، هي مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ، رُوحُ المقاماتِ وَسَبَبُ الولاياتِ، لم يجعلِ الحقُّ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- رُتْبَةً دُونَها إلا الظلم، فقال سبحانه وتعالى-: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الْحُجُرَاتِ: 11]، فَهِيَ مَطْلُوبَةٌ مِنْ كُلِّ رَسُولٍ وَنَبِيٍّ، وَصِدِّيقٍ وَوَلِيٍّ، وَبَارٍّ وتَقِيٍّ، وَفَاجِرٍ وغَوِيٍّ، وَكَافِرٍ وشَقِيٍّ، قال الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)[النِّسَاءِ: 1]، فَتَقُواهُ بِالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ، وَالنَّدَمِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَهْلُ الشُّرُورِ تَوْبَتُهُمْ بِالخُرُوجِ مِنْ شُرُورِهِمْ، وَأَهْلُ الخُيُورِ تَوْبَتُهُمْ بِعَدَمِ الوُقوفِ مَعَ خُيُورِهِمْ، قال الله -عز وجل-: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ)[الْحَجِّ: 78]، وَإِنَّ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ -عليه السلام- عَدَمَ الوُقوفِ مَعَ الفانِيَاتِ، وَالانْقِطَاعَ عَنْ نَظَرِ الكَائِنَاتِ، قَالَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مُخبرًا عَنْهُ: (قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)[الْأَنْعَامِ: 76]، قال الله -عز وجل-: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[النُّورِ: 31].

 

وبالجُمْلَةِ: مَنْ لم يَنْفَعْهُ القليلُ، لم يَنْفَعْهُ الكَثِيرُ، وَمَنْ لم تَنْفَعْهُ الإِشَارَةُ، لَمْ تَنْفَعُ فيه العبارةُ، وإذا أَفْهَمَكَ اللهُ، لَمْ يَنقَطِعْ سَمَاعُكَ، وَلَمْ يَتَحَيَّنِ انْتِفَاعُكَ.

 

عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وزِدْ وبارِكْ على عبدِكَ ورسولِكَ نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدينَ، الأئمة المهديينَ؛ أبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعينَ، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ، وعنَّا معهم برحمتكَ يا أرحمَ الراحمينَ.

 

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذلَّ الشركَ والمشركينَ، ودمِّر أعداءكَ أعداءَ الدينِ، واجعل هذا البلدَ آمِنًا مطمئِنًّا سخاءً رخاءً، وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهمَّ آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِحْ أئمتَنا وولاةَ أمورنا، واجعَلْ ولايةَ المسلمينَ فيمَنْ خافَكَ واتَّقاكَ واتَّبَعَ رضاكَ يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ وفِّق إمامَنا لهداكَ، واجعَلْ عملَه في رضاكَ، وارزقه البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ، التي تدلُّه على الخير وتُعِينه عليه يا أرحمَ الراحمينَ، اللهمَّ ووليَّ عهده وإخوانَهم على الخير يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ كن لإخواننا المستضعَفين في فلسطين، اللهمَّ كن لهم مؤيدًا وظهيرًا وناصرًا يا قوي يا عزيز، اللهُمَّ أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، يا قوي يا عزيز يا كريم.

 

اللهمَّ (رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201].

 

عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]، فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلم ما تصنعون.

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات
زائر
24-02-2024

جزاكم الله خيرا كثيرا وفتح الله لكم ابواب الخير يارب العالمين 

زائر
24-02-2024

جزاكم الله خيرا على جهودكم

 

زائر
25-02-2024

هناك مشكلة عند محاولة تنزيل الخطبة في ملف word

 

نعمل على إصلاحها .. بارك الله  فيك 

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life