أخلاق المودة والتراحم والتعاطف في المجتمع المسلم

الشيخ محمد سليم محمد علي

2023-12-10 - 1445/05/26
عناصر الخطبة
1/المجتمع الإسلامي جسد واحد 2/في أيام الشدة تجب المواساة والنصرة 3/وجوب تحقيق أخلاق الرحمة والتواد والمودة بين المسلمين 4/أمثلة لتحقيق خُلُق التراحم بين المسلمين 5/الواقع المؤسف لأحوال المسلمين فيما بينهم 6/دعوات وابتهالات لرفع الشدة والابتلاءات

اقتباس

عبادة المودَّة وعبادة التراحم وعبادة التعاطف مع المسلمين من أفضل العبادات، وهي من مواسم التجارة مع الله، وهي من أخلاق المسلمين الذين كَمُلَ إيمانُهم، وقد أرشدَنا رسولُنا -صلى الله عليه وسلم- إلى هذه العبادات الثلاثة...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله ربِّ العالَمِينَ، أمرنا فقال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 132]، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحده، لا شريك له، أمرنا بالوحدة والاعتصام فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آلِ عِمْرَانَ: 103]، والتواد والتراحم والتعاطف من الاعتصام بحبل الله، فيا مسلمون: تحابوا، وتراحموا، وتعاطفوا.

 

وأشهد أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، شبَّه مجتمعَنا المسلمَ بالرجل الواحد، أو بالجسد الواحد، إذا اشتكى رأسُه اشتكى كلُّه، فقال وهو الصادق المصدوق: "‌مَثَلُ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌فِي ‌تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ شَيْءٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".

 

اللهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليه، وعلى آله الطاهرين، وعلى أصحابه الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعدُ: اتقوا الله عباد الله، وألفوا بين قلوبكم، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر؛ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[الْبَقَرَةِ: 281].

 

أيها المسلمون: إنكم تعيشون تحت سمع الله وبصره، بمرأى منه وبعلمه، وفي كنفه ورعايته وحراسته، وأيامكم هذه أيام شدة وابتلاء وكربات ومشقَّة، فيها يحسن المسلمون صلتهم بربهم، وبمن حولهم من إخوانهم، فأحسِنوا صلتَكم بالله، وبمن حولكم من المسلمين؛ كي تُقبَل أعمالُكم، وتُضاعَف أجورُكم، ولكي يكتبكم الله من الذين قال فيهم: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)[الْمَائِدَةِ: 119]، ولكي تكونوا من الذين قال الله فيهم: (أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)[الْبَيِّنَةِ: 7].

 

يا مؤمنون: السماوات والأرض والجبال ثقيلة، لا يستطيع أن يحملها أحد، والشدائد والكربات والنوازل ثقيلة، كثقل السماوات والأرض والجبال، وأنتم قادرون على حملها؛ بطاعتكم لله ولرسوله، وباتصافكم بصفات ترسم معالم حياتكم الإيمانية وتحددها.

 

يا عبادَ اللهِ: طاعتكم لله -سبحانه- تكون بحبه وامتثال أمره، واجتناب نواهيه، وطاعتكم لرسوله -صلى الله عليه وسلم- تكون بحبه واتباع هديه ولزومه، فحقِّقوا ذلك في حياتكم؛ كي ينزل الله بكم رحمته، ويرفع عنكم الشدائد والابتلاءات والكربات، أروا الله طاعتكم له، من غير تململ فيها بالتكليف، طاعة لا تقيمون فيها على معاصيه، أطيعوا الله بقلوبكم، أطيعوا الله بجوارحكم، أطيعوا الله في كل شؤونكم، تتنزل عليكم الرحمات، وتكشف عنكم الشدائد والكربات.

 

أيها المؤمنون: نعم، الشدائد والابتلاءات والكربات ثقيلة، ولكنكم قادرون على حملها بالمودة للمسلمين، وبرحمتهم، وبالعطف عليهم، اعلموا -رحمكم الله-، كما أن النفس والطعام والشراب لا حياة لكم بدونها، فكذلك المودَّة والتراحم والتعاطف بينكم لا يكتمل إيمان أحدكم بدونها -مجتمعةً-، ولا تتنزل بدونها الرحمة، فالمودة والتراحم والتعاطف بينكم هي أول الواجبات، والمستحقَّات، قال رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: "لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسِه مِنَ الخيرِ".

 

أيها المسلمون: عبادة المودَّة وعبادة التراحم وعبادة التعاطف مع المسلمين من أفضل العبادات، وهي من مواسم التجارة مع الله، وهي من أخلاق المسلمين الذين كَمُلَ إيمانُهم، وقد أرشدَنا رسولُنا -صلى الله عليه وسلم- إلى هذه العبادات الثلاثة، حتى طلَب مِنَ الذي عنده ما هو زائد عن حاجاته الضروريَّة أن يعطيه لمن لا يملكه، فقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كان عندَه فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ به على مَنْ لا ظهرَ له، ومَنْ كان عندَه فضلُ زادٍ فَلْيَعُدْ به على مَنْ لا زادَ له"، قال راوي الحديث: "فذكَر من أصناف المال ما ذكَر، حتى رأينا أنَّه لا حق لأحد منا في فضل".

 

أيها المؤمنون: وضرب لنا الصحابة أروع الأمثلة في التواد والتراحم والتعاطف، حتى استحقت قبيلة الأشعريين الثناء من النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهم، فقال فيهم: "‌إِنَّ ‌الْأَشْعَرِيِّينَ ‌إِذَا ‌أَرْمَلُوا في الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ"، وأنا -يا عباد الله- لا أطلب منكم أن تكونوا كالأشعريين، ولكن سددوا وقاربوا.

 

أيها المسلمون: إننا لا نرى التواد والتراحم والتعاطف من المسلمين على حقيقته معنا، ومن الأمثلة على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "‌الْمُسْلِمِ، ‌لَا ‌يَظْلِمُهُ ‌وَلَا ‌يُسْلِمُهُ"، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه، ولا يخذله"، وهذه كلها التي نهى عنها نبينا -صلى الله عليه وسلم-، لا ينتهي عنها المسلمون، بل يقيمون بها، وهذه آثارها نراها في واقعنا، وهي من المصائب في الدين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

يا عبادَ اللهِ: والمودة والتراحم والتعاطف لا نراها في واقعنا ومجتمعنا، ألَا ترون حوادث القتل في مجتمعنا؟! هل هي من المودَّة والتراحم والتعاطف؟! انظروا حولكم: فينا من انقطع رزقه وعمله، من العمَّال والموظفين، فينا عائلات مستورة، فينا نساء لا رزق لهنَّ، فينا من يستأجر بيتًا ولا بيت له، فاسألوا أصحاب العمارات والعقارات: هل خفضوا من الأجرة على المستأجرين؟! أم ازداد طمعهم؟! واسألوا التجار: هل رحموا الناس فلم يرفعوا الأسعار؟! واسألوا من حساباتهم مليئة بالأموال في البنوك: هل عجَّلوا زكاتها؟! وهل أخرجوا منها الصدقات على الفقراء والمحتاجين؟! ألا يعلم هؤلاء وأمثالهم أن الواجب عليهم في حالات الرخاء أن يكونوا متعاطفين متراحمين ومتحابين، فكيف في الحالات التي تداهمهم فيها الشدائد والابتلاءات والكربات والخطوب، فيا سبحان الله! كأن بعضهم لا يعيش في مجتمعنا وبيننا، سبحانك ربي، كأن حال المسلمين لا يعنيهم.

 

فيا مؤمنون: إن رسولكم -صلى الله عليه وسلم- يدعوكم أن تكونوا جسدًا واحدًا، في الرخاء خاصَّة، وفي الشدائد عامَّة، فاجعلوا مودتكم واحدة، وتراحمكم واحدًا، وتعاطفكم واحدًا، الحذر الحذر أن تكونوا من الذين قيل عنهم: "أنتم يومئذ كثير"؛ فهذا الكثير غثاء كغثاء السيل، لا نفع فيه، ولا خير منه، فانشروا المودَّة فيكم، وانشروا التراحم بينكم، وعليكم بالتعاطف، اجعلوه جزءًا من واقعكم، وكونوا على قلب رجل واحد، ضعوا تحت أقدامكم أهواءكم وشهواتكم، وحب التكاثر في الأموال والعصبيات، ضعوا تحت نعالكم أحقادكم، وقطع أرحامكم، وسوء العشرة والجوار، والفرقة والخصام، ولا تغلقوا أبواب الجنة في وجوهكم، وقد أعطاكم الله مفاتيحها، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا دخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا"، فأقيموا مجتمعاتكم على التراحم والصلة، وقضاء الحوائج، وحسن المعاشرة، يقول رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ ‌سُرُورٌ ‌تُدْخِلُهُ ‌عَلَى ‌مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَئِنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي في حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ في هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا في مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ ‌وَلَوْ ‌شَاءَ ‌أَنْ ‌يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رِضًى".

 

نعم يا مسلمون: هذه الْمَعالِم نُذكِّرُكم بها في أيام الشدة والابتلاءات والكربات والمحنة؛ لتحافظوا بها على بنيانكم، وتعززوه، فعَضُّوا عليها بالنواجذ، يضاعف الله لكم أجرها، وتنالوا خيرها وبرها، في الدنيا والآخرة.

 

فاللهمَّ حبِّبْ إلينا الإيمانَ، وزيِّنْه في قلوبنا، وكَرِّهْ إلينا الكفرَ والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

 

عبادَ اللهِ: إن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل ساه لاه، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله ربِّ العالَمِينَ، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ، وحدَه لا شريكَ له، ملأ قلوبنا بالرضا في السراء والضراء، ورفع قدرنا بالطاعة والإيمان، وأشهد أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، طهَّر اللهُ علانيتَه، وسريرتَه، وزكَّى سيرتَه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.

 

أمَّا بعدُ، أيها المسلمون:

إِنْ مسَّنا الضرُّ أو ضاقت بنا الحِيَلُ *** فلن يخيبَ لنا في ربنا أملُ

مَنْ ذا نلوذُ به في كَشْفِ كُربَتِنَا *** ومَنْ عليه سوى الرحمن نتَّكِلُ

كَمْ أنقَذ اللهُ مضطرًّا برحمته *** وكم أنال ذوي الآمالِ ما أَمِلُوا

 

فيا ربنا: ارفع هذا الابتلاء والكربات والنوازل عن شعبنا، اللهُمَّ أغثهم بالأمن، اللهُمَّ أغثهم بالعافية، اللهُمَّ أغثهم بكل ما يحتاجون، اللهُمَّ أطعم الجوعى، واكس العراة، واشف الجرحى، وشاف الجرحى، وآو من لا مأوى له، ارحم شهداءنا واخلف على من أصبته ببلاء خيرًا.

 

اللهُمَّ أنت أماننا، وأنت ملاذنا، فيا غياث المستغيثين أغثنا، أغث أسرانا، أغث أقصانا، أغث مسرانا، وانصر ديننا، وفرج كرباتنا، وتولنا فأنت مولانا.

 

اللهُمَّ وحِّد صفوفَ المسلمينَ، واجمع على الحق كلمتهم، واجعلهم متوادين متراحمين متعاطفين، اللهُمَّ احفظ لنا أقصانا، وارزقنا الغدو والرواح إليه في كل وقت وحين، اللهُمَّ فرج هموم المهمومين، ونَفِّسْ كربَ المكروبينَ، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهُمَّ اغفر لنا عجزنا وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس يا ربَّ العالمينَ، اللهُمَّ احرسنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بركنك الذي لا يرام، واغفر لنا ولموتى المسلمين.

 

وأنتَ يا مقيمَ الصلاةِ أقم الصلاة؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 45].

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life