طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

(360)
1610

المروءة المروءة

تاريخ النشر : 1441/12/06
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

المروءة زينة للمؤمن وأي زينة، بها يبيّض وجهه نورًا وإشراقًا، وتعلوه بها الهيبة والوقار، ويقبل الناس عليه حبًا وألفةً ووفاءً، هكذا ترى المؤمن في مروءته لا يفعل إلا ما يزينه ويعلي شأنه، يترفع عن…

المروءة كلمة مضيئة تجمع تحتها فضائل جليلة، وتنطلق على ألسنة الناس حينما يرون مظاهرها تتجلى على النفوس الطيبة، وينفونها إذا صدمت أعينهم برؤية ما يخل بها.

 

المروءة تلك الصفة التي تتطلع إليها الأرواح الكريمة، وتنشأ على مبادئها بيوت عباد الله الصالحين: إنها كما يعرفها العلماء: “صفة نفسية تحمل الإنسان على الأخذ بحميد الأخلاق وترك رديئها”.

 

فالإسلام كما حرص على تربية المؤمن بالأخذ بالواجبات وترك المحرمات، حرص عليه كذلك أن يكون أنموذجًا متكاملاً في كل ما يشرفه في نسبته إلى دينه، فإذا أقدم المرء على فعل من الأفعال، أو قول من الأقوال فليتذكر أنه مسلم مؤمن، فهل يحب إذا فعل ذلك الفعل أو قال ذلك القول أن ينسب إلى فئة المسلمين!!

 

المروءة زينة للمؤمن وأي زينة، بها يبيّض وجهه نورًا وإشراقًا، وتعلوه بها الهيبة والوقار، ويقبل الناس عليه حبًا وألفةً ووفاءً، هكذا ترى المؤمن في مروءته لا يفعل إلا ما يزينه ويعلي شأنه، يترفع عن دناءة التصرفات المزرية ولو فعلها من فعلها، ويسمو عن دنايا المشارب؛ فلا يدنو منها، فإنك ترى الحياء عليه حارسًا يصونه عن الخطى المشبوهة، والرذائل المشينة.

 

لقد ارتضى الله -تعالى- في الشهادة الشرعية من عرف بمروءته دون من افتقدها، فقال: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ)[البقرة:282].

 

قيل لسفيان بن عيينة رحمه الله: “قد استنبطت من القرآن كل شيء، فأين المروءة في القرآن؟ قال في قول الله تعالى: (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ)[الأعراف: 199]”.

 

ويأتي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقاعدة المروءة الرصينة فيقولون: “إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت”(رواه البخاري).

 

والنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أتى ليتمم مكارم الأخلاق، وليخبر الأمة في الحديث الصحيح “إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، وَمَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيُبْغِضُ سَفْسَافَهَا”(رواه الحاكم وصححه).‏

 

وسأل ابن زياد رجلاً من الوجهاء والحكماء: “ما المروءة فيكم؟ قال: أربع خصال: أن يعتزل الرجل الريبة، فلا يكون في شيء منها؛ فإنه إذا كان مريبًا كان ذليلاً، ومن كان ذليلاً لم تكن له مروءة، وأن يصلح ماله؛ فإن من أفسد ماله لم تكن له مروءة، وأن يقوم لأهله بما يحتاجون إليه؛ حتى يستغنوا به عن غيره، فإنه من احتاج أهله إلى الناس لم تكن له مروءة، وأن ينظر فيما يوافقه من الطعام والشراب فيلزمه؛ فإن المروءة ألا يخلط على نفسه في مطعمه ولا مشربه”.

 

وقال بعضهم: “اعلم أن من المروءة أيضًا عشر خصال؛ لا مروءة لمن لم يكن فيه: الحلم، وصدق اللهجة، وترك الغيبة، وحسن الخلق، والعفو عند المقدرة، وبذل المعروف، وإنجاز الوعد، وان تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وألا تعمل في السرّ ما يستحيا منه في العلانية”.

 

أيها الأحبة: إن المحطة الأولى التي ينبغي على المؤمن أن ينطلق منها في مروءته، هي مروءته مع خالقه سبحانه، الذي أكرمه بجميل الخلق، وهداه إليه، وأحسن إليه بنعمه التي لا تعد ولا تحصى، فهل من المروءة أن يجحد به خالقًا وربًا ورقيبًا؟ وهل من المروءة أن يجاهر المرء بالمعصية، أو يستكبر عن الهداية! التفت يا رعاك الله إلى وصف الكريم لأحبابه حينما وصف مروءتهم فقال: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)[الفرقان:73]، إنها سمة عالية من الأدب الجم حينما يقبل العبد على كلام ربه أو كلام نبيه -صلى الله عليه وسلم-، يصغي إليه بقلبه وقالبه وبكل جوارحه، إنها مروءة يتبعها العمل الجاد، والإخلاص المثمر.

 

والمروءة مع النفس، حينما يرتضي لها أجل المواضع وأزكاها، فغدت نفسه كريمة زكية نبيلة، طاهرة صافية نقية، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)[الشمس:9-10].

 

والمروءة مع الخلق، حينما يكون معهم كلؤلؤة في وسط عقد، يزينهم ولا يشينهم، يقابل إساءتهم بالعفو، ويعرض عن جهلهم عليه، ولا تستثيره طباعهم، بل يختار لهم أجمل الحديث، وطلاقة المحيا، وأحلى الابتسامات، وأرق المشاعر، إن صاحب المروءة قوي الإرادة مع الناس حينما يدعوه بعضهم إلى الحرام فيمتنع عن المسير معهم، وإن صاحب المروءة لين الجانب مع الناس حينما يوصونه بسُنَّة ويعلِّمونه هديًا.

 

وربما كان محل المروءة العقل، فعليه ألا يفكر إلا فيما يجمله عند ربه وبين خلقه، ومن أجمل مظاهرها إتقان الأعمال؛ فإنه إذا أحب أحدكم أن يعمل عملاً فليتقنه، ويلمع بريق المروءة في المنازعات والخصومات؛ لتتضح المعادن الأصيلة من المزيفة، فلا يغير الخصام في ذي المروءة وجهًا، ولا يسف فيه لسانًا، بل يزيده بهاءً وحكمة وروية، (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)[الفرقان:63]، (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)[الإسراء:53].

 

أيا صاحب المروءة: ألا توافقني الرأي أن من هرم المروءة العتيد أن يتجنب المرء مواقع الشُّبَه، وأماكن الريبة، فكريَّا وسلوكيَّا؛ فإن الاقتراب من حمى الباطل ذريعة للوقوع فيه، والناس ليس لهم إلا الظاهر، فاربأ بنفسك أن تضع نفسك في دائرة التهمة بالانحراف وأنت أبعد الناس عنه، (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)[الفرقان:72].

 

وإن من المروءة طلب الرزق، وحبس اليد عن السؤال من غير حاجة، والسير في الطريق الوسط في المال، فلا تبذير يفلس الإنسان، ولا بخل يحط من قدره، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ”(رواه البخاري).

 

ويقول عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: “نحن معشر قريش نعد العفاف وإصلاح المال من المروءة”.

 

يا أيها الفضلاء: إن من أصدق مظاهر المروءة أن يحفظ المرء لسانه من الخوض في أعراض الناس بل وعرض نفسه أيضًا، ويصون لسانه من الاستهزاء والسخرية والتعليق على أخطائهم وزللهم؛ فليس هذا من شيم الرجال أو أصحاب العقول الراجحة، “يقول عمر بن عثمان المكي: المروءة التغافل عن زلل الإخوان”.

 

ولك أن تعجب ممن يدعي المروءة وهو يطير بالإشاعات التافهة، أو ينشر مشكلات الآخرين، أو يشمت بالمؤمنين، يتلبس بلبوس الأخلاق وهو عار منها، أو هناك أشنع من أذية المؤمنين؟! قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)[الأحزاب:58].

 

وإن من أسمى معاني المروءة أن تحفظ للناس وُدَّهَم، وتشكرهم ولو على القليل من معروفهم وكريم معاملتهم، ورحم الله سفيان الثوري يوم أن قال: “إني لأُريدُ شربَ الماءِ؛ فيسبقني الرجل إلى الشربة، فيسقينيها، فكأنما دَقَّ ضلعاً من أضلاعي؛ لا أقدر على مكافأته”.

 

وما أجمل من يتوج مروءته بجمال مظهره في ثيابه وعطره، فإن الله جميل يحب الجمال، غير أن من خوارم المروءة تقليد المنحرفين في ملبوساتهم ما دامت لا تتفق مع الدين أو الأعراف.

 

المروءة المروءة -أيها المربون-، نربي عليها أجيالنا؛ فهي حارس الواجبات والمحرمات، إذا لم نصنها ربما استخف الناس بأوامر الله ونواهيه.

 

المروءة لباس الجمال الذي ارتداه عباد الرحمن، وينبغي أن نرتديه ونُلْبِسَه النشء؛ لنظهر ديننا في أبهى حلته، وفي أجمل نماذجه.

 

زيَّن الله أيامكم وأخلاقكم بما يحب، إنه سميع مجيب.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات