طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > شعبان حِبُّ رسول الله

ملتقى الخطباء

(1)
1582

شعبان حِبُّ رسول الله

تاريخ النشر : 1441/08/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ورفع الأعمال إلى الله -تعالى- مع كونه صائمًا أدعى إلى القبول عند الله -تعالى- وأحب إلى الله جل وعلا وأن يتقبل صالح عمله كله سبحانه و-تعالى- وأن يثيبه عليه أعظم الإثابة، وأن يكافئه عليه أعظم مكافأة، وهو ما يسعى إليه المؤمنون تأسيا واقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.

كلنا يحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكلنا يتمنى أن ينال شفاعته، ويحظى برفقته، والتشرف بالوقوف تحت لوائه يوم القيامة، والتنعم بقربه، والتلذذ بالشرب من يده على حوضه، حتى أشد الناس عصياناً يتمنى هذا المقام، ولا يخلو قلب امرئ من هذا الشعور إلا من كفر بنبوته وجحد رسالته.

 

وأقرب طريق إلى الوصول إلى محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ طاعته واتباع أوامره، ومحبة ما يحبه، فإن المحب لمن يحب مطيع، وإن عنوان المحبة ودليلها؛ محبة ما يحبه المحبوب.

 

فالرسول -صلى الله عليه وسلم- كان له محاب كثيرة، من أشخاص، وأماكن، وأزمان، وأفعال، فكان يحب أصحابه عامة والمهاجرين والأنصار خاصة، وكان أبو بكر الصديق أحب الرجال إليه، وابنته الصديقة عائشة أحب النساء إليه، وأسامة بن زيد أحب الفتيان إليه، وكانت مكة البلد الحرام أحب الأماكن إليه، وكذلك المدينة ودعا لهما بالبركة والحفاظ من الشرور، وكان يحب جبل أحد، وكان أحب الطعام إليه ؛الثريد، وأحب الشراب إليه؛ الماء والعسل، وكان يحب الطاعات والعبادات كلها، وكانت الصلاة أحب الطاعات إليه.

 

أما أحب الأزمان إليه فكان – ولا تعجب- شهر شعبان!!

 

نعم شهر شعبان من الأشهر التي كان يحبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما قد يستغربه البعض، والمتأمل في واقع حال النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرته وثناءه على شهر شعبان يجد أنها تؤكد ذلك.

 

فلماذا شهر شعبان؟ وما هي أسراره وفضائله وبركاته التي رفعته لتلك المرتبة السامقة بين شهور العام الاثني عشر؟

 

فضائل شهر شعبان:

عن أسامة بن زيد -رضيَ الله عنهما- أنه سأل النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم في شعبان، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله -تعالى- فأحب أن يُرفعَ عملي وأنا صائم”.

 

وعن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنها قالت: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان”.

 

وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: “لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشهر من السنة أكثر صياما منه في شعبان”.

 

فاجتمع في هذا الشهر منقبتان لم تجتمعا في شهر غيره. الأولى أنه شهر غفلة الناس، والثانية أنه شهر رفع الأعمال.

 

العبادة في أوقات الغفلة:

مواظبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الإكثار من صيام شعبان وتعليله لذلك بأنها شهر يغفل عنه الناس، بيان نبوي كريم بأهمية الاستقامة على أمر الطاعة والإكثار منها في أوقات غفلة الناس ولهوهم وانشغالهم بأمور الحياة.

 

وقد تكلم أهل العلماء الأفاضل عن حكمة الانشغال بالعبادة في أوقات انشغال الناس بالحياة، وذهبوا في ذلك مذاهب جميلة واتحافات متنوعة. فقال الإمام ابن رجب الحنبلي: “أن شهر شعبان يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، حيث يكتنفه شهران عظيمان، الشهر الحرام رجب، وشهر الصيام رمضان، فقد اشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولاً عنه، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه؛ لأن رجب شهر حرام، وليس الأمر كذلك. وفي قوله: “يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان”، دليل على استحباب عمارة الأوقات التي يغفل عنها الناس ولا يفطنون لها، كما كان في بعض السلف، يستحبون إحياء ما بين العشائين -المغرب والعشاء -ويقولون هي ساعة غفلة، وكذلك فضل القيام في وسط الليل، حيث يغفل أكثر الناس عن الذِّكر؛ لانشغالهم بالنوم في هذه الساعة؛ وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة، فكن”.

 

وقال الإمام الشوكاني في حكمة الأمر: “ولعل الحكمة في صوم شهر شعبان: أنه يعقُبه رمضان، وصومه مفروض، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره؛ لما يفوته من التطوع، الذي يعتاده بسبب صوم رمضان”.

وقد أجاب الإمام ابن رجب عن تفضيل شعبان في الصوم على غيره بما في ذلك ما ورد فيه النص مثل شهر الله المحرم وصيام دواد -عليه السلام-، فقال: ” فإن قيل: فكيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخص شعبان بصيام التطوع فيه مع أنه قال: “أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم”؟!

فالجواب: أن جماعة من الناس أجابوا عن ذلك بأجوبة غير قوية لاعتقادهم أن صيام المحرم والأشهر الحرم أفضل من شعبان، كما صرح به الشافعية وغيرهم. والأظهر خلاف ذلك وأن صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم.

 

فإن قيل: فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما” ولم يصم كذلك بل كان يصوم سردا ويفطر سردا ويصوم شعبان وكل اثنين وخميس؟

قيل: صيام داود الذي فضله النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصيام، قد فسره النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر، بأنه صوم شطر الدهر وكان صيام النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا جمع يبلغ نصف الدهر أو يزيد عليه. وقد كان يصوم مع ما سبق ذكره يوم عاشوراء أو تسع ذي الحجة. وإنما كان يفرق صيامه ولا يصوم يوما ويفطر يوما لأنه كان يتحرى صيام الأوقات الفاضلة. ولا يضر تفريق الصيام والفطر أكثر من يوم. ويوم إذا كان القصد به التقوى على ما هو أفضل من الصيام من أداء الرسالة وتبليغها والجهاد عليها والقيام بحقوقها. فكان صيام يوم وفطر يوم يضعفه عن ذلك، ولهذا سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي قتادة عمن يصوم يوما ويفطر يومين؟ قال: (وددت أني طوقت ذلك)

 

وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص لما كبر يسرد الفطر أحيانا ليتقوى به على الصيام، ثم يعود فيصوم ما فاته محافظة على ما فارق عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من صيام شطر الدهر، فحصل للنبي -صلى الله عليه وسلم- أجر صيام شطر الدهر وأزيد منه بصيامه المتفرق، وحصل له أجر تتابع الصيام بتمنيه لذلك، وإنما عاقه عنه الاشتغال بما هو أهم منه وأفضل والله أعلم”.

 

ومن فوائد العبادة في أوقات الغفلة:

1 – الإخلاص والخفاء: من أكثر الأمور التي كانت تهم السلف في عبادتهم وطاعاتهم؛ مراقبة الإخلاص فيها والحرص على إخفائها. فهم يعلمون أن قبول العمل موقوف على الإخلاص، فهو الشرط الأول لقبول الأعمال، وبه يتمايز أهل الصف الواحد في الصلاة بين محلق في عنان السماء، وملتصق بحضيض الأرض. لذلك كان جلّ اجتهادهم في الحفاظ على الإخلاص. وهذا ما يتيسر في أوقات الغفلة لقلة العاملين، وعدم الاكتراث بهم، فلا يراقبهم أحد سوى الله -سبحانه- المطلع على خلقه. لا سيما الصيام؛ فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء، وكان بعض السلف يصوم سنين عددًا، لا يعلم به أحد، فكان يخرج من بيته إلى السوق ومعه رغيفان، فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما، ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته، وكان السلف يستحبون لمن صام أن يظهر ما يخفي به صيامه. فقد روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: “إذا أصبحتم صيامًا، فأصبحوا مدَّهنين”، وقال قتادة: “يُستحب للصائم أن يدَّهن؛ حتى تذهب عنه غبرة الصيام”.

 

2 – ترويض النفوس: فالطاعة في وقت الغفلة شاقة وثقيلة على النفس التي عادة ما تنشط في الأعمال الجماعية وتستنهضها روح المنافسة مع الآخرين لمزيد من العمل. والعمل إذا كثر المشاركون فيه سهُل، وإذا كثرت الغفلات شق ذلك على المتيقظين؛ وعند مسلم من حديث معقل بن يسار، عن النبي الأكرم -صلى الله عليه وسلم- قوله: “العبادة في الهرج كالهجرة إليَّ”.

وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم، ولا يرجعون إلى دين، فيكون حالهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسَّك بدينه، ويعبد ربه، ويتبع ما يرضيه، ويجتنب ما يغضبه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به، متبعًا لأوامره، مجتنبًا لنواهيه.

 

3 – الصيانة من الانحراف: فالنفس البشرية من طبعها أن تسترق الطباع والعادات والأخلاق والأفعال من غيرها، وتتأثر به، لذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخَالِل”. قد قيل أيضًا: “الصاحب ساحب إما إلى الجنّة وإمّا إلى النار”.

 

رفع الأعمال:

الأمر الثاني الذي علل به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثرة صيامه في شهر شعبان؛ رفع الأعمال.

 

ورفع الأعمال من أهم القضايا التي تهم حياة أي مسلم صادق. فمصيره في الآخرة موقوف على جودة ما يُرفع إلى ربه، لذلك حرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على جودة الفعل وجودة الحال أيضاً ليجتمع للعبد أفضل وأكمل هيئة لتقديم أوراق اعتماده في جنات الرحمن.

 

ورفع الأعمال على ثلاثة أنواع:

رفع يومي: فقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الأعمال تُرفع إلى الله -تعالى- رفعًا عامًّا كل يوم، فقال: “يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ – وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ – كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ”.

 

رفع أسبوعي: يومي الاثنين والخميس. فقد روى الإمام أحمد والنسائي عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسرد حتى نقول لا يفطر، ويُفطر حتى لا يكاد يصوم، إلا يومين من الجمعة إن كانا في صيامه، وإلا صامهما، ولم يكن يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان، فقلت: يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامكَ، وإلا صمتهما: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” أيُّ يومين؟ “، قال: الاثنين والخميس، قال -صلى الله عليه وسلم-: “ذلك يومان تُعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأُحب أن يُعرض عملي وأنا صائم”.

 

رفع سنوي: في شهر شعبان من عام، كما ثبت من حديث أسامة بن زيد وعائشة -رضي الله عنهما-.

 

ورفع الأعمال إلى الله -تعالى- مع كونه صائمًا أدعى إلى القبول عند الله -تعالى- وأحب إلى الله جل وعلا وأن يتقبل صالح عمله كله سبحانه و-تعالى- وأن يثيبه عليه أعظم الإثابة، وأن يكافئه عليه أعظم مكافأة، وهو ما يسعى إليه المؤمنون تأسيا واقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

فضل ليلة النصف من شعبان:

ومن الأمور التي تميز بها شهر شعبان عن غيره من الشهور وجعلته حِبّ رسول الله من الشهور؛ ليلة النصف من شعبان. فقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة في مجملها ضعيف لا ينهض للاحتجاج منفرداً إلا إذا ضُم بعضها لبعض فإنها ترقى لدرجة الحسن لغيره. أجودها ما رواه أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي شيبة في المصنف، والطبراني في الكبير والأوسط، من حديث أبي موسى الأشعري عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال:” إن الله -تعالى- ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك، أو مشاحن”. ومما هو صالح للاحتجاج أيضا في فضلها، ما رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه”.

 

فينبغي على العبد أن يتحلى بالطاعات التي تؤهله لمغفرة الرحمن، وأن يبتعد عن المعاصي والذنوب التي تحجبه عن هذه المغفرة. ومن أخطرها: الشرك بالله، فإنه مانع من كل خير. ومن أشهرها الشحناء والحقد على المسلمين، وهو يمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا”(رواه مسلم). فأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها.

 

ولم يثبت في تخصيص هذه الليلة بصلاة معينة، أو دعاء معين، شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه، وأول ظهور لذلك كان من بعض التابعين خاصة أهل الشام.

قال ابن رجب: “وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها. وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك فمنهم من قَبِلَه منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز”.

وقال ابن تيمية -رحمه الله-: “وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة”.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات