طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

(415)
1572

جرائم الملل

تاريخ النشر : 1441/07/09
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فالداعية إلى الله والمصلح والخطيب والواعظ والمربي إذا كان سريع الملل فهذه هي المصيبة، لأن الدعاة إلى الله، وطلبة العلم، هم مشاعل النور والخير في كل مجتمع، وهم القدوات التي يقتدي الناس بها، وبهم يتعلم الناس أحكام الشرع، وعلى أيديهم يتربى الجيل الناشئ، وهم…

من الحكم العربية البليغة ما قاله الصحابي الجليل عمرو بن العاص عندما اعترضه أحد الرعية أثناء ولايته على مصر وسأله عن سبب ركوبه لبغلة عجوز وهو أمير البلاد ويستطيع ركوب أفرس الدواب، فقال كلمته البليغة: “أنا لا أملُّ ثوبي ما وسعني، ولا أملُّ زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أملُّ دابتي ما حملتني، إنَّ الملال من سيئ الأخلاق”.

 

السآمة، الضجر، قلة الصبر، الرغبة المتتالية للتغيير، الفقدان السريع للشغف، كلها مترادفات لواحد من أكثر الأمراض الاجتماعية والنفسية شيوعاً وانتشاراً بين كل مكونات المجتمع بشتى شرائحها إلا وهو مرض “الملل” الذي تفاخر الصحابي الجليل بأنه لا يعرفه، وهكذا كان سائر الصحابة والعرب الأوائل الذين كانوا يعدّون السآمة والملل من سيئ الأخلاق.

 

ففي ظل اهتمام الحضارة المعاصرة بالناحية الجسدية من الإنسان، وبسبب ضغط الواقع المادي الذي يعيشه أكثر الناس اليوم، ولضعف صلتهم بربهم وطاعتهم له انتشرت ظاهرة غريبة في حياة المسلمين ألا وهي: ظاهرة الملل والسآمة، والشعور بالضيق والضجر والتي أصبح لها وجود نسبي أساسي يقل ويكثر لدى الكبير والصغير، والذكر والأنثى، وصار كل واحد منهم يعبر عنها بأسلوبه المميز، وطريقته الخاصة، وأصبح الملل اليوم الذريعة التي ترتكب باسمها الكثير من الجرائم والمنكرات، والسر وراء الكثير من الإخفاقات والأزمات والنكبات التي تتعرض لها الأمة.

 

الملل لغة واصطلاحاً

قال أهل اللغة: الملل هو أن تمل شيئاً وتعرض عنه، ومللت الشيء إذا سئمته، وفي الحديث: “عليكم بما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه”، وقال تعالى: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ)[ فصلت 38]؛ أي لا يملون من كثرة العبادة وتكرار السجود له سبحانه في كل وقت، والمقصود بهم الملائكة.

 

أما في الاصطلاح فله تعريفات كثيرة منها:

هو فتور يعرض للإنسان من كثرة مزاولة شيء فيوجب الكلال والإعراض عنه. وقيل هو الشعور بأن كل شيء مضيعة للوقت. وقيل هو شعور ينتاب المرء عندما لا يوجد ما يستأثر باهتمامه.

 

فالملل هو وضع نفسي تنتج عنه حالة من عدم الاستقرار الداخلي للفرد، مما يؤدي إلى تكريس نظرة الفرد السوداوية للحياة، ومن الجدير بالذكر أن الملل يصيب أغلب الناس كما أنه ليس مقترناً بعمر محدد، كما يعبر الملل عن الشعور بالفراغ الذي يصيب الإنسان لبضع دقائق أو لعدة أيام، ويكمُن الخطر في استمرار حالة الملل لفترات طويلة. وأعجب ما في الملل أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يشعر بالملل!!

 

أقسام الملل ومظاهره

الملل آفة العصر وألم الدهر، من الأمراض المهلكة التي تجعل حياة الإنسان هباء منثوراً، ومن كثرة شيوعه تحول إلى ثقافة يتداولها الناس ويروجون لها من حيث لا يدرون، بحيث أصبح الملل سجية عند الكثيرين، ومن ثم عمّ الخراب في كثير من البيوت العامرة والفشل في الأعمال الناجحة.

 

وللملل أقسام كثيرة، ولكل قسم مظاهره الخاصة به، منها:

الأول: الملل الاجتماعي: فتجد الإنسان يمل وظيفته وعمله، ويمل زوجته وبيته، ويمل ولده وأهله، ويمل جيرانه وأصحابه، يمل من داره ومدينته، يمل حتى من هيئته وشكله وملابسه، وهناك مفاسد كثيرة تترتب عن وجود الملل في الأفراد، وهذه المفاسد تختلف بحسب موقع الشخص في المجتمع.

فالرجل الذي يمل أولاده وبيته مثلاً، تجده دائماً في قلق، وتكثر لديه المشاكل الأسرية، بسبب قسوته على أولاده، وكثيراً ما يستخدم الضرب لتهدئة الأوضاع، والرجل الذي يمل زوجته يسئ معاملتها، ويكفر بمعروفها، ويتجاوز في حقها، وربما مدّ عينيه إلى غيرها، وزاد الملل فأقدم على خيانتها والوقوع فيما حرّم الله من الفاحشة.

 

والإنسان الذي يمل وظيفته وعمله وتجارته تراه كثير المشاجرات في عمله، دائم الاختلاف مع من حوله، مستعجلاً ثمرة تجارته، كثير التجارب، دائم الفشل والخسارة، يجافيه الناس لسرعة انقطاعه وقلة صبره.

 

ثانياً: الملل في العبادات: ولعمر الله تلك النازلة التي تعصف بالإنسان وتجعله على شفا هلكة؛ أن يمل من طاعة ربه، وذلك أن الذي يشعر بالملل والسآمة والضيق والضجر، تراه لا يستطع القيام إلا بالواجبات من دينه فقط، وعلى تقصير وتفريط فيها، أما غيرها من نوافل الطاعات وأبواب الأجر والثواب فلا يعرف سبيل المحافظة عليها لأن الملل يمنعه ويقطعه!

 

ثالثاً: الملل في الدعوة: طريق الدعوة طريق شاق وطويل عدته الصبر الجميل والعزم الأكيد والقلب الشديد، وكلها أمور آفتها الأولى الملل؛ فالداعية إلى الله والمصلح والخطيب والواعظ والمربي إذا كان سريع الملل فهذه هي المصيبة، لأن الدعاة إلى الله، وطلبة العلم، هم مشاعل النور والخير في كل مجتمع، وهم القدوات التي يقتدي الناس بها، وبهم يتعلم الناس أحكام الشرع، وعلى أيديهم يتربى الجيل الناشئ، وهم الذين يقيمون حلق العلم والتعليم، ودروس المواعظ والإرشاد والخطابة.

 

الداعية أكثر من غيره من شرائح المجتمع ينبغي أن يكون أبعد الناس عن الملل، فهو يخالط الناس، ويتعرض لآذاهم وأثقالهم ونوازلهم المختلفة وأسئلتهم المتنوعة وأمراضهم الكثيرة، الداعية يحتاج الصبر على النتائج وعدم استعجال الثمرات، من الدعاة من يمل طول الطريق وبطء النتائج وتدرج الخطوات والمراحل، ويرى مع ذلك شراسة العدو، وكيده للدعوة، وتضييقه على الدعاة، وربما سمع أو قرأ لبعض صور الكيد العالمي، وهذه الهجمة الشرسة على الإسلام في كل مكان، ابتداءً بأرضه، وانتهاءً بأراضي الكفار، كل هذا وغيره إذا اجتمع على هذا الداعية أصابه الإحباط واليأس والفتور وأدى به ذلك إلى الملل وترك العمل.

 

خطورة الملل

الملل هو عدو البشرية ونصف خطايا بني آدم بسبب الملل؛ فالملل والضجر والسآمة أصل هام من أصول الشرور في المجتمع، واللحظة التي يدب فيها الملل في نفس الإنسان هي فاتحة الشر عليه، والشخصيات الناجحة عبر التاريخ هي الشخصيات التي ألغت الملل والسآمة من قاموس حياتها.

 

الملل يؤدي إلى ضياع كثير من الخير والطاعة والأعمال النافعة. فالملل يؤدي إلى حدوث الفشل في الحياة كلها أو بعضها بالفشل في تحقيق الآمال والطموحات، حيث إن هذه الآفة تجعل صاحبها ينصرف عن الجد والاجتهاد، والحرص والمتابعة، والاهتمام بتحقيق كثير من الطموحات العلية التي يسعى لها كل إنسان.

 

الملل يؤدي للوقوع في الكثير من المكروهات أو المحرمات، بداية من إهدار الأوقات الثمينة في اللهو والبطالة مروراً بالاشتغال بسفاسف الأمور من مواصلة الساعات على مواقع التواصل أو غيرها دون فائدة تذكر، الفوضوية والإهمال في شتى الأمور، وكثرة النوم والسهر والتنزه مع الأصدقاء والسفر والخروج إلى المتنزهات أو المعسكرات، والثرثرة الفارغة طوال اليوم في التليفونات أو مواقع الشات، وانتهاءً بالوقوع في المحرمات بداية من سماع المعازف والأفلام والمسلسلات وشرب الدخان ثم الترقي في المنكرات والدخول في مجال الكبائر والعياذ بالله.

 

بالجملة الملل يضيع الأعمار والأوقات والأموال والحياة بأسرها، ومعظم الجرائم التي ترتكب في المجتمع إنما وقعت تحت غطاء الملل.

 

علاج الملل

نمط الحياة الصعب الذي يعيشه المسلمون اليوم، وغلبة الأمور الروتينية على أعمال الناس، وقسوة الأوضاع الاجتماعية، والظرف الدقيق الذي تواجهه أمة الإسلام اليوم من تكالب الأعداء عليها من كل حدب وصوب، يجعل للملل سوقاً رائجة في حياة المسلمين، لذلك لابد من وضع روشتة علاج سريعة لهذه الآفة الخطيرة، فما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، ودواء الملل في عدة أمور:

1 – معرفة السبب: بالوقوف على سبب الملل وموضعه بدقة، لأن الملل أقسام كما ذكرنا، ولكل قسم أعراض ومظاهر وأسباب تختلف عن القسم الآخر. وبعض الناس يتسرب إليه الملل من مخالطة الأشخاص المللين فينتقل الداء إليهم من حيث لا يشعرون، وتتحول نظرتهم الإيجابية للحياة إلى نظرة سوداوية.

 

2 – إدراك القيمة: نعني بها قيمة الإنسان وقيمة الحياة وقيمة الوقت وقيمة النعمة، أن يعرف المسلم قيمة نفسه وأنه أغلى جوهرة على وجه الأرض، وأن له مكانة عالية عند الله -تعالى-، وأن الله -تعالى- سخر الكون كله لخدمته وتيسير أداء مهمته وخلافته، فلابد أن يشعر المسلم بالعزة، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.

إدراك قيمة الحياة وأنها القنطرة إلى الآخرة، وأن مزرعة الجنة، أن يعلم المسلم أن حياته ثمينة، وأوقاته غالية، ولو أدرك المرء منا هذه القضية جيداً، وهو أن حياته ثمينة وأوقاته غالية لما صار للملل في حياته ولا في وقته مجال.

 

3 – ملئ القلوب والأوقات: فالقلوب والنفوس الفارغة هي التي يملئها شيطان الملل بالأفكار الرديئة والخواطر السيئة. فالقلب في وظيفته مثل المصباح الزجاجي يضيء ما دام مغلقا، فإذا انكسر ودخله الهواء أفسد عليه تركيبه وتكوينه وعندها ينطفئ المصباح للأبد!

 

وهكذا القلب فإنه يؤدي دوره ويطمئن ويهدأ ما دام مغلقاً ممتلئاً، فإذا دخله الهواء والفراغ انفتح على المعاصي والآثام وتعلق بغير الله، احتوته الهموم والقلاقل والضنك والأحزان. لهذا كان من طرق العلاج أن لا يعيش الإنسان في فراغ مطلقا، وإنما يحرص على ملئ وقته بالبرامج والأعمال التي تعود عليه بالخير والنفع في أخراه، أو يساعده ويطوره للنجاح في دنياه، رابطا كل ذلك بالهدف والرسالة التي من أجلها خلقه الله.

 

وإن من أعظم ما يعالج به الملل، وأعظم ما تملئ به القلوب وتُشغل به الأوقات؛ إشغال النفس، بواجب الدعوة والإصلاح للناس، فهو كفيل بإذن الله -تعالى- بإسعاد القلب، وطمأنينة النفس، وإزالة ما تشعر به من تلك الهموم التي يشعر بها كثير من الفارغين عن مثل هذه الهموم الدعوية، ومن تقتصر اهتماماتهم وتفكيرهم حول أنفسهم وحاجاتهم الذاتية، وملذاتهم الخاصة، ومستقبلهم الدنيوي.

 

إذ الداعية يكسب بهذه الوظيفة الاستجابة لأمر الله -تعالى- (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)[النحل: 125]، ويكسب طاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- القائل: “بلغوا عني ولو آية “، “ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم “، وأكرم بهما من طاعة واستجابة وشغل في مرضات الله حيث ينشغل برسالة الأنبياء أشرف مهمة، وأكثرها أجراً بعد إصلاح النفس وتزكيتها. أما أولئك الناكصون والمقصرون عن القيام بهذه الرسالة بحجة جلب الراحة لأنفسهم، وقطع التفكير في قضايا وأمور هم في غنى عن الإنشغال بها، فمع ما هم عليه من إثم لتخلفهم عن طاعة ربهم ورسوله، فهم يعيشون في فراغ قاتل وملل وهم، ولا يعلم مقداره إلا الله.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات