طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الحضارة الإسلامية وتمكين الشباب

ملتقى الخطباء

(636)
1554

الحضارة الإسلامية وتمكين الشباب

تاريخ النشر : 1441/05/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

الشافعي حفظ الموطأ وهو في العاشرة، وجلس على كرسي الفتيا وهو في الثانية عشرة من عمره، فانتشر مذهبه وذاع صيته في العالم الإسلامي أجمع، فهو أول من أصَّل علم أصول الفقه. البخاري حمل الناس عنه العلم واعتمدوا رواياته وهو ابن الحادية عشر، وصنّف جامعه الصحيح وهو دون العشرين…

حالة من الانبهار والإكبار أصابت كثير من الناس خلال الأيام الماضية بعد اختيار “سانا مارين” ذات ال34 عاماً والتي تنحدر من أسرة متواضعة اجتماعياً في منصب رئيس وزراء دولة فنلندا، ورأوا أن ذلك علامة على التمكين للشباب في الغرب، ونتاج طبيعي لهذه الحضارة التي تحترم قيمة الإنسان وتقدر إمكاناته بغض النظر عن عمره أو خلفيته الاجتماعية. وراحوا يكيلون المديح والثناء على هذه الحضارة بقيمها ومرجعيتها وثقافتها، ويقارنون بين وضع الشباب في العالم الإسلامي ووضعه في الغرب، ويتحسرون على حال الأمة ومكانتها في ذليل الأمم، مما زاد من حالة الانبهار والانكسار في نفس الوقت، انبهار بالغرب وحضارته، وانكسار قلبي وهزيمة نفسية أمام هذه الحضارة ومنجزاتها.

 

والحقيقة أن الحضارة الإسلامية هي أول من طبقت مفهوم “تمكين الشباب”، وأول من قدّم الشباب للبشرية كقادة وزعماء وعلماء وسفراء وساسة وفاتحين عظام، ولا يوجد مجال من مجالات الحياة إلا وكان للإسلام فيه قصب السبق في تقديم الشباب وتمكينهم من هذا المجال، ولكن الجهل بتاريخ الأمة المجيد، ومقارنة الواقع الأليم المزري للأمة اليوم بواقع الغرب هو الذي قاد لهذا الانهزام النفسي والروحي.

 

وفي هذه الأسطر القليلة سنعرض لحقيقة مفهوم “تمكين الشباب” من وجهة نظر الغرب، ومن وجهة نظر الإسلام، ومكانة الشباب ودورهم في حمل المسئولية وأداء الأمانة، وسنعرض لأهم مجالات تمكين الشباب في الإسلام، ليعلم كل منبهر ومنكسر ومنهزم أن دينه هو الحق، وحضارته هي الأسبق والأهم في تاريخ البشرية.

 

أولاً: مصطلح “تمكين الشباب”

بعض الكلمات تصيبها الشهرة، كالأشخاص، تسلط عليها الأضواء، تتداولها الألسن والأقلام، لا تغيب عن لغة الاجتماعات واللقاءات والمنتديات والمؤتمرات وورش العمل، ومن الكلمات “المحظوظة” بالشهرة المغرية بالاستعمال، في الفترة الأخيرة “تمكين الشباب”

ويشير مصطلح تمكين الشباب من وجهة نظر الغرب إلى تنمية قدرات ومهارات الشباب، وإتاحة الفرصة لهم بشكل عادل أن يوظفوا هذه القدرات بما يحقق لهم مزيداً من التقدم والارتقاء في كافّة مجالات الحياة، بالإضافة إلى إشراكهم إشراكاً فاعلاً في صنع منظومة القيادة والمسئولية الفاعلة في المجتمع. هذا على المستوى النظري، أما على مستوى التطبيق العملي فلم يعرف الغرب التطبيق الحقيقي لهذا المصطلح إلا منذ خمسين سنة تقريباً، وفي مجالات محدودة للغاية ومازالت بعض المجالات مثل الحكم ورئاسة الدول مغلقة أمام الشباب، لذلك كان احتفاؤهم غير العادي بوصول ذات ال34 عاماً لرئاسة الوزراء باعتبارها أصغر رئيس وزراء في الغرب !!

 

أما في الإسلام فهذا المصطلح لا وجود له على المستوى النظري، لأن الإسلام بمنتهى البساطة هو دين الشباب، وحركة الدين كان يقوم بها الشباب، وبناء الدولة كان يقوم به الشباب، وقيادة الدولة كانت بيد الشباب، والدفاع عن الأمة كان يقوم به الشباب، وبناة المجد هم الشباب، وانظر لمن آمن بدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-في بدايتها لتعلم مكانة وموقع الشباب في دين الإسلام.

 

فلقد كان من أشد أعداء الإسلام شيوخ مكة ووجهاؤها وعلي رأسهم أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأبو لهب وعتبه وشيبه ابنا ربيعة، في حين كان الشباب هم عين الإسلام وقلبه النابض –في إشارة ربانية أن المستقبل لهذا الدين- فأول من آمن برسول الله بعد زوجه خديجة علي بن أبي طالب وكان صبيا صغيرا ، ثم أبو بكر الصديق الذي أسلم في عمر الثامنة والثلاثين وأنفق ماله كله في سبيل الدعوة الإسلامية، وعمر بن الخطاب الذي كانت قريش توفده إلي القبائل الأخرى للتباحث معها أسلم في السادسة والعشرين وكان إسلامه فتحاً، وسعد بن أبي وقاص الذي رمي أول سهم في الإسلام أسلم وعمره سبعة عشر عاما، والزبير بن العوام ابن عمة رسول الله صفية الذي أسلم وعمره ستة عشر عاما ، ورفيق الزبير طلحة بن عبيد الله الذي أسلم في السابعة عشرة ، وعبد الرحمن بن عوف في الثلاثين، وأبو عبيدة بن الجراح في الثانية والثلاثين وغيرهم –رضي الله عنه-م -أجمعين. ولو نظرت للستين صحابياً الذين أسلموا في بداية الدعوة؛ في المرحلة السرية، ودخلوا دار الأرقم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أكتافهم قامت دولة الإسلام، لوجدتهم جميعاً من الشباب.

 

ثانياً: مجالات التمكين للشباب في الإسلام

جولة سريعة على السيرة النبوية المشرفة، وتاريخ الأمة الإسلامية المجيد نجد مئات النماذج من القيادات الشابة في كل المجالات والتي كانت مصدر فخر وعز وانبهار حقيقي -وليس زائفاً كما هو حادث مع الغرب – بالحضارة الإسلامية والأمة المحمدية.

 

التمكين للشباب في المهام الخاصة الجسيمة

الرسول -صلى الله عليه وسلم-كان له عين فاحصة وبصيرة ثاقبة وإحاطة شاملة بقدرات أصحابه وكفاءة كل واحد منهم، لذلك كان ينتدب بعضهم لجسام الأمور أو المهام الخاصة التي تحتاج لقدرات نفسية وقلبية وجسدية وعقلية خاصة، وكان هذا الانتداب دوماً يقع على الشباب، منها:

انتدابه لعلي بن أبي طالب لينام مكانه يوم الهجرة وهو دون العشرين من عمره في مهمة فدائية شديدة الخطورة تحتاج إلى شجاعة وثبات، ومنها انتدابه لمصعب بن عمير وهو في العشرينيات ليكون داعيته لأهل المدينة، فهيأها وساهم في نشر الإسلام في كل بيوت المدينة.

ومنها انتدابه لحذيفة بن اليمان وهو ابن خمس وعشرين للدخول إلى معسكر المشركين يوم الأحزاب وهي مهمة استطلاعية وراء خطوط العدو، من شدة خطورتها أحجم عنها كبار الصحابة وشجعانهم حتى انتدبه الرسول -صلى الله عليه وسلم- لها.

ومنها انتدابه لعمرو بن أمية وهو في العشرينيات لإنقاذ المحبوسين من المؤمنين في مكة في مهمة أشبه بعمليات الكوماندوس التي يتفاخر ببعضها الغرب ويمجدها في أفلام ضخمة.

ومنها اختيار بيت الأرقم بن بي الأرقم وكان في السادسة عشر من العمر ليكون مقر الدعوة الإسلامية في مرحلتها السرية.

ومنها اختيار زيد بن ثابت وهو ابن ستة عشر سنة ليتعلم لغة اليهود، فأتمها قراءة وكتابة في أقل من ثلاثة أسابيع وهو ما يعد معجزة عقلية بكل المقاييس!!

 

التمكين للشباب كقادة جيوش

وأبرز مثال على ذلك أسامة بن زيد ابن الثامنة عشر والذي اختاره الرسول لقيادة جيش فيه كبار الصحابة لقتال الروم، ثم إصرار خليفته أبي بكر الصديق على انفاذ هذا الجيش بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقيادة أسامة.

ومن الأمثلة أيضا محمد بن القاسم الثقفي الذي قاد جيوش المسلمين لفتح السند وهو ابن سبعة عشر سنة فكان مضرب الأمثال في حسن القيادة والفطنة والشجاعة وتغنى بمآثره الشعراء

إن المــــروءة والسماحة والنـدى *** لمحمد بن القاسـم بن محمـد

ساس الجيوش لسبع عشرة حجّة  *** يا قرب ذلك سؤددًا من مولد

 

ومنها أيضا محمد بن مراد الثاني العثماني الملقب بالفاتح الذي أكرمه الله -تعالى- بفتح القسطنطينية وهو ابن 25 سنة فحاز الشرف الذي لم يحزه أمير ولا خليفة ولا سلطان مسلم من قبل.

 

وسيف الدين قطز لملم شتات الأمة في وقت شديد الحساسية في حياة الأمة، وانتصر على التتار الذين اكتسحوا المعمورة من شرقها إلى غربها، وحطم أسطورتهم، وكانت كسرته لهم أول مسمار في نعشهم، كان قطز في الخامسة والثلاثين من العمر !!

 

التمكين للشباب كحكام وزعماء وقضاة

من الأمور المتواترة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-استخدامه للشباب في معظم أمور الدولة، ومنها أنه قد جعل على ولاية مكة بعد الفتح عتاب بن أسيد -رضي الله عنه- وهو ابن عشرين سنة في الوقت الذي كان فيه الشيوخ وكبار قريش، وأرسل معاذ بن جبل وهو ابن اثني وعشرين سنة لليمن ليكون قاضياً وحاكماً ومعلماً لهم، واختبر كفاءته للمنصب بسؤاله عن أسلوبه وطريقة ولايته للقضاء كما ثبت في الحديث.

 

ومعظم خلفاء الدولة الأموية كانوا من الشباب في سن الثلاثينيات وبعضهم في العشرينيات، وكذلك الدولة الأموية في الأندلس، ومن أعجبهم الشاب عبد الرحمن الناصر ذو ال22 عاماً الذي استلم دولة ضعيفة مترهلة مشتتة تموج بالثورات والفتن يطمع فيها أهل الأرض جميعا وليس فيها أمل فيما يبدو للناس أن تقوم من جديد فإذا به بصبر عجيب وثبات وعزيمة وجهد وإخلاص يعيد ترتيب الأوراق من جديد في بلاد الأندلس، يعيد للعلماء هيبتهم ويعيد للجيش الإسلامي رهبته، يوحد الصفوف، يطهر البلاد من المشركين والمنافقين، ويبني حضارة عظيمة في بلاد الأندلس تتفوق في كل المجالات، حتي أصبحت الأندلس في زمانه أقوي دولة بلا منازع علي وجه الأرض، وجاء زعماء أوربا جميعا يطلبون وده وليفوزوا برضاه حتى صار عبدالرحمن الناصر أقوي ملوك أوربا في القرون الوسطي.

 

التمكين للشباب كعلماء وأئمة

الشافعي حفظ الموطأ وهو في العاشرة، وجلس على كرسي الفتيا وهو في الثانية عشرة من عمره، فانتشر مذهبه وذاع صيته في العالم الإسلامي أجمع، فهو أول من أصَّل علم أصول الفقه. البخاري حمل الناس عنه العلم واعتمدوا رواياته وهو ابن الحادية عشر، وصنّف جامعه الصحيح وهو دون العشرين، وزيد بن ثابت -رضي الله عنه- كلفه الخليفة أبو بكر بجمع القرآن وهو ابن واحد وعشرين سنة، فقام بأعظم مهمة وأدقها في تاريخ الإسلام، حتى قال زيد في عظم المسئولية: “والله لو كلفوني نقل جبل من مكانه، لكان أهون علي مما أمروني به من جمع القرآن” فأتم المهمة على أكمل وجه. وعمرو بن سلمة كان إمام قومه –قبيلة جرم– وهو ابن سبع سنين فقط! لأنه كان أكثرهم حفظهم، ولك أن تتخيل طفل في السابعة يؤم الشيوخ والكبار، وأي دين وأي حضارة وأي أمة تسمح بهذا في مباشرة أهم شعائرها التعبدية !!

 

وهذا هو التمكين الحقيقي للشباب.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات