طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الحرية المظلومة بين أعدائها وأنصارها

ملتقى الخطباء

(709)
1529

الحرية المظلومة بين أعدائها وأنصارها

تاريخ النشر : 1441/02/18
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ومكانة الحرية في الإسلام تتحقق من خلال الحقوق والواجبات باعتبارهما وجهين لعملة واحدة لأن الحقوق من دون أن تقيد بالواجبات سيصبح الفرد غير مرتبط بالآخرين وقد يعرف حقوقه ولا يعرف حقوق الآخرين عليه وبذلك يصبح انفرادياً في تعامله قاصراً عن أداء واجباته.

دائما تروج الآلة الإعلامية للغرب لفكرة أن الحضارة الغربية هي مصدر الحريات في العالم المعاصر، وأن الآلة الفكرية لرواد الثورة الصناعية في أوروبا هم أول من تكلم عن الحريات كمبدأ أساسي من مبادئ الحياة الإنسانية، وبالتوازي مع هذه الادعاءات المتهافتة، تعالت الأصوات المنددة بالأمة الإسلامية، شريعة ومجتمعات، واصفة إياها بعدوة الحريات ومصدر الكبت والإرهاب في العالم، وأن الحضارة الإسلامية العظيمة لم تقدم مثل ما قدمته الحضارة الغربية في مجال الحريات، وصارت شبهة تصنيف الحرية بين أعدائها وأنصارها منتشرة لدى قطاعات واسعة من أبناء المسلمين أنفسهم؛ جهلاً وافتتاناً ببضاعة الغرب، من باب: أن ما تكرر تقرر، لذلك فقد توجب الأمر على الدعاة والعلماء والخطباء وكل من يمتلك منبراً دعوياً ونافذة إعلامية أن يقدم دحضاً وافياً لهذه الشبهة ويعرض مفهوم الحرية في الإسلام، ومدى أصالة هذا المفهوم أو الحق الثابت، وما هي أهم أصوله، وروافده، والفارق بين الإسلام والغرب في التأسيس والممارسة، حتى يتضح لكثير من المخدوعين، أنصار الحرية من أعدائها.

 

أولاً: الحرية لغة واصطلاحاً

جاء في مختار الصحاح: الحر ضد العبد، وحر الوجه: ما بدى من الوجنة، والحرة الكريمة، والحرير: نوع من الثياب، وحر الرجل يحر حرية من حرية الأصل، وتحرير الكتاب وغيره تقويمه، وتحرير الرقبة عتقها، وتحرير الولد: أن تفرده لطاعة الله وخدمة المسجد، أقول ومن هذا المعنى جاء في القرآن الكريم على لسان امرأة عمران أم مريم -عليهما السلام-: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[آل عمران: 35].

 

ونستخلص من هذه المعاني أن الحرية في أصل اللغة تعني: الانطلاق، والشرف، والكرامة، والاستقامة، وفعل الخير، والعطاء الكثير، والمرونة، والخدمة النبيلة.

 

أما في الاصطلاح: فالحرية مفهوم من المفاهيم الكبرى التي تحكم وعي الإنسان فتحرك مشاعره وتوجه فعله، مثل مفاهيم الحياة والموت والأمل. وهي لذلك من المفاهيم التي يصعب تحديدها تحديداً جامعاً مانعاً، نظراً لتأثرها بالخبرة الاجتماعية وارتباط معانيها بجملة من المفاهيم الموازية، وهنا يظهر التباين بين الإسلام والغرب في تعريف الحرية لاختلاف تصورات الفلسفتين الغربية و الإسلامية حول حرية الفرد تصورا وممارسة، لاختلاف المصدر والمنطلقات والمقومات الفكرية والحمولة الثقافية والمعرفية في كلتا المنظومتين.

 

مفهوم الحرية عند الغرب:

الغرب له اتجاهان في تعريف الحرية: الأول المعروف باسم “المفهوم البريطاني” الذي يرى أن الحرية تفلت من القيود الاجتماعية، والثاني المعروف باسم “المفهوم القاري” الذي يؤكد على أن الحرية ناجمة عن التزام الفرد والمجتمع بالواجب.

 

ويمثل الاتجاه الأول المفكر البريطاني “هوبز” الذي يعرف الحرية بأنها: هي غياب القيود الخارجية التي تحول بين الإنسان وفعل ما يمليه عليه عقله وحكمته”.

 

في حين يمثل الاتجاه الثاني روسو وهيجل إذ يؤكد هيجل أن الحرية الحقيقية للفرد تتحقق من خلال التزامه بالواجب.

 

وبالتالي تمكنت المدرسة القارية من تخليص مفهوم الحرية من معاني الانفلات والعبثية الذي اقترن بالمفهوم البريطاني للحرية، من خلال إعطائها محتوى أخلاقياً إيجابياً، لكنها في الوقت نفسه قيدت هذا المفهوم بالدولة، وبالتالي مهدت الطريق أمام النخب الحاكمة لاستخدام سلطة الدولة لفرض مجموعة من القيم والتصورات على المجتمع، لتتيح بذلك الفرصة أمام الدولة للتسلط والهيمنة باسم الحرية وتحرير الإنسان، أي أن الحرية مقيدة بالقانون الذي تكتبه الدولة، ولكن في النهاية نظراً لسيادة بريطانياً وخليفتها أمريكا على الغرب أصبح المفهوم البريطاني للحرية المنفلت من كل القيود هو المفهوم الرائج والمنتشر في الثقافة الغربية.

 

والسبب وراء ظهور وشيوع هذا المفهوم المتسيب للحرية في الغرب هو الاستبداد الكنسي، واستعباد الإقطاعيين وسلبهم لحقوق الأفراد في المجتمع الأوروبي، مع ما رافق ذلك من ثورة صناعية حدثت إبان عصر النهضة الأوربية، وبداية ظهور المذهب الرأسمالي الذي قام على تشجيع الفرد وإبرازه، حتى جعل من الفرد قديسًا يحرم على المجتمع المساس بحريته، مع إلغاء كل الحواجز والعوائق التي تحول دون ذلك؛ الأثر الواضح في تشكيل الفكر الغربي بتجسده الحالي لمفهوم (الحرية) الذي أضحى النموذج الوحيد الذي يساق في المحافل الدولية، والمؤتمرات العالمية، والمنابر الإعلامية، أو باستهداف البلدان وتطويعها؛ بدعوى أن الأمم والدول جميعها قد اتفقت وأجمعت على مضمونها! مع غياب حقيقة أن هذا الأمر ما هو إلا صياغة للمحتوى الفكري للدول الأوربية ذات البعد الاستعماري.

 

فالحرية عند الغرب الحديث هي الانطلاق بلا قيد، والتحرر من كل ضابط، والتخلص من كل رقابة، حتى ولو كانت تلك الرقابة نابعة من ذاته هو، من ضميره، فلتحطم وليحطم معها الضمير إن احتاج الأمر، حتى لا يقف شيء في وجه استمتاعه بالحياة، وحتى لا تفسد عليه نشوة اللذة، ومعنى هذا ترك الإنسان وشأنه يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، وهكذا بدون قيود ولا ضوابط، ولا رقابة، وعلى المجتمع أن يسّلم بذلك الحق، وعلى الحكومة أن تحافظ على تلك الحرية وتحميها، فلا دين يحكم النفوس، ويكبح جماحها، ولا أخلاق تهذب طباعها، وتوقظ مشاعرها، وتثير فيها روح النخوة والغيرة والإباء، ولا مثل، ولا فضائل، تقاس على أساسها الأعمال خيرها وشرها، ولا حياء يمنع ارتكاب الشطط، والمجاهرة بالمنكر.

 

مفهوم الحرية في الإسلام:

للحرية في الإسلام مكانتها السامية، حيث أطلقها هذا الدين الحنيف باعتبارها فطرة مركوزة في كل بشري، أطلقها حتى في اختيار عقيدة الإسلام كما نص على ذلك قوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)[الإنسان: 2]؛ فهو سبحانه بذلك يقرر للإنسان حريته بأمور الإيمان والعقيدة والتوحيد، وهي أسمى الأمور، وحمله مسئولية حريته في ذلك، وهذا هو العدل التام، وأقام عليه الحجة بما أعطاه من حرية قوامها الإرادة والاختيار والعقل. فقال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )[البقرة: 256]، وقال: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)[يونس: 99].

 

كما أن من أسرار الشريعة الإسلامية حرصها على تصميم الحرية في الإسلام بكيفية منتظمة، فإن الله لما بعث رسوله بدين الإسلام كانت العبودية متفشية في البشر، وأقيمت عليها ثروات كثيرة، وكانت أسبابها متعددة ومن أهمها: الأسر في الحرب، والخطف في الغارات، وبيع الآباء والأمهات أبناءهم، والرهائن، والتداين، فأبطل الإسلام جميع أسبابها عدا الأسر في الحرب.

 

ومكانة الحرية في الإسلام تتحقق من خلال الحقوق والواجبات باعتبارهما وجهين لعملة واحدة لأن الحقوق من دون أن تقيد بالواجبات سيصبح الفرد غير مرتبط بالآخرين وقد يعرف حقوقه ولا يعرف حقوق الآخرين عليه وبذلك يصبح انفرادياً في تعامله قاصراً عن أداء واجباته.

 

وقد حرص الإسلام على تطبق مبدأ الحرية في هذه الحدود وبهذه المناهج في مختلف شؤون الحياة، وأخذ به في جميع النواحي التي تقتضي كرامة الفرد وأن يأخذ به في شؤونها وهي النواحي المدنية والدينية ونواحي التفكير والتعبير، ونواحي السياسة والحكم حتى وصل به في كل النواحي إلى شأن رفيع لم تصل إلى مثله شريعة أخرى من شرائع العالم قديماً وحديثاً.

 

فالإسلام يرى أن إنسانية الإنسان هي رهن حريته إذ لا يمكن أن تتحقق إنسانيته بدون حرية وقد عزز الرسول -صلى الله عليه وسلم- في سنته المطهرة وسيرته العطرة، مبدأ “الحرية” سواء في التفكير أم في التعبير أم في إعمال الرأي والاجتهاد في أمور الدين والدنيا، حرصاً منه على تكوين الشخصية المستقلة المتماسكة القوية لدى المسلم والتاريخ الإسلامي مليء بقصص الحرية الواسعة الأبواب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده.

 

فالرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما أراد أن يبعث الصحابي الفقيه “معاذ بن جبل” -رضي الله عنه- إلى اليمن ليعلّم الذين دخلوا إلى الإسلام ويفقههم، قال عليه الصلاة والسلام: “كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟” قال: أقضي بكتاب الله قال: “فإن لم تجد في كتاب الله” قال: فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟” قال: أجتهد برأي ولا آلو. فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدره وقال: “الحمد لله الذي وفق رسول الله إلى ما يرضي رسول الله”. كما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”.

 

مجالات الحرية في الإسلام:

ولما كانت الحرية بهذه الدرجة من الحساسية وكانت بحاجة إلى مستوى معين من التوازن، فإن على كل فرد مراعاة ذلك في الأقوال والأفعال وتوظيف هذا المبدأ -مبدأ الحرية- وفق مراد الله ومراد رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وقد كفل الدين الإسلامي ممثلا في الكتاب والسنة تحقيق هذا المبدأ في نفوس معتنقيه، ويبرز ذلك في عدة جوانب منها:

الجانب الأول: الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية

 

الجانب الثاني: الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية

 

أولاً: الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية، وهذا الصنف يشمل الآتي:

أ – الحرية الشخصية: والمقصود بها أن يكون الإنسان قادراً على التصرف في شئون نفسه، وفي كل ما يتعلق بذاته، آمناً من الاعتداء عليه، في نفسه وعرضه وماله، على ألا يكون في تصرفه عدوان على غيره. والحرية الشخصية تتضمن شيئين:

1- حرمة الذات: وقد عنى الإسلام بتقرير كرامة الإنسان، وعلو منزلته. فأوصى باحترامه وعدم امتهانه واحتقاره، قال  تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)[الاسراء:70] وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)[البقرة:30].

 

وميزه بالعقل والتفكير تكريماً له وتعظيماً لشأنه، وتفضيلاً له على سائر مخلوقاته، وبذلك يضع الإسلام الإنسان في أعلى منزلة، وأسمى مكان حتى أنه يعتبر الاعتداء عليه اعتداء على المجتمع كله، والرعاية له رعاية للمجتمع كله، قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)[المائدة:32]، وتقرير الكرامة الإنسانية للفرد، يتحقق أياً كان الشخص، رجلاً أو امرأة، حاكماً أو محكوماً، فهو حق ثابت لكل إنسان، من غير نظر إلى لون أو جنس أو دين. حتى اللقيط في الطرقات و نحوها، يجب التقاطه احتراما لذاته و شخصيته، هذا و كما حرص الإسلام على احترام الإنسان حياً، فقد أمر بالمحافظة على كرامته ميتاً، فمنع التمثيل بجثته.

 

2- تأمين الذات: فلا يجوز التعرض له بقتل أو جرح، أو أي شكل من أشكال الاعتداء، سواء كان على البدن كالضرب والسجن ونحوه، أو على النفس والضمير كالسب أو الشتم و الازدراء والانتقاص وسوء الظن ونحوه، ولهذا قرر الإسلام زواجر و عقوبات، تكفل حماية الإنسان و وقايته من كل ضرر أو اعتداء يقع عليه، ليتسنى له ممارسة حقه في الحرية الشخصية. وكلما كان الاعتداء قوياً كان الزجر أشد، ففي الاعتداء على النفس بالقتل وجب القصاص، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[البقرة:178].

 

أو كان الاعتداء على الجوارح بالقطع وجب القصاص أيضاً؛ كما قال  تعالى: (َكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[المائدة:45]، ومنع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الولاة من أن يضربوا أحداً إلا أن يكون بحكم قاض عادل، كما أمر بضرب الولاة الذين يخالفون ذلك بمقدار ما ضربوا رعاياهم بل إنه في سبيل ذلك منع الولاة من أن يسبوا أحداً من الرعية، ووضع عقوبة على من يخالف ذلك.

 

ب-حرية التنقل (الحركة والسفر): والمقصود بها أن يكون الإنسان حراً في السفر والتنقل داخل بلده وخارجه دون عوائق تمنعه. والتنقل بالغدو والرواح حق إنساني طبيعي، تقتضيه ظروف الحياة البشرية من الكسب والعمل وطلب الرزق والعلم ونحوه، ذلك أن الحركة شأن الأحياء كلها، بل تعتبر قوام الحياة وضرورتها وقد جاء تقرير (حرية التنقل) بالكتاب والسنة والإجماع ففي الكتاب قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)[الملك:15].

 

ولا يمنع الإنسان من التنقل إلا لمصلحة راجحة، كما فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في طاعون عمواس، حين منع الناس من السفر إلى بلاد الشام الذي كان به هذا الوباء، و لم يفعل ذلك إلا تطبيقاً لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه و إذا وقع بأرض و انتم بها فلا تخرجوا فرارا منه”، ولأجل تمكين الناس من التمتع بحرية التنقل حرم الإسلام الاعتداء على المسافرين، والتربص لهم في الطرقات، و أنزل عقوبة شديدة على الذين يقطعون الطرق ويروعون الناس بالقتل والنهب والسرقة، قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[المائدة:33].

 

ج- حرية المأوى والمسكن: فمتى قدر الإنسان على اقتناء مسكنه، فله حرية ذلك، كما أن العاجز عن ذلك ينبغي على الدولة أن تدبر له السكن المناسب، حتى تضمن له أدنى مستوى لمعيشته. روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له”، وقد استدل الإمام ابن حزم بهذا الحديث وغيره على أن أغنياء المسلمين مطالبون بالقيام على حاجة فقرائهم إذا عجزت أموال الزكاة والفيء عن القيام بحاجة الجميع من الطعام والشراب واللباس والمأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة، والدولة هي التي تجمع هذه الأموال وتوزعها على المحتاجين ولا فرق في هذا بين المسلمين وغيرهم لأن هذا الحق يشترك فيه جميع الناس كاشتراكهم في الماء والنار فيضمن ذلك لكل فرد من أفراد الدولة بغض النظر عن دينه.

 

فإذا ما ملك الإنسان مأوى و مسكن، فلا يجوز لأحد، أن يقتحم مأواه، أو يدخل منزله إلا بإذنه، حتى لو كان الداخل خليفة، أو حاكماً أعلى رئيس دولة ما لم تدع إليه ضرورة قصوى أو مصلحة أعلى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النور:27]، وإذا نهى عن دخول البيوت بغير إذن أصحابها، فالاستيلاء عليها أو هدمها أو إحراقها من باب أولى، إلا إذا كان ذلك لمصلحة الجماعة، بعد ضمان البيت ضماناً عادلاً، وهذه المصلحة قد تكون بتوسعة مسجد، أو بناء شارع، أو إقامة مستشفى، أو نحو ذلك، وقد أجلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أهل نجران، وعوضهم بالكوفة.

 

وبالغ الإسلام في تقرير حرية المسكن بأن أسقط القصاص والدية عمن انتهك له حرمة بيته، بالنظر فيه و نحوه، يدل على ذلك حديث أبى هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه”؛ أي لا ضمان على صاحب البيت.

 

د-حرية التملك: ويقصد بالتملك حيازة الإنسان للشيء وامتلاكه له، وقدرته على التصرف فيه، وانتفاعه به عند انتقاء الموانع الشرعية، كما أن الإسلام رتب على هذا الحق أيضا نتائجه الأخرى، وهي حرية التصرف فيه بالبيع أو الشراء والإجارة والرهن والهبة والوصية وغيرها من أنواع التصرف المباح.

 

غير أن الإسلام لم يترك التملك مطلقاً من غير قيد، ولكنه وضع له قيوداً كي لا يصطدم بحقوق الآخرين، كمنع الربا والغش والرشوة والاحتكار ونحو ذلك، مما يصطدم ويضيع مصلحة الجماعة.

 

على أن ثمة قيوداً على الملكية الفردية، تجمل فيما يلي:

1-مداومة الشخص على استثمار المال، لأن في تعطيله إضراراً بصاحبه، وبنمائه ثروة المجتمع.

 

2-أداء زكاته إذا بلغ نصاباً، لأن الزكاة حق المال، وكذلك إنفاقه في سبيل الله.

 

3-اجتناب الطرق المحرمة للحصول عليه كالربا، والغش والاحتكار و نحوه.

 

4- عدم الإسراف في بذله أو التقتير أو إنفاقه فيما حرّم الله.

 

هـ- حرية العمل: العمل قوام الحياة ولذلك فإن الإسلام أقر بحق الإنسان فيه في أي ميدان يشاء ولم يقيده إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه أو تعارضه مع مصلحة الجماعة. و لأهمية العمل في الإسلام اعتبر نوعاً من الجهاد في سبيل الله، كما روى ذلك كعب بن عجرة -رضي الله عنه- قال: “مر على النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل، فرأى أصحاب الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً، فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعصمها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان”.

 

وهكذا نجد كثيراً من نصوص الكتاب و السنة، تتحدث عن العمل وتحث عليه وتنوه بأعمال متنوعة كصناعة الحديد ونجارة السفن، وفلاحة الأرض، ونحو ذلك، لأن العمل في ذاته وسيلة للبقاء، والبقاء من حيث هو هدف مرحلي للغاية الكبرى، وهي عبادة الله، وابتغاء رضوانه، وبقدر عظم الغاية تكون منزلة الوسيلة، فأعظم الغايات هو رضوان الله -تعالى-، وبالتالي فإن أعظم وسيلة إليها هي العمل والتضحية، وإنما نوه القرآن بالعمل والكسب للتنبيه على عظم فائدته وأهميته للوجود الإنساني، وأنه أكبر نعم الله على الإنسان.

 

ثانياً: الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية، ويشمل الآتي:

أ-حرية الاعتقاد: ويقصد بها اختيار الإنسان لدين يريده بيقين، وعقيدة يرتضيها عن قناعة، دون أن يكرهه شخص آخر على ذلك. فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان، و يجعل المكره مسلوب الإرادة، فينتفي بذلك رضاه و اقتناعه وإذا تأملنا قول الله -تعالى-: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)[البقرة: 256]، نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن المرء في عقيدته، وأقر أن الفكر والاعتقاد لا بد أن يتسم بالحرية، وأن أي إجبار للإنسان، أو تخويفه، أو تهديده على اعتناق دين أو مذهب أو فكره باطل ومرفوض، لأنه لا يرسخ عقيدة في القلب، ولا يثبتها في الضمير. لذلك قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)[يونس:99]، وتثبت حق الإنسان في اختيار دينه الذي يؤمن به. هذا ويترتب على حرية الاعتقاد ما يلي:

1- حرية الحوار والتفكير: وذلك بتبادل الرأي و الاستفسار في المسائل الملتبسة، التي لم تتضح للإنسان، و كانت داخلة تحت عقله و فهمه –أي ليست من مسائل الغيب – وذلك للاطمئنان القلبي بوصول المرء إلى الحقيقة التي قد تخفى عليه، وقد كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة و السلام يحاورون أقوامهم ليسلموا عن قناعة و رضى و طواعية، بل إن في حديث جبريل -عليه السلام-، الذي استفسر فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام والإيمان والإحسان وعلامات الساعة دليل واضح على تقرير الإسلام لحرية المناقشة الدينية، سواء كانت بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم وبين أصحاب الأديان الأخرى، بهدف الوصول إلى الحقائق وتصديقها، لا بقصد إثارة الشبه والشكوك و الخلافات.

 

2- ممارسة الشعائر الدينية: وذلك بأن يقوم المرء بإقامة شعائره الدينية، دون انتقاد أو استهزاء، أو تخويف أو تهديد، ولعل موقف الإسلام الذي سطره التاريخ تجاه أهل الذمة من دواعي فخره و اعتزازه، وسماحته، فمنذ نزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يثرب أعطى اليهود عهد أمان، يقتضي فسح المجال لهم أمام دينهم وعقيدتهم، وإقامة شعائرهم في أماكن عبادتهم. ثم سار على هذا النهج الخلفاء الراشدون، فكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأهل إيلياء –القدس- معاهدة جاء فيها: “هذا ما أعطاه عمر أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا على أنفسهم، ولكنائسهم وصلبانهم، لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من غيرها ولا من صلبهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم”.

 

ب- حرية الرأي: وهي حرية التفكير والتعبير، وأجاز الإسلام للإنسان أن يقلب نظره في صفحات الكون المليئة بالحقائق المتنوعة، والظواهر المختلفة، ويحاول تجربتها بعقله، واستخدامها لمصلحته مع بني جنسه، لأن كل ما في الكون مسخر للإنسان، يستطيع أن يستخدمه عن طريق معرفة طبيعته و مدى قابليته للتفاعل والتأثير، ولا يتأتى ذلك إلا بالنظر وطول التفكير.

 

هذا ولإبداء الرأي عدة مجالات وغايات منها: إظهار الحق وإخماد الباطل، ومنع الظلم ونشر العدل، وهذا ما فعله الأنبياء والرسل إزاء الملوك والحكام ويفعله العلماء والمفكرون مع القضاة والسلاطين قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”.

 

وباستعراض السيرة النبوية نجد أن حرية الرأي طبقت تطبيقاً رائعاً، فهذا الصحابي الجليل حباب بن المنذر -رضي الله عنه- أبدى رأيه الشخصي في موقف المسلمين في غزوة بدر، على غير ما كان قد رآه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- برأيه، وأبدى بعض الصحابة رأيهم في حادثة الإفك، وأشاروا على النبي -صلى الله عليه وسلم- بتطليق زوجته عائشة -رضي الله عنه-ا إلا أن القرآن برأها، و غير ذلك من المواقف الكثيرة التي كانوا يبدون فيها آراءهم.

 

ج-حرية التعلم: طلب العلم و المعرفة حق كفله الإسلام للفرد، ومنحه حرية السعي في تحصيله، ولم يقيد شيئاً منه، مما تعلقت به مصلحة المسلمين ديناً ودنيا، بل انتدبهم لتحصيل ذلك كله، وسلوك السبيل الموصل إليه، أما ما كان من العلوم بحيث لا يترتب على تحصيله مصلحة، وإنما تتحقق به مضرة ومفسدة، فهذا منهي عنه، ومحرم على المسلم طلبه، مثل علم السحر والكهانة، ونحو ذلك.

 

والخلاصة:

الحريّة في الغرب مفهوم يتعالى عن النص الديني، فهو يرى أن قرار كل إنسان بيده، وأنه ما من شيء يُلزم الإنسان إلا قناعاته الذاتية أو قناعاته المجتمعية في حدود حرية الآخرين وحقوقهم، فللإنسان الحق في اختيار أي سلوك أو دين أو عقيدة، شرط أن لا يتنافى مع حرية الآخرين وحقوقهم وفقاً لعقد اجتماعي عام.

 

أما في الإسلام، فليس من حق الإنسان أن ينحرف عن الدين الصحيح، هذا ليس حقاً له، بل من الواجب عليه أن ينضوي تحت لواء الدين الصحيح ويعمل بما تمليه عليه إرادة السماء وليس إرادته الشخصية ورغباته وقناعاته الخاصة، فلا تنفتح حريته على التعالي عن النص الديني، بل هو متعبد بهذا النص خاضع له كخضوع الغربي للقانون الآتي من العقد الاجتماعي، فليست له الحرية في الكذب على الله ورسوله، ولا في الزنا، ولا في شرب الخمر، ولا في ترك الصلاة، بل ملزم بتطبيق ما أمر الله به.

 

الحرية في المفهوم الغربي هي التي تصنع القوانين والتشريعات والدساتير والأعراف والثقافة، أما الحرية في المفهوم الإسلامي فيصنعها الشرع والعرف وتخضع لهما.

 

وهذا وجه من أصل الخلاف مع الغرب في قضية الحريّة، حيث الله سبحانه مستبعد من البنية الفكرية الغربية، في حين أن رسالة الإسلام التي هي رسالة التوحيد هي أكبر إعلان لتحرير الإنسان من قيود الخرافات والشركيات والإلهة الباطلة وتقليد الآباء والأهواء والتقاليد والعادات والموروثات البالية.

 

أما الحرية في الغرب فقد حاولت الفرار من سلطة السماء وتكاليف الإله، فأدت إلى تحويل كل إنسان على وجه الأرض إلى إله نفسه، فأنتجت من حيث لا تدري مئات الملايين من الإلهة المخدوعة الباطلة الموهومة كل واحد منها يحاول فرض رأيه وسلطته على من حوله، فوقعت فيما فرت منه ابتداءً، وهذه عاقبة التخبط البشري في أودية العقول الحائرة والبعد عن نور السماء.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات