طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > المَعالِمُ الحَضاريّة لِلحج

ملتقى الخطباء

(77)
1508

المَعالِمُ الحَضاريّة لِلحج

تاريخ النشر : 1440/12/09
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

هكذا تتجلَّى مظاهرُ المساواة في هذا المَشعَر العظيم، حيث تجتمع وفودُ المسلمين من شتَّى أنحاء المعمورة ليرجعوا إلى ديارهم عاملين بمقتضى هذا المبدأ العظيمِ في الإسلام.

الحضارة في الّلغة مأخوذٌة من الفعل حَضَرَ، و هي عكس البداوة، إذ تعني: الاستقرار والنمو.

وهي اصطلاحاً تعني: مجموعة المظاهر العلميّة، والثّقافية، والأدبيّة، والفنِّيَّة الاجتماعية الموجودة في مجتمع ما.

وكل حضارة جاءت متمّمةً للحضارة التي سبقتها، وتُسهم هذه الحضارات في البناء الحضاري الإنساني للعالم بأكمله.

وأما الحج كما جاء في “لسان العرب” فهو: القصد، حَجَّ إلينا فلانٌ أي قَدِمَ.

والحج: قصد التوجه إلى البيت بالأعمال المشروعة فرضاً وسُنَّةً.

وهو: قصد الكعبة لأداء أفعال مخصوصة.

أو هو: زيارة مكان مخصوص، في زمن مخصوص، بفعل مخصوص.

 

وهي عبادة عظيمة اشتملت على جملة من المقاصد والغايات، ومن ذلك اشتمالها على مجموعة من المعالم الحضارية، ومن أهمها:

القِدَم في أعماق التاريخ والاستمرارية:

كلما كانت الحضارة عميقة في جذور التاريخ و مستمرة كانت أقوى و أرسخ، و هو ما خصّ الله به هذه الأمّة إذ أورثها أقدم بيت في التاريخ: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)[آل عمران: ٩٦]؛ فهذه الأولية انتظرت هذه الأمة حِقَباً متطاولة تكريماً و تفضيلاً.

 

وبعد نيل الأمة لها استمرت على رعاية البيت وحراسته، وظل شامخاً عظيماً يستقبل زواره وقاصديه على الدوام، فهذا القِدَم والاستمرارية دلالة على رسوخ الحضارة الإسلامية وعظمتها.

 

الاتصال بقيم التوحيد و العبودية:

فالحضارة لها مكونان: مادي ومعنوي، متى ما تأخر أحدهما انهارت؛ فالجانب المادي واضح، وأما المعنوي فهو اتصال البيت بعقيدة التوحيد في أبهى معانيها: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)[الحج: ٢٦].

فالعقيدة هي المدد الروحي لاستمرار الحضارة الإسلامية و استدامة قوتها و اتصال سيرها وترابطها.

 

التواصل الحضاري:

إن تواصل الحضارة الإسلامية بالحضارات القديمة لَهُوَ عامل قوة و ثراء؛ فقد جمع الله حول البيت أعظم مكونين حضاريين للإنسانية وهما: حضارتا الفرات والنيل؛ ليجتمع الساميون والحاميون في لقاء تاريخي بديع إذ يتزوج إمام الحنفاء إبراهيم -عليه السلام- “الكلداني” القادم من العراق مهد أعظم الحضارات الإنسانية بالأميرة النوبية هاجر التي تنتمي إلى كوش بن حام بن نوح المنتمية لحضارة النوبة مهد الحضارات الإنسانية؛ وتنجب الحضارتان جد العرب المستعربة إسماعيل -عليه السلام- والذي يتزوج من العرب الساكِنِين له حول البيت.

 

هذا التلاقي الرائع أعطانا امتداداً و تواصلاً حضارياً بديعاً ليحقق عالمية حَمَلَة الرسالة الخاتمة والذين ينتمون إلى كل العالم القديم لتتحقق إنسانية الرسالة و عالميتها، والبيت الحرام هو الرمزية العبقرية لهذا الألق والبهاء والإشراق.

 

رسوخ مركز الحضارة على مدى الأزمان:

إن الحرمين الشريفين هما مركز الحضارة الإسلامية، ومن العجيب أنه في فترات ضعف وانهيار حكومات المسلمين فقد ظل هذا المركز محافظاً على قوته و إلهامه غير متأثر بحالة الضعف التي تعتري مسيرة الأمة الإسلامية؛ مع أنه في حالة انهيار معظم الحضارات فإنه في الغالب تنهار مراكزها كما حدث للحضارة النوبية والبابلية والفرس والروم، فبمجرد انهيار الدولة ينهار المركز عدا هذه الأمة التي ميزها بمركز قوى لا ينهار أبد الدهر، وهذا مَعْلَمٌ حُقَّ للأمة أن تفاخر به.

 

رمزية البيت الحرام:

لقد ظلت الكعبة المشرفة من يومها الأول تمثل صرحاً حضارياً شامخاً لجميع البشر، وهي حرم الله تشريفاً لمكانتها عند الله، يقول الله -تعالى-: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ )[آل عمران: ٩٦].

 

وكانت حرمته قديمة وباقية عبر العصور، فإن العرب في الجاهلية تعرف هذه الحرمة وعظمتها، ثم جاء الإسلام لإبراز تلك الحرمة و بيانها و هي ميزات خالصة لهذا البيت عند الله، وكانت البيوت تُبْنَى قبل بناء إبراهيم – عليه السلام – الكعبة، لكنها لم تُبَوَأْ هذه المكانة في تاريخ البشرية؛ بل لم تقاربها، ويلوح هذا المعنى بجلاء أكثر لو تأملنا قوله تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)[آل عمران: ٩٧].

فيه تنويه لبعض معالم حضارية خالدة في هذا البيت المبارك، سَمَّاها (آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ)، إشارة إلى آثار محسوسة خلدها التاريخ، منها: الحجر الأسود، و مقام إبراهيم -عليه السلام- وهما ياقوتتان من الجنة كما صح بذلك الخبر، ومنبع زمزم وغيرها.

وتتصل الرمزية بوفود ومواكب الأنبياء والرسل الحجيج إليه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا، مِنْهُمْ مُوسَى، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ و َعَلَيْهِ عباءتانِ قَطْوانِيَّتانِ، وَ هُوَ مُحْرِمٌ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ شَنُوءةَ، مَخْطُومٍ بِخِطَامِ لِيفٍ لَهُ ضَفْرَانِ”(حسنه الألباني في “صحيح الترغيب)؛ فأَعْظِمْ بها من رمزية وضاءة مميزة.

 

المساواة في الحج:

إن من أعظم المعالم الحضارية للحج أن الناسُ مُتساوون في أحكام الحج ومناسكه من حيث الأصل، فليس لأحدٍ ميزة على الآخر، ولا يختصُّ جنسٌ بحُكْمٍ دون آخر؛ و لهذا لما زعمت قريشٌ في الجاهليَّة أنهم من أهل الحرم فلا يخرُجون من الحرم إلى عرفة، فكانوا يَقفون في مزدلفةَ، أبطَل الله زعمَهم بقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)[البقرة: ١٩٩].

 

وهذا جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- يُبيِّن كيف أبطَل الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الزَّعْم في وصفه لحجِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلًا: فسار رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ولا تَشكُّ قريش إلا أنه واقفٌ عند المَشْعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أتى عرفة، فوجد القُبَّة قد ضُربت له بنَمِرة َ، فنزل بها، حتى إذا زاغتِ الشمسُ أمرَ بالقَصْواءِ فرُحِلَتْ له، فأتى بطنَ الوادي”(أخرجه مسلم)؛ فيَتبيَّنُ من ذلك أنه لا فرقَ بين قبيلة و أخرى، أو بين جنسٍ و آخرَ في أحكام النُّسُك.

 

هكذا تتجلَّى مظاهرُ المساواة في هذا المَشعَر العظيم، حيث تجتمع وفودُ المسلمين من شتَّى أنحاء المعمورة ليرجعوا إلى ديارهم عاملين بمقتضى هذا المبدأ العظيمِ في الإسلام.

 

ولعلَّ هذا سرُّ اغتنام النبيِّ المصطفى -صلى الله عليه وسلم- هذه الفرصةَ الثمينةَ لإرساء دعائمِ هذا المبدأ العظيم في خطبته في حجة الوداع، حينما خطب في الصحابة قائلًاً: “يا أيها الناس، إن ربَّكم واحد ٌ، وإن أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجمي، ولا عجميٍّ على عربي ٍّ، ولا أحمرَ على أسود َ، ولا أسودَ على أحمرَ؛ إلا بالتقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، ألا هل بَلَّغْتُ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فلْيُبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ”(أخرجه الإمام أحمد في مسنده)؛ فما أعظمها من مشاعر حضارية تميزت بها أمتنا و ضاعت تحت أقدام مدعي التطور و التحضر اليوم فبئست إنسانيتهم و خسئت ادعاءاتهم.

 

الاهتمام الرسمي و الشعبي بشعيرة الحج:

ظلت الأمة حكاماً و محكومين ترعى عبودية الحج ومقدسات الأمة أتم الرعاية محبةً وحمايةً وتطويراً وذلك منذ آماد بعيدة وحقب متعددة.

ومع تزايد الحاجة وتطور الحياة ازداد الاهتمام بالحرمين ليواكب ذلك أشد المواكبة، وخلال العقود الثلاثة الماضية إلى الوقت الراهن يشهد هذا الحرم المبارك توسعات كبيرة تشمل المشاعر كلها، تبرز جهود المملكة العربية السعودية في تفاعلها المتزامن مع معطيات العصر الحضارية، وتستغل تقنيات مدنية جديدة، ووسائل حديثة، لتسهيل أداء المناسك على الحجاج.

 

هدفها إظهار الجانب الحضاري لهذا الدين وأهله، وتعامل المسلم مع المعطيات الحضارية والثمرات العلمية والتقدم المدني في كل مناحي الحياة.

 

أبرز هذه المظاهر الحضارية الحديثة:

روح التعاون والاستجابة لمتطلبات ظروف الحج لدى المسلمين، ومساعدة الأجهزة الأمنية على تقليل الأخطاء، والالتزام بالأنظمة والاستجابة للقوانين، واستخدام وسائل النقل من قطارات وسيارات بالطرق السليمة، والترفق في الزحام، والحرص على النظافة، وإعطاء الطرق حقها، كلها مظاهر حضارية تليق بالمسلم الذي يستمد منهج حياته من دينه ما يصدر عنه من أخلاق تنشر السكينة و الاطمئنان.

 

والجدير بالذكر أن السودان نال شرفاً من ذلك في كسوة الكعبة، ومحمل الكعبة، وإطعام الحجيج.

 

اجتماع الأمة و مظاهر الوحدة:

وهي من أعظم المعالم الحضارية، فلا يشبه اجتماع المسلمين في عبودية الحج وانتظام المشاعر للقاصدين خاصة ولغيرهم اجتماع آخر البتة، و هو دلالة على عظمة هذا الدين و شعبه لتقريب الأمة وحثها على مظاهر الوحدة والاعتصام، والبعد عن الخلاف، وهو مظهر مدني متحضر عبودي متجذر، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آل عمران: ١٠٣]، وقال: (ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)[الحج: ٣٢ – ٣٤].

 

فكل ما يتصل بعبادة الحج يصل الأمة بضرورة الاعتصام والوحدة؛ فالإله الواحد والقرآن المتلو والرسول المتبع والقبلة الواحدة ووحدة الشعائر والمشاعر والمناسك وتوقيتاتها وغيرها.

 

وعليه؛ فإن هذا الاجتماع المبارك ينبغي أن يُسْتَغَل للمزيد من تعميق أواصر الإخاء الإيماني، وتقريب وجهات النظر، وتمديد وسائل التحاور بين علماء الأمة ومنظوماتها ومنظماتها ودولها، و وضع استراتيجيات كلية للمزيد من الالتقاء، وتجسير الهوة، والتصدي الجمعي لمظاهر الفرقة والشتات، فما يجمع الأمة أقوى وأعمق وأكبر مما يفرقها.

 

ختاماً:

فهذه إلماحات عامة و مختصرة عن بعض المعالم الحضارية لعبودية الحج؛ سائلين الله أن يسلم الحجاج، و يشملنا معهم في الأجر و الثواب، و يجمعنا بهم في تلك البقاع الطاهرة.

والحمد لله رب العالمين. انتهى.

 

المصدر/ صيد الفوائد