طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    تعلمت من مريم بنت عمران!    ||    العودة إلى التربية القرآنية.. الإسلام لا يقطع ما قبله بل يكمله    ||    هل تشاركني هذه اليقينيات!    ||    الإمارات والسعودية تدعمان التعليم في اليمن بـ70 مليون دولار    ||    أكبر حزب أحوازي يدين "اعتداءات إيران" في المنطقة    ||    كيف هابوه؟!    ||    الهمم الشبابية والنفحات الإلهية في رمضان (1)    ||    خلوة الأتقياء..    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الإسلام والسلامة النفسية

ملتقى الخطباء

(969)
1438

الإسلام والسلامة النفسية

تاريخ النشر : 1440/05/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

يعاني اليوم الكثير من الناس -وخاصة الشباب- من المشكلات التي تتسبب في فقد توازنهم، وقد تقود بعضهم إلى الأمراض النفسية، ومع أن المشكلة قائمة بالدرجة الأولى على طبيعة الحياة المدنية المعاصرة التي نعيشها اليوم بجميع…

يعاني اليوم الكثير من الناس -وخاصة الشباب- من المشكلات التي تتسبب في فقد توازنهم، وقد تقود بعضهم إلى الأمراض النفسية، ومع أن المشكلة قائمة بالدرجة الأولى على طبيعة الحياة المدنية المعاصرة التي نعيشها اليوم بجميع أبعادها، والتي غالبًا ما نمارس فيها دور المستهلك فقط؛ مما يزيد من الضغط النفسي علينا بدرجة لم تكن تعرفها الأجيال السابقة.

 

وهي مشكلة عالمية ترتبط بأنماط الحياة التي نعيشها اليوم؛ حيث تؤكد بعض التقارير أن ما يقرب من ثلث سكان العالم يشعرون بالتوتُّر والخوف والإحباط، وتوقُّع السوء في مستقبلهم، وحدوث ما يُهدِّد حياتهم، واستمرار هذه المشاعر قد تقود بعض الأفراد إلى المرض النفسي.

 

وتسجل الإحصائيَّات أن مرض الاكتئاب هو ثاني مرض مُعطِّل عن العمل عالميًّا، كما أن نسبة الانتحار عالميًّا في تزايد مستمر نتيجة تلك المشاعر والضغوط؛ لذا فنحن محتاجون للتعرف على الأمور التي تساعدنا على تحصيل السلامة النفسية، وتحقيق الطُّمأنينة التي تبعث مشاعر السعادة في حياتنا، وترفع عن كواهلنا كثيرًا من الضغوط التي نمارسها كثيرًا على أنفسنا وعلى من حولنا كردِّ فعلٍ لضغوط الحياة المعاصرة.

 

وقد كانت جهود الدراسات النفسية السابقة منصبَّة على تتبُّع الأمراض النفسية وطرائق علاجها؛ لكن ذلك كان يعني أن ننتظر حتى يمرض الإنسان، ثم نبحث عن علاجه! وقد تغيَّر هذا كثيرًا في الفترة الأخيرة؛ حيث ظهرَت اتِّجاهات عديدة عُرف بعضها بعلم النفس الإيجابي، والتي تبحث في عوامل وأسباب الشعور بالارتياح في الحياة، وكيف يمكن للإنسان أن يحقِّق أقصى استفادة لتحقيق عوامل السلامة النفسية؛ مما يقوده إلى مشاعر الرضا والسعادة.

 

ولا تنسب تلك الاتِّجاهات تحقيق السعادة إلى جانبٍ واحد؛ بل تعزوها إلى تظافُر عدد من المكونات؛ منها:

أن يعرف الإنسان قيمتَه، ولماذا يعيش، وأن يستمتع بالمتاح له، وكيف يتعامل مع ما حوله من مكونات اجتماعيَّة أو بيئية، وكيف يعمل على الرقيِّ بذاته، والزيادة في كمالاته وخبراته، ويشعر بأنَّه صاحب قرار وليس تابعًا ذليلًا لغيره، ويشعر بوجود قيم وأخلاق تحكم سلوكه وتضبط مشاعرَه.

 

ونحن المسلمين نعلم يقينًا أن الحياة الدنيا في حقيقتها كُلٌّ متكامل تتضافر جميع أجزائها ومكوناتها لتحقيق هدفها النهائي الذي حدَّده الله عز وجل لها، وكلما تمكنَّا من التناغُم والانسجام مع ما حولنا لتحقيق هذا الهدف، زاد مستوى الطمأنينة النفسية؛ وبالتالي حقَّقنا السلامة من المشكلات النفسية، ويعني ذلك من وجه آخر أنه كلما ازداد الإنسان في الكمالات الذاتية والتكامل مع ما حوله من الكائنات والأكوان، ساعده ذلك على تحقيق السلامة من عوامل النقص والمرض.

 

ومن نعمة الله عز وجل أن يسَّر لنا الإسلام الذي هيَّأ لنا عددًا من القواعد التي تُحقِّق لأتباعه السلامة النفسية، ومن أهمِّها:

* وجود معنى للحياة وهدف واضح.

* الإيمان بالقضاء والقدر وما يبعثه من الطمأنينة.

* إدارة الوقت وتنظيمه على مدار اليوم وعلى مدار العام؛ فلكل وقت مهام وعبادات تُجدِّد الإيمان وتبعث اليقين.

* توفير نموذج للقدوة التي تهدي الإنسان في جميع حالاته.

 

قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب:21]، وغني عن الذِّكر أنَّ درجة الكمال الإنساني لم يبلغها أحد سوى نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وقد بلَّغه الله بفضله ومنِّه أعلى درجات الكمال الإنساني؛ ليجعله أنموذجًا يتأسَّى به البشر؛ فكلما كنا إليه أقرب، كنا أسدَّ وأسعد.

 

وهنا سنحاول أن نتعرف على بعض العوامل المساعدة على تحقيق السلامة النفسية التي حقَّقها لنا الإسلام ولن نتعرَّض إلى الأحكام الشرعية سواء في العبادات أو المعاملات؛ لأنها جميعًا تُسهِم في المحافظة على السلامة النفسية إما بشكل مباشر أو غير مباشر؛ لكن علينا قبل أن نبدأ بذكرها أن نتذكر الوحدة الكاملة بين أجزاء هذه الدنيا ومكوناتها وارتباطها بالآخرة وارتباط الأولى والآخرة بالله عز وجل؛ لأن هذا يعطي الإنسان المسلم معنى لحياته لا يجده غيرُه.

 

ونحن نعلم عناية الإسلام بهذا الإنسان منذ ما قبل ميلاده؛ حيث حرَص الإسلام على سلامته بشكل كامل؛ فأمر بحسن اختيار الزوج والزوجة، ثم وضع أحكامًا تتضمَّن بناء حياته ورُوحه وجسده بشكل يضمن سلامته قبل خروجه إلى الدنيا؛ مما يضمن للمسلم توازنًا في هذا الكون الواسع.

 

كما ينبغي أن نلاحظ أن الإسلام يعتني عناية كبرى بالجوانب الوقائية في جميع تشريعاته وبنائه الأخلاقي حفظًا لسلامة الإنسان قبل اضطراره وحاجته للعلاج، وهذه إحدى مشكلات الحضارة المعاصرة التي لا تعنى بشكل كافٍ بوقاية الإنسان من السقوط في مصايد الأزمات النفسية، كما أن عنايته بالجانب الأخلاقي ووجوب الحفاظ على مشاعر الإنسان أمرٌ لافِتٌ ولا يمكن أن تجده في غير الإسلام.

 

ولندخل الآن إلى العوامل التي تُحقِّق السلامة النفسية للإنسان المسلم:

١– وضوح الهدف:

قال تعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)[النجم: 42]، وقال عز من قائل: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)[العلق: 8]؛ فالإنسان الذي لديه هدف واضح وقِيمة يعيش لتحقيقها؛ فحتمًا سيَشعر بأن لحياته معنًى وأسبابًا يعيش من أجلها، وأنت لديك هدف كبير لكل حياتك، ولديك أهداف أخرى طويلة الأمد لتحقيق طموحاتك، ولديك أهداف مرحلية وأخرى قصيرة، وكلما سلمت أهدافك من التعارُض، حافظت على سلامتك النفسية، وقلَّل ذلك من مستوى إجهادك.

 

2- بيَّن له القدر وأمره بالصبر:

الدنيا ممرٌّ ومعبرٌ، وهي ممتلئة بالابتلاءات، ولكل إنسان أحداث تعترض حياته ابتلاءً واختبارًا؛ فلا شيء يحدث مصادفة، وليست الأحداث التي نمرُّ بها عبثًا، والإنسان بين نعمة ومصيبة؛ فلهذه الشكر ولتلك الصبر، هذا الإيمان يأخذ بيد المسلم ليتجاوز مصائبه فينجو من كرب ما بعد الصدمة، ومن الاكتئاب ومن الهم والقلق.

 

3- قَبول الذَّات:

مهما كان قدرك، ومهما كانت حياتك وإمكاناتك؛ فلن تسعد بها حتى تتقبَّل ذاتك، وقبول الذات يعني أن تتبنَّى توجُّهًا إيجابيًّا حول ذاتك، وتتقبَّلها كما هي، وتقدِّر مواطن القوَّة لديك، وتعترف بمواطن الضعف، وتتقبَّل تجارِبك السابقة، وتستفيد منها دون أن يتسلَّط عليك لوم الذات؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجِز”.

 

فمهما كنت ومهما كانت إمكاناتك؛ ففيك خير ما دمت مؤمنًا، ويجب ألَّا تغيب هذه الحقيقة عن نفسك، وهذا يعني ألا تكون تبعًا لأحد، وهذا سيقودك إلى:

4– الاستقلالية:

وتعني: أن يدير المرءُ حياته وَفْق قِيَمه وقراراته، وليس استجابة لضغوط الآخرين، وليس معنى الاستقلالية العناد ومخالفة الآخرين لا؛ لكنها مرتبطة بالهدف الذي من أجله تحيا، وستبقى هنالك حدود لإمكاناتك لن تستطيع تجاوزها، لكن تذكَّر قوله تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)[النجم: 38-39].

 

فالمحاسبة الدنيوية والحساب الأخروي مرتبطان بهذه الاستقلالية، واستقلاليتك لن تجعلك تعيش وحيدًا؛ بل أنت ككائن اجتماعي مرتبط بالآخرين؛ مما يعني أنك ستبني علاقات متعددة مع الآخرين فلتحرص على:

5- بناء العلاقات الإيجابية:

فمما يعطي لحياتك معنى أفضل وأسعد هو قدرتك على تكوين علاقات ودِّية قائمة على الثِّقة، والقدرة على التعاطف مع الآخرين، ومراعاة سلامة الآخرين، والمؤمن كما قال النبي صلى الله وسلم: “يألف ويُؤلَف”، و”يحبُّ لأخيه ما يحب لنفسه”، “وقولوا للناس حسنًا”، “البر حسن الخلق”، “تعاونوا على البر والتقوى”.

 

وتذكَّر دومًا: ألا تكون مكافئًا للناس في علاقاتك، لكن احرص أن تكون متفضِّلًا قدر ما تستطيع، وقد يحتاج الإنسان في بعض الحالات أن يضبط ما يدور حوله، وهذا يعني أن عليه:

6- تعديل البيئة:

لأن الإنسان بطبيعته حين يشعُر بالتوافق مع البيئة مِن حوله؛ فإن ذلك ينعكس على حالته النفسية؛ فعلى الإنسان العاقل أن يسعى لتعديل بيئته وتحسينها بما يتوافَق مع أهدافه وقِيَمه، ويحاول أن يتكيَّف معها ويكيفها بشكل مناسب، لا سيما أنه مأمور باجتناب المجالس والأماكن والأشخاص الذين يحولون بينه وبين وظيفته في هذه الدنيا، ولو استدعى ذلك أن يُهاجر.

 

وقد يكون ذلك ضرورة في بعض الحالات النادرة، وخاصة حينما تكون البيئة من حوله تصدُّه عن الخير أو تدفعه للشر، أو تحول بينه وبين تزكية وتنمية ذاته.

 

7 – تنمية الذات وتزكيتها:

قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)[الشمس: 9]؛ فالإنسان الذي يعتني بتزكية ذاته بعمل صالح وتنميتها بعلم نافع، هو في حقيقته شخص يهتم بتحسين الحياة وزيادة التعلُّم، وهو منفتِح على تجارب جديدة في الحياة، ويعمل دائمًا على التحسُّن في سلوكه ومهاراته، ومعارفه وتوجُّهاته؛ لتحقيق هدفه الأسمى من الحياة.

 

وتنمية الذات مهاريًّا ومهنيًّا متاحٌ، وتتوافر برامجه في كل مكان ولكل عمر ما يناسبه من تلك البرامج؛ لكن يبقى السؤال الأهم: وهو كيف يعمل على تنمية ذاته وتزكيتها نفسيًّا؟

وهنا بعض الخطوات المساعدة على ذلك؟

1- اعرف نفسَك جيدًا:

قال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)[الذاريات: 21]، ونجد كثيرًا من المشكلات التي يعاني منها كثيرٌ من الناس؛ إنما تأتي من جهلهم بحقيقتِهم وحقيقة الآخرين، وكثيرٌ من المشكلات النفسية لدى الناشئة تعبِّر عن ذوبانٍ تامٍّ في الآخرين، أو رفضٍ تامٍّ لهم.

 

2 – كن أنت نفسَك، ولا تقلِّدْ غيرَك:

جاء في الحديث: “لا يكن أحدكم إمعة يقول: إن أحسن الناسُ أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ”، انتبه وركِّزْ على جوانب قوَّتك؛ فأنت لم تُخلق عبثًا، ولا لتكون صورةً من إنسان آخر؛ وإنما أعطاك الله ما أعطى الآخرين من مواهب؛ لتبني ملامح شخصية مستقلة ومفيدة، وتذكَّر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِص على ما ينفعُكَ، واستَعِنْ باللَّهِ ولا تَعجِز، وإن أصابَكَ شيءٌ؛ فلا تقُل: لو أني فعلتُ كان كذا وَكَذا؛ ولَكِن قل: قدَرُ اللَّهِ، وما شاءَ فعلَ؛ فإنَّ لو تَفتحُ عملَ الشَّيطانِ”(رواه مسلم).

 

3- اشتركْ في أنشطة اجتماعية مفيدة:

أَسْهِمْ في الأعمالِ التطوعيةِ؛ لتكتسب ثقة بنفسك، ولتشعُر بأن لك قيمةً في الحياة؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفعُهُمْ للناس، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ تُدخِلُهُ على مُسلِمٍ، أو تَكشِفُ عنهُ كُربةً، أو تَقضِي عنهُ دَيْنًا، أو تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولَأَنْ أمْشِيَ مع أخِي المسلمِ في حاجةٍ أحَبُّ إليَّ من أنْ أعتكِفَ في المسجدِ شهْرًا، ومَنْ كفَّ غضَبَهُ، سَتَرَ اللهُ عوْرَتَهُ، ومَنْ كظَمَ غيْظًا، ولوْ شاءَ أنْ يُمضِيَهُ أمْضَاهُ، مَلأَ اللهُ قلْبَهُ رضًا يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أخيهِ المسلمِ في حاجَتِه حتى يُثْبِتَها لهُ، أثْبتَ اللهُ تعالَى قدَمَه يومَ تَزِلُّ الأقْدامُ، وإنَّ سُوءَ الخُلُقِ لَيُفسِدُ العملَ، كَما يُفسِدُ الخَلُّ العَسَلَ”(صحيح الجامع).

 

ومما يتفق عليه المختصون النفسيون أن من أهم العوامل المساعدة في علاج عدد من المشكلات النفسية – المشاركةَ في الأعمال التطوعية التي تحدد لها أنشطة وساعات ضمن خطة العلاج النفسي، التي تصمم لعددٍ من أنواع العلاج النفسي في بعض الحالات.

 

4- وجود الأصدقاء مهم ونوعيتهم أهم:

وطريقة انتقائك لهم ستحدد مصيرك في الدنيا والآخرة؛ فَمَنْ صاحبَ الصالحين صلح، ومن صاحب الطالحين طلح؛ قال تعالى في وصفٍ لمشهد الأصدقاء السيئين في الآخرة: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا)[الفرقان: 27-29].

 

ومن الأصدقاء الجدد في عصر العولمة أولئك الأصدقاءُ الافتراضيُّون الذين يصاحبهم الإنسان أوقاتًا طويلة من خلال وسائل الإعلام وقنوات البث الفضائي، ومن خلال الشبكة العنكبوتية، والذين يوجهون سلوكه، ويصوغون هويته بقوة أكثرَ تأثيرًا من أسرته ومدرسته، ويصدق عليهم وصفُ “الخليل” الذي نبَّهنا إليه النبي -صلى الله عليه وسلم-: “المرءُ على دينِ خليلهِ؛ فلينظُرْ أحدُكُم من يُخالِل”(البغوي في شرح السنة).

 

ويشهد لهذا سلوكُ كثيرٍ من الشباب التكفيريين والملحدين في الآونة الأخيرة، الذين تم تغيير قناعاتهم من خلال برامج التواصُل الإلكتروني والشبكة العنكبوتية، وربما كان جزءًا من علاج مشكلتهم في الخطوة التالية.

 

5- تعلُّم التفكر وممارسته يُساعد الإنسان على تجاوز أزماته:

فالتفكُّر من العبادات التي تُساعد الإنسان في نموِّه الخلقي، وتصحيح أفكاره واتجاهاته ومساره، وهي من الصفات التي مدحَها اللهُ سبحانه وتعالى، وتُعَدُّ من أَجَلِّ العبادات؛ لما تحقِّقه من كمال الإيمان بالله تبارك وتعالى، كما قال عز وجلَّ: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[آل عمران: 190-191]، ومن صفات النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان كثيرَ الصمت، دائمَ الفكر، والتفكُّر يعطي المرء ما يشبه “جرد حساب”؛ ليعيد تأمُّل سلوكه وتصرفاته، ويعيد تنظيم بنائه المعرفي مرةً بعد أخرى، وكثيرًا ما يُستخدم هذا الأسلوبُ من خلال العلاج السلوكي المعرفي.

 

ومهارة التفكير الناقد اليوم غدت ضرورة يجب أن نتعلمها ونعلمها أبناءنا وشبابنا لمواجهة ضخ الأفكار المستمر الذي نواجهه صباحَ مساءَ.

 

6 – المحافظة على الحياة المتوازنة:

“إن لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا؛ فأعطِ كل ذي حقٍّ حقَّه”، هذه قاعدة نبوية، وبعض الأشخاص إذا أحبَّ شيئًا صرف كلَّ وقته وجهده فيه؛ مما قد يسبِّب له ارتباكًا ينتج عنه خلَلٌ في جوانب حياته الأخرى؛ فلا بد هنا من أن يتعلَّم الإنسان كيف يُوازن بين حاجاته وإمكاناته، وبين طموحاته وواقعه، كما ينبغي أن يعتني بنمط حياة صحي، يُنظِّم فيه نوع غذائه وأنشطته البدنية، وهواياته وواجباته المتوقَّعة منه، ونحتاج إلى تدريب مستمر لاكتساب التوازن في حياتنا من خلال التخطيط والتدريب، وقد جاء في الحديث: “إِنَّ المُنْبَتَّ لا ظَهْرًا أَبْقَى، ولا أَرْضًا قَطَع”، والمنبت: المندفع المستعجل.

 

ومن مزايا الإسلام أنه يساعد الإنسان على التوازن المستمر في حياته، ويساعده على إدارة وقته بشكل كامل على مدار اليوم وعلى مدار العام من خلال الشعائر والعبادات ومن خلال الفرائض والنوافل.

 

7 – تعلم حل المشكلات بطريقة صحيحة:

قال صلى الله عليه وسلم: “ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال؟”.

فالأسلوب العلمي لحلِّ المشكلات هو الأسلوب الوحيد لحلها حلًّا واقعيًّا سليمًا؛ لأنه أسلوبٌ يقتضي الرويَّة والتفكير، والنظر إلى المشكلة من جميع نواحيها السارة وغير السارة، ووزنها وتحليلها، هذا إلى أنه أسلوب موضوعي، يتطلب أن يسترشد الإنسان أولًا بالواقع والمشاهدات الموضوعية والاستفادة ممن هو أعلم منه، حتى لا يتأثَّر سلبًا بحالته الذاتية ومخاوفه وشكوكه.

 

أما الأسلوب غير العلمي؛ فقد يخفي المشكلة في الظاهر لتعود شرًّا مما كانت عليه، أو لتتمخض عنها مشكلات أخرى؛ لذا حاول أن تحسم مشكلاتك فور ظهورها.

 

8-  أتقن عملك:

قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه”.

 

إتقان العمل سبب للنجاح، والنجاح سبب لاستقرار النفس:

يعاني الناس في هذا العصر تشتت أفكارِهم، وضياع جهودِهم دونَ إنجازٍ حقيقي، ولتجاوز هذه المشكلة لا تحاول إنجازَ ثلاثةِ أمورٍ في وقت واحد؛ لأن هذا يعني قصورَك عن إتقان أي واحد منها، ولو كان شعارُك: “الكيف قبل الكم”، لكان خيرًا وأبقى؛ ففي الإتقان أمانة وشعور بالنجاح والفوز، وهذا أفضل سبيل إلى زيادة الثقة بالنفس، والإتقان لا يعني الإسراف في العمل؛ حتى لا يتحول إلى حيلة دفاعية للتخلُّص من القلق.

 

9- ركز جهودَك في الحاضر:

لا تكثر من التحسر على الماضي، ولا التوجس مما هو آتٍ؛ لأن الوقوع في شَرَكِ الحزن على الماضي يسوق إلى الاكتئاب، والوقوع في التوجُّس من المستقبل يقود إلى القلق، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: “اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الهمِّ والحَزَنِ…”(رواه البخاري).

 

10- تعلم الاستفادة مِنْ خبراتِ مَنْ سبقَكَ:

لا تعد صناعة العجلة: كلما تعلمنا الاستفادة من تجارب من سبقنا، سلمنا من تكرار أخطائهم، ومن أهم ميزات الإنسان أنه يتعلم من خبرات من سبقه، وهو يساعده على تجنُّب أسلوب المحاولة والخطأ الذي يقوده في كثير من الأحيان إلى تجارب مؤلمة تبقى معه طَوالَ حياته.

 

11- لا تنشغل باهتماماتك عن واجباتك:

هنالك فرق بين أن تهتم بواجباتك التي لن يؤديها أحد نيابة عنك، وبين أن تنشغل بإصلاح العالم من حولك وتنسى إصلاح ذاتك؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، وقد علمتنا التجارب أن من راقب الناس مات همًّا؛ فلا تنشغل بدائرة الاهتمام عن دائرة التأثير.

 

12- حول الواجب إلى متعة:

قد يكون ذلك صعبًا في البداية؛ لكنه ليس مستحيلًا، وكلما خففت من ضغط الواجب عليك بسبب نظرتك السلبية له، تخففت من أثره عليك، وشيئًا فشيئًا تحوله إلى متعة، أو على أقل تقدير ترى أنه ليس بذلك السوء الذي كنت تظنُّه.

 

13- تخلص من الأعباء:

كل ما لا يفيدك في دنياك أو آخرتك فحتمًا هو عبء عليك ولو بعد حين، وكلما استطعت أن تتخفَّف من هذه الأعباء، حافظت على سلامتك النفسية.

 

أخي الكريم: لا تستكثر أي جهد تبذله للحصول على سلامتك النفسية، ولا تستقل أي عمل أو مهارة أو عادة مهما كانت صغيرة يمكن أن تسهم في سلامتك النفسية وطمأنينتك، واعلَم أن القليل إلى القليل كثير، وأن تَكرار الأمر يُسهِم في زيادته سواء أكان سلبًا أم إيجابًا.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات