طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    السعودية تدعو إلى رفض تدخلات إيران في المنطقة    ||    في نور آية كريمة.. "لا تقنطوا من رحمة الله"    ||    أكثروا قرع باب السماء في العشر    ||    قطع العلائق عن الخلائق    ||    الاستمرارية.. درس رمضان الفريد    ||

ملتقى الخطباء

(884)
1435

الحقيقة والقوة

تاريخ النشر : 1440/04/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وبهذا التدافع تُحفظ الأديان؛ ولذا الباطل له صولة يختبر بها أهل الإيمان والحق؛ فإن كانوا على ضعف ذلَّهم الباطل حتى يُوقف شعائرهم وعباداتهم، فيفنى ربما جيل، ثم يرجع الحق بقوة حامليه، فيكون له الغلبة، ويُعاد إعمار…

نعبر عن الحقيقة هنا بالحق، فأقول: الحق يحتاج إلى أدلة وثوابت بحيث يُصبح صاحبُه قويَّ الحُجَّة، قويَّ البيان، قال تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)[مريم:12]، وهذا لأن المسلم صاحب ولاية ولا شك، فيحتاج إلى أن يمتلك ركني الولاية.

 

قال شيخ الإسلام: الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة، قال تعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)[القصص: 26].

 

والأنبياء يجب أن يكونوا على أعلى درجات القوة في الإدلاء بالحجج ليقيموا شرع الله، وغيرهم من حملة العلم والهدى من باب أولى؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: “المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِص على ما ينفعُكَ، واستعِنْ باللَّهِ ولا تعجِزْ، وإن أصابَكَ شيءٌ، فلا تقُل: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وَكَذا؛ ولَكِن قل: قدَّرَ اللَّهُ، وما شاءَ فعلَ، فإنَّ لو تَفتحُ عملَ الشَّيطانِ”(رواه مسلم).

 

وقد سجَّل لنا التاريخ مواقف الشرف لعلماء الأُمَّة الربَّانيين؛ قال أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي: “عُرِضتُ على السيف خمس مرات، لا يُقال لي: ارجع عن مذهبك؛ لكن يُقال لي: اسكت عمَّن خالفَكَ، فأقول: لا أسكت”.

 

وقوة الحق تكون في اتجاهين:

1- قوة علمية: تتمثَّل في العلوم الشرعية وغيرها.

 

2- قوة عملية تطبيقية تجعل من العلم واقعًا.

 

فلا أحد يستطيع السير إلى الله إلا بقوَّتين:

أ- علمية. ب- عملية.

فالعلمية نور تضيء الطريق ليصح المشي على صراط مستقيم وهدى من الله، والعملية لتصل بالمرء إلى أعلى الدرجات، والقرب من فاطر السماوات، والقوة كما ذكر عمر رضي الله عنه قال: القوة في العمل.

 

والقوة من باب السببية، فالحق مع ضعف حامليه قد يُكتب له الفناءُ في البيئة المحيطة بهم؛ ولكن يحمله غيرهم، ولا شك أن حملة الحق لا يفنون من هذه الأُمَّة؛ قال صلى الله عليه وسلم: “لا تَزالُ طائِفةٌ من أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحقِّ، ظاهِرينَ إلى يومِ القيامَةِ، قال: فيَنْزِلُ عيسَى ابنُ مَريَمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيقولُ أميرُهُم: تَعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا؛ إن بَعضَكُم علَى بعضٍ أُمَراءُ تَكرِمَةَ اللهِ هذه الأُمَّةَ”(مسلم).

 

وعمل المؤمن لا يكون إلا من أجل الحق؛ ولذا كان الرياء محبطًا للعمل، فعندما يترك الحق، يجب أن يغضب المؤمن لترك الحق؛ وليس لترك قائله، فلا يغضب لنفسه أبدًا؛ ولذا الرياء يجعل من الحق باهتًا، ليس له قبول عند الناس؛ بل وتمحق بركة علم حامليه، فيكون ضعيف يحمل الحق القوي؛ فلا يستطيع السير به، فيقف ويتعثَّر ويتراجع، وعندها لا يصل إلى الحق الذي هو مبتغاه.

 

والتدافع بين الحق والباطل سُنَّةٌ ربانية، قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)[الحج: 40].

 

وبهذا التدافع تُحفظ الأديان؛ ولذا الباطل له صولة يختبر بها أهل الإيمان والحق؛ فإن كانوا على ضعف ذلَّهم الباطل حتى يُوقف شعائرهم وعباداتهم، فيفنى ربما جيل، ثم يرجع الحق بقوة حامليه، فيكون له الغلبة، ويُعاد إعمار ما أفسده الضعفة حقيقة وليس أهل الباطل.

 

فحقيقة القوة ليس في مجرد الآلة؛ بل في حامليها وكيف يُسخِّرها في أداء ما صنعت له، سواء قوة علمية أو عملية؛ ولذا ومما يستطرف أنه كان لعمرو بن معدي كرب صمصامة، فأراد عمر بن الخطاب رؤيتها، فأرسلت إليه، فلم يرَ فيها شيئًا مقابل شهرتها، فقال عمرو: أرسلت إليك الصمصامة، ولم أرسل يد عمرو، وهذا ردٌّ بديع من عمرو يُبيِّن قضية نفيسة جدًّا؛ ألا وهي قوة الحق ليس في ذاته فقط؛ وإنما يستمدُّ قوَّته من خلال حسن تصرُّف حامله ليُحقق بذلك هدفه المنشود منه، فلو وضعت أقوى سلاح في الدنيا في يد جبان، فلن يُحقِّق النتائج المثمرة التي من أجلها صُنِع.

 

أما حديث سعد بن أبي وقاص: “أنه رأى سعدٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ لهُ فضلًا على من دونِهِ، فقال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: “هل تُنصرونَ وتُرزقُون إلَّا بضُعفائكم”(رواه البخاري)، فقال الشارح: فإذا كان القويُّ ينصُرُ به اللهُ المُسلِمين بشجاعتِه وقوَّتِه في محاربةِ الأعداءِ؛ فإنَّه تعالى ينصُرُ المُسلِمين أيضًا بدُعاءِ ضُعفائِهم وتذلُّلِهم للهِ تعالى، ففي كُلٍّ خيرٌ.

 

إذن هناك قوة من جانب؛ فهم وإن كانوا ضُعفاء من حيث البنية وقلة الشجاعة والإقدام؛ لكن هناك قوَّة إيمانية تجعلهم رافدًا عظيمًا للنُّصرة باستنزال النصر من الله؛ إذن الضعف في هذا الجانب يعد ثلمًا في مفتاح النصر، لا يفتح معه باب النصر؛ فجملة القول: أن الحق إن لم تحمله مجموعة من القوى فلن يكون له بريقُ الحق في أعين العالم أجمع، ومن هنا جعل الإسلام كلَّ ما يدعم الحق جُزْءًا من قوَّته وثباته وانتشاره.