طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > رعاية المسنين بين عناية الإسلام وامتهان الغرب

ملتقى الخطباء

(241)
1460

رعاية المسنين بين عناية الإسلام وامتهان الغرب

تاريخ النشر : 1440/02/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إن حقوق المسنين وكبار السن في المجتمعات الإسلامية لا تنال بقانون يُسن، أو دستور يكتب، أو محكمة تحكم، كما هو الحال في الغرب العلماني؛ إنما هو واجب شرعي يُسأل عنه العبد يوم القيامة، وخلق قويم تعضده الآيات والأحاديث النبوية، وتحث عليه، وحق أصيل لفئة عمرية في المجتمع هي الأكثر…

بين يدي الموضوع أثر من أيام الراشدين:

“يَنفِرُ كلاب بن أمية الكناني إلى الجهاد، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وتطول غيبته، مرابطًا في الثغور، ومجاهدًا في سبيل الله، ويفتقده أبوه الشيخ، ويصل نهاره بليله باكيًا؛ شوقًا لابنه، ورغبة في لقائه، ويصل خبر هذا الشوق العارم إلى مسامع أمير المؤمنين.

ويأمر الخليفة من فوره، بكتاب إلى أمير الجيش: أنْ أنفذ إليَّ كلابَ بن أمية، على جناح السرعة.

ويركب كلاب راحلتَه إلى المدينة، ملبيًا نداء أمير المؤمنين، والهواجس تعتمل في صدره، فالفاروق هو من يطلبه، الرجل الذي عُرِف بقوته في الحق، وصرامته في المحاسبة، وإنفاذه للعقوبة، حتى على أقرب الناس إليه. وينيخ كلابٌ راحلتَه على باب أمير المؤمنين، ويسلِّم عليه، فيبتسم له ابن الخطاب، ويخفف عنه وعثاء السفر، ويأمره أن يستريح عنده في بيته، حتى يسفر صباح الغد.

وفي يومه التالي يستدعيه الخليفة إلى مجلسه، ويتخذ الضيف مكانه، ويبادره الفاروق: يا كلاب، ما بلغ برُّك بأبيك؟ فقال كلابٌ وقد أهاج السؤال أشواقه لأبيه: “كنتُ يا أمير المؤمنين أتخير له أسمن الإبل وأريحها، ثم أغسل ضرعها، حتى إذا جفَّ، ملأتُ له الإناء، فيأخذه ويشرب حتى يرتوي، ثم يحمد الله على نعمائه”.

فيرسل عمر في طلب الأب (أمية الكناني)، ويراه شيخًا ضعيفًا كليل البصر، فيرحب به ويترفق في محادثته، ويسأله: كيف أنت يا أبا كلاب؟ فقال: كما ترى يا أمير المؤمنين.

فيأخذ ابن الخطاب الإناء الذي حلبه كلابٌ بيده، ويناوله للأب الوالِه، ويقول له: اشرب، وعندما وضع الأب الإناء على فيه، قال: “والله إني لأشم رائحة كلاب فيه!”.

قال له عمر: نعم، إنه كلابٌ. وقفز كلاب، يعانق أباه. وأمر الخليفة كلابًا أن يلتزم أباه، ويرعاه ويقضي حقَّه، ويعتني به ما دام حيًّا، وجعل له راتبًا يتقاضاه من بيت المال، كما يأخذ المجاهد المرابط على الثغور”.

 

وهكذا كان الإسلام أيام سؤدده وعزه، يقدّر الكبير، ويجّل ذا الشيبة، حتى يجيب أمير المؤمنين أشواق شيخ كهل طاعن في السن في رؤيته لولده الحبيب.

 

فلسفة الأخلاق بين الإسلام والعلمانية:

للفلسفة الأخلاقية في الإسلام مرجعيتان: دينية إسلامية، وإنسانية، مستمدة من النظر العقلي السليم، الذي تواضعت عليه حكمة الإنسان، في مسيرته الحضارية، وأصبحت قيمًا تتفق فيها الشعوب على اختلافها؛ كالصدق، والعون، والنجدة، والإيثار، وغيرها كثير.

 

فالفلسفة الأخلاقية في الإسلام تمتاز بأنها تديُّن وعبادة، تجيء إذعانًا لأمر الله، وطلبًا لمرضاته، إلى جانب اتفاقها وتفوُّقها على النظر الإنساني.

 

إنها طاعة لأمر الله -سبحانه وتعالى- إلى جانب استقامتها مع القيم الإنسانية، هذه الطاعة التي يثاب الإنسان عليها. وهذا هو سر أسرار عظمة الإسلام.

 

فلم تأتِ شريعة أو نظام في قديم أو حديثٍ أشمل وأكمل من شريعة الإسلام، والتي عالجَت قضايا المادّة والروح وأتَت بصلاح الدّين والدّنيا في توازن عميق وشمولٍ دقيق.

 

فعندما يتأمَّل المسلم هذه الشريعةَ حقَّ التأمّل ليرى كمال هذه الشريعة وتميزها حق التميز كيف وهي شريعة الله وحكمه سبحانه.

 

وإن من مظاهر جمال هذه الشريعة وتميزها: أنها قد أعطت جميع شرائح وفئات المجتمع حقوقهم، فلا توجد طائفة أو فئة ما في المجتمع الإسلامي بغض النظر عن دينها أو مذهبها أو عرقها مسلوبة الحقوق، فالحقوق محفوظة للجميع.

 

ومن أعظم صور إقرار الحقوق: احترام كبار السن.

 

الكبار الذي رقت عظامهم وكبرت أسنانهم، وخارت قواهم وشابت رؤوسهم، إنه الكبير الذي نظر الله إلى ضعفه وقلة حيلته فرحمه وعفا عنه نتحدث عن الآباء، عن الأجداد، عن حقوق الكبار.

 

نتحدث عن حقوق الكبير التي طالما ضُيَّعت، ومشاعره وأحاسيسه التي طالما جرحت، ومع آلامه وهمومه وغمومه وأحزانه التي كثرت وعظمت، وذلك كله عندما غاب المنهج الإسلامي في التعامل مع الكبير، وحلّ محله المناهج والنماذج الغربية العلمانية في هذا التعامل.

 

فوفق فلسفة الأخلاق في العلمانية الغربية احترام المسنين وكبار السن يتم اختصاره في يوم واحد -كما عادة الثقافة العلمانية في اختزال الحقوق يطلقون عليه اسم “عيد المسنين” يحتفلون به في الأول من شهر أكتوبر من كل عام، والهدف منه رفع نسبة الوعي بالمشاكل التي تواجه كبار السن، كالهرم وإساءة معاملة كبار السن.

وهو -أيضاً- يوم للاحتفال بما أنجزه كبار السن للمجتمع.

 

هذه الاحتفالية مشابهة ليوم الأجداد في أمريكا وكندا وكذلك إلى احتفالية التاسع المضاعف في الصين ويوم احترام المسنين في اليابان.

 

وشرعنا الحنيف بمنهجه الشامل لمصالح العباد في الدارين لا يعرف مثل هذه الاحتفاليات البدعية الفارغة والخاوية من بعدها الديني العقدي، فالأصل أن أعياد الإسلام عيدان لا ثالث لهما: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وكلاهما مرتبط بشعيرة عظيمة، الصوم والفداء، وهما من أصول الدين، ولب العقيدة الإسلامية، وما دون ذلك فهو من جملة البدع والحوادث التي انتقلت لبلاد الإسلام في فترات التراجع الحضاري للأمة أيام الاحتلال الأوروبي لها في القرنين الأخيرين.

 

واحترام كبار السن، وتوقير ذي الشيبة، وبر الوالدين، ورعاية احتياجات المسنين؛ كل ذلك من الأمور التي حضت عليها الشريعة، وشدت على يد فاعلها بالتأييد والثناء، ومن جملة العبادات والقرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه.

 

والبعد الديني في هذه الأمور أعمق وأشمل من البعد الإنساني فيها؛ لكونها تمتد لتشمل المسلمين وغيرهم، وذوي القربى وغيرهم، كما سيتضح في سرد فضل ومكانة كبار السن في الإسلام.

 

أولاً: تعريف المسنين في اللغة والشرع:

استخدم العرب كلمة (المُسِنّ) في عباراتهم للدلالة على الرجل الكبير، فتقول: “(أَسَنَّ) الإنسان وغيره (إِسْنَاناً) إذا كبر فهو (مُسِنٌّ) والأنثى (مُسِنَّةٌ)، والجمع (مَسَانٌّ)، وتقول أيضا: “أسَنَّ الرجل: كَبُر، وكبرت سِنُّة. يُسنُ إسناناً فهو مسن”، كما تستخدم العرب ألفاظاً مرادفة للمسن فتقول: (شيخ)، وهو “من استبانت فيه السِّنُّ وظهر عليه الشيب”، وبعضهم يطلقها على من جاوز الخمسين. وقد تقول: (هَرِم)، وهو أقصى الكبر”.

 

وورد ذكر المسنين في القرآن الكريم في عدة مواضع؛ منها: قوله تعالى: (واللهُ خَلَقَكُم ثمَّ يَتَوَفَّاكُم ومِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرذَلِ العُمُرِ لِكَي لا يَعلَمَ بَعدَ عِلمٍ شَيئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) [النحل: 70]، وأرذل العمر هو آخره عندما يكبر السن، وتتعطل الحواس، وينحني الظهر، ويرق العظم، وتسقط القوة، وأوضح المولى -جل وعلا- هذا المعنى في مواضع آخر كقوله في سورة الحج: (وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) [الحج: 5]، وقوله في الروم: (الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً) [الروم: 54]، وأشار إلى ذلك -أيضاً- بقوله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ) [فاطر:11]، وقوله في سورة المؤمن: (ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ ولتبلغوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [غافر:67].

 

وقد تعوّذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من كبر السن وهو أرذل العمر؛ حيث جاء عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو: “أعوذ بالله من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات”.

كما عدّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه المرحلة آخر مرحلة قبل الموت، وروى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية، إن أخطأته المنايا وقع في الهرم حتى يموت”.

 

ثانياً: متغيرات الكبر:

قال تعالى: (الله الَّذي خَلَقَكُم مِن ضَعفٍ ثمَّ جَعَلَ مِن بَعد ضَعفٍ قُوَّةً ثمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ قُوَّةٍ ضَعفاً وَشَيبَةً يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ)[الروم: 54]؛ فالآية تنبه على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالا بعد حال، فبداية أصله من تراب، ثم ينتهي إلى الشيبة والضعف، أي يبدأ ضعيفاً عندما يخرج من بطن أمه ضعيفا نحيفًا واهن القوى، ثم ينتهي ضعيفاً عندما يشيخ ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة. فتضعف الهمة والحركة، وتشيب اللّمَّة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة.

 

والإنسان المسن عندما يبلغ هذه المرحلة تصاحبه تغيرات عديدة أهمها: التغيرات الجسمية والعقلية؛ كما قال تعالى في سورة التين: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)[التنين: 4 – 5]، يرد إلى الهرم وأرذل العمر، فينقص عقله، ويضعف بدنه، فالمسن يضعف بدنه وعقله وتعتريه بعض الأمراض، وتظهر عليه تغيرات كثيرة في جسمه وشكله، كالتجاعيد المنتشرة في جسمه، وتثقل بعض الحواس من ناحية العمل، وربما تتوقف نهائيا عن أداء وظائفها، وتثقل حركاته ويعتريه النسيان في بعض الأحيان، إلى غير ذلك من التغيرات الجسمية والعقلية.

 

ومنها: التغيرات النفسية والانفعالية: إن التغيرات الجسمية والعقلية للمسن تؤدي إلى تغير السلوك وتعقد نفسيته مما يكون مصحوبا بجملة من الانفعالات غير الراشدة في كثير من الأحيان، فترى العديد من المسنين يتخبطون في بعض الأحيان بين الأمزجة الحسنة والسيئة مما يجعل المتعاملين معهم يحتاطون لذلك لعدم انضباط نفسية المسن، فربما أبسط شيء يهيج نفسيته ويعكرها.

 

ثالثاً: الأسس العامة لعناية الإسلام بالمسنين:

1- الإنسان مخلوق مكرم له مكانته في الإسلام: قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)[الحجر:28 – 30] فوطَّن الملائكة الكرام أنفسهم على الأمر الإلهي بالسجود، حين يتم خلقه ونفخ الروح فيه، امتثالا لربهم، وإكراما لآدم -عليه السلام-، فلما تم خلقه في بدنه وروحه، وامتحن اللّه آدم والملائكة في العلم، وظهر فضله عليهم، أمرهم اللّه بالسجود، وهو سجود إكرام وإعظام واحترام.

 

2- المجتمع الإسلامي مجتمع متراحم محب للخير للغير: فعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”، فالمؤمنون متحدون يشد بعضهم بعضا فكل واحد منهم قوي بأخيه، وقد قال أنس بن مالك جاء شيخ يريد النبي -صلى الله عليه وسلم- فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”.

 

رابعاً: فضل الكبر في الإسلام:

تضافرت الأحاديثُ الواردة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن الخير مع الأكابر، والبركة مع كبار السن، وأن المؤمن لا يزاد في عمره إلا كان خيرًا له، إضافة إلى أن المسن المؤمن له مكانة خاصة، تتمثل في التجاوز عن سيئاته، وشفاعته لأهل بيته؛ فلقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا يتمنى أحدُكم الموتَ، ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرًا”، وعن أنس -رضي الله عنه- قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ألا أنبئكم بخياركم؟!”، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “خيارُكم أطولُكم أعمارًا إذا سددوا”، وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “خيارُكم أطولكم أعمارًا، وأحسنكم أعمالًا”، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “الخير مع أكابرِكم”، وفي رواية: “البركة مع أكابركم”.

 

خامساً: حقوق كبار السن في الإسلام:

1- توقيره وإكرامه: فإن مِن تعاليم الإسلام في حق الكبير: توقيره وإكرامه، بأن يكون له مكانة في النفوس، ومنزلة في القلوب، وكان ذلك مِن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد حث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليه، وجعله مِن هديه وسماته وصفاته؛ فقد أوجب نبينا -صلى الله عليه وسلم- احترام كبار السن، والسعي في خدمتهم؛ فرُوي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “جاء شيخ يريد النبي -صلى الله عليه وسلم- فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف ويَنْهَ عن المنكر”، وكما أورد الهيثمي عن معاذ بن جبل: أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إذا أتاكم كبير قوم فأكرموه”.

 

2- حسن معاملته: فإن مِن حقوق الكبير في الإسلام: أن يُحسَن معاملاته، بحسن الخطاب، وجميل الإكرام، وطيب الكلام، وسديد المقال، والتودد إليه؛ فإن إكرام الكبير وإحسان خطابه هو في الأصل إجلال لله -عز وجل-؛ فقد جاء في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن مِن إجلال الله: إكرامَ ذي الشيبة المسلم”.

 

3- بدؤه بالسلام: ومن حقوق كبير السن: إذا لقيناه أن نبدأه بالسلام مِن غير انتظار إلقاء السلام منه؛ احترامًا وتقديرًا له، فنسارع ونبادر بإلقاء السلام عليه بكل أدب ووقار، واحترام وإجلال، بل بكل معاني التوقير والتعظيم، بل نراعي كِبَرَ سنه في إلقاء السلام بحيث يسمعه ولا يؤذيه، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف: “يسلم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي”.

 

4- التأدب في مخاطبته: فمن الأدب الإسلامي في مخاطبة الناس، إذا حدثنا كبير السن أن نناديه بألطف خطاب، وأجمل كلام، وألين بيان، نراعي فيه احترامه وتوقيره، وقدره ومكانته، بأن نخاطبه بـ “العم”، وغيره من الخطابات التي تدل على قدره ومرتبه ومنزلته في المجتمع بكبر سنه، فعن أبي أمامة بن سهل قال: “صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي كنا نصلي معه”، وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: “بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا بن أخي؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا”.

 

5- تقديمه في الكلام: فمن حقوق الكبيرِ في السن أن نقدمه في الكلام في المجالس، ونقدمه في الطعام، والشراب والدخول والخروج، فقد ورَد في الحديث النبوي الشريف عن سهل بن أبي حثمة قال: “انطلق عبدُ الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر، وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشمط في دمه قتيلًا، فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: “كبِّرْ، كبِّرْ”، وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلَّما”، وعن ابن عمرَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “أراني أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواكَ الأصغرَ منهما، فقيل لي: كبِّرْ، فدفعته إلى الأكبر منهما”.

 

6- التخفيف في بعض التكاليف الشرعية: دين الله -تعالى- جاء لسعادة البشر في الدنيا والآخرة والأحكام التي شرعها الله -تعالى- تراعي مبدأ التخفيف بحيث لا تكليف إلا بمقدور ومستطاع خاصة المسنين منهم، ونرى ذلك بوضوح في جل التشريعات الإسلامية، فقد خفف الشرع عن المسن في الكفارات والفرائض والواجبات، ففي الفرائض: أجاز للمسن أن يفطر في نهار رمضان ويطعم إذا شق عليه الصيام، وأن يصلي جالسًا إذا شق عليه القيام، وأن يصلي راقدًا إذا شق عليه الجلوس، وهكذا..

 

ولقد عنّف الرسول -صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل لما صلى بالناس فأطال ذات يوم؛ فعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: “أقبل رجل بنا ضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة أو النساء فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم-فشكا إليه معاذا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “يا معاذ أفتان أنت؟” أو “فاتن” ثلاث مرات “فلولا صليت بسبح اسم ربك والشمس وضحاها والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة”.

 

ورخص للمسن أن يحج عنه غيره إذا لم يستطع الذهاب هو بنفسه إلى الحج؛ فعن ابن عباس عن الفضل أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع أن يستوى على ظهر بعيره؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “فحج عنه”.

 

إجمالاً: فإن حقوق المسنين وكبار السن في المجتمعات الإسلامية لا تنال بقانون يُسن، أو دستور يكتب، أو محكمة تحكم، كما هو الحال في الغرب العلماني، إنما هو واجب شرعي يُسأل عنه العبد يوم القيامة، وخلق قويم تعضده الآيات والأحاديث النبوية وتحث عليه، وحق أصيل لفئة عمرية في المجتمع هي الأكثر احتياجاً للعون والمساعدة والاحترام والتقدير، حق واجب وليس منة أو تفضلاً من أحد، لذلك كان الإسلام هو الدين الخاتم وشريعته ومنهجه هو المهيمن على ما سبقه من كتب ورسالات، ولن ينال أحد أو فئة في المجتمعات المعاصرة حقه إلا بالعودة لمنهج الإسلام إيماناً وتطبيقا.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات