طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||

ملتقى الخطباء

(542)
1412

العائشون بالقرآن

تاريخ النشر : 1439/08/27
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فالصحابة هم الجيل الذي صنعه القرآن وصاغ حياته وفكره وتصوراته ونظرته عن الدنيا والآخرة، ونظّم علاقاته مع الخالق والمخلوقين، وحدد دورهم ومكانهم في منظومة الكون، قال الإمام الخطابي في وصف القرآن وأثره في الصحابة: “إن سر إعجاز القرآن الأعظم هو صنيعه في القلوب، وتأثيره في النفوس..

بما تميز جيل الصحابة -رضوان الله عليهم- عن غيرهم من أجيال الأمة الإسلامية اللاحقة وغيرهم من الأمم؟!

لماذا حاز هذا الجيل الفريد كل هذا الشرف والمكانة السامقة التي لا يشاركهم فيها غيرهم من البشر؟!

 

لماذا أثنى عليهم الله –سبحانه– في محكم تنزيله، وأثني عليهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- في صحيح سنته وخصهم بهذا الفضل الكبير، وشبههم بالنجوم، ودعا الناس للاقتداء بهم والاقتفاء بسننهم؟!

 

ذهب الناس في بيان سبب فضل الصحابة ومكانتهم مذاهب شتى، فقال بعضهم أن شرف صحبة النبي – صلى الله عليه وسلم – هي السبب، وقال بعضهم أن هجرتهم في سبيل الله ونصرتهم للإسلام ورسوله، وتضحيتهم بالغالي والنفيس هي السبب في هذه المكانة، وقال فريق ثالث أنه محض اصطفاء من الله – -عز وجل- –  كما اصطفى الله الحواريين من قبل لنصرة عيسى –عليه السلام- في حين ذهب جمهورهم لذكر كل هذه الأسباب مجتمعة. ولكن يبقى أن فضيلة الصحابة الكبرى في كونهم الجيل الذي فيه وعليه القرآن الكريم؛ أعظم معجزات الأنبياء قاطبة عبر مسيرة البشرية.

 

فالصحابة هم الجيل الذي صنعه القرآن وصاغ حياته وفكره وتصوراته ونظرته عن الدنيا والآخرة، ونظّم علاقاته مع الخالق والمخلوقين، وحدد دورهم ومكانهم في منظومة الكون، قال الإمام الخطابي في وصف القرآن وأثره في الصحابة: “إن سر إعجاز القرآن الأعظم هو صنيعه في القلوب، وتأثيره في النفوس. .. تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها من الوجيب والقلق، وتَغَشَّاها من الخوف والفَرَق.. ما تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب.. يحول بين النفس وبين مُضمراتها وعقائدها الراسخة فيها. فكم من عدو للرسول -صلى الله عليه وسلم- من رجال العرب وفتَّاكها، أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانًا”.

 

فلقد ذاق صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حلاوة الإيمان من خلال القرآن، وأدركوا قيمته وقدرته الفذة على التغيير وبث الروح، فأقبلوا عليه، وانشغلوا به، وأعطوه الكثير من أوقاتهم، وانجذبت مشاعرهم نحوه عند لقائهم به لدرجة الاستغراق والهيمنة، حتى أصبحوا لا يملكون دمعهم حين يبدأون التلاوة، بل إن بعضهم كان يمرض من شدة أثر القرآن عليه، والبعض الآخر كانت الأنوار تشاهد في داره عند قراءته، والكثير منهم كان يعيش مع آية من الآيات ساعات طوالاً يقرؤها ويكررها ويبكي، ولا يملُّ من ذلك. فالصحابة هم الترجمة الحية والفعلية للقرآن العظيم، وهم أحق الناس بوصف “العائشون بالقرآن” من شدة انفعالهم وتأثرهم بالقرآن الكريم في حياتهم وأحوالهم كلها.

 

كيف عاش الصحابة بالقرآن؟

حياة الصحابة بالقرآن وعيشهم به كان من خلال عدة مرتكزات في التعاطي مع الوحي السماوي، من أبرزها:

1 – وحدة المصدرية: فالصحابة تعاملوا مع القرآن على أنه المصدر الوحيد – بجانب السنة النبوية – للتلقي والتوجيه والتعليم.  فلقد كان القرآن وحده إذن هو المعين الذي يستقون منه، ويتكيفون به، ويتخرجون عليه، ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة، ولا ثقافة، ولا علم، ولا مؤلفات، ولا دراسات، كلا! فقد كانت هناك حضارات الرومان والفرس والهند والصين وموروثاتهم الثقافية مدونة في الكتب والقوانين والأعراف والآراء، وكلها هذا النتاج الثقافي للحضارات القديمة في متناول العرب للتجاور الجغرافي، توافر وسائط نقل الثقافات عبر الرحلات التجارية والعلمية. كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة. فلم يكن إذن هذا الحصر على مصدرية الوحي عن فقر في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجيل على كتاب الله وحده  في فترة تكونه وإنما كان ذلك عن تصميم مرسوم، ونهج مقصود، يدل على هذا القصد غضب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقد رأى في يد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – صحيفة من التوراة، وقال: “والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني”.

 

كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يريد صنع جيل نقي خالص القلب والعقل والتصور والشعور والتكوين من أي مؤثر آخر غير المنهج الإلهي، الذي يتضمنه القرآن الكريم، وقد تجسد له –صلى الله عليه وسلم– ما أراده في جيل الصحابة.

 

2 – التلقي للتنفيذ: الصحابة لم يكونوا يقرؤون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع، ولا بقصد التشوق والمتاع.  لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولاً يملأ به جعبته.  إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه.

 

هذا الشعور كان يفتح لهم من القرآن آفاقًا من المتاع وآفاقًا من المعرفة، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع، وكان ييسر لهم العمل، ويخفف عنهم ثقل التكاليف، ويخلط القرآن بذواتهم، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي، وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ولا في بطون الصحائف، إنّما تتحول آثارًا وأحداثًا تحوِّل خط سير الحياة.  إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول.  ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرَّج الأجيال التي تليه.  وما من شك أن هذا العامل الثاني كان عاملاً أساسيًا كذلك في اختلاف الأجيال كلها عن ذلك الجيل المميز الفريد.

 

3 – الانخلاع من الماضي: الصحابة دخلوا الإسلام ونزل فيهم القرآن بقلب ونفس جديدة تماماً ليس فيها من أوضار الجاهلية شيء.  لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية.  كان يشعر في اللحظة التي يجيء فيها إلى الإسلام أنه مولود جديد، منفصلاً كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية.  وكان يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف، وبهذا الإحساس كان يتلقى هدي الإسلام الجديد، فإذا غلبته نفسه مرة، وإذا اجتذبته عاداته مرة، وإذا ضعف عن تكاليف الإسلام مرة شعر في الحال بالإثم والخطيئة، وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهر مما وقع فيه، وعاد يحاول من جديد أن يكون على وفق الهدي القرآني.

 

هذا الانفصال والانخلاع عن الماضي حرر الصحابة من ربقة الذنوب والآثام والخطايا المعوقة وجعلهم ينظرون للقرآن الكريم على أنه المنقذ من الضلال والهادي إلى الرشاد، فلم يعرفوا غيره، ولم يحييوا بسواه.

 

صور من حياة الصحابة بالقرآن:  

تأثرهم بالقرآن وتلذذهم بقراءته:

في أثناء مرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال لمن حوله: “مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس”.  فقالت عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه. وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء  – بنت أبي بكر – كيف كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سمعوا القرآن؟ قالت: “تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله”. وكان عمر بن الخطاب يمر بالآية فتخنقه، فيبقى في بيته أيامًا يُعاد، يحسبونه مريضًا. وقال رجل من أهل مكة لمسروق – أحد التابعين-: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، يركع ويسجد ويبكي (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)؛ فلم يزل يرددها حتى أصبح. وروى الزهري أن عبد الله بن عباس كان يُقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب ،فقال عبد الله بن عباس: “لم أر أحدًا يجد من القشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة”.

 

ولما قدم أهل اليمن المدينة في زمن أبي بكر -رضي الله عنه- فسمعوا القرآن، فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر الصديق: “هكذا كنا ثم قست القلوب”.  قال أسيد بن حضير: “لو أني أكون كما أكون محل حال من أحوال ثلاث لكنت من أهل الجنة وما شككت في ذلك: حين أقرأ القرآن أو أسمعه يُقرأ، وإذا سمعت خطبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا شهدت جنازة “.

 

وكان عباد بن بشر يقوم بحراسة المسلمين بعد أن عسكروا في مكان، وأخلدوا للنوم وهم في طريق عودتهم من غزوة ذات الرقاع، ولما وجد الجو هادئًا بدأ في الصلاة وقراءة القرآن، وفي أثناء ذلك لمحه أحد المشركين فأصابه بسهم فلم يتحرك من مكانه، بل نزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بسهم ثان فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بثالث فنزعه وركع وسجد وسلَّم وأيقظ صاحبه عمار بن ياسر، ولما سأله عمار لماذا لم توقظني منذ أول سهم؟ قال له: “كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع عليَّ الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أُضيَّع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها”. لقد كان شعوره رضي الله عنه بلذة القراءة، أشد بكثير من شعوره بالألم!!

 

الاستجابة لنداءات القرآن:

أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- كان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، فلما قال مسطح ما قال في أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنه- في حادثة الإفك، قال أبو بكر: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال في عائشة، ما قال. فأنزل الله (وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[النور: 22]. قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها أبدًا.

 

عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يأتيه الحُر بن قيس وعمه عيينة بن حصن فيقول عيينة للخليفة عمر: “هيَّ يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل”. فغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله -تعالى- قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم- (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)[الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين. يقول ابن عباس: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله.

 

ولما نزل قول الله –تعالى-: (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[البقرة: 245].

 

قال أبو الدحداح: يا رسول الله!، وإن الله يريد منا القرض؟ قال: “نعم يا أبا الدحداح” قال: أرني يدك يا رسول الله! فناوله يده. قال: إني قد أقرضت ربي حائطي (بستان) فيه ستمائة نخلة. وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح. قالت لبيك. قال: أخرجي فقد أقرضته ربي – -عز وجل- – قالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح! ونقلت منه متاعها وصبيانها.

 

وعن معقل بن يسار قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا)[البقرة: 231]. فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجها إياه.

 

نزل رجل من العرب على عامر بن ربيعة، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجاء الرجل إليه بعد ذلك، فقال: إني استقطعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واديا ما في العرب أفضل منه، ولقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك. فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ)[الأنبياء: 1].

 

المحافظة على قراءة القرآن ليل نهار:

لقد كانت هناك مساحة معتبرة للقرآن في يومهم، لدرجة أن بعضهم كان يختمه في ثلاثة أيام والبعض في سبع، والبعض في عشر، مع التدبر والترتيل والتجاوب مع الآيات كما مر علينا، والذي ساعدهم على المداومة على ذلك هو استشعارهم لقيمة القرآن.

 

فعن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- قال: “قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علىَّ يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان -رضي الله عنه- حتى خرَّق مصحفه من كثرة ما كان يديم النظر فيه”.  وعندما دخل عليه المعتدون ليقتلوه كان المصحف في حجره يقرأ فيه، فمدَّ يده فضُربت، فسال الدم، فقطرت قطرة على قوله تعالى(فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[البقرة: 137]

 

وقيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر -رضي الله عنهما- في منزله؟ قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف بينهما. وعن خيثمة قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو يقرأ في المصحف فقلت له، فقال: هذا حزبي الذي أقرأ به الليلة. وكان الحسن بن على يقرأ ورده من أول الليل، وحسينا كان يقرأه من آخر الليل. وقالت عائشة: إني لأقرأ حزبي، أو قالت: سُبعي، وأنا جالسة على فراشي أو سريري. وكان أبو موسى يقول: إني لأستحي أن أنظر كل يوم في عهد ربي -عز وجل- مرة. وذات يوم قام عبد الرحمن بن عبد القارئ بزيارة عمر بن الخطاب في داره، فتركه عمر وحيدا لمدة طويلة، ثم أذن له بالدخول عليه، فقال معللاً: إني كنت في قضاء وردي.

 

طريقة الصحابة في الحفظ:

ومع اهتمام الصحابة الشديد بالقرآن، والحرص على تلاوته كل يوم، والإكثار من مدة المكث معه، إلا أن هذا لم يدفعهم للإسراع في حفظ الآيات، باعتبار أن من أهم أهداف التلاوة هو الزيادة المستمرة للإيمان، وتوليد الطاقة الدافعة للعمل، وفي نفس الوقت فإن هدف الحفظ يختلف، فالذي يحفظ ألفاظه لابد وأن يدرك معانيها، ويعمل بما تدل عليه حتى يُصبح حاملاً حملاً صحيحًا لهذه الألفاظ ولا يكون ممن عناهم الله -عز وجل- بقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)[الجمعة: 5].

 

لذلك نجد التمهل وعدم الإسراع هو سمة الصحابة في حفظ القرآن، وليس أدل على ذلك من قول أبي عبد الرحمن السُّلمى: “حدثنا الذين كانوا يُقرؤننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما-، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي -صلى الله عليه وسلم عشر – آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا العلم والعمل جميعًا”، وزاد في رواية الفريابي: “وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا، وأشار بيده إلى حنكه “.

 

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون قيمة القرآن وأنه (َقوْلاً ثَقِيلاً)[المزمل: 5]. يقول عبد الله بن عمر: “كنا صدر هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما معه إلا السورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلاً عليهم، ورزقوا العمل به، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن، حتى يقرأه الصبي والأعجمي فلا يعملون به ”

 

إن أكثر أجيال الأمة إدراكًا لقيمة القرآن هم جيل الصحابة، فقد عاشوا الحياة قبله، وعاشوها بعده، لذا فقد أدركوا – أكثر من غيرهم – معنى السعادة الحقيقية، والربانية، والتغيير ويكفيك في ذلك حزنهم على انقطاع الوحي بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-. فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمر -رضي الله عنه-: انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزورها فلما انتهيا إليها، بكت، فقالا لها: “ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: ما أبكى أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولكني أبكى أن الوحي قد انقطع من السماء! فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها”.

 

وهكذا حال من نزل فيهم وعليهم القرآن، إنهم “العائشون بالقرآن

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات