طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الاحتفال بالكريسماس: بين ضياع الهوية وهدم العقيدة

ملتقى الخطباء

(853)
1362

الاحتفال بالكريسماس: بين ضياع الهوية وهدم العقيدة

تاريخ النشر : 1439/04/03
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فليس للمسلم أن يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة وعيسى بن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حيين لم يكن لهما شرع متبع، بل لو كانا موجودين…

في سنة 648 هـ قام لويس التاسع ملك فرنسا بكتابة وصية هامة أثر خروجه من محبسه في دار ابن لقمان بالمنصورة بعد فشل حملته الصليبية السابعة على العالم، هذه الوصية صارت بمثابة الدستور والميثاق الذي سار عليه أعداء الأمة الإسلامية، إذ حددت الهدف الذي يجب أن يركز عليه الأوروبيون في حملاتهم الصليبية القادمة على العالم الإسلامي، وجاء في هذه الوصية: “أوصي بني قومي، ألا يقاتلوا الكفار-يقصد المسلمين- في ميادين القتال المفتوحة؛ فنيرانهم حامية ولا يستطيع أحد أن يقوم لهم، والسر وراء قوتهم وصمودهم يرجع إلى تمسكهم بعقيدتهم ودينهم، وإنكم لن تنتصروا عليهم؛ إلا إذا قطعتم العلائق بينهم وبين مصدر قوتهم، وصرفتموهم عن عقيدتهم ودينهم”، وهذه الوصية تبلورت عبر العصور والتجارب لتصبح حربا عالمية عاتية على عقيدة الأمة ودينها وتاريخها وحضارتها وثقافتها ولغتها، أو بعبارة أخرى أصبحت حربا على هوية الأمة وخصوصيتها بين الأمم.

 

وقضية الهوية قضية محورية، شغلت بال كل الناس على اختلاف ألسنتهم وعقائدهم؛ إذ أن كل جماعة أو أمة تعوزها الهوية المتميزة؛ ليمكنها المعيشة والمحافظة على وجودها؛ فالهوية هي التي تحفظ سياج الشخصية، وبدونها يتحول الإنسان إلى كائن تافه مطموس الشخصية مسطح الثقافة؛ لأن للهوية علاقة أساسية بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية، وبالتالي تحديد سمات شخصيته؛ فتجعله إنسانًا ذا قيمة ولحياته معنى وغاية؛ فالأمم لا تحيا بدون هُوية؛ إذ الهُويَّة بالنسبة للأمة بمثابة البصمة التي تُميزها عن غيرها.

 

إن هويتنا الإسلامية بكل مفرداتها ومكوناتها من عقيدة وتاريخ ولغة وثقافة عرضة اليوم لحرب ضروس، من أجل تذويب هذه الهوية وسلخ المسلمين من مقومات الصمود والمقاومة والحصانة الفكرية والإيمانية ضد تيارات التغريب والتزييف، وهذه الحرب المقدسة عند أعداء الأمة لها أوجه كثيرة وأساليب متنوعة من أبرزها وأشدها تأثيراً على الأمة؛ بث التقليد بين أوساط الشباب، وترويج ثقافة الغرب المنتصر دائما والمتفوق حضاريا واجتماعيا وثقافيا.

والتقليد هو أنكى سهم رميت به الهوية الإسلامية، هذا التقليد الذي شوه كثيراً من معالم الأمة وخصوصياتها، بل أصبح التقليد هم منهج حياة الكثيرين وسمت كثير من الغافلين، وأحد أهم صور التقليد المذموم في العصر الحديث؛ مسايرة الكثير من أبناء المسلمين للنصارى في احتفالات رأس السنة الميلادية، وعيد ميلاد المسيح -عليه السلام- والذي يصادف اليوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر، وعيد ميلاد السنة الجديدة ـ والذي يصادف الأوَّل من شهر ينايرـ؛ فترى كثيرًا من المسلمين إذا صادفوا هذين اليومين سارعوا إلى إقامة الاحتفالات، وإظهار المهرجانات، وقد عظمت الفتنة، واشتدَّت المحنة؛ حيث يسافر بعضهم إلى الدُّول الغربيَّة لشهود تلك الأعياد الفاجرة، ومشاركة الكفَّار في شعائرهم الكفرية، رغم ما يحدث فيها من المنكرات: من شرب الخمور، وفعل الفجور، وغير ذلك من أنواع الشرور.

 

الأعياد في التاريخ:

الأعياد ظاهرة بشرية، عرفت منذ قرون طويلة، يحتفل فيها أصحابها بمناسبة دينية، أو ذكرى سارة، أو حدث بارز، وما من أمة؛ إلا ولها أعيادها الخاصة ومناسباتها القومية وأحداثها الكبرى، والاحتفال بعيد ميلاد المسيح -عليه السلام- لا أصل له لا في الإسلام ولا في النصرانية نفسها، وإنما أدخله الوثنيون الرومان إلى النصرانية لما تنصروا في القرن الرابع الميلادي، واستبدلوا به الاحتفال بإله الشمس الذي كانوا يقيمونه في الخامس والعشرين من ديسمبر، باعتباره اليوم الذي يبدأ فيه طول النهار بالازدياد، ولذلك كان يومَ احتفال الصينيين -كذلك- بميلاد ربهم جانج تي”، ويومَ احتفال قدماء الفرس بميلاد إلههم ميثرا”، ويومَ احتفال الهندوس بميلاد إلههم “كريشنا”، والأمر نفسه بالنسبة للكلدانيين، وقدماء الأتراك، وجدود الإنجليزيين، وقدماء الإسكندنافيين، والليتوانيين، والروس القدامى، وعند اليونان وغيرهم، فكيف اتفقوا إذن على يوم واحد؟.

 

وبعض الناس يتوهم أن رأس السنة ما هو إلا مجرد احتفال كل عام بمناسبة انتهاء السنة الميلادية، وأن هذا مباح؛ كالاحتفال بالعرس وبالتخرج وبالنجاح وبقدوم الغائب، وهذا غير مسلم؛ إذ فرق بين الاحتفال لحدث عارض وبين تكرر الاحتفال لحدث متكرر؛ فتكرر الاحتفال بحدث داخل في مسمى العيد؛ لأن تكرر الاحتفال بحدث يتكرر كل سنة بفرح مجدد.

 

مفهوم العيد ومكانته في التشريع:

البعض يدَّعي أن الاحتفال برأس السنة احتفالٌ وليس عيدًا، والبعض يدَّعي أن الأعياد من قبيل العادات، والأصل في العادات الإباحة، والبعض يدَّعي أن الاحتفال برأس السنة، وإن كان النصارى هم الذين سَنُّوه؛ فلم يعُد هذا العيد من خصائصهم؛ فلا بأس بالاحتِفال به، وهذا كلام باطل لا علاقة له بالشرع أو اللغة أو قواعد الفهم السليم.

 

فالعيد: كل يوم فيه جَمْع، واشتِقاقه من عاد يعود؛ كأنهم عادوا إليه؛ وقيل: اشتِقاقه من العادة؛ لأنهم اعتادوه، والجمع أعياد لزِم البَدَل، ولو لم يَلزَم لقيل: أعواد؛ كريح وأرواح؛ لأنه من عاد يعود، وعيَّد المسلمون: شهِدوا عيدهم؛ قال العَجَّاج الشاعر يصِف الثور الوحشي:

واعتاد أرباضًا لها آريُّ ****كما يعود العيدَ نصرانيُّ

 

قال الأزهري: والعيد عند العرب؛ الوقت الذي يعود فيه الفرح والحزن، وكان في الأصل العِوْد؛ فلما سكنت الواو وانكسَر ما قبلها صارت ياء، وقيل: قُلبت الواو ياء ليفرِّقوا بين الاسم الحقيقي وبين المصدري. قال الجوهري: إنما جمِع أعياد بالياء للزومها في الواحد، ويقال للفَرْق بينه وبين أعواد الخشب، ابن الأعرابي: سُمِّي العيد عيدًا؛ لأنه يعود كل سنة بفرَحٍ مُجدَّد.

 

وقال أبو الفضل بن عياض: “سمِّي العيد عيدًا؛ لأنه يعود ويتكرَّر لأوقاته، وقيل: يعود به الفَرح على الناس، وكلاهما مُتقارِب المعنى، وقيل: تفاؤلاً؛ لأنه يعود ثانية على الإنسان”، وقال ابن عابدين الحنفي: “سمِّي العيد بهذا الاسم؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان، أي: أنواع الإحسان، العائدةَ على عباده في كل عام، منها: الفِطر بعد المنع عن الطعام، وصَدقة الفطر، وإتمام الحج بطواف الزيارة، ولحوم الأضاحي وغير ذلك، ولأن العادة فيه الفرح والسرور والنشاط والحُبور غالبًا بسبب ذلك”، وقال الملا علي القاري: “قيل: إنما سمِّي العيد عيدًا؛ لأنه يعود كل سنة، وهو مُشتقٌّ من العِوْد، فقلبت الواو ياءً؛ لسكونها وانكسِار ما قبلها، وفي الأزهار: كل اجتماع للسرور، فهو عند العرب عيدٌ؛ لعَود السرور بعَوده، وقيل: لأن الله تعالى يعود على العباد بالمغفرة والرحمة؛ ولذا قيل: ليس العيد لمَن لبِس الجديد، إنما العيد لمن أمِن الوعيد، وجمْعه أعياد، وإن كان أصله الواو لا الياء؛ للزُومها في الواحد، أو للفَرق بينه وبين أعواد الخشب”، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “العيد اسم لِما يَعود من الاجتِماع العام على وجه مُعتاد”، عائد: إما بعَوْد السنة، أو بعَود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك.

 

ولا يخفى ما جعل الله في القلوب من التشوق إلى العيد والسرور به والاهتمام بأمره إنفاقا واجتماعا وراحة ولذة وسرورا، وكل ذلك يوجب تعظيمه لتعلقِ الأغراض به؛ فلهذا جاءت الشريعة في العيد بإعلان ذِكر الله فيه، حتى جعل فيه من التكبير في الصلاة والخطبة وغير ذلك مما ليس في سائر الصلوات، عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “يومُ عرفة ويومُ النحر وأيام منى: عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب” (رواه أبو دواد والنسائي والترمذي)، تأمل قوله: (عيدنا) فهو لفظ مشعر باختصاص الأمر بأهل الإسلام وأنه من شأن الديانات على منوال: (عيدهم) (عيدنا)، وقال -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: “إن لكل قوم عيداً وَهَذَا عِيدُنَا” يعني نحن أهل الإسلام، وهذا من أوضح الأدلة على اختصاصه -كعمل- بالشرائع.

 

بل روى أبو هريرة -رضي الله عنه- كما في الصحيحين؛ أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم (يعني يوم الجمعة)؛ فاختلفوا فيه فهدانا الله له؛ فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد”، هذا صريح في كون العيد من جملة الشرائع، لذلك لا يشرع الاحتفال بعيد جديد في الإسلام؛ فلا يشرع عيد إلا بدليل شأنه شأن سائر المتعبدات في الشرع.

 

حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية:

بعد تقرير قاعدة أن الأعياد من التشريع ومتصلة بالعقيدة والأصول الشرعية للدين، يبقى تفصيل الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وكلام السلف وأئمة الدين عن حكم الاحتفال بأمثال هذه الأعياد النصرانية وغيرها.

 

أولاً: الأدلة من الكتاب

قال تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 6-7]؛ ووجه الدّلالة من الآية أنَّ الله تعالى أمر عباده المؤمنين أن يسألوه في جميع صلواتهم الهداية إلى سبيل الَّذين أنعم عليهم منَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ، وأن يجنِّبهم سبيل المغضوب عليهم والضَّالِّين، والأمَّة الغضبيَّة هم اليهود، وأمَّة الضَّلال هم النَّصارى، كما قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: “اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضُلاَّلٌ”، وهذا يقتضي تحريم اتِّباع سبيلهم، وأعيادهم من سبيلهم.

 

وقال -سبحانه-: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون)[الجاثية:18]؛ فأخبر -سبحانه- أنَّه جعل محمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- على شريعة شرعها له، وأمره باتِّباعها، ونهاه عن اتِّباع أهواء الَّذين لا يعلمون، وقد دخل في ذلك كلُّ من خالف شريعته من اليهود والنَّصارى وغيرهم، وأهواؤهم: هو ما يهوونه؛ ومتابعتهم فيما يختصُّون به من دينهم وأعيادهم، اتِّباع لأهوائهم.

 

ونظيره قوله تعالى، (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير) [البقرة:120]؛ ففيه تهديد، ووعيد شديد للأمَّة عن اتِّباع طرائق اليهود والنَّصارى، بعد ما عَلِموا من القرآن والسُّنَّة، ومتابعتهم في بعض ما هم عليه من الدِّين والأعياد، متابعة لهم؛ فيما يهوونه.

 

وقال -عز وجل :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) [المائدة:51]؛ قال العلماء: “ومن موالاتهم التَّشبُّه بهم، وإظهارُ أعيادهم، وهم مأمورون بإخفائها في بلاد المسلمين؛ فإذا فعلها المسلم معهم؛ فقد أعانهم على إظهارها”.

 

وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ) [الفرقان: 72]؛ فقد تأوَّل غيرُ واحدٍ من السَّلف أنَّه أعياد المشركين، كما قاله أبو العالية ومجاهد وابن سيرين والرَّبيع بن أنس والضحَّاك وغيرهم، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس؛ فسمَّى أعيادهم زورًا، وحضورها شهودها، وقد نصَّ أحمد على أنَّه لا يجوز شهود أعياد النَّصارى واليهود، واحتجَّ بهذه الآية، كما سيأتي، ووجه الدّلالة من الآية أن الله تعالى أثنى على المؤمنين الذين هم عباد الرحمن في تركهم شهود هذه الأعياد الَّذي هو مجرَّد الحضور، برؤية أو سماع؛ فكيف بمن يوافقهم في ذلك بالاحتفال؟

 

ثانيا: الأدلة من السنَّة:

عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ”؛ فدلّ هذا الحديث على تحريم التَّشبُّه بهم مطلقًا، ومنه الاحتفال بأعيادهم؛ فإنَّها من جنس أعمالهم الَّتي هي دينهم أو شعار دينهم الباطل.

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: “قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما؛ فقال: “مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟” قالوا: كنَّا نلعب فيهما في الجاهلية؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ اللَهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ”؛ فوجه الدّلالة أنَّ اليومين الجاهليين لم يقرّهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، والإبدال من الشَّيء، يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة؛ إلَّا فيما ترك اجتماعهما، وأيضًا، فقوله لهم: “إنَّ اللَه قَدْ أَبْدَلَكُمْ”، لمَّا سألهم عن اليومين فأجابوه: بأنَّهما يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية، دليلٌ على أنَّه نهاهم عنهما اعتياضًا بيومي الإسلام، إذ لو لم يقصد النَّهي لم يكن ذكر هذا الإبدال مناسبًا، إذ أصل شرع اليومين الإسلاميين كانوا يعلمونه، ولم يكونوا ليتركوه لأجل يومي الجاهلية.

 

والأمثلة في الشرع كثيرة على عدم جواز الجمع بين المبدل والمبدل منه، منها قوله -سبحانه- (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)[النساء: 2]؛ فهل يجوز الجمع بين الخبيث والطيب؟!. ومِن الأمثلة على عدم جواز اجتِماع البَدَل والمُبدَل منه؛ ما جاء في أن المؤمنَ تقول له الملائكة في قبره: “انظر إلى مقعدك في النار قد أبدَلَك اللهُ مقعدًا في الجنة؛ فيراهما جميعًا”؛ فهل يجتمع رؤية مقعد المؤمن في الجنة، ومقعده في النار إلى يوم القيامة، أم سيرى مقعده في الجنة إلى يوم القيامة بعد أن يرى مقعده من النار ليزداد شكرًا لله؟!

 

كما لا يُقال في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-“خيرًا منهما”؛ أنه دليل على اشتراك عيدَي الإسلام وعيدَي الجاهلية في الخير؛ إذ لفظة” خير” لا متدل على مشاركة بين عيدي الإسلام وعيدَي الجاهلية في الخير، بدليل أن اليومين الجاهليين لم يقرهما النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا ترَكهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: إن الله قد أبدَلَكم بهما يومين آخرين، وإنما جاز ذلك؛ لِما في لفظة (خير) من الشياع وتشعُّب الوجوه، ومن الأمثلة على ذلك: قوله -سبحانه- (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)[آل عمران:110]؛ قال ابن عطية: ولفظة خير صيغة تفضيل، ولا مشاركة بين كُفْرهم وإيمانهم في الخير، وإنما جاز ذلك لِما في لفظة خير من الشياع وتَشعُّب الوجوه، وكذلك هي لفظةُ أفضل وأحب وما جرى مَجراها، والمراد بالخيرية في زعْمهم – أي على فرض – أن ما زعَموه خير.

 

وعن عائشة -رضي الله عنه-ا قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:”يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا”؛ فدلَّ هذا الحديث على أن كل أمَّة قد اختصَّت بعيدها، لا يشاركها فيه غيرها، وأن المسلمين قد اختصوا بعيدهم لا يشاركوننا فيه، فإذا كان لليهود عيد وللنَّصارى عيد، كانوا مختصين به؛ فلا نشركهم فيه، -وأيضًا-؛ فإن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- رخص في اللَّعب بالدف والغناء، معلِّلاً بأنَّه عيد المسلمين، وهذا يقتضي بأنَّ الرُّخصة لا تتعدَّى إلى أعياد اليهود والنصارى، وهذا فيه دلالة على النَّهي عن التشبه بهم في اللعب ونحوه؛ فشريعتنا غير شريعتهم، وقِبلتنا غير قِبلتهم، وعبادتنا غير عبادتهم، وصلاتنا غير صلاتهم، وصيامنا غير صيامهم؛ فكذلك عيدُنا غير عيدهم؛ فلا يُشارِكوننا فيه، ولا نحن نشارِكهم في أعيادهم.

 

وعن أبي هريرة وحذيفة -رضي الله عنه-ما قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أَضَلَّ اللهُ عَنِ الجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللهُ بِنَا فَهَدَانَا اللهُ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلَائِقِ”؛ فأخبر النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ يوم الجمعة عيد للمسلمين، كما أنَّ السَّبت لليهود والأحد للنَّصارى، وهذا يقتضي اختصاص كلّ أمَّة بعيدها؛ فإذَا نحن شاركنا اليهود يوم السَّبت، أو النَّصارى يوم الأحد؛ فقد شاركناهم في عيدهم، وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي؛ فالأولى والأحرى في العيد السَّنوي، إذ لا فرق؛ بل إذا كان هذا في عيد يعرف بالحساب العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجميَّة؟ الَّتي لا تعرف إلَّا بالحساب الرُّومي القبطي أو الفارسي أو العِبْري ونحو ذلك.

 

وعن أبي سعيد الخدري أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: “لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟!”.

 

فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أمته ستتبع سنن الأمم قبلها من اليهود والنصارى ممَّا أحدثوه من البدع والأهواء، وأنَّها تقتدي بهم في كلِّ شيء ممَّا نهى عنه الشَّارع وذمَّه، مع الحرص الشديد على موافقتهم في ذلك؛ وهذا يقتضي ذمّ من يفعل ذلك، وهذا عَلَمٌ من أعلام النبوة، ومعجزةٌ ظاهرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد وقع ما أخبر به -صلى الله عليه وسلم-.

 

ثالثاً: الأدلة من كلام السلف

أمَّا من الأثر فقد نهى كثير من الصَّحابة عن مشاركة الكفَّار في أعيادهم أو شهودها أو الدُّخول عليهم فيها، ونحو ذلك.

قال عمر -رضي الله عنه-:”لا تعلَّموا رَطَانَة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإنَّ السخطة تنزل عليهم”، وقال -أيضًا-: “اجتنبوا أعداء الله في عيدهم”.

 

وقال عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه-: “من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبَّه بهم حتى يموت ـ وهو كذلك ـ حُشِرَ معهم يوم القيامة”، وهذا يقتضي أنَّه جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنَّار.

وعن محمد بن سيرين قال: “أُتِيَ علي -رضي الله عنه- بهديَّة النَّيْرُوز، فقال: ما هذه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! هذا يوم النَّيروز، قال: فاصنعوا كلَّ يوم نيروزًا، قال أبو أسامة: كره -رضي الله عنه- أن يقول نيروزًا”؛ فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الَّذي ينفردون به؛ فكيف بموافقتهم في العمل؟!

 

رابعاً: آراء أئمة المذاهب

فقد أجمع العلماء على تحريم حضور أعياد الكفَّار ومساعدتهم في ذلك، وقد صرَّح به الفقهاء من أتباع الأئمَّة الأربعة في كتبهم.

أوَّلاً ـ مذهب الحنفية:

قال ابن نُجيم الحَنفي في بيان أنواع الكفر: “وبخروجه إلى نيروز المجوس، والموافقة معهم فيما يفعلون في ذلك اليوم، وبشرائه يوم النَّيروز شيئًا لم يكن يشتريه قبل ذلك تعظيمًا للنَّيروز لا للأكل والشُّرب، وبإهدائه ذلك اليوم للمشركين ولو بيضة تعظيمًا لذلك اليوم لا بإجابته دعوة مجوسيٍّ حلق رأس ولده وبتحسين أمر الكفَّار اتِّفاقا”، وجاء عن العلامة النسفي الحنفي -رحمه الله تعالى- بأن الإهداء للكفار بمناسبة أعيادهم محرم؛ فقال: (وَالْإِعْطَاءُ بِاسْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ لَا يَجُوزُ)؛ قال ابن نجيم: أَيْ الْهَدَايَا بِاسْمِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ حَرَامٌ) (البحر الرائق شرح كنز الدقائق).

 

ثانيًا ـ مذهب المالكية:

وقال العلامة ابن الحاج الفاسي المالكي -رحمه الله- تحت عنوان “فصل في ذكر بعض مواسم أهل الكتاب: “وبقي الكلام على المواسم التي اعتادها أكثرهم وهم يعلمون أنها مواسم مختصة بأهل الكتاب فتشبَّه بعض أهل الوقت بهم فيها وشاركوهم في تعظيمها، يا ليت ذلك لو كان في العامة خصوصا ولكنك ترى بعض من ينتسب إلى العلم يفعل ذلك في بيته ويعينهم عليه ويعجبه منهم ويدخل السرور على من عنده في البيت من كبير وصغير بتوسعة النفقة والكسوة على زعمه، بل زاد بعضهم أنهم يهادون بعض أهل الكتاب في مواسمهم ويرسلون إليهم ما يحتاجونه لمواسمهم؛ فيستعينون بذلك على زيادة كفرهم ويرسل بعضهم الخرفان وبعضهم البطيخ الأخضر وبعضهم البلح وغير ذلك مما يكون في وقتهم وقد يجمع ذلك أكثرهم، وهذا كله مخالف للشرع الشريف”.

 

قال أشهب: قيل لمالك: أترى بأسا أن يهدي الرجل لجاره النصراني مكافأة له على هدية أهداها إليه؟ قال: (ما يعجبني ذلك قال الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) [الممتحنة: 1]؛ قال ابن رشد -رحمه الله تعالى-: “قوله مكافأة له على هدية أهداها إليه إذ لا ينبغي له أن يقبل منه هدية، لأن المقصود من الهدايا التودد” لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “تهادوا تحابوا”؛ فإن أخطأ وقبل منه هديته وفاتت عنده؛ فالأحسن أن يكافئه عليها حتى لا يكون له عليه فضل في معروف صنعه معه. وسئل مالك رحمه الله عن مؤاكلة النصراني في إناء واحد؛ فقال: “تركه أحب إلي ولا يصادق نصرانيا” قال ابن رشد: “الوجه في كراهة مصادقة النصراني بيِّنٌ؛ لأن الله -عز وجل- يقول: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: 22].

 

قال عبد الملك بن حبيب: “سئل ابن القاسم عن الركوب في السفن الَّتي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم فكره ذلك مخافة نزول السَّخطة عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه، قال: وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النَّصراني في عيده مكافأة له، ورآه من تعظيم عيده وعونًا له على كفره؛ ألا ترى أنَّه لا يحلُّ للمسلمين أن يبيعوا من النَّصارى شيئًا من مصلحة عيدهم لا لحمًا ولا أدمًا ولا ثوبًا ولا يعارون دابَّة ولا يعانون على شيء من عيدهم؛ لأنَّ ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسَّلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره لم أعلمه اختلف فيه”. وقال الشَّيخ الدَّردير فيما يجرح شهادة الرَّجل: «ولعب نيروز” أي؛ أنَّ اللَّعب في يوم النَّيروز وهو أوَّل يوم من السَّنة القبطية مانعٌ من قَبول الشَّهادة، وهو من فعل الجاهليَّة والنَّصارى، ويقع في بعض البلاد من رعاع النَّاس”.

 

ثالثًا ـ مذهب الشافعية:

قال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطَّبري الفقيه الشَّافعي: “ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم؛ لأنَّهم على مُنْكَرٍ وَزُورٍ، وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالرَّاضين به، المؤثرين له؛ فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم، فيعمّ الجميع، نعوذ بالله من سخطه”.

 

وقال البيهقي: “باب كراهيَّة الدُّخول على أهل الذِّمَّة في كنائسهم، والتَّشبُّه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم”، وقال الإمام الدَّمِيري الشافعي في النجم الوهاج في شرح المنهاج: “تتمة: يُعزّر من وافق الكفار في أعيادهم، ومن يمسك الحيّة، ومن يدخل النار، ومن قال لذمي (أي لواحد من اليهود و النصارى): يا حاج، ومَـنْ هَـنّـأه بِـعِـيـدٍ، ومن سمى زائر قبور الصالحين حاجاً، والساعي بالنميمة لكثرة إفسادها بين الناس، قال يحيى بن أبي كثير: يفسد النمَّامُ في ساعةٍ ما لا يفسده الساحرُ في سنة”

 

وقال العلامة الهيتمي الشافعي: “ثم رأيت بعض أئمتنا المتأخرين ذكر ما يوافق ما ذكرته؛ فقال: ومن أقبح البدع موافقة المسلمين النصارى في أعيادهم بالتشبه بأكلهم والهدية لهم وقبول هديتهم فيه وأكثر الناس اعتناء بذلك المصريون وقد قال -صلى الله عليه وسلم- “من تشبه بقوم فهو منهم» بل قال ابن الحاج: لا يحل لمسلم أن يبيع نصرانيا شيئاً من مصلحة عيده.. ويجب منعهم من التظاهر بأعيادهم”.

 

رابعًا ـ مذهب الحنابلة:

قال الإمام أبو الحسن الآمدي المعروف بابن البغدادي في كتابه “عمدة الحاضر وكفاية المسافر”: فصل: لا يجوز شهود أعياد النَّصارى واليهود، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنا، واحتجَّ بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ) [الفرقان:72]، قال: الشَّعانين وأعيادهم”.

 

وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في (أحكام الذمة):”وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به؛ فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه؛ فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب؛ بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرْج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا‌ قدر للدين عنده يقع في ذلك، وهو لا‌ يدري قبح ما فعل. فمن هنَّأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفرٍ فقد تعرَّضَ لمقْتِ اللهِ وسَخَطِه”.

 

وقال العلامة البهوتي الحنبلي: “و يكره التعرض لما يوجب المودة بينهما” (أي بين المسلم و النصراني)؛ لعموم قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).

 

وقال الشيخ الحجاوي: “ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار”؛ لما في ذلك من تعظيمهم، ويحرم بيعهم وإجارتهم ما يعملونه كنيسة أو تمثالا، كالذي يعملونه صليبا؛ لأنه إعانة لهم على كفرهم، وقال تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2]، ويحرم كل ما فيه تخصيص كعيدهم وتمييز لهم وهو من التشبه بهم، والتشبه بهم منهي عنه إجماعا للخبر وتجب عقوبة فاعله”.

 

خامساً: أدلة النظر والواقع

واقع الاحتفالات بأعياد النصارى عامة ورأس السنة الميلادية خاصة يحمل في طياته الكثير من دلائل فساده وبطلانه من حيث النظر والفكر والاعتبار، ومنها:

1- ما استقرَّ في الشريعة الإسلاميَّة من وجوب مخالفة الكفَّار في كلِّ ما اختصُّوا به من العبادات والعادات والشعائر، والأعياد من أهمِّ الخصائص الَّتي اختصُّوا به، وهذه المخالفة من أصول الإسلام في الحفاظ على هوية الأمة وخصوصيتها وتمايزها بين الأمم.

 

2 – أنَّ الأعياد من جملة الشَّرائع الَّتي تتميَّز بها كلُّ أمَّة، لقوله تعالى؛ (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) [الحج:67]، ومشاركة المسلمين النَّصارى في أعيادهم، مشاركة لهم في شعائر دينهم الباطلة.

 

3 – أنَّ المشاركة في أعياد النصارى وغيرهم ذريعة إلى مشابهتهم في أخلاقهم وأعمالهم المذمومة؛ لأنَّ المشابهة والمشاكلة في الأمور الظَّاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتَّدريج الخفيّ، وهذا أمرٌ محسوس، وسدّ الذَّرائع قاعدة عظيمة من قواعد الشَّرع، بل هو أحد أرباع الدِّين.

 

4 – أنَّ الاحتفال بأعيادهم توجب محبَّتهم وموالاتهم، والمحبَّة والموالاة لهم تنافي الإيمان، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) [المائدة:51].

 

5 – أنَّ مشاركتهم في أعيادهم إقرار لهم على ما هم عليه من الباطل، وتكثير لسوادهم. وأعظم باطلهم؛ ادعاؤهم بأن لله -سبحانه- ولداً، فيوم عيدهم هو يوم الشتيمة للمولى جل وعلا والافتراء عليه، فقد أخرج الإمام البخاري رحمه الله في الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن لي كفواً أحد”؛ هذا الإفك المبين والمسبة الكبرى التي من هول بشاعتها وشناعتها يهتز لها الكون كله، قال جل وعلا (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [ مريم 88-93].

 

6-كمّ المفاسد الأخلاقية والعقائدية الحادثة في هذه الأعياد من شرب خمر واختلاط وزنا وفواحش وعربدة وأموال طائلة تنفق ببذخ، كل أمور يرفضها العقل السليم والفطرة السوية وتترفع عنها. ومع ما يصحب ذلك من معتقدات مضحكة، تنم عن تخلف في العقل، وتصحر في الفطرة، كاعتقادهم أن شريعة المسيح -عليه السلام- ـ، توحي إليهم أن الذي يحتسي آخر كأس من قنينة الخمر بعد منتصف ليلة رأس السنة، سيكون سعيد الحظ، وإذا كان عزباً فسيكون أول من يتزوج من بين رفاقه في تلك السهرة، كما توحي لهم أن من الشؤم دخول منزل في هذا العيد دون هدية، وأن كنس الغبار إلى الخارج، يكنس معه الحظ السعيد، وأن غسل الثياب والصحون في ذلك اليوم من الشؤم، وأن الحرص على بقاء النار مشتعلة طوال ليلة رأس السنة يحمل الحظ السعيد، وبعضهم يحرق كتلة من جذع شجرة عيد ميلاد المسيح، ثم يحتفظون بالجزء غير المحروق، ويعتقدون أن ذلك الحرق يجلب الحظ.. إلى غير ذلك من التهاويل التافهة، والخرافات الباطلة.

 

7-أما أعجب ما في الموضوع أن النصارى لا يبادلون هؤلاء المتعاطفين من المسلمين مع دينهم تعاطفا مماثلا مع ديننا، فما سمعنا أحدهم يحتفل بعيد الفطر أو عيد الأضحى، بل يعتبرون استسلام بعضنا لعاداتهم ومعتقداتهم تحكما في رقابهم، وتحقيقا للتبعية لأهوائهم، كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-:”لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ” (متفق عليه)، والقرآن الكريم ذكر هذه الهواجس النفسية التي تعتريهم، فقال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة: 120]؛ فكان الرد (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)[البقرة:120].

 

المسلمون في أوروبا وأمريكا يعانون من تضييق شديد وعدم اعتراف بأعيادهم ومناسباتهم الدينية، حتى أنهم لا يمنحون إجازة في أيام الأعياد إلا بالخصم من رواتبهم، وبعض البلدان الكبرى تحظر أي صورة من صور الاحتفال بغير أعيادهم الدينية والقومية، ثم بعد ذلك يطالبوننا بحتمية المشاركة في أعيادهم !!

 

واخيراً نختم كلامنا بما قاله ابن كثير -رحمه الله تعالى- عن أمثال هذه المشاركات؛ فقال: “فليس للمسلم أن يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم لأن الله -تعالى- شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة وعيسى بن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حيين لم يكن لهما شرع متبع، بل لو كانا موجودين، بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة؛ فإذا كان الله -تعالى- قد مَنَّ علينا بأن جعلنا من أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولا ثم هو بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلا ولا كثيرا ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم”.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات