طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > سنوات الزلازل : هزات الأرض أم هزات القلوب

ملتقى الخطباء

(1٬162)
1345

سنوات الزلازل : هزات الأرض أم هزات القلوب

تاريخ النشر : 1439/02/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

للزلازل والبراكين والنوازل الكبرى منزلة خاصة في الإسلام، إذ تحتل نصوصها وأخبارها وآثارها حيزاً كبيراً في نصوص الشرع، لما في الزلازل وأشباهها من دلائل وعلامات وأمارات وإشارات وحكم بالغات ينبغي على كل مسلم أن يعيها، ويلتقطها رادار قلبه، وبوصلة إيمانه، حتى يستطيع الوقوف منها الموقف الإيماني الصحيح. والزلازل في الإسلام لها عدة دلائل هامة وحكم مؤثرة من أبرزها: أولاً: الزلازل آية باهرة تدل على قدرة الله ووحدانيته: فمن تفكر في مخلوقات الله وجدها مرآة يشاهد فيها قدرة ربه، فإذا…

إن هذه الأرض التي نعيش عليها من نعم الله الكبرى علينا، فإن الله -سبحانه وتعالى- قد مكننا من هذه الأرض، نعيش عليها، ونسير على ظهرها، ونستنبت فيها ما نأكله وترعى به أنعامنا، ونستخرج من الخيرات العظيمة التي بداخلها ما نستكشفه يومًا بعد يوم، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ) [الملك: 15].

 

ومن رحمته -عزّ وجل-: أن أودع في هذه الأرض كل ما يحتاجه الخلق الذين يعيشون على ظهرها، فبارك فيها وقدر فيها أقواتها؛ قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) [الأعراف: 10].

 

ثم سبحانه وتعالى سخرها لنا وجعلها ثابتة مستقرة لا تتحرك وأرساها بالجبال، حتى نتمكن من البناء عليها والعيش على ظهرها، وفي بعض الأحيان، يجعل الله -عز وجل- هذه الأرض جندًا من جنوده، فتتحرك وتميد فتحصل الزلازل المدمرة، تخويفًا للعباد، وتأديبًا للبعض الآخر: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) [المدثر: 31].

 

ولقد كثر الحديث في اليومين الأخيرين خاصَّة بعد الموجة الزلزاليَّة التي ضربت إيران والعراق والكويت وشعر بها أهل الجزيرة كلهم، حتى وصلت آثارها إلى مصر وشعر بها أهلها عن أسباب وقوع هذه الكوارث، هل هي طبيعيَّة أم بشريَّة؟ أم جند من الله لتخويف الكافرين وابتلاء المؤمنين وتحذير المقصِّرين والمذنِبين؟ هل يمكن التنبؤ بوُقوع الكارثة قبل حدوثها؟ هل ما وصل إليه العلم من خلال ما يُسمى بإعلان حالة الطوارئ “آلية الإنذار المبكر” يمكن أنْ يحدَّ من خطورة الظاهرة؟ أم أن الأمر يفوق طاقات العقل البشري؟ هل الدين الإسلامي يقف في وجه اجتهادات علماء الزلازل؟ أم أن الإسلام شجَّع ذلك لكن بضوابط؟ هل نحن بحاجة إلى “تربية زلزاليَّة مادية بحتة” كما هو متبع في اليابان؟ أم إلى تربية إيمانية قوية تزاوج بين العلم والدين؟!

 

ومن عجائب الآثار التي استوقفتني عند البحث في موضوع الزلازل، ما رواه الإمام أحمد وابن حبان والدارمي والبزار وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، من حديث سلمة بن نفيل السكوني قال: “كنا جلوسًا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يوحى إليه، فقال: “إني غير لابث فيكم، ولستم لابثين بعدي إلا قليلًا، وستأتوني أفنادًا، يفني بعضكم بعضًا، وبين يدي الساعة موتان شديد، وبعده سنوات الزلازل”.

 

فما هي سنوات الزلازل؟ وما دلالاتها وعبرتها وحكمتها؟ وما هو واجب المسلمين فيها؟

 

أولاً: تعريف الزلازل وأنواعها وأسبابها:

الزلازل هي هزات أرضية في القشرة الأرضية سريعة قصيرة المدى، وتحدث في فترات متقطعة، وهي إما أن تكون ضعيفة لا يشعر بها الإنسان أو تكون قوية مدمرة.

وقيل: هي كسر هائل يحدث في القشرة الأرضية في المناطق القريبة من الجبال والمحيطات، ويستمر الكسر المفاجئ عدة ثوان تكفي لتدمير ما فوقها.

وقيل: هي ذبذبات تنشأ عن تصدع الصخور على سطح الأرض، أو على أعماق كبيرة في داخلها.

 

أنواع الزلازل:

تبين المراصد ثلاثة أنواع من الهزات التي تحدث في القشرة الأرضية، وهي:

(1) هزات أفقية: وهي الهزات الزلزالية الشائعة، وإن اشتدت هذه الهزات تسقط المباني والعمران.

(2) هزات رأسية: من أسفل إلى أعلى، وهي تقذف بالصخور والمباني في الهواء.

(3) هزات دائرية: وهي نادرة وخطيرة؛ لأنها تجعل المنشئات تدور حول محورها ثم تسقط.

 

أسباب الزلازل المادية:

أهمها: الانفجار البركاني الذي يرافقه زلزال، والصدع وانزلاق الصخور عليه، والذي يعرف بالزلازل التكتونية.

فهناك مجموعة من العوامل تكمن وراء ثورة الزلازل على سطح الأرض، حيث يمكن تقسيمها إلى عوامل داخلية ترتبط بتكوين الأرض، والتي تتألف من عدة طبقات هي من الخارج للداخل: القشرة والوشاح ولب الأرض.

ويتكون “لب الأرض” من كرة صلبة من الحديد والنيكل تتميز بدرجة تصل إلى عدة آلاف درجة مئوية “قرابة 6000 درجة مئوية”، ولكون طبقات الأرض غير متجانسة تحدث عملية انتقال للحرارة من منطقة لأخرى، سواء بخاصية التوصيل في المناطق الصلبة أو الحمل في المناطق السائلة أو بخاصية الإشعاع على سطح الأرض، وعندما تتراكم الطاقة الحبيسة في منطقة ما في طبقات الأرض يظهر دور الشمس والقمر من خلال موجات الجذب التي تؤثر بها على الأرض، وهو ما يسمح بتحرير الحرارة المختزنة داخل باطن الأرض على شكل زلازل وبراكين.

 

وهناك نشاطات بشرية قد تكون مسببة للزلازل؛ مثل: الكميات الكبيرة جداً للمياه المحتجزة في البحيرات خلف السدود، وكذلك بناء المباني ذات الأوزان فائقة الثقل، حفر وحقن الآبار بالسوائل.

 

كذلك عمليات استخراج الفحم بكميات ضخمة، والمثال الأكثر وضوحاً لهذا السبب هو زلزال سيتشوان 2008 في الصين حيث سببت تلك الهزة الأرضية بخسائر بلغت 69 الف قتيل حيث يعتقد أن سد زي نجبو قد ساهم في تسارع تحرك الطبقات بسبب الوزن الهائل للمياه خلف السد.

 

هل يمكن التنبؤ بالزلازل؟

لم يصل العلم بعد إلى وسيلة للتنبؤ بالزلازل فتنذر الناس بقرب وقوعها حتى يمكن تجنب الخسائر في الأرواح.

وإذا كان العلم قد وصل إلى التنبؤ بحدوث بعض الظواهر الكونية مثل كسوف الشمس وخسوف القمر طبقًا للدراسات والحسابات العلمية، فإن هذا الأمر لم يتوفر لهم بعد في الزلازل!

 

يقول فريدريك عالم الجيولوجيا الأمريكي: “من الحكمة أن نتخذ الاستعدادات لمواجهة الزلازل بدلًا من أن نقول: إنها لا يمكن أن تقع لدينا، ونحن لا يمكننا أن ننتظر حتى يتنبأ لنا العلماء بالزلازل، وسوف ينقضي وقت طويل قبل أن يتمكن أحد من التنبؤ بوقوع أحدها، لقد حقق التنبؤ بحدوث البراكين كثير من السبق إذا ما قورن بالتنبؤ بوقوع الزلازل”.

 

ويقول خبير الزلازل الأمريكي والتر هايز: “إنه لا يمكن حتى الآن التكهن بوقت وحجم ومكان زلزال وشيك الحدوث”.

 

ويقول د/ فاروق الباز: “إن التوقعات والتنبؤ بالزلازل ما زال من الناحية العلمية بسيطًا جدًا، ولا نستطيع أن نتنبأ بوقوع الزلزال 100% ونحمي الناس منه وما زال العلم في هذا المجال لا يسمح بذلك”.

 

وكون الزلازل لا يمكن التنبؤ بها من أقوى الأدلة في الرد على هؤلاء الملاحدة الذين يقطعون أسباب السماء عن هذه الآيات والنوازل الكبرى، إذ لو كانت مجرد ظاهرة طبيعية لها أسباب مادية فقط، وليست عقوبة أو ابتلاء أو استعتاب من رب السموات والأرضين لعباده، فكيف لا يمكن التنبؤ بها؟!

 

ثانياً: الزلازل بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام:

اعتقد أهل الجاهلية الأولى أن الزلازل تنتج عن أسباب أسطورية مختلفة؛ فبعض الشعوب تخيلت أن هناك أنواعًا من الحيوانات تحمل الأرض وتبقيها ثابتة في موقعها، وأنَّ الأرض تتعرض للاهتزاز عندما تقوم هذه الحيوانات بالتحرك من مكانها؛ فاليابانيُّون صوَّروا هذه الحيوانات على شكل عنكبوت، والإيرانيون على شكل سرطان، والمنغوليون على شكل ضفدع، بينما ذكر ابن فضل الله العمري في كتابه: “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار” أنَّ البابليين اعتقدوا أنَّ الأرض محمولة على قرن ثور، وعندما يتعب هذا الثور من حملها يقوم بنقل حمله (الأرض) إلى القرن الآخَر، فتحدث الزلازل بسبب ذلك، وقد اعتقد فيثاغورث أنَّ الزلازل تنتج عن الحروب بين الموتى!

 

أما أهل الجاهلية المعاصرة وهم العلمانيون والماديون فنظرتهم للزلازل نظرة نابعة من تصورهم المادي عن الحياة الخالية من أي أثر أو مؤثر سماوي، فهم ينظرون إلى الأسباب المجردة، كلما حدث الزلزال اتجهوا للبحث عن خبراء اليابان والمراصد وأحزمة الزلازل في العالم (ونحن لا نقلل من شأن العلم الحديث) إذ إن المؤمن يتخذ الأسباب التي أودعها الله في كونه، ولكنه (أي المؤمن) لا يكتفي بالأسباب فقط، وإنما يتجه إلى خالق الأسباب مبدع الكون الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، فيطلب منه العون والمدد حتى لا يتشبه بولد نوح، إذ لما قال له أبوه: (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ) [هود: 42] كان رده (أي الولد) احتياطات مادية أيضًا: (قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) [هود: 43].

فهل نسى العلمانيون أو تناسوا بأن القشرة الأرضية تأتمر بأمر الله؟!

قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: 11].

 

إذ كل ما في الكون طوع أمره جل وعلا خاضع لعظمته متذلل لجلاله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) [الحج: 18] أمرها فأطاعت، وأسجدها فسجدت، وأمسكها تؤدي دورها: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) [فاطر: 41].

 

وحينما تنحرف الفطرة عن الإيمان بالله فإنها لا ترى يد الله -عز وجل- في تصريف هذا الوجود، ولا ترى قدرة الذي خلق وقدر الأشياء والأحداث، وعندئذ تفقد إدراكها وإحساسها بالنواميس الكونية الثابتة النافدة، فتفسر الحوادث تفسيرات منفصلة منعزلة لا صلة بينها ولا قاعدة ولا ترابط، فإن المتتبع للأحداث ليرى كل يوم عجبًا في الدنيا: قتالًا وحروبًا وفرقة وشتاتًا وحوادث كثيرة.

 

ولكن الناس عن آيات ربهم غافلون، فالذين يقومون بتغطية الأحداث يجردونها من أصولها الاعتقادية، كما فسر الرئيس السوفيتي الشيوعي “خروشوف” قديمًا نقص الغلات في بلاده بأنها معاكسة من الطبيعة!

 

أما أهل الإسلام فقد جمعوا بين العلم الصحيح والإيمان الراسخ، فنظروا إلى الزلازل على أنها آية من آيات الله -عز وجل-، لها أسباب مادية كتلك التي تكلم عنها أهل الاختصاص، وأسباب معنوية وهي التي جاءت بها النصوص وتظاهرت عليها الدلائل من الكتاب والسنة وكلام السلف -رضوان الله عليهم-.

 

فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية العالم النحرير والناقد البصير حينما سئل عن الزلازل على قول أهل الشرع وعلى قول الفلاسفة؟

 

أجاب:

الحمد لله رب العالمين.

الزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده، كما يخوفهم بالكسوف وغيره من الآيات.

والحوادث لها أسباب وحكم: فكونها آية يخوف الله بها عباده هي من حكمة ذلك.

وأما أسبابه: فمن أسبابه انضغاط البخار في جوف الأرض، كما ينضغط الريح والماء في المكان الضيق، فإذا انضغط طلب مخرجًا، فيشق ويزلزل ما قرب منه من الأرض.

وأما قول بعض الناس: إن الثور يحرك رأسه فيحرك الأرض فهذا جهل، وإن نقل عن بعض الناس، وبطلانه ظاهر، فإنه لو كان كذلك لكانت الأرض كلها تزلزل، وليس الأمر كذلك -والله أعلم-.

 

وقال الحافظ ابن قيم الجوزية: “ولما كانت الرياح تجول فيها (أي الأرض) وتدخل في تجاويفها وتحدث فيها الأبخرة وتخفق الرياح ويتعذر عليها المنفذ أذن الله -سبحانه- لها في الأحيان بالتنفس فتحدث فيها الزلازل العظام، فيحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية والإنابة والإقلاع عن معاصيه والتضرع إليه والندم كما قال بعض السلف (وقد زلزلت الأرض): “إن ربكم يستعتبكم”.

 

وقال عمر بن الخطاب وقد زلزلت المدينة فخطبهم ووعظهم وقال: “لئن عادت لا أساكنكم فيها”.

 

وهذا التفسير العلمي المادي وغيره (إن صح) ما هو إلا تحليل لأسباب هذه الآية الكونية. والله -سبحانه- مسبب الأسباب ومجري الأفلاك ذو حكمة بالغة وذو قدرة مقتدرة.

 

ولا أستغرب من كلام من يقول: إن هذا أمر طبيعي لا علاقة له بالدين وليس هناك من ورائه حكمة إذا كان ممن لا يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وينصب كلامه فقط على تحليل الأسباب العلمية لمثل هذه الظواهر: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم: 7]، فهذا شيء متوقع ممن لا يؤمن بمن رفع السماء بلا عمد، وفرش الأرض وجعلها قرارًا ومهادًا، يدبر الأمر، ويسير الأفلاك، وهو الحكيم الخبير.

 

ولكني أتعجب ممن يزعم أنه مسلم ويردد هذا الكلام! ويرمي من يتكلم في الحكمة من هذه الظواهر بالتخلف والجهل!

 

ثالثاً: موقف الإسلام من الزلازل:

للزلازل والبراكين والنوازل الكبرى منزلة خاصة في الإسلام، إذ تحتل نصوصها وأخبارها وآثارها حيزاً كبيراً في نصوص الشرع، لما في الزلازل وأشباهها من دلائل وعلامات وأمارات وإشارات وحكم بالغات ينبغي على كل مسلم أن يعيها، ويلتقطها رادار قلبه، وبوصلة إيمانه، حتى يستطيع الوقوف منها الموقف الإيماني الصحيح.

 

والزلازل في الإسلام لها عدة دلائل هامة وحكم مؤثرة من أبرزها:

أولاً: الزلازل آية باهرة تدل على قدرة الله ووحدانيته: فمن تفكر في مخلوقات الله وجدها مرآة يشاهد فيها قدرة ربه، فإذا نظرت إلى الأرض وكيف خلقت: رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشًا ومهادًا، وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتادًا تحفظها لئلا تميد بهم، ووسع أكنافها ودحاها فمدها وبسطها وطحاها فوسعها من جوانبها وجعلها كفاتًا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتًا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرها وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات.

 

وقد أكثر الخالق -سبحانه- من ذكر الأرض في كتابه، ودعا عباده إلى النظر إليها والتفكر في خلقها، فقال سبحانه: (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) [الذاريات: 48]، (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) [غافر: 64]، (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا) [البقرة: 22]، (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) [الغاشية: 17 – 20]، (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الجاثية: 3].

 

ثم انظر إليها لحظة اضطرابها وزلزلتها بعد أن كانت ساكنة مطمئنة لترى بنفسك الدلائل الواضحات على قدرة الخالق سبحانه وإرادته وحكمته ووحدانيته.

 

وإنَّ هذه الحوادث والقوارع توقظ قلوبًا غافلة؛ لتراجع توحيدها وإخلاصها، فلا تشرك معه في قوته وقدرته وسلطانه أحدًا، ويفيق بعض من غرتهم قوتهم؛ فيتذكروا أنَّ الله الذي خلقَهم هو أشدّ منهم قوة، وبخاصة أولئك المستكبرين ممن غرتهم قوتهم وطال عليهم الأمد، فيفيق هؤلاء المستكبرون الطغاة ويتذكروا أنَّ الله الذي خلقَهم هو أشدّ منهم قوة: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [فصلت: 15].

 

أجل لقد فَرِحوا بما عندهم من العلم.

صار علم التاريخ لديهم للتسلية لا للاعتبار، والسياحة ورؤية آثار السابقين للمتعة والمجون لا للاتِّعاظ والادِّكار.

 

ثانياً: الزلازل تخويف وعظة من الله لعباده: قال العلامة ابن بطال: “ظهور الزلازل والآيات وعيد من الله لأهل الأرض، قال تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) [الإسراء: 59]، وقال قتادة: “إن الله -تعالى- يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت في عهد ابن مسعود، فقال: “أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه”.

 

وهذا الوضوح العقدي هو الذي جعل الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول حين زلزلت المدينة في أيامه: “يا أهل المدينة، ما أسرع ما أحدثتم، والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم” ففسّر هذه الزلزلة بتقصير أهل المدينة ووجود المعاصي، فخشي أن تعمّه العقوبة بسببهم.

 

وعن أبي موسى -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لما كسفت الشمس: “هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده…”، وفي حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-: “إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله -تعالى- يخوف بهما عباده”.

 

قال الحافظ ابن حجر: “قوله: “يخوف” فيه رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم؛ إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنـزلة الجزر والمد في البحر”.

 

وقال العلامة ابن دقيق العيد: “في قوله صلى الله عليه وسلم: “يخوف الله بهما عباده” إشارة إلى أنه ينبغي الخوف عند وقوع التغيرات العلوية، وقد ذكر أصحاب الحساب لكسوف الشمس والقمر أسبابًا عادية.

 

وربما يعتقد معتقد أن ذلك ينافى قوله عليه السلام: “يخوف الله بهما عباده” وهذا الاعتقاد فاسد؛ لأن لله -تعالى- أفعالًا على حسب الأسباب العادية، وأفعالًا خارجة عن تلك الأسباب، فإن قدرته تعالى حاكمة على كل سبب ومسبب، فيقطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض.

 

فإذا كان ذلك كذلك فأصحاب المراقبة لله -تعالى- ولأفعاله، الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته، وعموم قدرته على خرق العادة، واقتطاع المسببات عن أسبابها إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة اعتقادهم في فعل الله -تعالى- ما يشاء، وذلك لا يمنع أن يكون ثمة أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله -تعالى- خرقها، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عند اشتداد هبوب الريح يتغير ويدخل ويخرج خشية أن تكون كريح عاد، وإن كان هبوب الريح موجودًا في العادة” انتهى كلامه رحمه الله.

 

وهكذا نقول في الزلازل: أن ما يذكره علماء الأرض من أسباب للزلازل لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله -تعالى- من بأسه وسوطه وغضبه وانتقامه.

 

ومما يدل على أن مثل هذه الآيات من الزلازل وغيرها إنما هي تخويف للعباد وتحذير لهم من سطوته ما جاء عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: “كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذلك في وجه النبي -صلى الله عليه وسلم-“.

 

قال الحافظ ابن حجر: “لما كان هبوب الريح الشديدة يوجب التخوف المفضي إلى الخشوع والإنابة كانت الزلزلة ونحوها من الآيات أولى بذلك، لا سيما وقد نص في الخبر على أن أكثر الزلازل من أشراط الساعة”.

 

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سري عنه، فعرفته عائشة ذلك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: وما أدري لعله كما قال قوم عاد: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) [الأحقاف: 24].

 

وفي الحديث فائدة: تذكر ما يذهل المرء عنه مما وقع للأمم الخالية، والتحذير من السير في سبيلهم خشية من وقوع مثل ما أصابهم.

 

ثالثاً: الزلازل قد تكون عقوبة وغضبًا وانتقامًا من الكافرين والفاسقين: ينبغي أن يعلم أن الذنوب التي أهلك بها الأمم على قسمين:

(أ) معاندة الرسل وجحد رسالاتهم.

(ب) الإسراف في الفجور والذنوب.

 

فالقسم الأول: يهلك الله -تعالى- أصحاب هذا القسم، ويعذبهم عذاب استئصال وإبادة، كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود لوط وشعيب وأضرابهم، قال تعالى: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت:40].

 

القسم الثاني: يصابون بالمجاعات والجوائح والأمراض والاختلاف والزلازل وغير ذلك، وقد يكون مع ذلك موت وقد لا يكون، وعذاب هذه الأمة الإسلامية من هذا القبيل، فإن الله -تعالى- لا يستأصلها ولا يهلكها بالمرة كما كان يفعل مع الأجيال السابقة ولكنه يعذبهم بأنواع عديدة متنوعة من البلاء.

 

وعذاب الله -تعالى- وعقابه للأمم لا يختص بنوع واحد ولا لون معين بل جرت سنة الله -تعالى- في تنويعه على ألوان مختلفة ومتنوعة، فهو قد يكون صاعقة، أو غرقًا، أو فيضانًا، أو ريحًا، أو خسفًا، أو قحطًا ومجاعة وارتفاعًا في الأسعار، أو أمراضًا، أو ظلمًا وجورًا، أو فتنًا بين الناس واختلافًا، أو مسخًا في الصور، أو مطرًا بالحجارة أو رجفة. فالكل عقاب من الله -تعالى- وعذاب يرسله على من شاء تأديبه أو ردعه من عباده، وقد جاءت هذه الأنواع في القرآن والسنة.

 

وما يعنينا في هذا المقام هو فيمن أهلك؛ بالزلزلة وهذه بعض النماذج: أبرزها هلاك ثمود قوم صالح بالرجفة والزلزلة والصيحة، حيث قص الله -سبحانه وتعالى- علينا في كتابه الكريم كيفية هلاك ثمود لما كذبوا نبي الله صالح وعقروا الناقة في غير موضع، فقال: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) [الأعراف: 78]، وقال: (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا) [الشمس: 14].

 

قال الإمام مجاهد -رحمه الله- في قول الله -تعالى-: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ) قال: الصيحة، والحجارة، والريح، وقال الله: (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) [الأنعام: 65]، وقال رحمه الله: “الرجفة والخسف، وهما عذاب أهل التكذيب” وعنه أيضا قال: “عذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة”.

 

وقال الحافظ ابن القيم أيضًا: “ومن تأثير المعاصي في الأرض: ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركتها، وقد مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون، ومن شرب مياههم، ومن الاستسقاء من آبارهم، حتى أمر أن يعلف العجين الذي عجن بمياههم للنواضح لتأثير شؤم المعصية في الماء”.

 

رابعاً: الزلازل تطهيراً للمسلمين من الذنوب والمعاصي: فعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أمتي هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، وعذابها في الدنيا: الفتن والزلازل والقتل”. قال العلامة القاري: “بل غالب أنهم مجزيون بأعمالهم في الدنيا بالمحن والأمراض وأنواع البلايا كما حقق في قوله تعالى: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) [النساء: 123]، فقد تكون الزلازل ابتلاء لأهل القتل بالهدم، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 154 – 156].

 

وقد دلت الأحاديث الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن صاحب الهدم ومن وقع عليه البناء يرجى له الشهادة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله”.

 

قال ابن التين: “هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء”.

 

خامساً: الزلازل من علامات الساعة:

نقسم أشراط الساعة إلى قسمين:

أشراط صغرى: وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة وتكون من نوع المعتاد؛ كقبض العلم، وظهور الجهل، والتطاول في البنيان..، وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى أو بعدها.

 

أشراط كبرى: وهي التي تقارب قيام الساعة مقاربة وشيكة سريعة وتكون في ذاتها غير معتادة الوقوع؛ كظهور الدجال، ونزول عيسى -عليه السلام-، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها.

 

وقد قسم أهل العلم أشراط الساعة من حيث ظهورها إلى ثلاثة أقسام:

(1) قسم ظهر وانقضى ووقع وفق ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل ظهور الفتن، وقتال الترك،…

(2) قسم وقعت مباديه ولم يستحكم ولا يزال يتتابع ويكثر مثل: خروج الدجالين، وكثرة الزلازل.

(3) قسم لم يقع منه شيء ولكنه سيقع .

 

ومن هنا يتضح أن “كثرة الزلازل” من أشراط الساعة الصغرى التي ظهرت بدايتها ولا تزال تتابع وتكثر حتى تستحكم وحتى يطلق على بعض الأوقات “سنوات الزلازل” كما سيأتي بيانه في الأحاديث الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

1- فعن عبدالله بن حوالة -رضي الله عنه- قال: وضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده على رأسي أو على هامتي فقال: “يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت أرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك”.

قال الخطابي: “البلابل الهموم والأحزان، وبلبلة الصدر: وسواس الهموم واضطرابها، قال: وإنما أنذر أيام بني أمية الذين نقلت الخلافة في عهدهم لأرض الشام، وما حدث من الفتن زمانهم.

 

2- وعن سلمة بن نفيل السكوني قال: “كنا جلوسًا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يوحى إليه فقال: “إني غير لابث فيكم، ولستم لابثين بعدي إلا قليلًا، وستأتوني أفنادًا، يفني بعضكم بعضًا، وبين يدي الساعة موتان شديد، وبعده سنوات الزلازل” (والأفناد هم الفرق المختلفين، الواحد فند) يشير بذلك صلى الله عليه وسلم إلى الفتن والحروب التي جرت بعده بين المسلمين بعضهم البعض وما زالت إلى وقتنا هذا تحدث بين الحين والآخر، ويشعل فتيلها اليهود والصليبيون.

 

3- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج (وهو القتل) وحتى يكثر فيكم المال فيفيض”، وقد دل هذا الحديث على عدة فوائد:

الأولى: أن كثرة الزلازل من أشراط الساعة الصغرى والتي ظهرت بدايتها ولا تزال تتابع وتكثر حتى تستحكم.

الثانية: التنبيه إلى وقت تكاثر الزلازل ومدى ارتباطه بتفشي المعاصي وظهور المنكرات من قبض العلم، وتقارب الزمان، وظهور الفتن، وكثرة القتل، وهذا مشاهد لا تخطئه عين، ولا يخفى على أحد.

الثالثة: أن المراد بكثرة الزلازل هو أن يتوافر فيها صفتان: الشمول، والاستمرار والدوام.

قال الحافظ ابن حجر: “قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها: شمولها، ودوامها” والمراد بالشمول: أي جميع أرجاء الأرض، والمراد بالدوام: تقارب ما بين الزلازل بحيث تكون على مدار العام.

 

وقد سجلت لنا كتب التاريخ الإسلامي كثير من الزلازل التي وقعت في بلاد العالم مع الوصف التفصيلي لما حدث من هدم وخراب وهلاك.

 

كما في المنتظم لابن الجوزي، والكامل في التاريخ لابن الأثير، وتاريخ الأمم والملوك للطبري، والبداية والنهاية لابن كثير، وكتاب شذرات الذهب لابن العماد، وكتاب السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي، وإنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.

 

وكذا عقد الحافظ ابن الجوزي فصلًا في كتابه “المدهش”  في بعض الآيات والزلازل من سنة 20ه حتى سنة 552هـ. وكذا دون الحافظ السيوطي في كتابه: “كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة” طرفًا من الزلازل الواقعة من سنة (20هـ – 641م) حتى عام (910هـ – 1505م).

 

ثم زاد عليه تلميذه الداودي حتى عام 940هـ، وكذا تلميذه عبد القادر الشاذلي المؤذن حتى عام 990هـ.

 

والناظر في هذه الكتب (لا سيما كتاب السيوطي) يرى مدى الكثرة الكاثرة للزلازل في كل مكان ومدى التقارب بينها.

 

رابعاً: الحكمة من وراء كثرة الزلازل:

ما من شيء يقع في كون الرحيم الرحمن العليم الحكيم إلا بقدر الله وتقديره، ولحكم عظيمة يطلع بعض خلقه عليها، وقد لا يطلع أحد عليها لتبقى اختباراً وامتحاناً للموحدين على صدق إيمانهم وسلامة تسليمهم لخالقهم.

 

ووقوع الزلازل وكثرتها واتساعها وشمولها للمؤمن والكافر، والفاجر والصالح، والكبير والصغير له حكم كثيرة من أبرزها:

1- بيان قدرة الله الشاملة: فالكون كله مسخر لله بإنسِه وجنِّه، وأرضه وسمائِه، وهوائِه ومائِه، وبرِّه وبحرِه، وكواكبِه ونجومِه، وكلِّ مخلوقاته ما علِمنا منها وما لم نعلَم؛ كلُّها مسخَّرة بأمره سبحانه، يمسك ما يشاء عمّن يشاء، ويرسِل ما يشاء إلى من يشاء. وكيف لا تُدرَك عظمةُ الجبار -جلّ جلاله- وضَعفُ جبابِرة الأرض مهما أوتوا من قوة؟! كيف لا تدلُّ على عظمةِ الجبّار ومنها ما يُهلك أممًا ويدمِّر دِيارًا في ثوانٍ وأجزاءٍ من الثواني؟! ومنها ما ينتقل عبرَ الماء، ومنها ما يطير في الهواء، ومنها ما يُرى، ومنها ما لا يرى، نُذُر وآيات، وعقوبات وتخويفات، لا تَدفَعها القوى، ولا تطيقها الطاقات، ولا تقدِر عليها القدرات، ولا تتمكَّن منها الإمكانات، ولا تفيد فيها الرّاصدات ولا التنبُّؤات، لا تصِل إليها المضادَّات ولا المصدّات، من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون، إنها آياتُ الله وأيّامه ونذُره، تظهر فيها عظمةُ ذي الجلال، وقدرتُه وقوّته، وعظيمُ سلطانِه وعزَّته، وتمامُ ملكه وأمره وتدبيره: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) [غافر: 81].

 

والناس لا يحسون بنعمة قرار الأرض إلا حينما تميد الأرض من تحتهم. هنا يشعر الجميع بضعفهم الشديد أمام قوة الله التي لا يحدها حدود، فيعلمون أن قرارهم على الأرض مرهون بعناية الله لهم، فيتأكدون أن القوة لله جميعًا.

 

2- تذكير الأقوام، وتخويفهم، وتذكير من حولهم، بقوة الله عليهم، وقدرته على عقوبتهم وإنزال العذاب عليهم من حيث لا يحتسبون: (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ) [الرعد: 31]. لعلهم يعقلون، لعلهم يرجعون، وتكون العقوبة: انتقام من الله لأهل الباطل: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود: 102].

 

3- إشغال أهل الباطل بأنفسهم، عن الكيد لأهل الحق، فيكونون مندفعين في الكيد لأهل الحق، ومحاربة المصلحين، ومحاربة الدعاة إلى الله، فيشغلهم الله بأنفسهم.

 

4- اصطفاء شهداء لله، إذا كان الإنسان تقياً مقبلاً على الله، فأصابه زلزال، فقبضت روحه، أو حصلت له جراح، وكسور، وابتلي في ماله، وأهله، فماذا يكون؟ أما إذا مات في مثل الزلازل، فإني لا أظنه إلا داخلاً في حديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: “وصاحب الهدم شهيد” (والهدم: يعني الذي ينهدم عليه بيته، ويذهب في هذه الحادثة)، فهو شهيد.

 

فإذًا، الذين يموتون تحت الأنقاض، إذا كانوا من عباد الله الموحدين، فإن هذه نرجو أنها لهم شهادة.

 

5- استخراج الخير من الأمة، وتميز الخير من الشر، وإظهار معادن الناس في وقت الشدائد، وهذا فيه فائدة عظيمة وهي: إظهار الحق للناس، وأن أولى الناس بالناس، هم الدعاة المصلحون، وأرباب الديانة والصلاح وأهل الخير، فهم الذين إذا حصلت الفتن، قاموا يذكرون، وإذا نزلت الكوارث وحلت، قاموا يساعدون، يدفعهم الدافع الإيماني، والرغبة في الثواب، ولذلك فإنهم يحتبسون الأجر من الله، في تقديم كل مساعدة، إلى من يحتاج إلى مساعدة، رغم قلة الإمكانيات، وضعف الذات، يقدمون ما لديهم، فيتعلم الناس كما تعلموا في كثير من الأزمات، أن أولى الناس بالناس، هم الدعاة المصلحون، أهل الخير المستقيمين أول من يعاون، وأول من يشارك، وأول من يساهم بدون رواتب، بدون مرتبات، قاموا لله أطباء، ومهندسين، قاموا لله يساهمون في مساعدة الناس، بدون رواتب، احتساباً للأجر عند الله.

 

خامساً: واجبنا عند وقوع الزلازل:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “السنة في أسباب الخير والشر: أن يفعل العبد عند أسباب الخير الظاهرة والأعمال الصالحة ما يجلب الله به الخير، وعند أسباب الشر الظاهرة من العبادات ما يدفع الله به عنه الشر..، ومن ذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الخسوف بالصلاة والصدقة والدعاء والاستغفار والعتق”.

 

ولما كانت الزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده شأنها في ذلك شأن الكسوف والخسوف استحب عندها من الوعظ والصلاة والتقرب إلى الله -تعالى- بوجوه البر؛ فمن ذلك:

1- الصلاة عند الزلازل: قال ابن قدامة: قال أصحابنا: يصلى للزلزلة كصلاة الكسوف. قال القاضي: ولا يصلى للرجفة، والريح الشديدة، والظلمة، ونحوها. وقال الآمدي: يصلى لذلك، ولرمي الكواكب والصواعق وكثرة المطر. وحكاه عن ابن أبي موسى. وقال أصحاب الرأي: الصلاة لسائر الآيات حسنة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علل الكسوف بأنه آية من آيات الله -تعالى- يخوف بها عباده. وصلى ابن عباس للزلزلة بالبصرة. وقال مالك والشافعي: لا يصلى لشيء من الآيات سوى الكسوف؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصل لغيره، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات وكذلك خلفاؤه . ووجه الصلاة للزلزلة فعل ابن عباس.

 

والذي يترجح: أنه يصلى للزلزلة فرادى لا جماعة؛ لأن الاجتماع لها يحتاج إلى الدليل.

 

2- الذكر والدعاء والاستغفار: قال القسطلاني: “ويستحب لكل أحد أن يتضرع بالدعاء عند الزلازل ونحوها كالصواعق والريح الشديدة والخسف”، ومما يؤكد ذلك: ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الكسوف والخسوف؛ ففي حديث أبي موسى -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لما كسفت الشمس: “هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “هذه الآيات” يدل على دخول الزلازل وغيرها من الآيات مع الكسوف والخسوف في الأمر بالفزع إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره، قال الحافظ ابن حجر: “واستدل بذلك على أن الأمر بالمبادرة إلى الذكر والدعاء والاستغفار وغير ذلك لا يختص بالكسوفين؛ لأن الآيات أعم من ذلك”، وقال أيضًا: “وفيه الندب إلى الاستغفار عند الكسوف وغيره؛ لأنه مما يدفع به البلاء”، قال السيوطي: “مما يستحب عند الزلزلة الدعاء والتضرع”.

 

وكذلك ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوله من الأدعية، إذا هاجت الريح وعصفت (وهي آية من الآيات) يدل على أنه من باب أولى الزلازل أيضًا.

 

ولما كانت الزلازل موطن من مواطن الكرب والشدة والهم والفزع استحب للمسلم أن يدعو في هذه المواطن بما ورد في ذلك من أدعية ثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

3- الخوف من عضب الله وانتقامه، ولا نقف عند التفسيرات المادية لها، ومن ينظر إلى هدي نبيِّكم محمّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وخوفِه من ربِّه، يعتبر وينزجر ويخاف، مع أنَّ الله -سبحانه وتعالى- قد جعَله أمنةً لأصحابه؛ فقال: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ) [الأنفال: 33]، ومع هذا قَالَتْ عائشة -رضي الله عنها- كما في البخاري: “وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وَجْهِهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ في وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ! قَالَتْ: فَقَالَ: “يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنُنِى أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟! قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَ؛ فقال الله: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الأحقاف: 24]، حتى إذا نزل المطرُ سُرِّي عنه عليه الصلاة والسلام.

 

4- المبادرة بالتوبة ورد المظالم لأهلها، والإقلاع عن الذنوب الموجبة لغضب الله، والصدقة، وبذل المال: ومما يستحب عند الزلزلة التصدق وبذل المال؛ فعن جعفر بن برقان قال: “كتب إلينا عمر بن عبد العزيز في زلزلة كانت بالشام: أن اخرجوا يوم الاثنين من شهر كذا وكذا، ومن استطاع منكم أن يخرج صدقة فليفعل، فإن الله -تعالى- قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [الأعلى: 14 – 15].

 

5- تذكير الناس ووعظهم: وقد دل على ذلك صنيع النبي -صلى الله عليه وسلم- لما وقعت حادثة كسوف الشمس وهي آية من آيات الله، ففي رواية أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: “…فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: “إن الشمس والقمر هما آيتان من آيات الله يريهما عباده، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته،، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة”. وفي راوية: “فادعوا الله وكبروا وصلوا حتى يفرج عنكم وتصدقوا، لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته، حتى لقد رأيت أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني جعلت أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه، وهو الذي (وفي رواية: وهو أول من) سيب السوائب، ثم قال: يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا”، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر”.

 

وفي الأثر: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما زلزلت الأرض على عهده خطب الناس فقال: “أحدثتم، لقد عجلتم، لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم”.

 

وفي هذا دليل واضح على مدى حرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أمته وتوجيه النصح الوعظ والإرشاد إليهم عند الحوادث والآيات.

 

والخلاصة يا إخوان: إن ما حدث يجب أن يكون هزة للقلوب الغافلة عن طاعة الله وطاعة رسوله، وداعيًا أهل الاختصاص إلى تفعيل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وعدم الركون للحياة الفانية، والاستعداد للحياة الباقية.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات