طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > رسالة إلى نهبة أموال المسلمين

ملتقى الخطباء

(848)
1342

رسالة إلى نهبة أموال المسلمين

تاريخ النشر : 1439/02/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

يأخذ الإنسان من الأموال العامة ما ليس له، أو يُسخِّر أدوات وظيفته أو نفوذه لنفع نفسه وقرابته، لا لخدمة الناس وهو ما أجلس على كرسيه إلا لأجلهم، وهذا من الظلم العظيم الذي يجرّ المجتمع إلى فساد عريض، وصاحبه متوعد بالعقوبة الشديدة في الكتاب والسنة، فنهب أموال المسلمين وخيانة أمانة الوظائف العامة من أهم أسباب تخلف المسلمين وانحطاطهم، إذ…

هل يتخيل أحد أن واحداً من الناس قد اجتمع له من شرف الصحبة، مع حسن الخاتمة، مع خدمة خير خلق الله كلهم، مع تبوء ذروة سنام الدين، ثم يتحول كل ذلك إلى هباء منثور، ويضيع كل الشرف وكل الفضل وكل المجهود، متاع دنيوي حقير لا يتجاوز ثمنه عدة دراهم؟!

 

هذا مع حدث بالفعل؛ فقد روى أبو داود في سننه؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: “خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِلى خَيْبَرَ. فَفَتَحَ الله عَلَيْنَا، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبا وَلاَ وَرِقا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ، يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِي الضُّبيْبِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَحُلُّ رَحْلَهُ فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “كَلاَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارا، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ” قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ”.

 

رجل حاز شرف الصحبة، وشرف خدمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشرف الجهاد ضد ألد أعداء المسلمين: اليهود، وشرف الشهادة، ومع ذلك كل هذا الشرف يضيع كأنه ما كان، ويُسلب منه أعز وصف “الشهيد” ويلحقه عار كبير هو عار “الغلول من الغنائم” أي السرقة من مال المسلمين أو المال العام.

 

وهو من أكثر ما تساهل الناس فيه في هذا العصر بجهلهم أنه من كبائر الذنوب، فيأخذ الإنسان من الأموال العامة ما ليس له، أو يُسخِّر أدوات وظيفته أو نفوذه لنفع نفسه وقرابته، لا لخدمة الناس وهو ما أجلس على كرسيه إلا لأجلهم، وهذا من الظلم العظيم، الذي يجرّ المجتمع إلى فساد عريض، وصاحبه متوعد بالعقوبة الشديدة في الكتاب والسنة.

 

فنهب أموال المسلمين وخيانة أمانة الوظائف العامة من أهم أسباب تخلف المسلمين وانحطاطهم، إذ لما عمت هذه الفعلة الرديئة كثيرا من بلدان المسلمين توقف نماؤها، واستشرى فسادها، وخربت إداراتها، وتعطلت مصالح أبنائها، وصار المرء يعمل لنفسه لا لبلده وأمته، ويسعى في ملء خزائنه بالمال، ولو كان في ذلك انتهاك الشريعة، ومخالفة الأنظمة، ولو كان فيه خراب الديار والعمران، وفساد الذمم والأخلاق.

 

ولخطورة الأمر وعموم النازلة سوف نفرد في مقامنا هذا الحديث عن هذه الكبيرة العظيمة التي يغفل عنها معظم الناس، ويتساهل فيها كثيرون.

 

أولاً: الغلول لغة واصطلاحاً:

الغلول لغة: من غل يغل إذا خان في الفيء أو الغنيمة، أو غيرهما من مال المسلمين، أو الملكية العامة المشتركة لعموم الناس، وهو مأخوذ من مادة: “غ ل ل” التي تدل على تخلل شيء وثباته، كالشيء يغرز؛ من ذلك قول العرب: غللت الشيء في الشيء إذا أثبته فيه كأنك غرزته، ومن الباب الغلول في المغنم، وهو أن يخفى الشيء فلا يرد إلى القسم، كأن صاحبه قد غله بين ثيابه.

وقال الراغب: أصل الغلل تدرع الشيء وتوسطه، ومن ذلك الغلل للماء الجاري بين الشجر، والغلول وهو تدرع الخيانة، والغل: العداوة يقال منه: غل يغل إذا صار ذا غل أي ضغن (وعداوة)، وأغل أي صار ذا إغلال أي خيانة، وغل يغل إذا خان، وأغللت فلانا: نسبته إلى الغلول، وقال الفيروز آبادي: يقال: غل غلولا وأغل إغلالا إذا خان، وقيل: خان في الفيء خاصة، وقال ابن الأثير: الإغلال: الخيانة أو السرقة الخفية.

وقد ذهب ابن حجر: إلى أن الغلول مأخوذ من معنى: الإخفاء، فقال: سمي الغلول غلولا؛ لأن صاحبه يغله في متاعه أي يخفيه.

 

الغلول اصطلاحاً:

الخيانة في مال المسلمين، سواء كان من بيت مال أو زكاة أو غنيمة، وقيده بعضهم بالغنيمة فقط، والأمر أهم وأوسع من ذلك بكثير.

قال ابن حجر: الغلول (في الغنيمة) هو اختصاص أحد الغزاة، سواء الأمير أو غيره بشيء من مال الغنيمة قبل القسمة من غير أن يحضره إلى أمير الجيوش ليخمسه، وإن قل المأخوذ.

 

ثانياً: أنواع الغلول:

للغلول أنواع عديدة منها:

1- الغلول في الفيء أو الغنائم، وهذا هو المشهور الذي ينصرف إليه اللفظ عند الإطلاق.

 

2- الغلول في الزكاة، بدليل ما رواه أبو مسعود الأنصاري من قوله صلى الله عليه وسلم: “لا ألفينك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة قد غللته”.

 

3- ومن الغلول أيضا ما ذكره القرطبي من هدايا العمال (الموظفين) قال: وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغال.

 

4- ومن الغلول: حبس الكتب عن أصحابها، ويدخل غيرها في معناها، وسيأتي في الآثار قول الزهري: إياك وغلول الكتب، فقيل له: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها عن أصحابها.

 

5- ومن أشهر أنواع الغلول المعاصرة: الاختلاس من الأموال العامة، بدليل ما رواه أبو داود عن المستورد بن شداد من قوله: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: “من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا، قال أبو بكر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق”.

 

6- ومن الغلول أيضا اغتصاب الأرض أو العقار أو ما أشبه ذلك، بل إن ذلك من أعظم الغلول كما جاء في الأثر الصحيح.

 

ثالثاً: الغلول في القرآن والسنّة:

قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران: 161].

 

وفي السنة النبوية المطهرة عشرات الأحاديث المحذرة من هذا الجرم الكبير، وفيها الكثير من الدلالات عن معنى الغلول وحكمه وعاقبته؛ منها:

1- هدايا العمال من الغلول: عن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- أنه أخبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعمل عاملا فجاءه العامل حين فرغ من عمله، فقال: يا رسول الله هذا لكم وهذا أهدي لي، فقال له: “أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى لك أم لا؟” ثم قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشية بعد الصلاة فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: “أما بعد: فما بال العامل نستعمله، فيأتينا فيقول: هذا من عملكم وهذا أهدي إلي، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يهدى له أم لا؟ فو الذي نفس محمد بيده، لا يغل أحدكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه إن كان بعيرا جاء به له رغاء، وإن كانت بقرة جاء بها لها خوار، وإن كانت شاة جاء بها تيعر، فقد بلغت” فقال أبو حميد: ثم رفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده حتى إنا لننظر إلى عفرة إبطيه. قال أبو حميد: وقد سمع ذلك معي زيد بن ثابت من النبي -صلى الله عليه وسلم- فسلوه.

 

2- المال المغلول فضيحة كبرى يوم القيامة: وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: “قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال: “لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك”.

 

3- المال المغلول نار يعذب بها يوم القيامة: ومنها: حديث صاحب الشملة التي ستشعل عليه ناراً في قبره السالف ذكره، والشراك المغلول الذي وصفه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه شراك من نار.

 

4- الغلول يمنع قبول الأعمال ولو كانت مع الأنبياء والمرسلين: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها ولما يبن، ولا آخر قد بنى بنيانا، ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات، وهو منتظر ولادها، قال: فغزا. فأدنى للقرية حين صلاة العصر، أو قريبا من ذلك. فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئا، فحبست عليه حتى فتح الله عليه، قال: فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النار لتأكله، فأبت أن تطعمه، فقال: فيكم غلول، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعوه فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فبايعته، قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة، فقال: فيكم الغلول، أنتم غللتم. قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب، قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلته، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأن الله -تبارك وتعالى- رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا”، وهذا من أقوى أدلة تحريم الغلول، فالغلول قد منع قبول الأعمال حتى ولو كان العمل جهاد مع الأنبياء والمرسلين.

 

5- الغلول والانتهاب من مال المسلمين من كبائر الذنوب: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن”، وزاد أبو هريرة: “ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن”، وفي رواية أخرى: “ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن فإياكم إياكم”، وهذا حديث قاطع في كون الغلول من كبائر الذنوب.

 

6- الغلول مانع لصلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعائه له: والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصل على صاحب الغلول مع أنه ما غل إلا شيئاً يسيرًا لا يكاد يذكر؛ كما في حديث زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- يحدث: “أن رجلاً من المسلمين توفي بخيبر وأنه ذكر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: “صلُّوا على صاحبكم” قال: فتغيّرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذي بهم قال: “إن صاحبكم غَلَّ في سبيل الله” ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود ما يساوي درهمين”.

سبحان الله سرقة درهم أو درهمين منعته صلاة خير البرية وما فيها من بركة وشفاعة أكيدة يوم الدين.

 

7- المال العام المنهوب أشد من حرمة الميتة: فقد روى البخاري عن رافع بن خديج -رضي الله عنه- فقال: “كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بذي الحليفة فأصاب الناس جوع وأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- في أخريات الناس فعجَّلوا فنصبوا القدور فأمر بالقدور فأُكفِئَت”، وفي رواية لأبي داود عن رجل من الأنصار قال: “خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفرٍ فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد وأصابوا غنمًا فانتهبوها فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: “إن النهبة ليست بأحل من الميتة “.

 

رابعاً: حال السلف مع الوظائف العامة:

لما عَلم الصحابة -رضي الله عنهم- ما في الغلول من الإثم العظيم، والعقوبة الشديدة، والفضيحة في الدنيا الآخرة؛ استعفوا من الوظائف العامة والولايات، واعتذروا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قبولها؛ خوفاً من أن يلحقهم شيء من الغلول، فقَبِلَ النبي -صلى الله عليه وسلم- عذرهم، وأعفاهم من وظائفهم، كان منهم سعد بن عبادة -رضي الله عنه- وقصته في صحيح مسلم من حديث عدي بن عميرة الكندي: قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا يأتي به يوم القيامة”، قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال: “يا رسول الله اقبل عني عملك”، قال: “ومالك؟” قال: “سمعتك تقول كذا وكذا”، قال عليه الصلاة والسلام: “وأنا أقوله الآن من استعملناه منكم على عمل فليجيء بقليله وكثيره فما أوتي منه أخذ وما نهى عنه انتهى”.

 

وممن استعفى من الوظيفة خوفًا من الغلول أبو مسعود الأنصاري الذي قال: “بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ساعيًّا ثم قال: “انطلق أبا مسعود لا أُلفِينَّك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللتَه”، قال: “إذًا لا أنطلق”، قال عليه الصلاة والسلام: “إذا لا أُكْرِهُك”.

 

ولذا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بعفة اليد، وخطب في الناس عقب غنمهم لغنائم حنين محذرًا إياهم من الافتتان بما يرون من أموال قد تكون سببًا في الغلول فقال لهم عليه الصلاة والسلام: “من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه”.

 

ولما زاد الأمر عن حده في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ووجد أن معظم الصحابة يرفضون الوظائف العامة والولايات ألزمهم إياها قائلاً لهم: هيهات هيهات أتتركوني أحملها وحدي، لا يكون ذلك أبداً.

 

وألزم قبول الولايات والوظائف العامة، وكان يشترط علي عماله أن يشارطهم نصف أموالهم عن الخروج من الوظيفة، تطهيراً لهم من شوائب العل العام والوظائف الرسمية، حتى أنه كان يأخذ نصف ثيابهم ونعالهم في تلك المناصفة الشهيرة، كما حدث مع خالد بن الوليد -رضي الله عنه- عندما عزله عن ولاية الشام.

 

خامساً: تعريف المال العام وحكم التخوض فيه:

المال العام هو: “كل مالٍ ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه، بل هو لهم جميعًا”.

قال القاضي الماوردي والقاضي أبو يعلى: “كل مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم”.

 

والأصل في المال العام عند الفقهاء أنه ملك للمسلمين، وليس ملكًا لولي الأمر “الخليفة أو الأمير أو الملك أو الرئيس”، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسمٌ، أضعُ حيث أُمرت” (رواه البخاري)، وفي رواية أخرى قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما أُوتيكم من شيءٍ وما أمنعكموه، إن أنا إلا خازنٌ، أضع حيث أُمرت” (رواه أبو داود وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود)، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: “قوله: “ما أُعطيكم ولا أمنعكم” في رواية أحمد عن شريح بن النعمان عن فليح في أوله: “واللهُ المعطي”، والمعنى لا أتصرف فيكم بعطيةٍ ولا منعٍ برأيي، وقوله: “إنما أنا القاسم” أضع حيث أُمرت، أي لا أُعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا إلا بأمر الله، وقد أخرجه أبو داود من طريق همام عن أبي هريرة بلفظ: “إن أنا إلا خازن”.

 

وهذا الحديث يؤكد مبدأ أن ملكية المال العام للمسلمين، وليست لولي الأمر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إني والله لا أُعطي أحدًا، ولا أَمنع أحدًا، وإنما أنا قاسمٌ أضع حيث أُمرت” يدل على أنه ليس بمالكٍ للأموال”، وقال أيضا: “وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم، كما يقسم المالك ملكه، فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء ليسوا مُلاكًا، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إني والله لا أُعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسمٌ أضع حيث أُمرت”.

 

وروى ابن زنجويه عن مالك بن أوسٍ قال: “ذكرَ عمرُ بن الخطاب يومًا الفيء “ما يؤخذ من العدو من مالٍ ومتاعٍ بغير حرب” فقال: “ما لكم أيها الناس لا تكلموا، أما والله ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم، وما أحدٌ منَّا بأحق به من أحدٍ، إلا أنَّا على منازلنا من كتاب الله وقسم رسوله -صلى الله عليه وسلم-، الرجلُ وقِدمه، والرجلُ وبلاؤه، والرجل وعياله، والرجل وحاجته، وما منَّا أحدٌ من المسلمين إلا وله في هذا الفيء حقٌ، أعطيه أو منعه إلا عبدًا مملوكًا، ولئن بقيت ليبلُغنَّ الراعي وهو في جبال صنعاء حقُهُ من فيء الله”.

 

وروى أبو عبيد القاسم بن سلام عن عطية بن قيس قال: “خطبنا معاوية فقال: إن في بيت مالكم فضلًا عن أُعطيتكم، وأنا قاسمٌ بينكم ذلك، فإن كان في قابلٍ (أي العام القادم) فضلٌ قسمناه بينكم، وإلا فلا عتيبة علينا فيه، فإنه ليس بمالنا، إنما هو فيء الله الذي أفاءه عليكم”.

 

والأصل في الموظف والمسؤول صغيرًا كان أو كبيرًا، وزيراُ كان أو أميراً أنه أجيرٌ، والأجير لا بد أن يكون أمينًا، ويدخل في الأمانة، الأمانة في استخدام المال العام، والمحافظة عليه، قال الله -تعالى-: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص: 26]، ويقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: 58]، ويقول تعالى: (والَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون: 8]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: 27].

 

وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: “قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: “يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامةٌ إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها” (رواه مسلم).

 

وقد دلت الأدلة من كتاب الله -عز وجل-، ومن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- على حرمة الخوض في الأموال العامة، قال الله -تعالى-: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [البقرة: 188].

 

وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع” (رواه البخاري ومسلم).

 

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيداً يوم القيامة” (رواه مسلم).

 

وعن خولة الأنصارية -رضي الله عنها- قالت: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة” (رواه البخاري).

 

قال الحافظ ابن حجر: “قوله “يتخوضون في مال الله بغير حق” أي يتصرفون في مال المسلمين بالباطل”.

 

وروى الإمام البخاري بسنده عن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- قال: “استعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا من الأزد يقال له: “ابن اللتبية” على الصدقة فلما قدم قال: هذا مالكم وهذا أهدي إليَّ، فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- فصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: “ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي؟ فهلَّا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر”.

وحديث ابن اللتبية: هذا فيه دلالة واضحة على حرمة استغلال النفوذ والوظيفة والمنصب، وتحريم الثراء غير المشروع بالتعدي على المال العام.

 

أما بالنسبة لهدايا العمال والولاة:

أصحاب الولايات كالأمراء والوزراء والمحافظين والقضاة والمديرين ووكلائهم والموظفين تحت ولاياتهم صغروا أم كبروا، ممن يحتاج الناس إليهم، إنما نُصِبوا في ولاياتهم لخدمة الناس، وإدارة شؤونهم، ورعاية مصالحهم، وإقامة العدل فيهم، ورفع الظلم عنهم، ويأخذون أجورهم على أعمالهم من بيت المال.

 

وهكذا من يعملون في الشركات والمؤسسات وغيرها إنما يخدمون من وظفوهم فيها، ويتقاضون أجورهم منهم، فلا بدَّ أن يبذلوا النصح في أعمالهم، ويحقوا الحق، ويؤدوا الأمانة، مراقبين الله -تعالى- في وظائفهم.

 

والأصل المقرر عند الفقهاء: أن من تولى مسؤوليةً أو وظيفةً عامةً أو خاصةً: أنه يحرم عليه قبول هديةٍ أو مكافأةٍ أو إكراميةٍ جاءته بحكم مسؤوليته تلك أو وظيفته، إلا إذا أذنت له جهة العمل المشغلة له بقبولها، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: “بين له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له، وأنه لو أقام في منزله لم يهد له شيءٌ، فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية، فإن ذاك إنما يكون حيث يتمحض الحق له”.

 

وقال الإمام النووي: “في هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام، ولهذا ذكر في الحديث عقوبته وحمْله ما أُهدي إليه يوم القيامة، وقد بين -صلى الله عليه وسلم- في نفس الحديث السبَبَ في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة، وحكم ما يقبضه العامل ونحوه باسم الهدية أنه يرده إلى مُهْديه، فإن تعذر: فإلى بيت المال”.

وقال الكمال بن الهمام: “وتعليل النبي -صلى الله عليه وسلم- دليلٌ على تحريم الهدية التي سببها الولاية”.

 

ومما يدل على منع الموظف من قبول الهدايا والإكراميات والمكافآت: ما ورد في الحديث عن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “هدايا العمال غُلُول” (رواه أحمد والبيهقي والطبراني، وصححه العلامة الألباني)، وقوله: “غُلُول” أي خيانة، قال المناوي: “فالمراد أنه إذا أهدى العامل للإمام أو نائبه فقبله فهو خيانة منه للمسلمين فلا يختص به دونهم”.

 

قال الإمام أبو حامد الغزالي: “وإذا ثبتت هذه التشديدات، فالقاضي والوالي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه، فما كان يُعطى بعد العزل وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته، وما يعلم أنه إنما يُعطاه لولايته فحرام أخذه، وما أشكل عليه في هدايا أصدقائه أنهم هل كانوا يعطونه لو كان معزولاً فهو شبهةٌ، فليجتنبه”.

 

وخلاصة الأمر: أن من تولى مسؤوليةً أو وظيفةً عامةً أو خاصةً: أنه يحرم عليه قبول هديةٍ أو مكافأةٍ أو إكراميةٍ جاءته بحكم مسؤوليته تلك أو وظيفته، وأن ذلك يعتبر من باب أكل أموال الناس بالباطل، يقول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29].

 

غلول

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات