طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > سلسلة حقوق المرأة الاجتماعية (2) الحق في العمل

ملتقى الخطباء

(601)
1310

سلسلة حقوق المرأة الاجتماعية (2) الحق في العمل

تاريخ النشر : 1439/01/04
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

عندما تخرج المرأة للعمل فإنها سوف تقتحم عالم المجتمع الكبير، وحتماً ستتأثر به وستؤثر فيه، لذلك قرر الإسلام للدولة والمجتمع عدة مسؤوليات تجاه المرأة قبل الخروج للعمل، منها: 1- المجتمع والدولة الإسلامية مسؤولة عن الإنفاق على المرأة حال فقدانها العائل حقيقة أو حكماً..

بعدما رفع الإسلام الظلم والحيف الواقع على المرأة من الحضارات السابقة عليه قرر الإسلام للمرأة بوصفها إنساناً موفور الكرامة، مسؤولاً عن أعماله المدنية والجنائية، مستقل الشخصية، حر الاختيار، منفصل الذمة، قرر لها الكثير من الحقوق، وأيضا قرر عليها الكثير من الواجبات.

 

وهناك تفاعل وتكامل بين أداء الواجبات وممارسة الحقوق يثمر أحسن الثمار بالنسبة للمرأة التي ازدادت في ظل ميثاق التحرير الإسلامى للمرأة من نمو ورقي وخبرة ومكانة؛ لذلك كان من الحقوق التي أقرها الإسلام للمرأة حقها في العمل.

 

ولكن قبل أن نستعرض هذا الحق كان لابد من تقرير معالم شرعية تضبط أداء المرأة وممارستها لهذا الحق، ذلك لن خروج المرأة للعمل واكبه الكثير من الآثار الضارة وربما المدمرة، والتداعيات السيئة التي انعكست على المجتمع كله.

 

وهذه المعالم الشرعية تضمن أداء سليماً وممارسة صحيحة منتظمة لعمل المرأة، يحفظها من التضارب بين حقوقها ومسؤولياتها الأخرى.

 

المعالم الشرعية لعمل المرأة:

 

قبل أن نذكر هذه المعالم لابد أن نؤكد وبقوة أن هذه المعالم ملزمة لكل من المرأة والمجتمع على حد السواء، فإذا لم تلتزم بها المرأة ألزمها المجتمع، وإذا لم يلتزم بها المجتمع طالبت بها المرأة، وألزم المجتمع بها، وإذا لم تتوافر هذه المعالم يصبح حق المرأة في العمل بمنزلة الضرورة التي تقدر بقدرها.

 

المعلم الأول: متى تخرج المرأة للعمل؟

 

تخرج المرأة للعمل على وجهتين: تارة على الوجوب، وتارة على الندب، فالمرأة تخرج للعمل وجوباً في حالتين:

 

أولهما: حال حاجتها لإعالة نفسها وأسرتها أو من هي ملزمة شرعاً بالإنفاق عليهم، ومن لها عليهم ولاية من أيتام وغيرهم، وذلك عند فقدان العائل حقيقة -بالوفاة أو بالطلاق- أو حكماً -العجز أو المرض المقعد-؛ فعن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- قال: طلقت خالتي فأردت أن تجذ نخلها -تجنى ثماره- فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: “بلى فجذي نخلك” (مسلم في الطلاق)، وبتحليل عناصر هذا الحديث يتضح لنا متى تخرج المرأة للعمل:

 

1- “طلقت خالتي” فقدان العائل.

2- “فأردات أن تجذ نخلها” ممارسة العمل الحرفي.

3- “فزجرها رجل” غالباً من أقربائها “أن تخرج”؛ لأنها كانت في فترة العدة.

4- “بلى فجذي نخلك” إذن من النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخروج.

 

وفي الحديث: “إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ أم ضيع؟”، وفي الحديث: “كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت…” (رواه أبو داود والنسائي والحاكم) إلا أنه قال: “من يعول”، فإذا أصبحت المرأة مسؤولة شرعاً عن الإنفاق على من في حجرها وجب عليها أن تخرج لللقيام بأدء هذا الواجب، وإذا كان عائلها موجوداً ولكنه عاجز عن الكسب، فليس له أن يمنعها عن الخروج، ويلزمه أن يرفع يده عنها للخروج للتكسب والإنفاق على ولدها، وما لايتم الواجب إلا به فله حكم الواجب، وهذه هي الحالة الأولى، وهي: حالة احتياج المرأة للعمل.

 

ثانيهما: حال القيام بالعمل الذي لا يغطيه أو يسده أو يصلح له إلا المرأة، أو بعبارة أخرى أن العمل هو الذي يحتاج المرأة من أجل حفظ كيان المجتمع المسلم، مثال تطبيب النساء وتعليم البنات، والمصالح الحكومية التي بها تعامل مع الجمهور بنوعيه رجال ونساء، وهذه الأعمال بمثابة ضرورة اجتماعية سواء كانت تلك الأعمال هي في الأصل من اختصاص النساء وحدهن، أو مما يحتاج فيها إلى مشاركة النساء.

 

وحتى لا يتعرض على هذا الكلام معترض فيقول: كيف تقول يجب عليها الخروج لهذا العمل، ثم تقول إنه من فروض الكفاية من المعلوم أن الخطاب بها موجه لعموم الأمة وليس لآحاد الناس؟

 

وللإجابة على هذا التساؤل يجب أن نعرف أن فرض الكفاية كان يخاطب به عموم الأمة إلا أنه لو لم يقم به أحد أثمت الأمة كلها وانقلب فرض الكفاية إلى فرض عين في حق الجميع، بل إن الأصل في فرض الكفاية أنه فرض عين، ولكنه يسقط بأداء بعض الأمة عن بقيتها، فلو تكاسل الجميع، ووجدت أن كل رجل يمنع زوجته أو ابنته عن أداء العمل الكفائى بحجة أن غيرها سيقوم به، فسينتهي الأمر لعدم قيام بهذا العمل بالكلية.

 

ثم إن فرض الكفاية قد يتحول في حق بعض الناس لفرض عين في بعض الأوقات، فلو أن امرأة طبيبة في بلد لا أحد فيه يعلم صنعة الطب، ومرض أحد الناس رجلاً كان أو أنثى، وأوشك على الموت، فعندها يجب ويتعين على هذه الطبيبة أن تقوم بهذا العمل، وهكذا..

 

ثم إن القيام بفروض الكفاية أحرى وأعظم أجراً من فرض العين كما قرر ذلك علماء الأصول.

 

وفي هاتين الحالتين السابقتين يجب على المرأة أن تخرج للعمل.

 

أما في حالة الندب للخروج للعمل فيندب للمرأة أن تخرج للعمل في ثلاث حالات:

 

الحالة الأولى: معاونة الزوج أو الأب أو الأخ الفقير؛ فقد ذهبت زينب امرأة ابن مسعود -رضي الله عنهما- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تستفتيه في مسألة، فوجدت بلالاً بالباب، فقالت: سل النبي -صلى الله عليه وسلم- أيجز أن أنفق على زوجى وأيتام لي في حجري؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “نعم؛ ولها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة” (البخاري في الزكاة)، وفي رواية أخرى: “زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم” (البخاري ومسلم وكلاهما في الزكاة).

 

وربما تظهر الحاجة لهذا الأمر جلياً في هذه الأيام التي عم فيها الغلاء، وارتفعت نفقات المعيشة، وقلت فرص الوظيفة.

 

الحالة الثانية: عند تحقيق مصلحة راجحة وكبيرة للمجتمع المسلم، إذا كان عند النساء مواهب خاصة وملكات عالية، وقدرات فائقة في الدعوة أو العلم أو الشعر أو الكتابة وهكذا، مما يعود بالنفع على المجتمع كله إذا خرجت المرأة لممارسة هذا اللون من المهارات التي تتقنها.

 

ويروى أن رجلاً من أنصار خرجت به نملة -قرحة في الجنب- فدل على امرأة اسمها الشفاء بنت عبد الله ترقى من النملة؛ فجاء فسألها أن ترقيه فقالت: والله ما رقيت منه منذ أسلمت، فذهب الأنصارى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره بالذي قالت الشفاء، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الشفاء، فقال لها: “اعرضي علي”، فعرضت، فقال: “ارقيه وعلميها حفصة كما علمتيها الكتاب -أى الكتابة” (رواه الحاكم وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة).

 

الحالة الثالثة: عند الرغبة في الإنفاق في الخير، والتصدق في سبيل الله، ولم يكن عندها مصدر دخل لتحقيق هذا الثواب العظيم؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “لم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب بنت جحش، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد في العمل الذي تصدق به وتقرب به لله -تعالى-” (مسلم في الفضائل)، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أولى أزواجه لحوقاً به، أطولهن يداً، فقالت: عائشة: فكانت أطولنا يداً زينب بنت جحش؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق” (مسلم في الفضائل)، وقد أذن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لخالة جابر بن عبد الله -رضي الله عنهم- أن تخرج للعمل من أجل التصدق؛ فقال: “بلى، فجذى نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفاً”.

 

المعلم الثانى: آداب الخروج للعمل:

 

حين تقتضي الحاجة من المرأة الخروج للعمل إما وجوباً أو ندبا كما أسلفنا يجب أن تلتزم بآداب الإسلام المعروفة عند الخروج للعمل، والأدلة عليها كثيرة جداً، ويمكن مراجعتها في مظانها من كتب الحديث والفقه، والكتب التي تناولت هذا الموضوع، ولكن يبقى السؤال الهام: إذا ما انتفت هذه الشروط أو تعذر تحقيقها فهل تخرج المرأة للعمل؟

 

والجواب عن هذا السؤال يكون بمعرفة مدى قيمة وأهمية هذه الشروط في ميزان الشرع؛ فمثلاً الحجاب الشرعى؛ قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في معرض الترهيب والتخويف من تركه: “صنفان من أهل النار لم أرهما” وذكر منهما: “نساء كاسيات عاريات” (أخرجه مسلم في الجنة).

 

وقال في التحذير من التعطر بحيث يجد ريحها الرجال فيثير شهواتهم: “إذا استعطرت المرأة فمرت على قوم يجدون ريحها فهي كذا وكذا”، وقال قولاً شديداً يعني “زانية” (رواه أبو داود في الترجل).

 

وفي شأن لمس النساء، قال صلى الله عليه وسلم: “لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امراة لا تحل له” (الطبراني في الكبير).

 

وعلى هذا ففي هذه الشروط الوعيد الشديد، والإلزام الأكيد، وتركها يكون بمنزلة الضرورة الملحة التي تقدر بقدرها، وإذا كان خروج المرأة للعمل من باب الواجب اللازم الذي لابد منه، فعندها يجوز للمرأة أن تخرج للعمل مضطرة، ويبقى الأصل عندها بقائها في بيتها.

 

المعلم الثالث: المسؤولية:

 

قبل أن تخرج المرأة لمحيط العمل الخارجي لابد أن تعرف أنها مطالبة ومسئولة مسؤولية كاملة عن رعاية بيتها وأطفالها رعاية كاملة، وأن الله -عز وجل- سيسألها ويحاسبها من هذا المنطق على هذا الأساس، فإن مسئوليتها تجاه بيتها وأسرتها تقدم مباشرة، دون خلاف؛ عما سواها من المسؤوليات؛ فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته… والمرأة راعية في بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم” (البخاري كتاب العتق، مسلم كتاب الإمارة) فالحديث حدد نطاق العمل وطبيعته، وحدد أيضاً مسؤولية المحاسبة والمسائلة عنهم، فإذا لم يتعارض هذا مع ذاك جاز لها أن تخرج للعمل بالشروط السابقة، حيث ينبغى للمرأة أن تستثمر وقتها كاملاً، وأن تكون عنصراً منتجاً مفيداً، لنفسها ولأسرتها ولمجتمعها، وذلك في أية مرحلة من مراحل حياتها؛ شابة وكهلة وعجوزاً، ولكن بشرط أن تغطى حاجة بيتها ومسئوليتها تجاه أسرتها، على أن الإسلام قد ندب الرجل؛ لأن يساعد زوجته في شؤون البيت، إذا لم تستطع أن تقوم به وحدها، وهذا من مكارم خصال الرجل، واقتداء حسن بالرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يساعد أزواجه في بيوتهن، على الرغم من تفرغهن لذلك البيت.

 

المعلم الرابع: مسؤولية الزوج:

 

من الأمور التي يجب التنبيه عليها جيداً لكثرة اللغط الدائر حولها: الذمة المالية؛ فإذا كان الإسلام قد أعطى المرأة الحق في العمل وفقاً للضوابط والمعالم الشرعية المذكورة؛ فإنه يرفض رفضاً قاطعاً المنظور الغربي لفكرة الذمة المالية للمرأة، والتي يوجد أصلها في الإسلام، ولكن من وجهة النظر الغربية تتحول إلى ما يشبه الاستقلال الاقتصادى والاجتماعى للمرأة، ذلك لأن هذا المنظور كفيل بهدم الأساس الأسرى للمجتمعات المسلمة، لذلك نجدهم يلزمون المرأة عندهم إلزاماً أكيداً بالخروج للعمل، وإلا ستصبح حسب فهمهم ومنظورهم للعلاقات الأسرية عبئاً ثقيلاً على زوجها، وتنعدم شخصيتها، وتتلاشى ذاتها، وهذا ما يرفضه الإسلام تماماً؛ لذلك قرر الإسلام عدة مسؤوليات للزواج يلتزم بها تجاه الزوجة، وهي تلتزم في مقامها الأول بأمور، وهي كالآتى:

 

1- الزوج مسؤول عن الإنفاق على زوجته، فريضة واجبة تغتنى به المرأة عن السعى للكسب، قال تعالى: ( الرجال قومون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) [ النساء: 34]، وفي الحديث عن جابر بن عبد الله قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “استوصوا بالنساء خيراً هن عوان عندكم… وحقهن عليكم أن تحسنوا غليهن في كسوتهن وطعامهن…” (مسلم والترمذي)، وفي رواية: “ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف” (تفرد بها مسلم)، وعندما قصّر أبو سفيان في نفقة أهله وولده أذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لزوجته: “هند بنت عتبة” أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف (البخاري في النفقة، ومسلم في الأقضية)، حتى إن كانت المرأة عاملة، فزوجها ملزم بالإنفاق عليها وولدها.

 

2- الزوج له القوامة على الأسرة، مهما ارتفعت مكانة زوجته العلمية والعملية، فهذا حق ثابت له بالقرآن والسنة والإجماع، لذلك فيجب على المرأة أن تستأذنه للخروج للعمل، على أن يندب له ألا يتعسف في أستعمال هذا الحق خاصة إن كانت هناك حاجة ملحة لخروج المرأة للعمل، كما ذكرنا في فروض الكفاية.

 

3- للزوج أن يتراضى مع زوجته العاملة على طرق التصرف في الأجر الذي تتقاضاه عن هذا العمل، فإن التراضى بين الزوجين على مختلف شؤونها أمر محمود، بل هو الأصل الذي تقوم عليه الأسرة؛ فعن كريب مولى ابن عباس -رضي الله عنهم- أن ميمونة بنت الحارث –رضي الله عنها- أخبرته أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما كان يومها الذي يدور عليها قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: “أو فعلت؟”، قالت: نعم، قال: “أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك” (البخاري في الهبة ومسلم في الزكاة)، والحديث وإن كان فيه أن المشورة على الندب، فلابد من مراعاة تغيير الظروف وتجدد الحوادث، وخروج المرأة للعمل الآن بعد إذن زوجها، يكلف الأسرة أعباء إضافية تصب على كاهل الزوج، فكان من الحق أن تتحمل المرأة من أجرها هذه التكاليف والأعباء الإضافية.

 

وأفضل شيء في هذه النقطة الشائكة أن يتفق الرجل مع المرأة قبل الخروج للعمل على كيفية التصرف المالي، فيكون بالتالي شرط يلزم الزوجة الوفاء به؛ للحديث: “المسلمون عند شروطهم فيما أحل” (صحيح الجامع: 6715)، وفي رواية أخرى: “ما وافق الحق من ذلك) (صحيح الجامع: 6716).

 

المعلم الخامس: مسؤولية المجتمع:

 

عندما تخرج المرأة للعمل فإنها سوف تقتحم عالم المجتمع الكبير، وحتماً ستتأثر به وستؤثر فيه، لذلك قرر الإسلام للدولة والمجتمع عدة مسؤوليات تجاه المرأة قبل الخروج للعمل، منها:

 

1- المجتمع والدولة الإسلامية مسؤولة عن الإنفاق على المرأة حال فقدانها العائل حقيقة أو حكماً؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أنا أولى المؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعلى قضاؤه، ومن ترك مالً فلورثته” (البخاري في النفقات)، وحديث عبد الله بن عمر الشهير: “كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس فهو راع وهو مسؤول عنهم…”.

 

وكان المجتمع قديماً ينظم تلك النفقات من خلال بيت المال الذي اخترعه، عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ومن كان قبله أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يفرض للناس أعطيات ونفقات على قدر حاجتهم، فلما اتسعت رقعة الدولة إبان الفتوحات الهائلة أيام “عمر”، وكثرت الإيرادات والنفقات نظم بيتاً للمال.

 

2- المجتمع المسلم متضامن في تهيئة الأسباب التي تساعد المرأة العاملة على الوفاء بمسؤولياتها الأسرية والعملية، وذلك عن طرق العديد من الاقتراحات العملية، مثال تشجيع فكرة الأسر المنتجة. والأعمال التي تؤدى من المنزل، إنشاء دور الحضانة على مستوى رفيع في كل حي ومصلحة تعمل بها النساء.

 

3- الدولة المسلمة مسؤولة عن أمرين أساسيين إزاء عمل المرأة:

 

أولهما: توفير الأجر المناسب للرجل المتزوج من موظفي الدولة ليتمكن وحده من إعالة أسرته دونما حاجة لقيام امرأته بعمل خارجي.

 

ثانيهما: توفير الظروف المناسبة للمرأة حين تخرج للعمل دون الوقوع في المحاذير الشرعية المعروفة.

 

4- المجتمع المسلم يجب أن يصون المرأة عن مزاولة الأعمال التي تتعارض مع طبيعتها، وخصائصها البدينة والنفسية، بحيث لو قامت المرأة بها تغيرت وتأثرت المرأة والأسرة والمجتمع.

 

المعلم السادس: طبيعة العمل:

 

وإن كان الإسلام قد أعطى المرأة الحق في العمل طبقاً للضوابط الشرعية المذكورة سلفاً، إلا إن المرأة ليس لها أن تمارس أي عمل بإطلاقه دونما قيد أو شرط؛ حيث إن الأعمال منها ما هو مسموح للمرأة أن تزاوله ومنها ما هو ممنوع عليها أن تزاوله، ومنها ما اختلف فيه المسلمون هل يجوز للمرأة مزاولته أم لا.

 

أولاً: الأعمال التي لا يجوز للمرأة أن تزاولها، وهي تنقسم إلى عدة أنواع:

 

النوع الأول: وهي الأعمال المحرمة على كل من الرجل والمرأة العمل بها مطلقاً، والتي هي محرمة في ذاتها، مثل السرقة، أو الدعارة، أو الاتجار بالمخدرات، أو تقديم الخمور، وذلك لأن المرأة والرجل كليهما مسؤول مسؤولية جنائية ومدنية واحدة.

 

النوع الثاني: الإمامة العظمى لورود النص الصريح في منع ذلك؛ فعن أبي بكرة -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” (البخاري في الفتن، والنسائي والترمذي والبيهقي).

 

النوع الثالث: وهي الأعمال التي يشترط فيها شروط فاسدة وتتعارض مع طبيعة المرأة وتغير من تكوينها النفسي والبدني، مثال أن يكون العمل صارفاً للمرأة عن الزواج بأن يشترط له العزوبية، وهذا الشرط يتأكد فساده في هذه الأيام المليئة بالشهوات والفتن والبلايا، مما يتأكد معه الزواج أولاً، ومثال آخر أن يكون العمل سبباً لأن تمنع نفسها من الحمل والإنجاب بالوسائل الطبية، حتى لا يعطلها الإنجاب عن العمل، وفي هذه الحالة تمنع المرأة من العمل لانتفاء الحاجة التي خرجت لها أصلاً، فضلاً عن أنها بذلك تسهم في انقراض الأمة، ومثال أن يشترط ترك الصلاة أو خلع الحجاب، أو مخالطة رجال منحرفين، إلى غير ذلك من الشروط التي يفسد معها عقد العمل.

 

النوع الرابع: وهي الأعمال التي يشترط لها الذكورة فقط كشرط صحة مثل إمامة الصلوات في الجوامع، وخطبة الجمعة والإمامة العظمى، وقيادة الجيوش، وقيادة الجنود، والتطوع لجهاد الطلب وليس الدفع، وكلها أعمال لا يصح للمرأة مباشرتها مهما كانت المبررات والدوافع والحاجات، هي تقع أصلاً فاسدة.

 

ثانياً: الأعمال المختلف في جوازها:

 

وهي الأعمال التي اختلف الفقهاء والناس من ورائهم في جواز عمل المرأة فيها أو المنع، وقبل أن نبين هذه الأعمال وأقسامها، يجب أن نقرر قاعدة أصولية مهمة، تخص الاختلاف بين الفقهاء، حيث إن الاختلاف بين الفقهاء ليس كله في ذاته شراً ومكروهاً كما يظن البعض، بل هو مصدره قوة وثراء فقهي لدى الأمة، فاختلاف الفقهاء غير اختلاف الأمة وتفرقها المنهي عنه، والمفهوم بالكتاب والسنة، ولكنه اختلاف نتاج العقول المتفاوتة التي تنظر للأدلة من عدة اتجاهات، فتصل لنتائج مختلفة لأنظارها، هذه القاعدة هي: “عدم الإنكار في المسائل الاجتهادية” التي لم يرد فيها نص قاطع يفصل المسألة، حتى لا يفضي الاجتهاد واختلاف الفقهاء للتهارج والطعن، والخوض والتسفيه لأقوال المخالفين في الاجتهاد.

 

أما الأمر الثاني: أن الاختلاف بين الفقهاء ينقسم لنوعين: سائغ ومقبول، وغير سائغ ولا مقبول، فليس كل خلاف يقبل، فقد يكون هناك قول فقهي في مسألة، في منتهى الشذوذ والمخالفة، وراجع لأدلة غير موضوعية وعندها لا يقبل ولا يعمل به، وينكر على صاحبه، ولو تتبعنا ذلك لوجدنا هناك الكثير من الأقوال الشاذة المخالفة للنص الصريح والعقل الصحيح، استنبطها أصحابها من أدلة واهية، أو من تفكير ضعيف في المسألة، والأمثلة على ذلك كثيرة وليس المحل يسع ذكرها، مع مراعاة أن الخلاف الضعيف أو القول غير السائغ لا ينبغي أن يكون متكئا للطعن في هؤلاء العلماء والفقهاء، ولا يفتح باباً لتفسيق أو تفكير؛ لأنهم ما تعمدوا الشذوذ والمخالفة.

 

وهذان الأمران السابقان كان لابد من تقريرهما قبل الكلام في هذه المنطقة الشائكة، والتي استخدمها أعداء الإسلام كمدخل للطعن والنيل من الإسلام، وكذلك لإثارة مواطن الخلاف، مما يوضح مدى عنايتهم ودراستهم للإسلام والمسلمين ديناً وفكراً وسلوكاً وفقهاً، ليس من باب الإعجاب والمحبة، ولكن من باب الطعن والبغض، ومن هذه الأعمال المختلف فيها ما يلي:

 

الأعمال البدنية الشاقة: والتي تحتاج لمجهود عضلي شاق ومتواصل، يثقل كاهل المرأة، ويفقدها أنوثتها، ويقلبها إلى رجل في السلوك والطباع، وربما في كثير من الشكل، مثال أن تعمل المرأة في الحدادة أو البناء أو حمل الأمتعة أو في المصانع والورش الكبيرة للحديد والمعدات الثقيلة، وقد نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “النساء عن التشبه بالرجال، ولعن المسترجلة من النساء” (البخاري في اللباس).

 

والمجتمع مطالب بصيانة المرأة من ممارسة مثل هذه الأعمال الشاقة التي تغير طبيعتها وهيئتها، وليس للمرأة أن تمارس هذه الأعمال إلا عند الضرورة القصوى ولو خيرت بين هذه الأعمال وبين تكفف الناس، فالأفضل لها أن تسأل الناس، وحديث المرأة التي ذهبت إلى عائشة -رضي الله عنها- تسألها شيئاً تأكله وأولادها، وثناء الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليها (البخاري في الزكاة، ومسلم والترمذي في البر والصلة)، دليل على أفضلية السؤال عن القيام بمثل هذه الأعمال.

 

العمل في القضاء: هناك خلاف قديم بين أهل العلم في حكم تولية المرأة للقضاء، وآخر حديث، ولم يحدث خلال عهود الأمة أن تولت المرأة منصب القضاء مهما كان ضعف الأمة، أو تسلط الأعداء عليها، وكان أول ظهور لفكرة تولي المرأة لمنصب القضاء بالديار المصرية، وذلك سنة 1950م، عندما تقدمت كل من أمنية مصطفى خليل وعائشة راتب المحاميتين بطلب لرئيس مجلس الدولة يلتمسان فيه العمل بالنيابة والقضاء، وقد أحال وزير العدل وقتها الطلب للفقهاء وعلماء الأزهر، فاستعرضوا أقوال أهل العلم القديمة، وانتهوا إلى رفض هذا الطلب.

 

أما الخلاف القديم بين أهل العلم في المسألة فقد اختلفوا إلى ثلاثة أقوال:

 

1- قول جمهور أهل العلم من السلف والخلف: منع المرأة من القضاء لأسباب كثيرة، منها: اشتراط الذكورة، نقصان لشهادة، احتجابها فترات الحمل والوضع والرضاع، كونها ولاية تشبة الولاية العظمى، وحاجة القاضي للاختلاط مع الخصوم والشهادة وأحياناً السفر.

 

2- قول أبي حنيفة: وعنده يجوز تولي المرأةالقضاء في الأموال -قروض، هبات، وصايا-؛ لأنه تجوز شهادتها في المعاملات بخلاف الحدود والجنايات والعقوبات.

 

3- قول الطبري وابن حزم: جواز ولاية المرأة القضاء مطلقاً في كافة الأمور، وهذا الرأي أخذ به من أجاز للمرأة ولاية القضاء في الدول العربية، مثل سوريا والسودان وتونس والمغرب واليمن، وأخيراً مصر وبعض الدول غير العربية مثل ماليزيا، أندونيسيا، باكستان.

 

وقد اختلف العلماء المعاصرون فيما بينهم في هذه المسألة، كل حسب ما يتبنى من أقوال ومدارس فقهية، ولكن قبل الإجابة والترجيح بين أقوال العلماء قديماً وحديثاً، كان لابد من وضع أصل خطير تنبني عليه الإجابة على هذه المسألة المختلف فيها، وهذا الأصل عبارة عن سؤال يوجه لكل من يتحدث في هذه المسألة، والإجابة عن هذا السؤال تفصل المسألة بالكلية: هل يجوز في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلادهم وفي أقضيتهم ونزاعاتهم بتشريع مأخوذ من الغرب الكافر ويتركون شرع الله؟ الإجابة على هذا السؤال بالقطع ستكون: “لا”، ولا يملك مسلم مؤمن موحد بالله -فضلاً عن العلماء والفقهاء والعارفين بشرع الله ومكانته، وحكمة تطبيقه، وعقوبة تاركه ومستبدل القوانين المستوردة به- أن يقولوا غير “لا”، ولقد أفاض كثير من العلماء في قضية وجوب تطبيق الشريعة، وعلاقتها بأصل الدين والعقيدة الإسلامية.

 

ربما يعترض البعض ويقول: ما علاقة هذا السؤال بمسألة المرأة القضاء؟ ونحن نقول إنه سؤال في صميم الموضوع وأصله ويجب الجواب عليه وعلى السؤال التالي له وهو: هل يجوز لرجل مسلم أو امرأة مسلمة أن تلي القضاء في ظل هذا التبديد والتحريف لشرع الله، والعمل والقضاء بشرع البشر، ويا ليتهم مسلمين بل كافرون؟

 

ما أظن أن رجلاً مسلماً، ولا امرأة مسلمة، ولا أي أحد يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلاً، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتاباً محكماً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي جاء به واجبة قطيعة الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع أن يفتي فتوى صريحة بأن ولاية الرجال القضاء في هذا الحال باطلة بطلاناً أصلياً، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة، وكذلك المرأة عند قول من يوليها القضاء.

 

العمل في منصب الوزارة: والكلام في عمل المرأة في الولايات العامة مثل الوزارات أو على رأس هيئة أو مصلحة حكومية كبرى يدور في الأساس على عدة محاور تحرر الخلاف بين المانعين والمجيزين لمثل هذا النوع من الأعمال:

 

المحور الأول: هل ولاية الوزارة تعتبر من جنس الولاية العظمى التي ورد فيها النص بالمنع، فمن منع تولية المرأة الوزارة، قال: إنها من جنس الولاية العظمى، ومن أجاز قال: إنها تختلف عنها.

 

المحور الثانى: المقصود بقوله عز وجل: (وقرن في بيوتكن) [الأحزاب: 33]، هل الخطاب خاص بأمهات المؤمنين وحدهن، أم هو لعموم المسلمات؟ فمن منع عمل المرأة بالكلية ومنها الوزارة، قال: إن هذه الآية عامة لكل المسلمات والمؤمنات، ومن أجاز للمرأة الخروج للعمل بالضوابط السابقة وتولي الوظائف من الوزارة قال: إن هذه الآية خاصة بأمهات المؤمنين.

 

المحور الثالث: تفسير بعض النصوص الواردة في شأن المرأة مثل: “ناقصات عقل ودين”، “النساء أكثر أهل النار”، و “شهادتها نصف شهادة الرجل”، و “لم يكمل من النساء إلا أربع”… فمن منع المرأة من تولي الوزارة استدل بهذه النصوص العامة، ومن أجاز هذه الولاية احتج بأنها نصوص عامة لاتفيد الخصوص، وعدم ورد نص يمنع مثل هذه الولاية كمثل ما حدث مع النهي عن الولاية العظمى.

 

ولكن الذي اتفق عليه الفريقان أنه إذا وجد من الرجال من هو كفء وأهل للمنصب، يقدم المرأة لا محالة، حتى وإن كانت متساوية معه في الكفاءة والمهارات، والخلاف الواقع إنما يكون عندما لا يوجد أكفأ ولا أفضل من المراة لتولي هذا المنصب الخطير.

 

وهذه كانت أهم المعالم الشرعية والاجتماعية في خروج المرأة للعمل.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات