طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الدعاة وفن التخطيط الدعوي

ملتقى الخطباء

(427)
1303

الدعاة وفن التخطيط الدعوي

تاريخ النشر : 1438/12/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

التخطيط باختصار هو: التفكير قبل العمل. والمتابع للأعمال الدعوية القائمة يلاحظ ضعفاً شديداً في هذا الفن، مما أسهم في إضاعة الكثير من جهود الدعاة، وإضعاف ثمار أعمالهم الدعوية، وجعل الكثير من البرامج تنفذ لمجرد التنفيذ فقط، ولا ريب أن من أهم السمات المطلوبة في الداعية إلى الله هي: البصيرة بمفهومها الواسع، والتي …

الإنسان مخلوق مدني بأصل خلقته، يحب الاجتماع، ويميل للإيناس بنظرائه وأضرابه من البشر، فما خلق الله -عز وجل- آدم -عليه السلام- إلا ومعه قرينته وشريكته ليأنس بها في مسيرة الحياة.

 

ومع امتداد الزمان، وتكاثر البشر، تنوعت الطبائع البشرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بحيث تتأرجح أنماط السلوك البشري بين طرفين متناقضين تماماً, الإفراط، والتفريط، وبينهما درجات مختلفة من السلوك المتدرج من الاعتدال إلى الإفراط والتفريط.

 

والأشخاص الطبيعيون هم الذين يتعاملون بثقة واعتدال وتوازن في الظروف الطبيعية, ويحتلون المنطقة الوسطى في التعبير عن النفس والتعامل مع الآخرين.

 

وهي منطقة واسعة وفيها مجال كبير للمناورة والابتكار والتميز حينما يتعرض أي شخص لضغوط خارجية فإنه يلجأ للمبالغة في سلوكه.

 

فإن كان انطوائياً فإنه يصبح أكثر سلبية ورغبة في الانعزالية, وإن كان شديد الثقة بالنفس فإنه يميل إلى التعبير عن نفسه بصوت أعلى وعدوانية أكثر.

 

وعادة ما تنشأ الضغوط حينما تتعرض الأهداف التي يسعى لها أي شخص للخطر, فيضطر للمبالغة في سلوكه كمحاولة للدفاع عن الهدف الذي يسعى إليه.

 

وفي المحيط الذي يعيش فيه البشر.

 

هذه الأنماط البشرية المتغايرة، والتباين الواسع داخل خريطة السلوك البشري تحتاج إلى محاولات دؤوبة للفهم والإيضاح وكيفية التعامل.

 

ومن أشهر النماذج البشرية المضطربة:

 

1- العدوانية: وصاحبها شخص صدامي سريع الاشتباك، لا يحاور أحداً إلا ويده على مسدسه، لا يحسن الاستماع للنصح ولا يقبله، سورة الغضب هي شعار حياته، وهي من أصعب التقلبات البشرية.

 

2- التهكم: وصاحبها شخص متخصص في اصطياد الأخطاء وكشف العورات، وتحويلها لمادة السخرية، مما يورث صاحب هذه الشخصية عدوات كثيرة، بحيث هو نفسه هدفاً وغرضاً لجميع من حاله، ليقتصوا منه ويردوا له الصاع صاعين وثلاثة.

 

3- العصبية: وصاحبها سريع الضجر، ذيل صبره قصيره، وحبل باله رفيع، أقل شيء يدفعه للثورة والغضب، وهو مثل القنبلة لا تدري متى ينفجر.

 

4- التعالم: والمتعالم شخص لا يستطيع أن يقنعه الداعية بشيء؛ لأنه ببساطة يرى نفسه على علم بكل الأمور؛ بواطنها وظواهرها، فلا تنفعه حجج ولا دلائل، فهو أرقى وأعلى من ذلك.

 

5- الغرور: صاحب هذه الشخصية مصاب بجرعات عالية وزائدة من الثقة بالنفس وبمواهبه وقدراته لدرجة تجعله لا يستمع لنصح الآخرين، فلديه يقين بأنه الأفضل والأذكى والأنجح والأصلح.

 

6-  الإمَّعة: دائمًا يسعى الإمَّعات من الناس لإرضاء أناس آخرين تجنبًا للمواجهة معهم، يقول الإمعات دائمًا نعم دون التفكير بما يلزمون به أنفسهم من أعمال، وهم يستجيبون لجميع الطلبات على حساب وقتهم ، وعلى حساب التزاماتهم السابقة، ويحمِّلون أنفسهم ما لا طاقة لهم به من الالتزامات إلى أن يضيعوا ما لأنفسهم عليهم من حق، وبذلك تصبح حياتهم نوعًا من المآسي.

 

7-  التردد: والشخصية المترددة شخصية دائماً حائرة، ففي اللحظة التي يجب أن يتخذ فيها القرار؛ يلجأ المتردد إلى التسويف والمماطلة على أمل أن يتاح له خيار آخر، ومن المحزن بالنسبة لمعظم القرارات أنه قد تطرأ فكرة صغيرة جدًا في وقت متأخر جدًا من شأنها أن تجبر القرار على أن يُتَّخَذَ بنفسه.

 

8- السلبية واللامبالاة: وهو الشخص العدمي الذي لا يبالي بشيء، شخص بارد مسطح ليس لديه أي طموح لتغير نفسه أو محيطه، معدوم الطموحات، كل محاولات إصلاحه تتحكم على صخرة سلبيته.

 

9-  الاعتراض الفارغ: وصاحب هذه الشخصية يرى في الرفض والاعتراض الطريقة الوحيدة لإثبات وجوده وإظهار شخصيته، إن الشخص المعترض بلا موضوعية والرافض بلا سبب؛ مثله مثل شخص مخادع مائع السلوك يحارب دائمًا معركة لا تنتهي.

 

معاركه عقيمة لا طائل تحتها، ولا أمل له بكسبها.

 

10-  الشاكي الباكي: إن الشكاة من الناس تشعر دائمًا بالبؤس، وبأن الشاكين محاطون بعالم ظالم، وأن الصواب هو مقياسهم؛ ولكنَّ أحدًا لا يقدِّرهم حق قدرهم، وحين تقدم لهم النصائح والحلول تصبح صديقًا غير مرغوب فيه، وبذلك يزداد تذمرهم.

 

والدعاة بوصفهم من أكثر الفئات احتكاكاً مع البشر من منطلق دعوتهم للخير والهداية وتغير وتعديل السلوكيات السلبية ومداوة الآفات البشرية، بحاجة إلى معرفة سبل التعامل مع هذه الأنماط البشرية المختلفة حتى يضعوا اللين موضع الشدة، الإدبار موضع الإقبال، والتكليف موضع التجاهل، وهكذا..

 

والدعاة أمام التقلبات البشرية أنواع منها:

 

1- التأقلم: وذلك عندما يحاول الداعية التأقلم بالتعايش مع التقلبات البشرية لدى المدعوين، ونعني بالتأقلم عدم السعي لتغييرها، والرضا بهذا المستوى من الجهد الدعوي، وهو بذلك كالذي يزرع ولا يحصد، يبني ولا يسكن.

 

ولكن عدم فعل أي شيء أمر خطير؛ لأن المفاسد والآفات النفسية تتراكم مع الوقت وتؤدي للانفجار.

 

كما أن الشكوى لمن لا يستطيع أن يفعل شيئاً يخفض من الروح المعنوية ويلقي بظلال من اليأس في نفوس الدعاة والمدعوين.

 

2- الهروب: وذلك بالإقرار بالفشل في تحقيق نجاحات في تحقيق المطلوب، ومن ثم يتوقف الداعية عن ممارسة أعماله الدعوية.

 

3- الازدراء: بالتعالي على الناس وتجاهلهم وازدراء ما هم فيه، والاهتمام بالنفس أو بأصحاب النفوس السوية فقط دون غيرهم.

 

4- الابتكار: بالتعامل بدراسة ووعي وفهم لطبيعة التقلبات البشرية، ومحاولة التفكير بصورة جديدة لجذب أصحاب الطباع الصعبة نحو تغيرها وإصلاح الخلل، ومفتاح الابتكار هو التخطيط.

 

أهمية التخطيط في حياة الدعاة:

التخطيط باختصار هو: التفكير قبل العمل.

 

والمتابع للأعمال الدعوية القائمة يلاحظ ضعفاً شديداً في هذا الفن، مما أسهم في إضاعة الكثير من جهود الدعاة وإضعاف ثمار أعمالهم الدعوية، وجعل الكثير من البرامج تنفذ لمجرد التنفيذ فقط، ولا ريب أن من أهم السمات المطلوبة في الداعية إلى الله هي: البصيرة بمفهومها الواسع، والتي تشمل (غير العلم بموضوع الدعوة) معاني أخرى كثيرة؛ من أهمها: وجود الفهم الشامل لدى الداعية بأهداف دعوته ومقاصدها وإدراكه للوسائل الشرعية التي ينبغي أن يسلكها لتحقيق هذه الأهداف والتنبؤ بما يعترضه من عوائق ومشكلات.

 

وكثيرًا ما يصاب الناس بالإحباط عندما يجدون الطريق الذي يقودهم إلى مستقبل واعد ولا يعرفون كيفية الوصول إلى نهايته.

 

والمشكلة أن هؤلاء مع وجود الرغبة لديهم إلا أنهم بكل بساطة لا يعرفون كيف ومن أين يبدؤون؟

لذلك فإن أغلبهم يشعر بالضياع وكلما بدأ في أمر توقف قبل إتمامه وذلك؛ لأنه يفتقد ميزة التخطيط الفعال لتحقيق أهدافه وإيجاد التوازن في حياته ما بين الواجبات والرغبات والأهداف.

 

إن الاستفادة من الوقت في التخطيط هي التي تحدد الفارق بين الناجحين والفاشلين في هذه الحياة، فالسمة المشتركة بين كل الناجحين هي قدرتهم على الموازنة بين الأهداف التي يرغبون في تحقيقها والواجبات اللازمة عليهم، وهذه الموازنة تأتي من خلال إدارتهم لذواتهم، وهذه الإدارة للذات تحتاج قبل كل شيء إلى التخطيط الجيد.

 

والمتبصر الواعي لسيرة الرسول الكريم -صلوات ربي وتسليماته عليه- يرى التخطيط سمة بارزة في كل خطوة يخطوها الحبيب في دعوته، فمن سرية إلى علانية إلى صبر واحتمال إلى دعوة القبائل إلى هجرة للمدينة إلى جهاد ومنازلة إلى دعوة الأمم إلى فتح مكة.

 

كل هذه المراحل كانت تتم بتخطيط وعلم ودراسة، وقبل ذلك كله وحي من رب العالمين.

 

ومن أهم مزايا التخطيط في حياة الداعية:

 

1- تحديد الأهداف: فالتخطيط الجيد يحدد أهداف الدعاة وغايات البرامج والمشروعات الدعوية، فلا يتحول العمل إلى خبط عشواء، وسير بلا هدى، فوضوح الهدف يفيد في حسن الأداء أثناء التنفيذ والتقويم الدقيق بعد ذلك ولا زال هذا الأمر (وهو وضوح الهدف) غائبًا عن كثير من العاملين في الدعوة فهو لا شك يدرك الهدف العام (وهو تبليغ دين الله) ولكنه يجهل الأهداف الخاصة لكل برنامج مما يوجد في كثير من الأحيان سلبيات كثيرة على هذه البرامج وأي عمل دعوي يجب أن ينتهي إلى نتائج كلية أهمها حفظ العقيدة، إقامة الدين، بناء المجتمع المسلم، تحقيق العبودية لله -عز وجل-.

 

2- التناسب: حيث يساعد التخطيط في اختيار طرق الدعوة المناسبة والملائمة لكل داعية بحسب قدراته وإمكاناته المتوافقة مع طبيعة البرنامج والأهداف المرسومة له وفي تحديد الرأي الأقرب للتقوى لكل برنامج، فأحيانًا قد يختار الداعية أساليب للدعوة لا تؤدي إلى نجاح البرنامج: إما لعدم مناسبتها لأهداف البرنامج أو لطبيعة البرنامج وأهدافه وقدراته الدعوية أو أنها غير ملائمة لبيئة الدعوة أو نوع المدعوين وطبيعتهم وقد يجتهد الداعية أحيانًا في اختيار وسيلة غير منضبطة بضوابطها الشرعية.

 

3- التنبؤ: فالتخطيط يجعل من السهل التنبؤ بمعوقات البرنامج الدعوي التي يفاجأ بها الداعية أثناء أو قبل البرنامج ويتم هذا بالاستفادة من المعلومات والبيانات التي يجمعها واضع الخطة الدعوية مما يجعله -بإذن الله- أكثر أمانًا وأقل عرضة للمفاجآت التي قد تذهب جهوده أو تضعف ثمارها إضافة إلى أنه يعالج الخطأ في الوقت المناسب وقبل أن يتراكم فيمنع الرؤية وتصعب معالجته.

 

4- التناسق: يحدث التخطيط كثيرًا من الانسجام والتناسق بين أعمال الداعية مما يمنع الازدواجية والتضارب في أعماله وبرامجه، أو أعمال غيره من الدعاة، فلا تضيع بفعل ذلك كثير من الجهود والأوقات التي يمكن استغلالها لتنفيذ برامج أخرى.

 

5- الاقتصاد: يعمل التخطيط على توفير كثير من النفقات المالية والجهود البشرية التي توضع في غير موضعها بسبب ضعف التخطيط أو انعدامه مما يساعد على استثمار هذه الجهود والنفقات لإقامة برامج دعوية أخرى، ولا شك أن عدم وجود تصور واضح للميزانيات المتوقعة لتنفيذ البرنامج هو من آثار ضعف التخطيط.

 

6- الابتكار: يفيد التخطيط في التجديد في الأساليب والوسائل الدعوية وفي البعد عن الرتابة والتمسك بالأساليب التقليدية مع التمسك بثوابت المنهج الصحيح في الدعوة.

 

7- التقويم: يفيد التخطيط في تقويم الواقع الدعوي في المواقع المختلفة التي تنفذ فيها الخطط الدعوية وفي تحديد مواطن الضعف في الخطة أو في أسلوب التنفيذ ليتم تلافيها في الخطط القادمة وهذا مما يؤكد أهمية التخطيط في أنه يساعد في عدم تكرار الأخطاء التي ترتكب وفي عمل مراجعات شاملة في نهاية كل خطة دعوية ليتم تقويم النتائج والنسب المتحققة من أهدافها وأبرز سلبياتها وإيجابياتها.

 

أسباب إهمال التخطيط:

1- الجهل بالقيمة الفعلية للتخطيط وعدم معرفة أهميته في الحياة، فتجد بعض القرارات مبنية على إحساس فطري بتلبية حاجات إنسانية معينة.

 

2- غياب الكوادر بعدم معرفة القائمين على العمل بكيفية التخطيط، أي عدم توافر المهارات اللازمة لعمل ذلك.

 

3- عدم الاقتناع بالتخطيط والشعور بأنه مضيعة للوقت وأنه عديم الفائدة وأنه قيود تضعها على نفسك.

 

4- غياب الطموح، وعدم التطلع الحثيث للأفضل والقناعة بالوضع الحالي أو الحالة الراهنة.

 

5- الشعور بالضياع، فهناك الملايين من البشر يعيشون في هذه الحياة بلا أهداف واضحة، وليس هناك اتجاه يضبط إيقاع تصرفاتهم، فتجدهم يدورون في حلقات مفرغة، ويقعون ضحايا للأهواء والمصالح الآنية وقصور الرؤية، والتخبط.

 

6- اليأس، بالاستسلام للأمور العاجلة والغرق في تفاصيلها وجعلها كل شيء في الحياة وعدم التفريق بين المهم والأهم.

 

7- الخوف من المجهول والركون إلى المعلوم، فعملية التخطيط تحتاج إلى التخيل والتصور واستشراف المستقبل وصورته وما يجب أن يكون، والحقيقة أن التخطيط لا يخلو من عنصر المخاطرة.

 

النفوس البشرية سريعة التقلب من يتعامل معها يحتاج لفن ودراية وتخطيط وعناية، فالنفس البشرية نفس عصيّة طمّاعة، تبحث عن نصيبها من كل أفعال العباد، وهي وثابة مستولية تريد أن تشاطر العبد كل ما يصدر منه ويرد عليه، فهي هلوعة عند الفزع، منوعة عند الطمع، جزوعة عند الوجع، عجولة عند الشبع، وهذا هو الأصل فيها والغالب عليها إلا من رحم ربي ورزقه نفساً آمنة مطمئنة.

 

وإذا كانت النفس تحاول أن تأخذ حظها من كل فعل يقوم به العبد، ولا تكل ولا تمل من وقوفها على أبواب الرغبة والرهبة، فإن هذه المحاولات تزداد عند حالات معينة؛ لذلك علينا أن نكون على حذر باستمرار، وأن يعمل الدعاة جاهدين على تعليم الناس وتبصيرهم بتلك المواقف حتى يتم غلق الأبواب أمامها لتفشل في محاولاتها، في الاستيلاء على أفعال العباد وإحباط قيمة هذه الطاعات، أو تقليل آثارها، ومراقبة تحركات النفوس جيداً في مواطن الاستشراف والتطلع.

 

وكلمة السر في نجاح كل هذه المهام الشريفة هو التخطيط الصحيح.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات