طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > خطبة الجمعة بين النجاح والفشل

ملتقى الخطباء

(376)
1296

خطبة الجمعة بين النجاح والفشل

تاريخ النشر : 1438/12/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

هناك عوامل متعددة تجعل لخطبة الجمعة أثراً متميزاً، منها كونها في المسجد أي بيت الله، وهذا فيه ما فيه من الصبغة على قلوب الحاضرين، ووجود جمهور كله يصغي للخطيب، ويتسم بالهدوء والسكينة والوقار، كما يلبس الملابس الأنظف ويتطيب، هذا الجو يجعل للكلمات مذاقاً خاصاً، فإذا…

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قدوتنا المبعوث رحمة للعالمين؛ محمد بن عبد الله وعلى آلله وصحبه ومن والاه.

 

أما بعد:

 

فإنه ليسرّني أن أشارك في هذه الندوة العلمية بصحبة ثلة من الأساتذة الكرام وبحضور صفوة من أهل العلم والفضل، ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر لكل من أعدّ لهذا اللقاء الكريم.

 

ولما كان الموضوع واسعاً جداً رأيت من المناسب أن أعنون كلمتي: “خطبة الجمعة بين النجاح والفشل”، وألخص أفكاري في بضع وعشرين نقطة موجزة، وأنا واثق أن كل نقطة منها تستحق الإفاضة والزيادة، لكن الوقت لا يسمح، وسأترك ذلك للمستمع الكريم والقارئ الكريم تضيفون ما تشاؤون، وتضعون الأمثلة والأدلة كل حسب جهده ووقته ورغبته، وفيما تلك النقاط:

 

1- أهمية الخطبة من أين يأتي؟

 

أ- الحضور للجميع:

كل المسلمين نجدهم حريصين على حضور الجمعة لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، والأمر هنا للوجوب، والخطاب للمكلفين، ويخرج منه النساء والمرضى والمسافرون والأطفال.

 

ومع ذلك فإن هؤلاء جميعاً يجيب النداء منهم أعداد كبيرة، فالنساء زرافات ووجداناً، والأطفال مع آبائهم وأمهاتهم يتدربون ويتعودون ويخشعون ويتأدبون ويتعلمون، والمسافرون لا يألون جهداً الحضور ويرون في تركهم صلاة الجمعة بأساً لا يليق بهم، فإن أتيحت فرصة أقبلوا على المساجد حيث هم، وما أكثر المرضى الذين يستغيثون بذويهم لإقامة الجمع، ونرى مظهراً في كثير من المساجد اصطفاف المقاعد وجلوس الزّمني عليها، وهذا يشير بوضوح إلى حرص المكلفين وغيرهم من المسلمين لحضور صلاة الجمعة وخطبتها ابتغاء الأجر والثواب والعلم والتربية، ولأهداف متنوعة.

 

ب- الحضور منوّع: هذه الشريحة من الصغار والكبار والمثقفين ومن دونهم من يصلي بانتظام ومن لا يصلى إلا الجمعة فقط، وكذا أصحاب الأفكار المختلفة حتى اليساري منها، ويشمل الحضور المنتمون للتيارات السياسية المتناقضة، نجد في المسجد الجد والأب والحفيد كما نجد المعلم والطالب، والجامعي، ومن في الروضة والعامل.

 

هذا الحشد من الحضور لا يوجد غالباً في أي حفل علمي وتربوي إلا في المسجد يوم الجمعة.

 

ج- تكرار الحضور:

ما تكاد الجمعة تمضي إلا والجمعة الأخرى على الأبواب، والأحكام هي هي، وجوب الحضور، وفرض السعي لذكر الله، وهذا يمنح الخطيب فرصة كبيرة لنقل أفكاره لهذا الجمهور الذي لا يأتي متطوعاً، وبالمقارنة مع أي منبر إعلامي نجد أن منبر المسجد هو ذو الحظ الأوفى عدداً ونوعاً واستعداداً نفسياً.

 

د- الإعلام الذي لا يغلق:

من الطبيعي أن تغلق صحيفة أو قناة فضائية أو جامعة أو كلية أو نادي رياضي أو ثقافي أو جمعية وغيرها، لكن المسجد هو المكان الذي تلتزم الأمة وأحياناً غير الأمة بالسماح بفتحه وحضور الجماهير إليه.

 

هـ- الناحية النفسية:

هناك عوامل متعددة تجعل لخطبة الجمعة أثراً متميزاً، منها كونها في المسجد أي بيت الله وهذا فيه ما فيه من الصبغة على قلوب الحاضرين، ووجود جمهور كله يصغي للخطيب ويتسم بالهدوء والسكينة والوقار، كما يلبس الملابس الأنظف ويتطيب، هذا الجو يجعل للكلمات مذاقاً خاصاً، فإذا بكى أحدهم انفعل من رآه أو سمعه، وغالباً ما لا يكون لهذه الكلمات لو سجلت على شريط نفس الأثر في هذا الجو الجماهيري.

 

ولا تخفى النصوص التي فيها نزول السكينة والرحمة على من يجلسون في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، وكيف تحفهم الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده.

 

و- المباشرة لا الإعادة:

ومن أسباب تأثير الجمعة على الحاضرين: كونها مباشرة وجهاً لوجه، وليست على الشاشة مثلاً ولا تسجيلاً معاداً، فهي كلمات طازجة ذات مفعول مباشر، فمن يشاهد مسرحية مباشرة أشد تأثيراً وانفعالاً من ذاك الذي رآها معادة أو نظر إليها على شاشة تلفاز.

 

ومن يكون في المعركة يرى دقائقها ويسمع أصواتها وصليل سيوفها ليس كذاك الذي يقرؤها في السيرة أو كتب التاريخ، وهذا سرّ بطولات الرجال وانفعالهم وتقدمهم واستبسالهم حتى أننا نستغرب من مواقف الصحابة -رضوان الله عليهم- كيف كانوا يرموا التمرات من أيديهم ويقبلوا للشهادة، فيزول الاستغراب إذا علمنا أن منسوب الإيمان تضاعف مع المشاهدة والحضور ولا يمكننا الوصول لمثله غيابياً.

 

ب- أسباب نجاح الخطب:

1- توفيق الله -عز وجل-: قال تعالى: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ) [هود: 88]، وقديماً قيل: “إذا لم يكن عون من الله للفتى، فأول ما يجني عليه اجتهاده”، ولننظر إلى ما قال قارون: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) [القصص: 78] هذا شأن المتغطرسين والطغاة والجهلة، أما أولو الأبصار فحالهم مختلف: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل: 19] من تذكر قدرة الله ونعمته وحكمته طأطأ رأسه وحمد، ومن أنكر وتنكر شمخ وعلا، والله لا يحب العالين المغرورين المتجبرين.

 

ثم هذا التوفيق من الله لا يحصل إلاّ بالتقوى؛ لقوله سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: 2 – 3]؛ لأن الكلمات الصالحة التي تخرج من القلب تستقر في القلوب، أما تلك الكلمات الجافة فلا تتجاوز الآذان.

 

رأيت شتلة بندورة في سجن مجدو بين الأسلاك لا يستطيع أن يصلها أحد منا عليها أكوام من الثمر، ونزرع البندورة بعد حرث متكرر ونسقي ثم نعالج بالأدوية ثم نفاجأ أن الأمر لا يمر يستحق الخدمة، فالبركة فيما يضع الله في البركة.

 

2- صلاة الحاجة قبلها:

من المسنون أن يصلي المسلم: ركعتين ثم يسأل الله حاجة لكل أمر ذي بال، وخطبة الجمعة من الأمور الهامة، هل يوفقه الله أم لا؟ هل يتذكر أم ينسى؟ هل يتقن أم لا؟ هل يحسن أم يسيء؟ هل يرزق الحكمة أم تفوته؟ هل يدخل إلى القلوب أم لا يعلم الناس منها شيئاً.

 

هذه الأمور كلها محتاجة إلى عون وتسديد.

 

وهو قبل ذلك في أمس الحاجة للإخلاص؛ لأن قليلاً من الرياء ينسف العمل، وعليه فالصلاة والدعاء جزء هام من النجاح إن لم يكونا النجاح كله.

 

وأنصح بسيّد الاستغفار على عتبة المنبر: “اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت”.

 

أ- هناك سببان يتعلقان بالخطيب نفسه:

1- مخبر الخطيب.

2- مظهر الخطيب.

1- مخبر الخطيب:

قال تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) [الشورى: 15] ينبغي أن يكون معلوماً أن صلاح الخطيب ينعكس إيجاباً على كلامه، والعكس صحيح، فما لم يكن ملتزماً بالفرائض والسنن، مجتنباً الكبائر والموبقات، وحتى الصغائر المعروفة؛ فإن كلماته ستصب غالباً في خانة الشتم والسباب، وبعبارة أخرى سيكون فتنة للآخرين يحتجون على عدم صلاح الفكرة التي يدعوا إليها، وربما يرفضها البعض لأجله هو.

 

فما معنى أن يدعو الخطيب للمحافظة على الجماعة وهو لا يفعل ذلك، أو يأمر بصلة الرحم وهو قاطع لرحمه، أو يدعو للتسامح وهو حاقد؟ ما معنى أن ينهى عن الربا والناس يعلمون أنه يرابي أو يأمر النساء بالستر والحجاب وأسرته على غير ذلك؟

 

ولقد روي أن الإمام الحسن البصري ظل سنين لا يخطب عن الزكاة؛ لأنه لا يملك ما يزكيه حتى إذا ملك زكّى وصعد المنبر وخطب عن الزكاة.

 

ومن الجدير ذكره: أن رأس مال الخطيب حُسْنُ الخلق الذي يعطي عليه الله -تعالى- أكثر من غيره، وخلاصته البشاشة، وحسن القول، وحسن المجاملة، والصبر على الآخرين، والاستغناء عما في أيديهم.

 

2- مظهر الخطيب:

وإذا كان المصلون مأمورين يوم الجمعة بارتداء أجمل الثياب وأنظفها، كما أنهم مأمورون بالتطيب من أفضل الطيب فمن باب أولى الخطيب؛ لأن الناس ينظرون وينقدون، ويرونه قبل أن يسمعوا كلامه. فحبذا لوا ارتدى يوم الجمعة الملابس المميزة اللائقة، كالعباءة أو الجبة أو البدلة، وتزداد قيمة المظهر للمبتدئين لأنه يغطي جزءاً من القيمة العامة له ولخطبته، أما إذا كان الخطيب قد وصل إلى قلوب الناس، فلو لبس قميصاً وبنطالاً فلا بأس؛ لأن خطبته تغطي على مظهره، مع تأكيدنا على النظافة وكيّ الملابس والتطيب واختيار الملابس المقبولة اجتماعياً.

 

3- عنوان الخطبة:

رأيت من المناسب منذ سنين أن أجعل لكل خطبة عنواناً بل لكل كلمة تلقى في حفل جماهيري عنوانا، فإذا كان الكتاب من مئات الصفحات أو آلافها له عنوان من كلمة أو كلمات، وإذا كان الكتاب من عشرات المجلدات له عنوان قصير يعرف به، فلماذا لا يكون للخطبة التي لا تتجاوز بضع صفحات عنوان يحدد فكرتها.

 

ومن الضروري: أن يكون العنوان منسجماً مع الموضوع لا بعيداً عنه وإلا كانت النتائج عكسية، كأن يتكلم في واد والعنوان في واد آخر.

 

واعذروني إذا قلت أن البعض لا يعرف عن أي شيء يتحدث ولا يفهم الناس ماذا كان يقصد، فكيف يُعنون هذه الخطبة؟ البعض يجعل الخطبة عشرات المواضيع فكيف يعنون وبماذا يعنون؟

 

وجميل أن يكون العنوان مختصراً واضحاً سهلاً، مثال: عقيب الغزو الأمريكي للعراق، أصاب الناس إحباط وشعروا بثقل المصيبة، فكان المناسب أن يكون موضوع الخطبة الأمل واستنهاض العزائم، فاقتضى الأمر أن يكون عنوان الخطبة: “وعسى وعسى” إشارة للآية الكريمة: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].

 

وفي النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية ما يغني هذا الموضوع.

 

ومثال آخر: وعقيب استشهاد الشيخ أحمد ياسين -رحمه الله- كانت خطبة بعنوان: “ست نقاط”، ثمّ ذكر أربعة في الخطبة الأولى واثنتين في الخطبة الثانية، وكل نقطة لها عنوان، فكرة العنوان تعين المصلين على حفظ ثم تذكر ما تبعه من أفكار، وتحول دون قول المصلين جواباً على سؤال: عن إيش كانت الخطبة،… والله لا… أو نسيت.

 

4- موضوع الخطبة:

كلما كان الموضوع متعلقاً بواقع الناس وبمشاكلهم وبقضاياهم دون كسر لشوكتهم أو تهجم عليهم أو التعرض إلى بعضهم على وجه الخصوص بشكل مباشر كلما كانت الخطبة أنجح.

 

ما معنى نزل القرآن منجماً؟ أي حسب الحالات والظروف، وحسبنا أن نتذكر أسباب النزول.

 

ونمثل: بقصة المجادلة وحديث الإفك، القرآن يتنزل في وسط الحدث لحل قضية، يطفئ ناراً، يثلج صدوراً، ينصر ضعيفاً، يقوي عزيمة… الخ، وهكذا ينبغي للخطبة أن تكون.

 

أذكر مثلين علاقتهما بالموت:

 

المثال1: حضرت جنازة امرأة كانت في سيارة نقل الموتى، والناس حشود أمامها وخلفها، وسماعة السيارة تبث القرآن الكريم من أول سورة النور تجويداً متكرراً: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2] فهل هذه الآية تناسب هذا الموقف؟

 

المثال2: حضرت جنازة رجل سجيت في مسجد وكان الشريط على سماعات المسجد قبل الصلاة من سورة يوسف: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) [يوسف: 24] على هذين المثالين نقيس موضوع الخطبة، فالمطلوب من الخطيب أن يتحسس مشاعر الناس وما يصلح لهم ويصلحهم، فإذا كان في المسجد وفاة صارخة أو جماعية لا بد أن يكون نصيب الأسد من الموضوع لها أو عنها، وإذا احتاج الناس للحديث عن غلاء المهور اقتضى الأمر الحديث بكياسة عن هذا الأمر، ويتحدث عن الربا إذا علم وجوده وعن الظلم إذا اقتضى الآمر ذلك.. وهكذا..

 

مثال1: ذهب أحدهم لأداء العمرة وكانت الدنيا تموج بالأحداث العصيبة والأمة تنزف، فحضر خطبة في المسجد النبوي على ساكنه الصلاة والسلام موضوعها أهمية صلاة الجماعة، ولما وصل المسجد الحرام كانت الخطبة حول البدع في المساجد أو نحو ذلك؛ فحسن اختيار الموضوع يعطي علامة عليا نحو النجاح، وسوء الاختيار وعشوائية الاختيار يفقدان الخطبة كثيراً من علامات النجاح.

والأمثلة عند المختصين أكثر من أن تحصى.

 

5- كيف نحضر الخطبة:

من الهموم التي يعاني منها كثير من الخطباء عن أي شيء أتحدث وكيف أحضر هذا الموضوع؟

ولحل هذه المشكلة وتخفيف ذلك الهم أضع البرنامج التالي:

هناك مناسبات دينية متكررة في العام، فشهر رمضان يسبقه الحديث عن التوبة مثلاً، وفي أوله استقبال رمضان ثم غزوة بدر وفتح مكة وأهمية القرآن ودوره في بناء الأمة وليلة القدر والعشر الأواخر، وفي غير شهر رمضان، الحج والاستعداد له والعشر الأوائل من ذي الحجة وذكرى المولد النبوي وذكرى الهجرة… إلخ.

 

وهناك ذكريات تاريخية كالمعارك والغزوات والسّير وأحداث المجازر وسقوط الدول واندثار الحكام والأنظمة، وهناك أخبار طازجة محلية تختلف من موقع لآخر، وهناك أخلاق يمكن تناولها كالصبر والصدق والتوكل… إلخ، وهناك عبادات كالأركان الخمسة، كما يمكن الحديث عن العقائد كأركان الإيمان من جوانب مختلفة وغير هذا كله.

وتناول آيات ذات موضوع مترابط وتفسيرها.

 

مثال: صفات المؤمنين أو صفات الكافرين أو المنافقين أو آية لها سبب نزول أو قصة قرآنية، وفي الأحاديث كم هائل يحسن التعرض له: حديث واحد منه ننطلق وفيه نغوص ونستنتج ونستخرج العبر والدروس، ويمكن أن نتعرض لخبر هام سياسي أو اجتماعي.

 

كما يمكن تناول عادات اجتماعية لنا عليها ملاحظات كعادات الأفراح والأتراح وما فيها من منكرات.

 

6- الاستهلال الجيد:

بعد المقدمة المعهودة بين حمد وصلاة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- ووصية الناس بالتقوى، وحبذا لو كانت بصيغ منوّعة وليست نسخة كربونية، فذلك أدعى للقبول وأقرب للقلوب، بعد ذلك يحسن أن تكون البداية بخبر أو حادثة أو قصة متميزة ليشد الناس إلى سائر الموضوع، أما إن بدأت روتينية مملة فالمحصلة شرود الأسماع والأذهان.

 

مثال: بدأت خطبة الجمعة بالخبر التالي: اتصل بي رجل عدة مرات بخصوص وفاة قريبه في أمريكا، مات الرجل وفكر أولاده ملياً، لو دفناه سيكلفنا آلاف الدولارات، ولو أرسالناه إلى البلاد سيكلفنا أكثر فماذا نفعل؟ فكروا وقدروا فقتلوا كيف قدروا ثم قتلوا كيف قدروا، أتدرون بماذا فكروا؟ فكروا بحرقه كالهندوس، هكذا فكر الأبناء لأبيهم، وهذا مصير الأب الذي بذل حياته وماله من أجل أولاده، أرأيتم -يا مسلمون- الأولاد فكروا بحرق أبيهم، حسبنا الله ونعم الوكيل.

 

هكذا خبر أو حدث أو حكاية لها علاقة بالموضوع تدعو لتفاعل الجمهور وانشداد الأذهان وربما ذرف العيون.

 

7- التنويع أثناء الخطبة:

وهذا هو الأسلوب القرآني الذي يعرض القصة والخبر والموعظة والسؤال، إنا مما يجمّل الخطبة أن تكون شاملة للأساليب البيانية، فالمثل فيها ضروري وأحياناً بيت الشعر، وأحياناً قرأت في أو مر معي أو سألني سائل أو اطلعت في الانترنيت على كذا…

 

8- الصعود والنزول صوتاً وأسلوباً:

سبقت الإشارة إلى أن جمهور الخطبة يضم جميع شرائح المجتمع، فلا ينبغي أن تكون الخطبة موجهة لشريحة معينة كأن يخاطب المثقفين أو يستعرض عضلاته الفكرية أو العلمية.

 

مثال: اتصل بي أحد الخطباء صباح يوم جمعة، وقال: لو أردت أن تتحدث عن اقتراب النجم الفلاني من الأرض كظاهرة طبيعية ماذا تقول: قلت: أنا لا أتحدث عن مثل هذا الموضوع؛ لأنه لا يخاطب جمهور المصلين، إن مما يحتاج الناس في القرية من موضوعات هو كثير كثير، فلماذا نلجأ إلى الغرائب والظواهر العلمية؟

 

ومثل ذلك لو قرر خطيب أن يتحدث عن الإعجاز العددي في القرآن ويسرح في علم الأرقام، كم من الحضور سيستوعب ويحفظ ويتأثر؟ قصارى الأمر أن يقول البعض: شيخنا ما شاء الله حافظ!

 

ولا بأس من مخاطبة العوام ولو اقتضى الأمر أن أتكلم جملة أو مثلاً بالعامية.

 

وكذا موضوع الصوت، فلا ينبغي أن يكون على وتيرة واحدة بل، يلزم ارتفاعه وانخفاضه حسب الجملة والفكرة.

 

9- لغة الخطيب:

قلت يوماً: خطيب بلا نحو كمقاتل بدون سلاح، وما أكثر الخطباء الذين تفضحهم ألسنتهم، فإذا رفع المجرور ونصب المرفوع وجرّ المنصوب سقط من أعين كثير من جمهوره.

 

لقد عددت لخطيب من الأخطاء ما يزيد عن خمسين خطأ ولآخر ما يقارب مائة، والثالث قرابة الأربعين. لكن من أشنعها ما يغير المعنى كقول أحدهم: “بل زنيتَ يا رسول الله” بفتح التاء على لسان ماعز -رضي الله عنه- في القصة المشهورة.

 

وكقول أحدهم: (إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى) [طـه: 74] (ربَّه) (ربٌّه) هكذا ضم كلمة: رب، فنسف المعنى.

 

فعلى كل خطيب وواعظ أن يعمل جهده أن يقوّم لسانه، وأن يحيي ذاكرته في العربية، وأن يتخذ معلماً يقرأ عليه، ويطلب إرشاداته، وجميل أن يعود إلى مطالعة كتب النحو البسيطة، ويتدارسها مع من هو أقوى، وأعلم منه في هذا المجال.

 

وبشكل أولي لا بأس من تشكيل الخطبة وإحسان قراءتها إلا أن هذا لا يحل المشكلة من جذورها.

 

10- حفظ الخطيب:

من المشاكل التي يعاني منها الخطباء: سوء الحفظ وخاصة أولئك الذين يرتجلون كلياً أو جزئياً، ومن ذلك أن يقول أحدهم كما قال تعالى، ثم لا يعثر على ما يريد، فيتردد أو يسكت أو يرده الجمهور أو يقول بما معناه أو يذكر حديثاً بدل آية، وذلك يسبب له إرباكاً هو غني عنه، وكثيراً ما يحدث هذا مع من لم يحضر جيداً.

 

وللخروج من هذا المنزلق يحسن بالخطيب أن يكتب النصوص التي لا يحفظها أو الغريبة عليه أو الأرقام التي يريد الاستدلال بها ويعود لها عند الضرورة قراءة لا حفظاً.

 

11- إتقان التجويد:

أصبح علم التجويد مفتوحاً للصغار والكبار، للنساء والرجال، المئات في المسجد الواحد يعرفون أسس التجويد، ويأتي خطيب ما يتلو على المنبر ولا يدغم أو لا يغن أو لا يمد أو لا يظهر أو يخفي وكذا في تلاوة الصلاة مما يجعله في مكان النقد والتجريح، وربما يحكم عليها البعض بالجهل ويعرض نفسه للغيبة.

 

فلماذا لا يتخلص الخطباء من ذلك ويكونون هم الأسوة في الإصابة والقدوة في العلم والمرجع إذا أشكل شيء من هذا العلم الديني على أحد، أما أن يكون جاهلاً أو أعوج اللسان أو الثغ فتلك مشكلة.

 

مثال: صليت خلف خطيب ألثغ فقرأ: (اهدنا الثراط المثطقيم * ثراط الذين أنعمت عليهم …).

 

وهناك من يحفظ القرآن ويعلم التجويد إلا أنه يلحن؛ لأنه تعلم هكذا، أولئك الذين يقلبون الوا إلى (o) بالإنكليزية واليا إلى (a) بالإنكليزية إذا وقفوا بعدها.

 

مثال: (ولا الضالين)، (ولا يعقلها إلا العالمون).

 

12- الدعاء والقراءة المنسجمان مع الموضوع:

جميل أن يختار الخطيب الآيات المتعلقة بموضوعه أو قريبة منه، أما أن يتكلم عن بر الوالدين ويقرأ آيات الربا فهذا بون شاسع أو العكس، وهكذا… وجميل أن يكون الدعاء له علاقة ماسة بموضوعة فإن كانت الخطبة عن الصبر مثلاً حسن أن يكون الدعاء: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا) [البقرة: 250]، وعن الوالدين: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [إبراهيم: 41].. إلخ.

 

وليكن لقضايا الأمة نصيب على الأقل في الدعاء، وإن لم يكن في الموضوع، فمهما كان الموضوع فما أحسن أن يكون من الدعاء: “اللهم فرّج كرب المعتقلين، اللهم فرج كربنا وكرب المكروبين، اللهم اقض الدين عن المدينين، اللهم عليك بأعداء المسلمين، اللهم أصلح أبناءنا وبناتنا وألف بين قلوبنا، اللهم ارحم أموات المسلمين”… وهكذا..

 

13- الحركة والإشارة المدروسة:

يحسن بالخطيب أن يصرف نظره يميناً وشمالاً على كافة الحضور وبشكل منتظم ،وأن لا يكون كالآلة الموجهة على فريق بعينه من البداية إلى النهاية، وأن يكون متزناً عليه السكينة والوقار، فلا ينبغي أن تصدر من حركات أو أفعال تثير الانتقاد كالضحك أو القهقهة مثلاً، وإذا حرّك يديه فليحرص أن لا يتوجه بالإشارة بقصد أو من دون قصد إلى المصلين.

 

مثال: هو يتحدث عن المنافقين أو الكافرين أو المرابين أو المجرمين ثم يمد يده إلى جهة أمامه فتصيب الإشارة بعضهم -وإن كان لا يقصد- فهذه الحركة مذمومة، وليحذر الخطيب من الحركات اللاإرادية المنفرة كما لو وضع اصبعه في أنفه أو أكثر من الحك عند أذنه أو شعره أو جلده أو نكش أسنانه، قد يقال: هذه غرائب -هل يمكن حدوثها- أقول وهناك ما هو أغرب وحديثنا عن الصواب والخطأ.

 

14- الخطبة غير العدائية:

هل يمكن أن تكون الخطبة عدائية؟ إذا كان الخطيب عدائياً كانت كذلك، فإذا رأى نفسه على المنبر والناس يستمعون وينصتون، وجدها فرصة أن يشفي غليله فتناول أشخاصاً من الجمهور بأفعالهم وأخذ يشرحها ويفصلها حتى جعل أعين الحاضرين تمتد إلى أصحاب الشأن مما يسبب الحرج الكبير وحب الانتقام أو على الأقل الرغبة في الانصراف، وقد يؤدي ذلك إلى التفاف حول الذي هوجم من أقاربه أو أصدقائه أو المؤمنين، ولا يستبعد أن لا يعودوا للصلاة في هذا المسجد أو سواه.

 

مثال: وقف أحدهم على منبر في مدينة، وهذا المسجد يرتاده بعض رجال السلطة، واختار الخطيب أن يتعرض لهم وأخذ يشرح عن الفساد والمفسدين ومما قاله: “هؤلاء الذين جاؤوا من الخارج حفاة عراة، جوعى، وأرادوا أن يسلبوا خيرات الشعب…” أو كما قال، فما كان من بعضهم إلا أن تجرّأ ووقف وتوجه للمنبر وسحب الخطيب وأنزله، كيف ترون هذا المشهد، إنه إهانة ليس لذلك الخطيب فقط، وإنما أعم من ذلك، ثم استصدروا أمراً بمنعه من الوقوف على المنابر!

 

فليحذر الخطيب العدوان المباشر، فالتعميم يغني عن التخصيص، والخطوط العريضة تحقق الغرض والرمز والكتابة يقوم مقام التصريح والبيان.

 

مثال آخر: كان أحد الخطباء يذكر الحاكم فلان باسمه على المنبر، ويقول: الخائن فلان. ناقشته فقال: الله -تعالى- ذكر فرعون في القرآن بصفاته، أقول: ذكر فرعون وقارون وهامان بعدما انقرضوا ليعتبر الناس، أما التعرض للحاكم والمسؤول بنفس الطريقة لا يبني شيئاً بل يهدم، وحسبنا أن نتذكر: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طـه: 44].

 

15- ملاحظة الجمهور:

الإمام إمام، والخطيب قائد وأب روحي يجول ببصره، ويعمل على إدارة هذا الوقت بنجاح ما أمكن، فإذا رأى البعض واقفين خارج المسجد يمكنه القول أثناء الخطبة: “أيها الإخوة تقاربوا لكم إخوة واقفون فأعينوهم على الجلوس، وإذا رأى المصلين خارج المسجد والجو ماطر أو حار أو بارد اعتذر من الجميع ولا مانع أن يقول: نظراً للظرف ولكون إخواننا تحت المطر أو في البرد القارص أعذروني سأقطع الخطبة أو أقصّرها، ستكون هذه المبادرة حسنة تستحق الاحترام.

 

مثال: كان من المعتاد أن يقرأ المصلون المأثورات في السجن وذات يوم تم نقلنا إلى النقب وانشغل الشباب في بناء الخيام إلى ليل متأخر، وكان الجو قارس البرد، ولما حان الفجر أذن المؤذن وتجهز المصلون، وقمت فيهم إماما صليت في الأولى: والعصر، وفي الثانية: الإخلاص، ثم قلت: سبحوا على أبراشكم يرحمكم الله، فانطلقوا فرحين داعين لي -والله أعلم-.

 

ولنتذكر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يسمع صوت طفل يبكي فيوجز في صلاته.

 

وإذا كانت هناك جنازة والناس من كل حدب وصوب، والأعداد غفيرة وبعد الجمعة دفن وعزاء، حبذا لو يلاحظ الخطيب هذا ويخفف نظرا للظرف.

 

16- الإطالة أم التقصير؟

ليس هنالك قاعدة ملزمة أو دقائق معدودة تعتبر مخالفتها خروجا عن المألوف أو بدعة مذمومة.

 

والذي يتحقق في الوقت عناصر متعددة:

أولها: من هو الخطيب؟ فالخطيب الذي يأخذ بالألباب تغفر له إطالته، ويعاب عليه إقصاره، والساعة منه دقائق لا يدري بها الحضور أو عامتهم، والخطيب الضعيف الثقيل يتمنى الحضور أن يعودوا إلى بيوتهم مبكرا.

 

كان الشيخ كشك -رحمه الله- يخطب ثلث ساعة أو نصف ساعة ويظن الحاضرون أنه فرغ لكنها مقدمه يقول بعدها أما بعد… قال لي أحد الإخوة حين استشرته بالصلاة عند الشيخ كشك، إذا ذهبت لن تحضر إلا العصر وكان ما قال. وكان خطيب آخر يسمى: عبد المتعال الجبري -رحمه الله- يخطب في مسجد رواده طلبة جامعيون، وخطبته بمستواهم، وكان يطيل -وما أحسن الإطالة- ولكن أين كشك وعبد المتعال؟!

 

ثانيها: موضوع الخطبة:

هناك موضوعات تستحق الإشباع، فلو طالت قليلا فلا بأس.

أما اذا كانت الإطالة في التكرار فذلك مذموم.

 

ثالثها: الظرف العام والخاص: كما أسلفنا في النقطة السابقة، برد، مطر، ثلج، شتاء، جنازة، وقت حصاد أو جد زيتون.. إلخ. كلها وغيرها عناصر تؤثر على الطول والقصر.

 

على كل حال: الإيجاز المخل مذموم، والإطالة المفرطة كذلك، والوسطية مستحبة، فلينتبه الخطيب إلى عيون الناس ونظراتهم وليقدر.

 

ويمكن الحديث بالأرقام، عشر دقائق، 45 دقيقة، وقت يختار منه اللازم وما يقتضيه الحال.

 

أما ما قاله لي أحد الخطباء: أن خطبته استمرت ساعة ونصف فأمر غريب.

 

17- الحكمة ما أحسنها: قال تعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة: 269] ربما تبدو هذه النقطة ملاصقة لموضوع الخطبة إلا أني أقصد أبعد من ذلك.

 

مثال: حضرت خطبة الجمعة فاستأت كثيرا وانزويت أصلي السنة، وحرصت أن أطيل حتى لا أرى الإمام وأنا منفعل، وفوجئت أنه لا يزال جالسا وحوله بعض الأصدقاء، وفاجأني بالسؤال: كيف هالخطبة؟ كنت صريحا وعدوانيا في الجواب.

 

أتدرون عن أي شيء خطب؟ عن كربلاء واستشهاد الحسين، وفصّل وأطال، ودخل في دقائق الأمور وأخطأ في قراءة القرآن.

 

قلت له: هل حضّرت الخطبة؟ قال: لا، بل هي ورقة قديمة عندي وقرأتها! يا أخي: في أي البلاد أنت؟ هل أنت في النجف أم في كربلاء أم في مدينة قم؟ ما هذا؟ فالحكمة ضرورية ليس في اختيار الموضوع فحسب فموضوع في مسجد ربما لا يصلح لآخر، والأسلوب هنا ربما لا ينجح هناك، وعنوان هنا غير موفق في مكان آخر.

الحكمة في الموضوع، الحكمة في الأسلوب، الحكمة في اختيار النصوص الحكمة في الوقت إطالة وقصرا… إلخ.

 

18- القراءة أو المشافهة؟

هما مدرستان لكل إيجابيتها وربما سلبياتها إلا أن المبتدئ يحسن أن يكتبها ويشكلها، وربما يعرضها على غيره ويقرؤها أمامه وتشكل له.

وفريق آخر يكتبها ويقرؤها مرة واحدة حتى يحفظها ثم يلقيها.

وفريق آخر يكتب النصوص أو الخطوط العريضة غلى قصاصة ورق ليتذكر.

وفريق يتخطى هذه المراحل..

ربما يبدع إذا انطلق، والخطورة هنا الاستطراد ونسيان عن ماذا كان يتحدث.

 

19- بين المنهجية وعابرة السبيل:

إذا كان الخطيب مستقرا في مسجد يمكن جعل الخطبة منهجية مدروسة تربوية علمية.. إلخ. العقائد، الشعائر، المعاملات، العقوبات.. إلخ.. يمضي بخطة مدروسة.

وإذا كان الخطيب عابر سبيل يأتي هنا مرة في السنة أو ربما في السنين، فلا مانع من شمولية الخطبة كأن يتحدث خطوط عريضة من خلال عنوان محدد كما لو تحدثنا عن اليوم الآخر، ومن خلاله دعونا للمحافظة على العبادات والبعد عن المنكرات.. وهكذا..

 

20- البعد عن التكرار:

أسلوب القرآن الكريم هو التنويع والتشويق، وحتى حينما تكررت الموضوعات تغيرت الألفاظ، فحية موسى مرة حية ومرة ثعبان ومرة جان.

 

مثال: بعض الإخوة الخطباء أصحاب فكر معين، تكاد تتلخص خطبهم أو خطب بعضهم بكلمة واحدة: “الخلافة”، في كل مرة في كل خطبة، بين الجملة والجملة: خلافة وخليفة، فلو سألت مستمعا عن أي شيء خطب الشيخ لقال هي الخطبة.

 

إن قلت لي الموضوع مهم أقول لك نعم، لكنني سأفرض أهميته بمستوى العقيدة: “لا إله غلا الله” أرأيت لو كان خطيبا لا يخطب إلا عن هذا.. سنسأله أين الشريعة؟ وأين قضايا الأمة؟ التكرار ممل، والتكرار عليه ملاحظات، ولا يبني وربما ينفر.

 

وبعض الخطباء يعيد خطبته هي مقروءة، فيقول السامع: سمعناها من قبل والخطأ الذي أخطأه قبل عام أعاده كما كان فلننتبه.

 

الشخصية اللاتقليدية:

خلق الله كل مخلوق باستقلالية تامة: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) [الروم: 22]، فكل إنسان يبدو مشابها لغيره في العموم إلا أنه مختلف في الخصوص ودقائق الأمور، وكذا سائر المخلوقات، وهذا من جمال الخلق، وروعة الإبداع.

 

والتقليد نوعان: حسن ومذموم. حسن إذا قلدنا العلوم والأخلاق، ومذموم إذا تقمصنا شخصية بعض الخطباء يحاول تقليد خطيب آخر، مثل الشيخ كشك فلا هو أحسن وأجاد ولا هو عاد إلى شخصه الأصيل كالغراب الذي قلد مشية الحمامة.

 

كن أنت الشخصية المستقلة ولا تكن كربونا عن سواك حتى أولئك القراء الذين يقلدون مشاهير مثل الشيخ عبد الباسط -رحمه الله- لا يتقنون ويثيرون النقد والاستغراب.

 

22- ردود الفعل الاستفزازية:

ربما يصدر من الحضور تصرفات غير مقبولة أو استفزازية كأن يرفع أحدهم ساعته مشيرا إلى الخطيب أن أقصر فلو انفعل الخطيب وقطع خطبته ونزل أو قال: بعضكم يجلس على التلفزيون ست ساعات ولا يشعر بالوقت، أما هنا فيرفع ساعته، أو اللي مش عاجبه ما يجيش على هالجامع. ذلك تصرف فيه نظر، خير من ذلك إهمال هذا الأمر وتجاوزه وحله إذا لزم الأمر لاحقا.

 

23- الاتكاء على الكتب المنبرية:

هناك كتب متخصصة في خطب الجمعة تسمى أحيانا: الخطبة المنبرية، وبعض الخطباء يستهوون الرجوع إليها، وعدم تحضير شيء، فيكون نسخة عن غيره. ويصدم البعض أن هذه الكتب مقروءة من أحد المصلين أو أكثر مما يجعل الخطبة غير ابداعية.

لتكن الخطبة طازجة وصناعة محلية إبداعية، وليست مستوردة، ولا مانع من الإفادة من بعض الأفكار أو النقول، أو الروايات، ثم التصرّف بها وإعادة صياغة ما قبلها أو بعدها واستنباط ما يلزم من فوائد منها.

 

23- انتظار المديح:

اعتاد بعض الخطباء أن يسألوا الحضور عن خطبتهم منتظرين جملة مديح، ولا يمكن أن يكون الجواب إلا سلباً أو إيجاباً، فإذا انتقدهم البعض، والمجتمع لا يخلو من ناقدين أو مجرّحين؛ استاء، ورأى ذلك انقاصاً من قدره، ثم يتصرف بعد ذلك بسلبية كما لو امتنع عن الخطابة أو ردّ على الناقدين في خطبة قادمة، ولهذا من الأثر ما لا يخفى.

 

وقد يجامل البعض فيمدحون على غير قناعة ويرون في أنفسهم مرجعاً كأنما هم فوق مستوى الخطيب، وهذا غير محمود.

 

وإذا ذكر البعض الحسنات الحقيقية انتعش الخطيب وشكر أو هز رأسه وسكت.

ويطرح هنا سؤال: هل لذلك أثر على الإخلاص أو عدمه؟ هل كان المقصود إرضاء الناس؟ أم ماذا؟

 

أما إذا كان الهدف التقييم فلينتظره الخطيب دون أن يسعى إليه مع أنه إن كان من أهل الخطابة وعلى قدرها فهو أقدر الناس على تقييم نفسه وخطبته ومعرفة ثغراتها وحسناتها.

 

والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

وختاما: فهذه كلمات يسيرة خلاصة تجربة بعضها يستحق الإضافة والبيان والاستدلال والتمثيل، إلا أن المقصود محاضرة في وقت يسير، وليس عندي شك أن بعض الحاضرين المستمعين أو القارئين لاحقاً له عليها ملحوظات أو إضافات، فهذا جهد المقل إن وافق الصواب، فبفضل الله -تعالى- وحده وله الحمد، وإن جانب الصواب فإني أستغفر الله وأتوب إليه، هو حسبي ونعم الوكيل.

 

وحسبي والله يشهد أني أردت أن أنصح وأرجو أن أكون مأجوراً بذلك، وعسى أن ينتفع ببعض السطور بعض المعنيين وأصحاب الشأن، وفي ذلك خير أرجو بره، ولله الحمد على كل حال إنه نعم المولى ونعم النصير.