طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

(375)
1283

أيام الحج وأعماله

تاريخ النشر : 1438/11/22
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

الحج فريضة العمر، وختام الأمر، وعد الله -عز وجل- من أداه بإخلاص وصدق متابعة وخشوع وخضوع وامتثال ومال حلال أن يغفر له ذنوبه جميعاً، ويعود كيوم ولدته أمه نقياً طاهراً، لا وزر ولا أثم عليه. لذلك نقدم هذه…

إن الحج إلى بيت الله الحرام ركن من أركان الإسلام إجماعاً، قال الله -جل وعلا-: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 97] فشأن الحج عظيم، فهو أحد أركان الإسلام، وأحد دعائمه العظام، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان” (متفق عليه)، وفي رواية أخرى: “حج البيت من استطاع إليه سبيلاً”.

 

فالحج فريضة العمر، وختام الأمر، وعد الله -عز وجل- من أداه بإخلاص وصدق متابعة وخشوع وخضوع وامتثال ومال حلال أن يغفر له ذنوبه جميعاً، ويعود كيوم ولدته أمه نقياً طاهراً، لا وزر ولا أثم عليه.

 

لذلك نقدم هذه التذكرة المختصرة في مجمل أعمال الحج لمن اصطفاه الله -عز وجل- لزيارة بيته، ويسر له أداء هذه الفريضة العظيمة والشعيرة العالية.

 

أولاً: الإحرام:

أيها الحاج المبارك: لقد شرع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاصد الحج أماكن مخصوصة يحرم منها لحج بيت الله الحرام، تسمى تلك الأماكن: “مواقيت الحج المكانية”، وهناك أمور وأحكام ينبغي للحاج أن يفعلها عند وصوله إلى الميقات المحدد له.

 

فمن وصل إلى الميقات في أشهر الحج، وهي: شوال وذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة فإنه مخير بين ثلاثة أنساك:

1- التمتع: وتكون فيه العمرة منفصلة: وهو أن يحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج، فإذا وصل إلى مكة طاف وسعى سعي العمرة ثم حلق أو قصر، ويفرغ منها، فإذا كان اليوم الثامن “التروية” من ذي الحجة أحرم بالحج وحده، وأتى بجميع أفعاله، وإن أخر إحرامه إلى اليوم التاسع فلا حرج عليه لكنه خلاف السنة.

 

وصفة التلفظ في هذا النسك عند الإحرام أن يقول: “لبيك عمرة” مع النية لهذا النسك، ثم يقول في اليوم الثامن ذي الحجة: “لبيك حجاً”.

 

2- الإفراد: وهو أن يحرم بالحج وحده في أشهر الحج، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، ثم سعى سعي الحج -وإن شاء أخر سعي الحج فيسعى بعد طواف الإفاضة- ولا يحلق ولا يقصر ولا يحل من إحرامه، بل يبقى على إحرامه حتى يحل منه بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد.

 

وصفه التلفظ في هذا النسك عند الإحرام أن يقول: “لبيك حجاً”، مع النية لهذا النسك.

 

3- القران: وهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً فيقرن بينهما، أو يحرم بالعمرة أولاً، ثم يدخل الحج عليها قبل أن يشرع في طواف العمرة، وعمل القارن مثل عمل المفرد سواء بسواء، إلا أن القارن عليه هدي “كالمتمتع”، والمفرد لا هدي عليه.

 

وصفة التلفظ في هذا النسك هي أن يقول عند الإحرام: “لبيك عمرة وحجاً” مع النية لهذا النسك.

 

وأفضل الأنواع الثلاثة هو “التمتع” فهو الذي أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه وحثهم عليه.

 

إلا إذا كان قد ساق معه الهدي فإن القران في حقه أفضل؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر كل من ليس معه هدي أن  يقلب إحرامه إلى عمرة، ثم يقصر ويحل، وقال: “افعلوا ما أمرتكم فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله”، ففعلوا وأمر من ساق الهدي وقد لبى بالعمرة أن يحرم بالحج مع العمرة.

 

والذي يلزمه الهدي من أصحاب الأنساك الثلاثة هو المتمتع والقارن، أما المفرد فلا هدي عليه، وكذلك حاضروا المسجد الحرام الذين هم أهل الحرم ومن كانوا قريبين منه بحيث لا يكون بينهم وبين الحرم مسافة قصر؛ لأن من كان على مسافة دون مسافة القصر فهو كالحاضر، ولذا تسمى صلاته إن سافر من الحرم إلى تلك المسافات صلاة حاضر فلا يقصرها صلاة مسافر حتى يشرع له قصرها.

 

أما من كانوا بعيدين عن الحرم بمسافة تقصر فيها الصلاة كأهل جدة فإنهم يلزمهم الهدي.

 

ومن نوى الإحرام فيستحب له أمور، ويجب عليه أخرى:

1- فيسن ويستحب له أن يغتسل ويتطهر ويتنظف بحلق شعر العانة والإبطين وتقليم الأظافر، وقص الشارب، ونحو ذلك، حتى الحائض والنفساء تغتسل وتتنظف لإحرامها.

 

ويستحب له أن يلبّد رأسه كما روى ذلك ابن عمر -رضي الله عنهم- قال: “سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  يهلّ ملبداّ” (رواه البخاري ومسلم).

 

ويستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه بأطيب ما يجد من الدهن والمسك، والمرأة تتطيب بطيب لا تظهر رائحته لئلا يشم ذلك الرجال، تقول عائشة -رضي الله عنها-: “كنت أطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت” (متفق عليه)، وتقول رضي الله عنها: “كنا نخرج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة، فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا ينهانا” (رواه أبو داود).

 

ويكون الطيب في البدن فقط، فلا يجوز تطييب ملابس الإحرام، فإن طيبها فليغسلها أو يغيرها.

 

2- ويجب عليه لبس ثياب الإحرام، إن كان رجلاً يتجرد من المخيط ويلبس إزاراً ورداءً وإن كانت امرأة فإنها تلبس ما شاءت من الثياب إلا أنها لا تتبرج بجميل الثياب، أي: لا تلبس ثياباً جميلة، تلبس ما شاءت، ولا تلبس النقاب ولا القفازين.

 

3- فإذا كان وقت ليس ملابس الإحرام وقت صلاة مفروضة صلى الفريضة إذا جاء وقتها ثم أحرم عقبها، وإن لم يكن وقت صلاة الفريضة فلا بأس أن يصلي الصلاة المشروعة، إن كان في الضحى فصلاة الضحى، وإن كان في الليل فصلاة الليل، وإن كان في وقت آخر صلى سنة الوضوء، لما جاء في الحديث الصحيح: “أتاني آت من ربي، وقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة” (رواه البخاري).

 

4- فإذا أتم استعداده للدخول في الإحرام، ينوى بقلبه النسك الذي يريد فـ “إنما الأعمال بالنيات”، ويتلفظ بالتلبية قائلا: “لبيك اللهم عمرة”، أو “لبيك حجاً” أو “لبيك عمرة وحجاً” حسب النسك الذي يريد، وإن كان يحج نيابة عن أحد، تكون التلبية باسمه فيقول: “لبيك اللهم حجة أو عمرة عن فلان”، ثم يلبي بتلبية النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك” (متفق عليه).

 

5- وبعد لبس الإحرام والتلبية بالحج والعمرة حسب نوع النسك، يجب على الحاج اجتناب محظورات الإحرام، وهي كالآتي:

1- حلق شعر الرأس؛ لقوله تعالى: (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) [البقرة: 196]، وألحق العلماء بحلق الرأس حلق سائر شعر الجسم، وألحقوا به أيضاً تقليم الأظافر، وقصها.

 

2- استعمال الطيب سواء في ثوبه أو بدنه، أوفي أكله أو في تغسيله أو في أي شيء يكون، فاستعمال الطيب محرم في الإحرام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته ناقته: “اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه” (والحنوط أخلاط من الطيب تجعل على الميت).

 

3- الجماع ومقدماته؛ لقوله تعالى: (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: 197].

 

4- قتل الصيد؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ) [المائدة: 95].

 

وأما قطع الشجر فليس بحرام على المحرم إلا ما كان داخل الأميال (وهي حدود الحرم)، سواء كان محرماً أو غير محرم، ولهذا يجوز في عرفة أن يقلع الأشجار ولو كان محرماً؛ لأن قطع الشجر متعلق بالحرم لا بالإحرام.

 

5- من المحظورات الخاصة بالرجال لبس المخيط من القميص والبرانس والسراويل والعمائم والخفاف؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد سئل ما يلبس المحرم؟ فقال: “لا يلبس القميص ولا البرانس ولا السراويل ولا العمائم ولا الخفاف” إلا أنه صلى الله عليه وسلم استثنى من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين.

 

وهذه الأشياء الخمسة صار العلماء يعبرون عنها بلبس المخيط، وقد توهم بعض العامة أن لبس المخيط هو لبس ما فيه خياطة، وليس الأمر كذلك، وإنما قصد أهل العلم بذلك أن يلبس الإنسان ما فصل على البدن، أو على جزء منه كالقميص والسراويل، هذا هو مرادهم، ولهذا لو لبس الإنسان رداءً مرقّعاً، أو إزاراً مرقّعاً فلا حرج عليه، ولو لبس قميصاً منسوجاً بدون خياطة كان حراماً.

 

6- من محظورات الإحرام وهو خاص بالمرأة النقاب، وهو أن تغطي وجهها، وتفتح لعينيها ما تنظر به؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهي عنه، ومثله البرقع، فالمرأة إذا أحرمت لا تلبس النقاب ولا البرقع، والمشروع أن تكشف وجهها إلا إذا مرّ الرجال غير المحارم بها، فالواجب عليها أن تستر وجهها ولا يضرها إذا مس وجهها هذا الغطاء، من دون أن تشد الغطاء على وجهها.

 

فمن فعل هذه المحظورات عامداً فعليه الفدية المذكورة في آية البقرة، ومن فعلها ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً، فلا شيء عليه؛ لقول الله -تعالى-: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: 5]، وقال تعالى في قتل الصيد وهو من محظورات الإحرام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [المائدة: 95]، فهذه النصوص تدل على أن من فعل المحظورات ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه.

 

 

ثانياً: أعمال اليوم الثامن (يوم التروية):

يوم التروية الثامن من ذي الحجة، وهو اليوم الأول من أيام الحج، وهو أحد أيام العشر الفاضلة التي أقسم بها الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم إذ قال: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) [الفجر: 1 – 2]، والعمل فيها أفضل من العمل في غيرها، كما روى ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما العمل في أيام أفضل منها في هذه” (يعني عشر ذي الحجة) قالوا: ولا الجهاد؟ قال: “ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه، وماله فلم يرجع بشيء” (رواه البخاري(، وفي هذا اليوم يبدأ الحجاج بالاستعداد لهذا النسك العظيم، ويتأهبون فيه للوقوف غداً بين يدي الله الكريم، في يوم المغفرة والمباهاة والعتق من النيران.

 

ومعنى التروية كما ذكرها صاحب المصباح المنير، قال: “ويوم التروية ثامن ذي الحجة من ذلك؛ لأن الماء كان قليلاً بمنى فكانوا يرتوون من الماء لمِا بعد، وروى البعير الماء يرويه، من باب: رمى حمله فهو راوية، الهاء فيه للمبالغة، ثم أطلقت الراوية على كل دابة يستقى الماء عليها، ومنه يقال: رويت الحديث إذا حملته، ونقلته.

 

والأعمال يوم التروية تكون كالتالي:

1- إذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة استحب للذين أحلوا بعد العمرة, وهم المتمتعون أو من فسخوا إحرامهم إلى عمرة من القارنين والمفردين أن يحرموا بالحج ضحى من مساكنهم, وكذلك من أراد الحج من أهل مكة.

أما القارن والمفرد الذين لم يحلوا من إحرامهم فهم باقون على إحرامهم الأول؛ لقول جابر -رضي الله عنه- في صفة حج النبي -صلى الله عليه وسلم-: “فحل الناس كلهم وقصروا, إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن كان معه هدي, فلما كان يوم التروية, توجهوا إلى منى, فأهلوا بالحج” (رواه مسلم)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “فإذا كان يوم التروية أحرم وأهلّ بالحج، فيفعل كما فعل عند الميقات، وإن شاء أحرم من مكة، وإن شاء من خارج مكة هذا هو الصواب، وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أحرموا كما أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- من البطحاء، والسُّنّة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه، وكذلك المكي يحرم من أهله”.

 

ثم ينوي الإحرام بالحج ويقول: “لبيك حجاً”، وإن كان خائفاً من عائق يمنعه من إكمال حجه اشترط فقال: “وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني”، وإن لم يكن خائفاً لم يشترط.

 

2- الخروج إلى منى ضحى اليوم الثامن قبل الزوال، والمبيت بها ليلة التاسع، وعدم الخروج منها إلا بعد طلوع الشمس وصلاة خمس صلوات بها، فيصلي الحاج بمنى الظهر والعصر, والمغرب, والعشاء, وفجر التاسع قصراً بلا جمع، إلا المغرب والفجر فلا يقصران؛ لقول جابر -رضي الله عنه-: “وركب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى منى, فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر, ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس”.

 

ويقصر الحجاج من أهل مكة الصلاة بمنى، فلا فرق بينهم وبين غيرهم من الحجاج؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بالناس من أهل مكة وغيرهم قصراً ولم يأمرهم بالإتمام، ولو كان واجبا عليهم لبينه لهم.

 

ويستحب الإكثار من التلبية والذكر ودوام الاستغفار، ولا ينسى صلاة الوتر، والاستعداد والتهيؤ نفسياً وقلبياً ليوم الحج الأعظم، يوم عرفة.

 

تنبيهات على بعض المخالفات:

1- الاضطباع عند لبس الإحرام، وهذا غير مشروع إلا حال طواف القدوم أو طواف العمرة.

 

2- ومن المخالفات ما يظنه كثير من الحجاج من أن الإحرام هو لبس الإزار والرداء بعد خلع الملابس، والصواب أن هذا استعداد للإحرام؛ لأن الإحرام هو نية الدخول في النسك.

 

3- اعتقاد بعض النساء أن للإحرام لوناً خاصاً كالأخضر مثلاً وهذا خطأ، فالمرأة تحرم بثيابها العادية إلا ثياب الزينة، أما الثياب الضيقة والشفافة فلا يجوز لبسها لا في الإحرام ولا في غيره.

 

4- صلاة الفرض بالإزار دون الرداء فيصلي الكثيرون وقد كشفوا ظهورهم وعواتقهم ،وهذا خطأ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: “لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء”.

 

5- قص شعر اللحية عند الإحرام مع أن القص والحلق ممنوعان بكل حال والعارضان من اللحية.

 

6- ومن المخالفات ما يعتقده بعض الحجاج من أن لباس الإحرام الذي لبسه عند الميقات لا يجوز تغييره ولو اتسخ، وهذا جهل منهم، بل يجوز أن يغير ملابس الإحرام بمثلها أو يغسلها.

 

7- التلبية الجماعية لأنها لا دليل عليها.

 

8- الجمع بين الصلوات ليس من السنة، ولكن السنة القصر فتصلي الظهر والعصر والعشاء؛ ركعتين فقط في مواقيتها.

 

9- ومن المخالفات صلاة السنن والرواتب ما عدا سنة الفجر لمحافظة النبي -صلى الله عليه وسلم- عليها في السفر، وإن صلى تطوعاً مطلقاً جاز ذلك لعدم المشقة.

 

10- عدم الحرص على صلاة ذوات الأسباب من النوافل كالضحى وسنة الوضوء وسنة الإشراق.

 

11- عدم الإكثار من قراءة القرآن في هذه المواطن، وهي مواطن عبادة.

 

12- ترك المبيت بمنى هذا اليوم حيث إن بعض الحجاج ينطلقون إلى عرفات، على أساس أن المبيت بمنى من السنن المستحبة وليس من الواجبات والأركان.

 

ثالثاً: أعمال اليوم التاسع (يوم عرفة):

أولاً: فضله ومنزلته:

1- يوم عرفة هو خير يوم طلعت عليه الشمس، والوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، والمتفق على بطلان الحج بفواته، فقد أجمعت الأمة على أن الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم للحج، وأنه لا يتم الحج إلا به، فمن لم يأت عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر ولو لحظة، ولو ماراً؛ فقد فاته الحج بإجماع العلماء؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ”.

 

2- وهو يوم إكمال الدين، يوم نزول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3].

 

3- وورد في فضل صيام هذا اليوم لغير الحاج أنه يكفر الذنوب لسنة ماضية، وسنة باقية؛ فقد سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صيام يوم عرفة فقال: “يكفِّر السنة الماضية والباقية”.

 

4- ويوم عرفة هو أكثر يوم يعتق الله فيه رقاب عباده من النار، ويباهي بهم ملائكته؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهى بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء”.

 

أعمال يوم عرفة:

1- يبدأ اليوم بصلاة الحاج صلاة الفجر بمنى يوم التاسع من ذي الحجة، ثم ينتظر إلى طلوع الشمس اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث جابر: “ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس”، فإذا طلعت الشمس توجه إلى عرفة وإلى موطن الحج الأكبر؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “الحج عرفة”.

 

ويسن للحاج أن يكثر من الدعاء والتلبية، والتهليل والتكبير؛ لقول محمد بن أبي بكر الثقفي: “سألت أنس بن مالك -رضي الله عنه- ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية: كيف كنتم تصنعون في التلبية مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا اليوم؟ قال: “كان يلبي الملبي فلا يُنْكَر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه، ويهلل المهلل فلا ينكر عليه”.

 

2- ويسن للحجاج النزول بنمرة في بطن الوادي إلى الزوال إن تيسَّر ذلك لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإلا فلا حرج، فكثرة الزحام والحجيج تجعل أداء كثير من السنن والمستحبات أمراً عسيراً وربما مستحيلاً.

 

3- صلاة الظهر والعصر جمعاً وقصراً -جمع تقديم أي في وقت الظهر- كما فعل النبي  -صلى الله عليه وسلم-  ليطول وقت الوقوف والدعاء.

 

ثم يتوجه إلى عرفة إن كان قد نزل بنمرة بعد الفراغ من الاستماع لخطبة الإمام، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الوقوف به، وقال: “عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة”، وقد بُينت حدود عرفة بعلامات وكتابات توضح عرفة من غيرها، فمن كان داخل الحدود الموضحة فهو في عرفة، ومن كان خارجها فهو ليس في عرفة، وعلى كل حاج أن يتأكد من ذلك، وأن يتعرف على تلك الحدود ليتأكد من كونه في عرفة.

 

وإن استطاع الحاج أن يقف عند الصخرات أسفل جبل عرفة دون أن يشق عليه أو يزاحم، فحسن، فهو موقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن لم يتيسر له وقف في أي مكان من عرفة سواءً في الخيام أو غيرها، فعرفة كلها موقف كما أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

4- يستحب للحاج في هذا الموقف أن يجتهد في ذكر الله -تعالى- ودعائه، والتضرع إليه، ويرفع يديه حال الدعاء، وإن لبى أو قرأ شيئاً من القرآن فحسن، ويكثر من التهليل فإنه خير الدعاء يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم: “أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير”.

 

5- يجب الوقوف إلى غروب الشمس ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف بعرفة حتى غابت الشمس. وفي حديث علي وأسامة: “أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل يعنق على ناقته، والناس يضربون الإبل يميناً وشمالاً، لا يلتفت إليهم، ويقول: “السكينة أيها الناس، ودفع حين غابت الشمس”.

 

فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح تام عند أكثر أهل العلم، وعليه دم.

 

6- ومن البدع الرائجة يوم عرفة تكلف كثير من الحجاج صعود جبل عرفة والمزاحمة على ذلك، والتمسح به، واعتقاد أن له مزية وفضيلة توجب ذلك، وهذا لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، واستقبال بعض الحجاج الجبل المسمى عندهم: “جبل الرحمة”، ولو كانت القبلة خلف ظهورهم أو عن أيمانهم أو شمائلهم؛ وهذا خلاف السنة؛ لأن السنة استقبال القبلة كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

ليلة مزدلفة:

1- بعد الدفع من عرفة يخرج الحاج إلى المبيت بمزدلفة؛ لقول الله -تعالى-: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) [البقرة: 198]، ومزدلفة هي المشعر الحرام بين عرفة ومنى، وسميت بهذه الاسم؛ لأنها أقرب المشعرين إلى الكعبة، ولقبت بالمشعر الحرام لتمييزها عن المشعر الحلال وهو “عرفة”.

 

2- والمزدلفة واد يمتد من محسر غرباً إلى المأزمين شرقاً، وسمي بذلك؛ لأن الناس يأتون إليه في زلف، أي: ساعات من الليل، ويقال له: جمع لاجتماع الناس به، والمزدلفة من الحرم، والمشعر الحرام جبل بالمزدلفة، وسمِّي بذلك؛ لأن العرب في الجاهلية كانت تُشعِرُ عنده هداياها، والإشعار هو الضرب بشيء حاد في سنام الجمل حتى يسيل الدم، والمبيت بالمزدلفة يكون ليلة النحر بعد الإفاضة والنزول من عرفات.

 

أعمال هذه الليلة:

1- السنة أن يخرج الحجاج إلى مزدلفة وعليهم السكينة، فقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أردف أسامة خلفه ودفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: “أيها الناس السكينة السكينة”.

 

2- صلاة المغرب والعشاء جمعاً وقصراً بأذان واحد وإقامتين قبل حط الرحل.

 

3- المسارعة إلى النوم بعد الصلاة وعدم الانشغال بشيء.

 

4- المبيت بمزدلفة، وهو واجب عند جمهور العلماء، ويجوز للضعفاء من الرجال والنساء أن يدفعوا بعد منتصف الليل بعد غياب القمر، وأما من ليس ضعيفاً ولا تابعاً لضعيف فإنه يبقى بمزدلفة حتى يصلى الفجر اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

5- صلاة الفجر مبكراً، ثم يقصد الحاج المشعر الحرام فيوحد الله ويكبره، ويدعو بما أحب حتى يسفر الصباح جداً، وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “وقفت هاهنا وجمع كلها موقف”.

 

6- الانشغال بالدعاء إلى الإسفار جداً مع رفع اليدين.

 

تنبيهات على بعض المخالفات:

1- تسرع كثير من الحجاج إلى صلاة المغرب والعشاء دون تحري جهة القبلة، وكذلك في صلاة الفجر، والواجب في هذا التحري لجهة القبلة أو سؤال من يظن فيه معرفة جهة القبلة.

 

2- الاشتغال في مزدلفة بلقط الحصى قبل الصلاة مع أن الحصى يصح أخذه من منى أو غيرها.

 

3- عدم التحري في المبيت داخل مزدلفة.

 

4- تأخير صلاة المغرب والعشاء إلى ما بعد نصف الليل وهذا لا يجوز، وإن كان يخشى أن لا يصل مزدلفة إلا بعد نصف الليل فإنه يصلي ولو قبل الوصول إلى مزدلفة.

 

5- انصراف الكثير من مزدلفة قبل نصف الليل وتركهم المبيت بها مع أنه من واجبات الحج.

 

6- ترخص الأقوياء في الخروج إلى منى قبل الصبح مع أن الرخصة إنما هي للضعفاء أما غيرهم فقبيل طلوع الشمس.

 

7- إحياء الليل سواء بدرس أو حديث أو بسمر أو غيرها.

 

8- عدم الوقوف للدعاء من بعد صلاة الفجر، وعدم رفع اليدين.

 

9- تأخير صلاة الفجر إلى قرب طلوع الشمس أو صلاتها بعد طلوع الشمس.

 

10- النوم بعد صلاة الفجر.

 

11- سرعة انصراف الناس بسياراتهم مع مزاحمة الحجاج مما يؤدي إلى حوادث.

 

12- جمع حصى الجمار ليوم العيد وأيام التشريق سبعين حصاة.

 

13- غسل حصى الجمار.

 

رابعاً: أعمال اليوم العاشر (يوم النحر)، وهو يوم الحج الأكبر:

لقد فضل الله يوم النحر بأن جعله يوماً من أيامه المشهودة، وهو عيد من أعياد المسلمين؛ كما جاء في حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يومُ عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهلُ الإسلام”.

 

ويوم النحر هو أعظم أيام العام عند الله -تعالى-؛ كما جاء في حديث عبد الله بن قُرْط -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن أعظم الأيام عند الله -تعالى- يوم النحر، ثم يوم القَرِّ”، ويوم القر: هو اليوم الذي يلي يوم النحر؛ لأن الناس يقرون بمنى.

 

فهو أفضل أيام العام؛ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “أفضل أيام العام هو يوم النحر، وقد قال بعضهم: يوم عرفة، والأول هو الصحيح؛ لأن فيه من الأعمال ما لا يعمل في غيره: كالوقوف بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة وحدها، والنحر، والحلق، وطواف الإفاضة، فإن فعل هذه فيه أفضل بالسنّة واتفاق العلماء”.

 

ولعل الجمع بين الأقوال في أفضلية هذا اليوم عن غيره بالنسبة للحاج.

 

أما بالنسبة لغيرهم فيوم عرفة هو الأفضل؛ لذلك يسن الصيام فيه لغير الحاج، في حين أنه لا يستحب للحاج صيامه ليتقوى على الدعاء والذكر طوال النهار -والله أعلم-.

 

وقد جاء تسميته بـِيوم الحج الأكبر في كتاب الله وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، يقول الله -تعالى-: (وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) [التوبة: 3]، وجاء في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها، فقال: “أي يوم هذا؟” فقالوا: يوم النحر، فقال: “هذا يوم الحج الأكبر”.

 

أعمال يوم النحر:

1- يدفع الحجاج من مزدلفة إلى منى بعد فجر يوم العيد إذا أسفر الصبح جداً قبل أن تشرق الشمس، ويجوز للضعفة وأصحاب الحاجات الدفع بعد منتصف ليلة النحر.

 

فإذا وصل الحاج إلى منى فإنه يقوم بأعمال عديدة في هذا اليوم:

1- رمي جمرة العقبة الكبرى (وهي الجمرة التي تلي مكة في منتهى منى) بسبع حصيات مكبراً مع كل حصاة، ومقدار الحصاة مثل حصى الخذف أي مثل حبة الفول أو الحمص؛ لحديث جابر في صفة حج النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “ثم سلك الطريق التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف”.

 

وحكم رميها واجب، ويجبر تركه بدم، وهذا قول الجمهور.

 

اتفق العلماء على أن أفضل وقت لرمي جمرة العقبة بعد طلوع شمس يوم النحر إلى الزوال، لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ كما في حديث جابر: “رمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس”.

 

فمن رماها من طلوع الشمس إلى الزوال فقد أصاب سنتها ووقتها المختار.

 

ويجوز للضعفة والنساء والمرضى رمي الجمار بعد منتصف الليل من ليلة النحر؛ لما روته عائشة -رضي الله عنها- قالت: “استأذنت سودة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة المزدلفة أن تدفع قبله، وكانت ثبطة (أي ثقيلة بطيئة) فأذن لها” (رواه الشيخان)، وقولها أيضاً رضي الله عنها: “أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعني عندها” (رواه أبو داود)، ووقت الرمي ممتد حتى غروب شمس يوم النحر.

 

2- نحر الهدي أو ذبحه، ويجوز أن ينحر في أي مكان آخر من منى أو في مكة؛ لحديث جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر؛ فانحروا في رحالكم” غير أن المفرد بالحج ليس عليه ذبح.

 

3- حلق الشعر أو تقصيره، والحلق أفضل.

والمرأة تأخذ من شعرها قدر أنملة.

 

بعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النكاح، ويسمى هذا التحلل الأول.

 

ويسن له بعد هذا التحلل التنظف والتطيب، والتوجه إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة.

 

4- طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج؛ قال تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 29].

 

ويجوز تأخيره إلى اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر أو مع طواف الوداع.

 

لكن السُّنة أن يطوفه يوم العيد ضحى.

 

بعده يكون التحلل الثاني، ويباح للحاج كل شيء بما في ذلك النساء.

 

5- السعي، وهو ركن من أركان الحج، وهو سبعة أشواط، ويجوز تأخيره لليوم التالي، أو الذي يليه، أو مع طواف الوداع.

 

وذلك للمتمتع والمفرد والقارن الذي لم يسع مع طواف القدوم.

 

6- الرجوع إلى منى والمبيت بها ليلة الحادي عشر.

 

والمبيت بمنى ليالي أيام التشريق واجب من واجبات الحج.

 

والسنة أن يبيت الليل كله، فإن شق عليه، فالضابط في ذلك أن يبقي في منى أكثر الليل، فإن فعل ذلك فقد أدى الواجب سواءً كان من أول الليل أو من آخره.

 

7- إن قدم النحر على الرمي أو الطواف عليهما أو الحلق أجزأه ذلك، فيفعل الحاج الأرفق به، وإن كان الأفضل الرمي ثم الذبح ثم الحلق ثم الطواف؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم-  كان يُسأل يوم النحر بمنى فيقول: “لا حرج”، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: “اذبح ولا حرج”، قال: رميت بعدما أصبت؟ فقال: “لا حرج”.

 

أعمال اليوم الحادي عشر (أول أيام التشريق):

اليوم الحادي عشر هو أول أيام التشريق المباركة، وهي الأيام المعدودات التي ذكرها الله -سبحانه- في كتابه بقوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 203], والأيام المعدودات، هي: أيام التشريق، كما روي عن ابن عباس، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، قال القرطبي -رحمه الله-: “ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق”، وهي كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله” (رواه مسلم).

 

وهي التي تسمى أيام منى لنزول الحجاج بمنى هذه الأيام، وفي حديث عبد الرحمن بن يعمر: أن ناساً من أهل نجد أتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو بعرفة فسألوه فأمر مناديا فنادى: “الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج”.

 

وأيام منى ثلاثة، قال تعالى: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة: 203].

 

ويجب على الحاج المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، وهذا قول جمهور أهل العلم، فمن ترك المبيت بدون عذر جبره بدم.

ولا بأس بالنزول في مزدلفة مما يلي منى إذا اتصلت الخيام بخيام أهل منى.

 

وقد رخّص النبي -صلى الله عليه وسلم- لأهل الأعذار في ترك المبيت كالرعاة والسقاة، وألحق بعض أهل العلم بهم المريض ومن به عذر يمنعه من المبيت، فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: “استأذن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له” (رواه البخاري ومسلم).

 

أعمال أول أيام التشريق:

1- رمي الحاج الجمرات الثلاث بعد الزوال: الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى، كل واحدة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة.

 

والأفضل أن يرمي قبل غروب الشمس، فإن رمى بالليل فلا حرج عليه.

 

ورمي الجمرات واجب من واجبات الحج.

 

2- يجب تفريق الرميات، أي يرمي واحدة بعد واحدة، ولا يصح أن يرمي السبع جميعاً بكف واحد، وإذا رمى السبع بكف واحد تعتبر له رمية واحدة.

 

كذلك يجبر ترتيب رمي الجمرات: يرمي الصغرى، ثم الوسطى، ثم العقبة ولا يصح العكس.

 

3- يسن للحاج الدعاء بعد الجمرتين الصغرى والوسطى، وهذا من مواطن إجابة الدعاء في الحج، فإذا رمى الجمرة الصغرى أخذ ذات اليمين وتقدم للأمام يدعو دعاء طويلاً، ثم إذا رمى الجمرة الوسطى أخذ ذات الشمال وتقدم للأمام ووقف يدعو دعاء طويلاً، ثم يرمي الكبرى وينصرف ولا يقف بعدها، فعن سالم عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: “عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات ثم يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك فيأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها. ويقول: هكذا رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل” (رواه البخاري).

 

4- يبيت الحاج ليلة الثاني عشر بمنى، والضابط في ذلك أن يبيت أكثر الليل سواء من أوله أو آخره.

 

5- أداء الصلوات الخمس في أوقاتها قصراً، لا جمعاً، والاشتغال بذكر الله والدعاء وقراءة القرآن والابتهال بالقبول.

 

أعمال اليوم الثاني عشر (ثاني أيام التشريق):

1- يبيت الحاج ليلة الثاني عشر بمنى، والضابط في ذلك أن يبيت أكثر الليل سواء من أوله أو آخره.

 

2- رمي الحاج الجمرات الثلاث بعد الزوال: الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى، كل واحدة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة، ويدعو بعد الصغرى والوسطى، وينصرف بعد الكبرى دون أن يقف، كما فعل في اليوم الأول.

 

3- بعد رمي جمرة العقبة الكبرى يصبح الحاج بالخيار، إن شاء رجع إلى منى ليبيت فيها ليلة الثالث عشر، وإن شاء تعجل وتوجه إلى مكة؛ لقول الله -تبارك وتعالى-: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [البقرة: 203]، وفي الحديث: “أيام منى ثلاثة فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ”.

 

والتأخر أفضل؛ لأنه أكثر عملاً، وهذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

4- من أراد أن يتعجل فعليه أن يخرج من منى قبل غروب الشمس هذا اليوم، وإن غربت عليه الشمس قبل أن يرتحل من منى, لزمه التأخر والمبيت والرمي في اليوم الثالث عشر; لأن الله -تعالى- يقول: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ( [البقرة: 203]، واليوم اسم للنهار, فمن أدركه الليل, فما تعجل في يومين.

 

ومن نوى التعجل وتأهّب له، وحبسه الزحام أو العذر، فلم يخرج من منى إلا بعد الغروب، فلا حرج أن يستمر في تعجله ولو بعد غروب الشمس؛ لأنه يصدق عليه أنه تعجل في يومين لكن حبسه العذر.

 

5- إذا وصل المتعجّل إلى مكة فإنه يطوف طواف الوداع، وإن كان عليه طواف الإفاضة أو سعي الحج طاف للإفاضة، وسعى وأجزأه عن طواف الوداع، حيث كان آخر عهده بالبيت الطواف.

 

طواف الوداع واجب عند جمهور أهل العلم، ويسقط عن الحائض والنفساء.

 

6- يبيت الحاج المتأخر ليلة الثالث عشر بمنى، والضابط في ذلك أن يبيت أكثر الليل سواء من أوله أو آخره.

 

أعمال اليوم الثالث عشر (ثالث أيام التشريق):

1- يوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة، هو آخر أيام التشريق, وفيه ينهي الحاج أعمال حجه لمن تأخر ولم يتعجل, والتأخر أفضل وأعظم أجراً.

 

في هذا اليوم يفعل الحاج كما فعل في اليومين اللذين قبله، فيصلي كل صلاة في وقتها، ويقصر الصلاة الرباعية، ويرمي الحاج الجمرات الثلاث بعد الزوال: الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى، كل واحدة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة، ويدعو بعد الصغرى والوسطى، وينصرف بعد الكبرى دون أن يقف، كما فعل في اليومين السابقين، ثم يخرج إلى مكة.

 

2- استحب كثير من العلماء للحاج إذا أراد أن ينفر إلى مكة أن ينزل بالمحصب، وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- نزلوا به، كما في الصحيح من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: “أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح” (رواه مسلم)، وهذا النزول سنة من السنن لا يؤثّر تركها على الحج.

 

3- إذا وصل الحاج إلى مكة فإنه يطوف طواف الوداع، وإن كان عليه طواف الإفاضة أو سعي الحج طاف للإفاضة وسعى وأجزأه عن طواف الوداع، حيث يكون آخر عهده بالبيت الطواف.

 

وبذلك يكون الحاج قد أتم نسكه، وأدى فرضه، وعاد إلى بلده مغفوراً له بإذن الله، كيوم ولدته أمه، ما وعده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات