طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الخطابة الدينية في الأندلس

ملتقى الخطباء

(552)
1279

الخطابة الدينية في الأندلس

تاريخ النشر : 1438/11/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

تعد هذه الموعظة من أجمل المواعظ الدينية وأبرعها، لما امتاز به من بساطة التعبير وصدقه، وبعد عن التكليف، وقدرة على استمالة الأمير وإقناعه، وقد تسربلت تلك الموعظة بعاطفة دينية صادقة كان لها تأثير في نفس الأمير دفعته إلى…

الخطبة الزهدية أنموذجاً:

تعد الخطبة لوناً من ألوان النثر الفني، وقد أصاب هذا الفنن حظاً وافراً من النمو والازدهار في الأندلس، شأنه في ذلك شأن فنون النثر الأخرى؛ لأن أهل جزيرة الأندلس “مُذ كانوا رؤساء خطابة، ورؤوس شعر وكتابة”.

 

وقد تعددت أنواع الخطابة الأندلسية، وتنوعت موضوعاتها، فشملت أغراضاً شتى من شؤون الحياة ما بين خطابة دينية وسياسية واجتماعية، وكان المجال الديني من أرحب المجالات التي تجلت فيها قوة الخطابة ونهضتها، إذ شهد ميدان الخطابة الدينية (سواء أكانت شفوية أم مكتوبة) نمواً واضحاً، فكثر أعلامها، حتى أصبح عددُ من الخطباء يتناوبون فيما بينهم، فكان كل واحد يخطب جمعة في الشهر، وكان يشترط في الخطيب إلى جانب فصاحته وعلمه التحلي بالتقوى والفضل والصلاح.

 

وينتمي إلى عصر المرابطين والموحدين أشهر خطباء الوعظ الديني في الأندلس؛ منهم: أبو الحسن ابن شريح الذي شهد له تلميذه ابن عبد الغفور بالإحسان والفصاحة والبيان في فن الخطابة ورأى “أن هذا الفن من البلاغة قد عفا بالكلية ودرس، ولكنه (أي ابن شريح) قد أعاد إليه جدته وبهاءه، وملك وحده أرضه وسماءه”.

 

والخطيب القاضي عياض الذي شاعت خطبه على ألسنة الناس، والخطيب الواعظ أبو بكر الطرطوشي، والخطيب الكاتب أبو المطرف بن عميرة الذي كان قدوة البلغاء، وعمدة العلماء، وغيرهم كثر.

 

وعلى الرغم من قلة نصوص الخطابة وضآلة ما وصل منها إلى أيدي الدارسين، فقد توافر في هذا العصر نماذج غير قليلة من نصوص الخطابة الدينية، بخاصة ذات الطابع الوعظي الزهدي، الأمر الذي يسهم في تحديد الخصائص الموضوعية، والسمات الأسلوبية لهذا النوع من الخطابة في عصر المرابطين والموحدين.

 

مضامين الخطب الزهدية:

 

ترددت في الخطب الدينية كثير من معاني الزهد وأفكاره، وكانت في الغالب تدور حول ازدراء الدنيا، والندب إلى الاعتبار بالموت والتذكير بيوم البعث والحساب، وغيرها من المضامين الزهدية التي ذاعت على ألسنة الزهاد في الأندلس.

 

والحق أن الخطبة الزهدية الواحدة كانت في العادة تشتمل على غير مضمون زهدي، وقلما استقلت خطبة زهدية بمضمون زهدي واحد.

 

ولعل من أبرز المضامين الزهدية التي دارت حولها خطب الزهاد والوعاظ التنفير من الدنيا، وتعداد مثالبها، وكشف حقيقتها الزائفة حتى لا ينخدع المسلم ببرقها الخلب، وسرابها الخادع، يقول ابن الجنان في خطبة طويلة: “…ولا تخدعنكم هذه الدنيا الدنية بتهاول الأباطيل وأضغاث الأحلام، ولا تنسينكم خدعها المموهة، وخيالاتها الممثلة ما خلا من مقالاتها في الأنام، فهي دار انتياب النوائب، ومصاب المصائب، وحدوث الحوادث، وإلمام الآلام، دار صفوها أكدار، وسلمها حرب تدار، وأمنها خوف وحذار، ونظمها تفرق وانتشار، واتصالها انقطاع وانصرام، ووجودها فناء وانعدام وبناؤها تضعضع وانهدام، ينادي كل يوم بناديها منادي الجمام، فلا قرار بهذه الغرارة ولا مُقام، ولا بقاء لساكنها ولا دوام…”.

 

مدار هذه الخطبة وفكرتها الجوهرية هو زوال الدنيا، وحوادثها المتقلبة وأن نهايتها الموت والفناء، وهي في جملتها معان واضحة، قريبة الفهم، سهلة المأخذ، وقد صيغت في لغة عذبة لينة، اتسمت بالبساطة واليسر، إذ تأنق صاحبها في اختيار ألفاظها، وشاكل بينها وبين معانيها مشاكلة قوية طبيعية.

 

وقد سلك الخطيب في التعبير عن معانيه الأسلوب الخطابي الذي لا يستهدف في عقل المخاطب فحسب، بل إثارة عواطفه، وتحريك مشاعره، فهو يرسم صوراً متنوعة للدنيا، ويعرض المعنى الواحد بأثواب مختلفة، مستعيناً في ذلك بالتكرار والترادف الذي يتولد عنه بالضرورة الإطالة والإطناب.

 

وغنى عن البيان القول بأن السجع هو الإيقاع الغالب على هذه الخطبة، وقد التزمه الخطيب في كل أجزائها، قصد تجويد كلامه وتحسينه، وتوليد القيم الصوتية المعبرة، إذ عمد إلى تقسيم الفقرة الواحدة إلى فواصل متساوية، فتبدو وكأنها القافية في قصيدة متنوعة القوافي، وهو سجع صادر عن طبع، لا أثر فيه لصنعه أو تكلف، استدعته طبيعة الموضوع، لأن “للأسجاع موسيقى صوتية خاصة تتناسب مع العواطف الدينية، والأداء بها يكون أبلغ تاثيراً، وأشد وقعاً”.

 

وعمد الخطيب إلى الإفادة من أنواع البديع الأخرى من مقابلة وجناس، إذ بنى فقرات خطبته على المقابلات المتتابعة: “دار صفوها أكدار، وسلمها حرب تدار” ليبرز معاني التغير والتحول في الدنيا، فلا تطمئن لها نفس،ولا ينخدع بمتاعها الزائل عاقل.

 

واشتملت الخطبة على بعض الصور الخيالية التي تجلو المعاني وتبرزها، فالاستعارة “ينادي بناديها الحمام” جسمت المعنى وجعلته قادراً على التأثير في نفوس المتلقين.

 

وجاء ربط الخطيب بين صورة الدنيا الفانية وبين الموت بصفته النهاية الطبيعية لهذه الرحلة الطويلة في الدنيا، ليثير في وجدان المتلقي وإحساسه الخوف والرهبة من الموت، وليدفعه إلى العظة والعبرة.

 

ويطغى على خطبة ابن الجنان لون من المبالغة في التزهيد في الدنيا، وكشف غرورها، ولعل مبعثه ما كان عليه الناس في عهد الخطيب من تهافت على حب الدنيا، وانصراف إلى التمتع بشهواتها، في الوقت الذي تتهاوى فيه قواعد الإسلام في الأندلس تحت ضربات النصارى الأسبان، فيتحقق بذلك الارتباط القوى بين موضوع الخطبة وبين الظرف الذي قيلت فيه، ما أكسبها ذلك تأثيراً عظيماً في النفوس، وجعلها تعبر عن حياة الأندلسيين أصدق تعبير، فكانت صدى لبيئة الخطيب وظروف مجتمعه، ” إذ يُستحب للخطيب أن يشير في خطبته إلى ما شاكل الحين والحال، فإن ذلك انطق بحذاقته وبراعته، وأدل على وفور بضاعته وصناعته”.

 

والواقع أن نزعة الزهد قد واكبت حركة الجهاد في الأندلس ضد النصارى الأسبان، فحذر الكتاب الزهاد أهل الأندلس من الإقبال على الدنيا، والتهافت على متاعها، وحرضوهم على جهاد ديني تكون عاقبته الجنة، وثمرته ديار الخلد، يقول ابن أبي الخصال في خطبة له محذراً من الاستنامة إلى الدنيا، حاثاً على الزهد في حطامها: “…كلا! لا عَتْبَ لكم عليها! قد أمتكم جهاراً بأحجارها، ولدغتكم مراراً من أحجارها، وعمتكم صغاراً بذحولها وأوتارها، وأنتم (على ذلك) تتهافتون تهافت الفَراس على حطامها ونارها. أي مصون منكم لم تنله بهتك، أم أي منيع لم تَغُلْهُ بفتك، أم أي مصاف لها لم تُذِلْهُ بنبذ وترك؟! فانفضوا -رحمكم الله- بها نفضا، وأجمعوا لها -كما رفضتكم- رفضاً، واستبدلوا من نصب غرورها بالزهد فيها دعة وخفضا… فاستقيلوا -رحمكم الله- عثاركم واستقبلوا عدوكم وخذوا ثاركم، وخلدوا في صحف القبول آثاركم، وأخلصوا لله طاعتكم، وحققوا إنابتكم وضراعتكم”.

 

وتمشيا مع تعاليم الإسلام الروحية التي ترسخ مفهوم أن الدنيا فانية وأنها دار ممر، والآخرة دار مقر، فقد هون الخطباء من شأن الدنيا وزينتها، ونبهوا من الغفلة والاغترار بمفاتنها الزائلة، ودعوا إلى استلهام العظة من الأقوام التي حكمت بغرورها، فكان مآلها إلى الفناء والزوال، يقول القاضي عياض في إحدى خطبه الوعظية: “أيها الناس! اسلكوا جواد الحقائق، واتركوا بُنيان الطرائق، ولا تغرنكم الدنيا بكواذب المخارق، فإنها كثيرة البوائق، جمة العوائق… كم أهلكت قبلكم من الخلائق، وطوت من الفراعين والعمالق، وطوحت من القياصر والبطارق، وطرحت العصم من أعلى الشواهق، وأسقطت من الجو كل خرق الجناح خافق”.

 

هذه إحدى خطب الوعظ الديني الذي عُرف بها القاضي عياض، وقد استخدم في بنائها خصائص التعبير الخطابي للتأثير في نفوس السامعين وإقناعهم عن طريق الاستدلال المنطقي، وضرب الأمثلة بالأقوام السالفة، وتوظيف الأسلوب التصويري، ووسائل تعبيرية أخرى مؤثرة.

 

فقد لجأ الخطيب إلى الأساليب الإنشائية مثل النداء: “أيها الناسب” لتنبيه الغافلين، وتهيئة أذهانهم لموعظته، والأمر “اسلكوا” للإرشاد والتوصية، والنهى “لا تغرنكم” للتحذير والنصح، و”كم” الخبرية للمبالغة والتهويل، أما الأساليب الخبرية مثل “فإنها كثيرة البوائق” فجاءت لتقرير الحقائق، وتأكيدها في الأفهام، كما وظف الأمثال العربية في نسيجه اللغوي فغدت وكأنها جزء منه، فقوله: “وطرحت العصم من أعلى الشواهق” مأخوذ من المثل العربي “ويحل العصم سهل الأباطح”.

 

وقد استخدم أسلوب المقابلة في أداء معانيه وتصويرها، للذين غرتهم الحياة الدنيا، وركنوا إليها، بين ما كانوا عليه، وما صاروا إليه “وكم ذي بسطة ومنظر فائق، بعيد الصيت في جميع الوافق، مغتراً بمساعدة دنياه واثق، فأصبح ذا بصر خاشع ونفس زاهق، وحيداً فريداً من كل مؤنس ومفارق، رهيناً بما اكتسبت يداه، وخط في المهارق”.

 

وعمد الخطيب إلى التزام السجع قصير الفقرات قصد توليد لون من ألوان الإيقاع الموسيقى المؤثر، فيما يشبه إلى حد بعيد القافية في القصيدة، إذ سادت الخطبة على وتيرة واحدة من التزام لحرف القاف المقيد الذي يفصل بينه وبين ألف التأسيس حرف مشكل بالكسر.

 

وبرغم ما حققه اختيار القاف حرفاً للسجعة من قيمة صوتية موحية، إذ يثير تردده في نهاية الفصل إحساساً بالفزع والرعب والخوف من المآل الذي يصير إليه الإنسان في هذه الدنيا، فإن التزامه في الخطبة كلها جاء أثراً من آثار التكلف والصنعة التي جعلت من السجع ثقيلاً رتبياً.

 

وغني عن البيان أن الروح التي هيمنت على هذه الخطبة هي الروح الدينية الإسلامية، والتي تبدت في الحث على ازدراء الدنيا، والاتعاظ بالأمم السالفة، والاقتباس من القرآن الكريم في قوله: “رهينا بما اكتسبت يداه” مأخوذ من قوله تعالى: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور: 21].

 

وغلبة الاتجاه الديني على الخطبة العياضية “له ما يسوغه من واقع الأندلسيين الذين أصبحوا غافلين في ملذات الحياة من أحكام الشريعة مما أوجب لهجة الخطاب الغاضب والعاتب”.

 

ومن الخطب الوعظية الشرقية التي أغرم بها الأندلسيون، وحاولوا محاكاتها قصد إظهار مقدرتهم الفنية خطبة: “الفصيح” لأبي العلاء المعري، إذ عارضها ابن عبد الغفور في خطبة له سماها “الإصلاح” خاطب فيها الدنيا الزائلة، وحث الحائرين على التعلق بالعمل الصالح، والمبادرة إلى فعل الخيرات يقول: “يا أم دَفْر، أون ثديك بطني، وما قلت حسبي ولا قطني، يا حار احفل بحفلك لأخيك وطفلك، ولا يكن سحابك صيفا، ولا معروفك هيفا يعيي الطالبين.. ليس الجمال في شَعَر وَحْف، لكن في بدار إلى الخيرات وزحف… يفنى كل شيء ولا يبقى سوى الواحد الحي”.

 

من ملامح هذه الخطبة الوعظية: اتسام بعض ألفاظها وتراكيبها بالغرابة إذ تحتاج إلى المعاجم اللغوية لمعرف معانيها ومدلولاتها، كما برز فيها التزام الخطيب بالسجع ذي الفواصل القصيرة، ليثبت براعته اللغوية، ومقدرته الأدبية على معارضة المعري في خطبته، بيد أنه اعترف في تواضع واضح بتقصيره عن مجاراته، إذ يقول: “وما أنا في معارضته إلا كمن عارض بالنفس هبوب الريح، فليجف قلم المعترض، وليخف سهم الغرض”.

 

والمتأمل خطبة “المعري” التي أورد ابن عبد الغفور جزءاً منها يتبين له صدق ما ذهب إليه من اعتراف بنبوغ المعري وتفوقه، يقول المعري: “ما ذوي عود شجرة مؤمنة، وإنما يذوي عود المفتتنة، وإن ظننت عود المؤمن ذوي، فإنما ظنك رمى فأشوى، إن شجرة الإيمان لا تنقرض بطول الزمان”.

 

والحق أن خطبة: “المعري” تميل إلى عذوبة اللفظ، وجمال التعبير، وبساطة التركيب، وصدق العاطفة. وهي أمور قصرت عنها خطبة ابن عبد الغفور.

 

ومن يتأمل سلوك الزاهد يجده يسعى جاهدا لتوطيد صلته بخالقه، فيقبل على طاعته وعبادته، ويروض نفسه ويجاهدها، ففي خطبة لابن أبي الخصال يخص فيها على قيام الليل، ويدعو إلى مناجاة الله والتوسل إليه، ويحذر من ندامة التفريض والتقصير. ويرى أن الحازم من “تأهب ليومه وحينه، قبل غُصص الحلقوم وشرقه، وشخوص البصر وبرقه، وتبجس الجبين بعرقه، وحلول الموت وفرقه، وإدراج الجسم في خرقه، الا تعتبرون ما بقى من الدنيا بما مضى؟ أما دين الحياة فمقتضى، وأما سيف الصراط فمنتضى، ألا نادم على سلف من ذنوبه وفرط؟ ألا خائف من طول جمح وأفرط؟ ألا مُستنقض لنفس أو بقها وأشرط، ألا مناجي لمولاه؟ ألا هاجر ككراه، ألا حامد عند الصباح لسُراه، ألا مبدد لعبراته؟ ألا مصعد لزفراته…”.

 

ويمثل مبدأ التوكل على الله، والثقة به أحد المضامين الزهدية التي شاعت على ألسنة الخطباء، فالتوكل عندهم هو الركون إلى الله -تعالى- في كل شأن، فالأرزاق مقسومة من عنده، وهو لا يترك أحداً دون رزق يكفيه، وللقاضي عياض خطبة وعظية تدور جلّها حول معنى التوصل على الله يقول فيها: “… فأجملوا -رحمكم الله- في الطلب توفقوا، وتوكلوا على الله حق توكله ترزقوا، وأريحوا أنفسكم من النصب في طلب الدنيا والكد، فإنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، ألا وإن التوكل على الله والثقة به أحد أبواب الإيمان، ومن أفضل درجات العدل والإحسان، وهو حقيقة العبودية والتوحيد، وموجب الرضا والتسليم للرقيب الشهيد”.

 

يؤمن الخطيب في هذه الخطبة بأن طريق السعادة إنما يمر التوكل على الله وحده، وهو يعبر في ذلك عن عاطفة دينية صادقة أفضت إلى طمأنينة نفسية، وإلى طرح الدنيا من قلبه طرحاً تاماً.

 

ولحاجة الخطيب إلى الإقناع والتأثير وتأكيد معانيه في نفس المخاطب، فقد عمد إلى تضمين خطبته بعض أقوال الرسول الكريم بمعانيها، فقوله: “وتوكلوا على الله حق توكله ترزقوا” مأخوذ من قول الحديث الشريف: “لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتعود بطاناً…”، ومثل ذلك قول الخطيب: “فإنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منك الجد” اقتباس من قول الرسول الكريم: “اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد”.

 

ومن معاني الزهد التي تناولتها خطب الزهاد: الدعوة إلى التأمل والنظر في مخلوقات الله الدالة على وجوده وقدرته، ليقر الإنسان بوحدانيته، وللتدليل على عظمة خالقها، وليصل من مظاهر الأشياء إلى جوهرها، ومن واقعها إلى مآلها. يقول ابن شريح في خطبة له يحث فيها على النظر الفعلي في آيات الله والاتعاظ بعجائب موجوداته: “…وتفكروا فكم في الأرض والسماء لذي الكبرياء من قدرة، واستدلوا فكل ذلك يدل بالمشاهدة والاختراع والفطرة، فاذكروا ما أمكنكم الأدكار، واعتبروا يا أولي الأبصار، نجوم زاهرات، وبحار زاخرا وسحاب مسخرات، ورياح ذاريات، وفُلك جاريات، وجبال راسيات، وأرض وسماء، وظلام وضياء، وصباح يردفه مساء، وصيف يخلفه شتاء، ومولود يولد، وفقيد يفقد، والأعمار في خلال ذلك تنصرم كالصريح، والنبت يعود بعد نضرته إلى حال الهشيم، كل يدل على عدم الثبات وسرعة الانبتات، وعودة الجميع إلى الشتات، والجديد إلى حال الرفات”.

 

إن النظرة المتأنية إلى هذا النص الوعظي تهدي إلى القول بأن الخطيب قد سلك مسلكاً قريباً من نهج القرآن في الإقناع، وسوق الأدلة والبراهين المنطقية التي تفضي إلى أن ما يُشاهد من عجائب الكون إنما يدل على عدم الثبوت والدوام، وفي هذا عبرة وعظة لمن يعتبر.

 

كما أن هذه الخطبة تستدعي إلى الأذهان مسلك بعض الخطب الوعظية التي راجت في عصر ما قبل الإسلام على لسان بعض الخطباء من أمثال قس بن ساعدة، والمأمور الحارثي، ويبدو أن الخطيب قد ترسم خطاهما، يقول المأمور الحارثي في خطبة له: “إن فيما نرى لمعتبراً لمن اعتبر، أرض موضوعة، وسماء مرفوعة، وشمس تطلع وتغرب، ونجوم تسري فتعزب، وقمر تطلعه النحور، وتمحصه أدبار الشهور… إن في ذلك لأوضح الدلائل على المدبر المقدر، البارئ المصور”.

 

إن هذه التأملات الكونية التي تدعو إلى التدبر والتأمل في بديع خلق السماء والأرض ودلالة ذلك على الخالق القادرة، والتي تحض على التذكير بمشاهد الموت وما فيها من عبرة وعظة، إنما تشف عن عاطفة صادقة وعميقة امتلأت بها نفس الخطيب ففاضت على لسانه حكماً وعبراً وعظة.

 

لقد لجأ الخطيب لإقناع سامعيه إلى وسائل فنية مختلفة؛ من إيثار الفقرات القصيرة الموجزة، والإيقاع الموسيقى القائم على السجع والجناس، وتوشيح الخطبة بآية قرآنية للاستشهاد على صحة فكرته، والتصوير التشبيهي الذي يزيد المعنى وضوحاً وجلاء، والطباق المتتابع لتأكيد معناه وترسيخه في الأذهان.

 

واختار الخطيب لمعانيه ألفاظاً سهلة، وتراكيب واضحة، وجاءت أفكاره مرتبة تنسجم مع جلال الموقف وعظمته، وهي أفكاره مستقاة كما تبين من ثقافته الإسلامية المختزنة.

 

ولم تقف دعوة الخطباء الوعاظ عند التأمل في مخلوقات الله في الكون، بل التفت بعضهم إلى الإنسان يحثه على التأمل في خلقته ودقتها، ليكون ذلك دافعاً له على طاعة الله وعبادته، يقول القاضي عياض: “أيها الإنسان، إن الله -تعالى- قد وهبك من عنايته حظاً اقتضى شرفك موفوراً، وأبرزك من العدم إلى الوجود، ومن الغيب إلى الشهود، واستودع عالمك المختص بدائع الحكمة ما يحار فيه عقل مجتليه، ونضد جواهره النفسية في سلك الازدواج فكل عضو إلى ما يليه”.

 

وفي إطار حركة الهداية والوعظ التي تزعمها الأتقياء من أهل الورع والزهد دعا الخطباء إلى مجاهدة النفس وكبح جماحها، حتى لا تتهالك على متاع الدنيا الزائل، لترتدع عن أهوائها، وتتبين عاقبة هواها عساها أن ترعوي عن الشر، وترتد عن الباطل، فالخطيب الواعظ أو المطرف بن عميرة يحث العصاة على التوبة، ويدفعهم إلى الإقلاع عن الذنوب والمعاصي، ويحفزهم إلى التماس المغفرة من الله: “يا هذا! مداد الذنوب، إنما يمحوه ماء الدمع، أفلا تعدله عيناً باكية، وخطر العقل يقتل غلام الهوى، وأنت تقول أقتلت نفساً زاكية، اعترضتك شبهة الغي، فهذا دليل الرشد قد تبين، وإن خرجت خائفاً من مصر المعصية، فاجهد نفسك على أن ترد ماء مدين”.

 

يهدف الواعظ من وراء دعوته إلى الإقلاع عن الذنوب، والإقبال على الله إلى التأثير في نفوس المخاطبين، وإقناعهم بموقفه، ولهذا فقد استعان بالأسلوب التصويري في تجسيم فكرته، مثل قوله: “مداد الذنوب، غلام الهوى” كما عهد إلى توظيف الإشارات الدينية والتاريخية، لإثراء نسيجه اللغوي، وذلك عن طريق الاقتباس الخفي من القصص القرآني، وهو يدرج ما اقتبس ضمن موعظته بحيث تخفى للوهلة الأولى على السامع، ولا يفطن إليها إلا الحافظ للقرآن الكريم، فقوله: “أقتلت نفساً زاكية؟” إشارة دينية وتاريخية إلى قصة موسى -عليه السلام- وخروجه من مصر إثر قتله القبطي، وقوله: “اعترضتك شبهة الغي، فهذا دليل الرشد قد تبين” إشارة إلى قبول الله توبة موسى، وعفوه عنه فالقتل كان خطأ دون عمد أو قصد، وقوله: “وإن خرجت خائفاً من مصر المعصية فاجهد نفسك على أن ترد ماء مدين” إشارة إلى قصة خروج موسى -عليه السلام- من مصر قاصداً ماء مدين كما وردت في القرآن الكريم.

 

ولا تزال فكرة الربط بين الذنوب والمصائب التي حلت ببلاد الأندلس وأفضت إلى سقوط كثير من مدنها بأيدي النصارى تلح على أذهان بعض الخطباء الوعاظ فيرددونها في كثير من خطبهم، ويحثون المسلمين على الإقلاع عن المعاصي، ويرشدونهم إلى وجوب تطهير النفوس، وتنقية الضمائر، يقول ابن أبي الخصال في خطبة يحرض فيها على الجهاد، ويصور تفاهة الدنيا، ويذكر بالموت، ويظهر العلاقة بين الذنوب والمصائب التي حلت بالمسلمين: “ألا تستوحشون لتباريح العصر، وركود ريح النصر، وتداعي أمم الكفر، وإجفالنا عن مقاومتهم إجفال العُفْر، ألا نقلع عن الذنوب التي فَتَّتْ أعضادنا، وقَضَتْ باهتضامنا واضطهادنا”.

 

ومن المضامين الزهدية عند الخطباء الزهاد: الحديث عن يوم القيامة وعلاماته وأهواله، والتذكير بما ينتظر الإنسان من حساب وحشر، ونعيم مقيم، فعلى الإنسان العاقل التزود لمثل ذلك اليوم بالعمل الصالح، يقول القاضي عياض: “…وادخروا ما يخلصكم يوم المحاسبة والمناجزة، وانتظروا قوله: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف: 47] ذلك يوم تَذْهل فيه الألباب، وترجُف القلوب رجفا، وتُبدل الأرض، وتُنسف الجبال نَسْفاً، ولا يقبل الله فيه من الظالمين عدلاً ولا صرفا، (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا) [طه: 102]، (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا) [الكهف: 48].

 

لقد سلكت هذه الخطبة سبيل الترهيب والتخويف لبلوغ الهدف المنشود، لعل المستمع يرتدع عن غيه، ويشفق من عذاب ربه وبطشه، وهو نهج مستمد من أسلوب القرآن الكريم في الوعظ والتذكير، لذا فقد شاع في هذه الخطبة الاستشهاد بآي الذكر الحكيم التي تناسب مقام الوعد والوعيد، والتذكير والتخويف، حتى يكون لخطبته من التأثير وشدة الوقع ما لهذه الآيات في نفوس المستمعين من القداسة والقوة، وقد بسط القرآن الكريم ظلاله على كثير من خطب القاضي عياض: “فأكسبها رونقاً جمالياً، ومظهراً بلاغياً راقيا، فقد كان عياض -كما يبدو- مشدوداً بظمأ لاهب إلى توظيف الآيات القرآنية، واستخدام حقائقها وبلاغتها في التعبير عن آرائه”.

 

وحين يعرض الخطيب لمشاهد يوم القيامة، وصوره المفزعة، فإنه يلجأ إلى ربط المستمع بكتاب الله، فمنه يستلهم المسلم مصادر العظة والعبرة، وفي آياته إيقاظ لغفلته، وهداية لحيرته يقول: “فمالك يا حيران، تتلى عليك آي القرآن ولا تزدجر بعظاتها ولا تفرق، ركبت في بحر التسويف ولم تبال التخويف؟ أخشى عليك أن تغرق؟ أما علمت أنه لابد من موقف القمر فيه يخسف، والبصر فيه يبرق؟”.

 

ثم يعمد الخطيب إلى الموازنة يوم القيامة بين منزلة المطيعين ومنزلة العصاة، ليبرز التباين بين المنزلتين، ويحث المؤمن على الفوز بسعادة الدارين: “فهناك يمتاز الفريقان: فنهار أولئك بالشقاوة أظلم وليل هؤلاء بالسعادة أشرق”.

 

ولنيل سعادة الدار الآخرة، والنجاة من النار وعذابها، فإن الخطيب يسوق طائفة من الوصايا والنصائح الإرشادية الوعظية، فيحذر من الغفلة في الدنيا، ويطلع الناس على حقيقتها، ويذكر بالموت وعذاب القبر، ويدعو إلى التعلق بصالح الأعمال: “عباد الله! انتبهوا من غفلتكم، وانظروا لأنفسكم، واذكروا ما يُراد بكم قبل حلول آجالكم وانقطاع آمالكم. ولا تغتروا بالدنيا، فإنها كأحلام نائم، وأنتم عنها عما قريب راحلون، وإلى ربكم راجعون، فاذكروا ألم الموت وسكرته، وعذاب القبر وظلمته، والصراط ودقته، والقصاص وحسرته والجنة ونعيمها، والنار وعذابها، فمن يطع الله ورسوله فله جنات عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين”.

 

المواعظ الدينية:

 

تعد المواعظ الدينية والوصايا الخلقية لوناً من ألوان الخطب، ترتبط معها بأقوى رابطة؛ لأن الموعظة هي الهدف الأول للخطيب، وقد اتخذها الوعاظ الزهاد مادة أساسية لخطبهم، لا سيما حين يلقونها على جمع من الناس أو عندما يتوجهون بها إلى وعظ الخلفاء والأمراء والوقوف بين أيديهم لإلقاء نصائحهم ووصاياهم في الترغيب والترهيب، وكان الناس على استعداد لتقبل تلك المواعظ الزهدية، لما تثيره في نفوسهم من أحاسيس ومشاعر، ولما عُرف عن أصحابها من ورع وتقى وصلاح.

 

وكانت تلك المواعظ تشتمل على عظات دينية وخلقية، ونصائح ووصايا قوامها التوجه إلى الله والدعوة إليه، والتزهيد في الدنيا والغض من شأنها، والترغيب في الآخرة والعمل بها والدعوة إلى العدل والتحذير من الظلم.

 

والحقيقة أن هذا اللون من المواعظ الدينية قد عرف في الأندلس على يد جماعة من الزهاد الوعاظ الذين تعدّت رسالتهم حدود المسجد إلى التجوال في بلاد الأندلس للتذكير والوعظ.

 

ولعل أول المواعظ الزهدية في الأندلس ما وَعَظ به القاضي الزاهدُ منذر بن سعيد الخليفة عبد الرحمن الناصر لما رآه منه من انهماك في العناية بمدينة الزهراء، وانصراف عن الاهتمام بصلاة الجمعة، فخطب في الناس بحضور الخليفة، وعرّض به، فذكره بالموت ودعاه إلى الزهد في عرض الدنيا الزائل، حتى بكى الناس وبكى الخليفة، وندم على ما سلف له من فرطه، واستعاذ بالله من سخطه، وقد بدأ الواعظ خطبته بقوله تعالى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ  * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء: 128 – 131]، ف (مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى) [النساء: 77]، وهي دار القرار، ومكان الجزاء…”.

 

ومن الوعاظ الزهاد: ابن الطلاع، إذ كانت له موعظة مع المعتمد ابن عباد صاحب إشبيلية، فقد لقيه المعتمد يوماً، فنزل له عن دابته، ووعظه ابن الطلاع، ووبخه على حياته اللاهية العابثة.

 

وممن عرف بمثل هذه العظات الدينية: الزاهد أبو بكر الطُرطُوشي، إذ دخل يوماً على الأفضل بن أمير الجيوش، فوعظه حتى أبكاه، وما جاء في موعظته: “إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت مَنْ كان قبلك، وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك، فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة، فإن الله -عز وجل- سائلك عن النقير والقمطير والفتيل، واعلم أن الله -عز وجل- – أتى سليمان بن داود مَلَكَ الدنيا بحذافيرها، فسخر له الإنس والجن والشياطين والوحش والبهائم، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء، حيث أصاب، ورفع عنه حساب ذلك أجمع، فقال له عزَ مَنْ قال: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [ص: 39]، فما عُد ذلك نعمة كما عددتموها، ولا سحبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجاً من الله -عز وجل-، فقال: (هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) [النمل: 40]، فافتح الباب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم”.

 

تعد هذه الموعظة من أجمل المواعظ الدينية وأبرعها، لما امتاز به من بساطة التعبير وصدقه، وبعد عن التكليف، وقدرة على استمالة الأمير وإقناعه، وقد تسربلت تلك الموعظة بعاطفة دينية صادقة كان لها تأثير في نفس الأمير دفعته إلى البكاء فَرَقا؛ لأن “أكثر الخطب الدينية والمواعظ أثراً في النفس، وبلوغاً إلى القلب، وتأثيراً في السامع ما كان عن مطابقة حقيقية بين القول والفعل، وما كان صدى مستقيماً لسلوك مستقيم، وخلق قويم”.

 

ولقد سلك الزاهد في موعظته سبيل الترسل الذي اعتمد العبارة الطويلة مبتعداً عن العبارة القصيرة المسجوعة إلا ما ورد منها عفو الخاطر دون قصد مثل: “فافتح الباب، وسهل الحجاب”.

 

وكان تأثرها بمسلك القرآن الكريم في الوعظ وبأسلوبه واضحاً جلياً، فقد اقتبس من آي الذكر الحكيم على سبيل الاستشهاد، ليكون بينه على صدق ما يقول، وصحة ما يذهب إليه، الأمر الذي منح الموعظة جواً من المهابة والجلال الديني، وأورث “الكلام البهاء والوقار والرقة وحسن الموقع”.

 

ويمكن أن يعد ما ورد في كتاب: “سراج الملوك” للمؤلف نفسه من مواعظ زهدية في باب مقامات الوعاظ والزهاد عند الأمراء والسلاطين، ومن قوله: “يا أيها الرجل… أما ترى الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب، فخيرها يسير، وعيشها قصير، وإقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية، فاغتنم غفوة الزمان، وانتهز فرصة الإمكان، وخذ من نفسك لنفسك، وتزود من يومك لغدك ولا تنافس أهل الدنيا في خفض عيشهم ولين رياشهم، ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم، وسوء منقلبهم”.

 

ووعظ الخطيب أبو الحسن بن شريح أمير المسلمين على بن تاشفين ونصحه باتباع العدل وحسن اختيار الولاة الصالحين “اقتداء بالخلفاء الراشدين، وامتثالاً لفعل الأئمة الصالحين الذين قدروا هذه الدنيا حق قدرها، وتحققوا مكرها وغدرها، فعدلوا إلى الدار الآخرة، وابتاعوا ما يدوم ويبقى بما يبيد ويفنى، لم يشغلهم عن القيام بأمر الله إلْف ولا سكن، ولا ثبطهم عن جهاد عدوه دار ولا وطن”.

 

وقصارى القول في مواعظ الزهاد الدينية عند الأمراء أنها تدل بجلاء على إيمانهم برسالتهم في الصلاح البشري وعلى شجاعتهم وقدرتهم على الجهر بكلمة الحق، واستهانتهم بالدنيا وزهدهم في حب العيش فيها، فكان الواعظ الزاهد ابن الطلاع “قوّالا بالحق، وإن أوذي فيه، لا تأخذه في الله لومة لائم” فجمعت مواعظهم بذلك بين الصدق والشجاعة بعيداً عن التكلف والمصانعة.

 

القصص الديني:

 

من المعروف أن الأدب الوعظي يعد نمطاً من أنماط الخطبة الزهدية، وهو ذو صلة وثيقة بهذا النمط من الخطب، وقد ازدهر هذا اللون في الأندلس ازدهاراً واسعاً طوال عصر المرابطين والموحدين، إذ حلفت المساجد بالوعاظ القصاص الذين كانوا يقصون على الناس أساطير الأولين، وسير الأنبياء وأخبار الصالحين، يستخلصون منها العبر والعظات، ليردوا إلى الناس إيمانهم، فتنفعل بمواعظهم نفوس الحاضرين فيبكون خشوعاً لله -تعالى-، فأبو عبد الله البغدادي (ت 546ه) كان يجلس بمسجده المنسوب إليه بمدينة جيان: “للوعظ والقصص وإيراد حكايات الصالحين، ونحا منحى الزهد، وكانت العامة تنتاب مجلسه”.

 

وقد اتخذ خطباء الزهد في هذا العصر القصة سبيلاً للتمثيل، يعظون السامعين بأحداثها، لأنها أكثر إثارة للمتلقي، وبعثاً لأحوال التشويق والمتعة فيه. وقد دأب القصاص الوعاظ على استلهام مادة قصصهم الوعظية من القرآن والحديث وسير الأولياء الصالحين، فكان القرآن الينبوع الفياض الذي ينهل منه الوعاظ عظاتهم، ففيه أحسن القصص وأبلغ المواعظ عن الأمم التي ذهبت جراء عصيانها والأخرى التي أطاعت واعتصمت بتعاليم دينها.

 

واشتهر الزاهد أبو المطرف بن عميرة من بين هؤلاء الوعاظ بمجالسه الوعظية التي كان يصنعها للواعظ الصالح أبي محمد بن علي بن أبي خرص، ومما جاء فيها قصة آدم -عليه السلام – وإهباطه من الجنة إلى الأرض، يقول على سبيل العظة والعبرة: “… ويح ابن آدم، أما يذكر قصة أبيه ويقيس يسير جنايته بعظيم ما يجنيه، زاد عليه في المخالفة طولاً وعرضاً، فليته أعطى من ندامته ولو بعضاً، زلة أهبطته من جنة المأوى، وأدنفته حتى أعلى بالشكوى”.

 

وعُرف ابن عميرة نفسه “بفصوله الوعظية” التي تناول في بعضها قصة العبد المؤمن بلال بن رباح مع الظالم الطاغية أمية بن خلف، إذ صَوّور فيها صبر بلاد وجلده على تعذيب أمية إياه، مشيراً إلى مقتل أمية على يد بلال في غزوة بدر الكبرى: “يوم الفتح تبين خطل بن أخطل وقد عاذ بمكانه، ونعم بال بلال حين غاظ بعض السامعين بأذانه، ما ضرَ الحبشي لونه وإن ازدروه، ولا نفع القرشي كونه أحد مَنْ داروا حوله وداروه. ما أقرضه بمكة سلا لسيف العدوان وانتضاه، فعلى القليب قضاه إياه… أَغرى به سفهاء مكة، فحشر عليه سراة يثرب، أقعده في الرمضاء حتى حمى، فضربه بسيوف حتى برد”.

صاحب رجاء غد عسى الأيام أن

واستعمل البُقيا حذار جناية

ضل امرؤ جعل الإساءة عادة يرجعن قوما كالذي قد كانوا

تجزى بها فكما تُدين تدان

ويرى المتوبة إنها إحسان

تبرز في هذا النمط من القصص الوعظي قدرة القاص على استكمال أدوات القصص الديني حتى يستميل قلوب السامعين وأفئدتهم قصد التأثير فيهم، فقد استخدم ألوان البديع المتنوعة من سجع وجناس وطباقِ لتحلية ألفاظه، وتنميق معانيه، ولتوليد الإيقاع الموسيقي المعبر عن المعاني والأحاسيس، كما أنه وشى قصصه بأشعار من نظمه هو، فجاءت أبياته في نهاية الفصل الوعظي بمثابة تلخيص لمضمونها، وإيذاناً للمستمع بنهاية القصة وختامها.

 

وقد أظهر الواعظ قدرته البارعة على عرض الأحداث التاريخية بطريق مشوقة، مستخدما الإشارات والتلميحات معتمداً على ثقافة المستمع وفهمه، فهو يشير إلى انتصار المسلمين في غزوة بدر، وإلى منزلة بلال بكونه مؤذن الرسول الكريم، ويومئ إلى المكان الذي ألقى فيه زعماء مكة يوم بدر وهو القليب.

 

أما القاضي عياض فإنه يُذكر بمصير الأمم الداثرة التي ذهبت جزاء عصيانها في خطبة له ضمنها آيات من القرآن الكريم للتأسي والاعتبار يقول: “أين الذين عتوا على الله وتعظموا، واستطالوا عباده وتحكموا، وظنوا أنه لن يقدر عليهم حتى اصطلموا”، (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا) [الكهف: 59]، وغرهم الأمل، وكواذب الظنون، وذهلوا عن طوارق القبر وريب المنون، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون، (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) [الجن: 24].

 

واتخذ بعض الوعاظ من قصص الأنبياء والمرسلين وأخبار الصحابة والأولياء الصالحين مادة للوعظ، ليقتدي الناس بسيرتهم، ويسلكوا سبيلهم، ولابن الجنان موعظة بليغة سرد فيها قصة بعث المصطفى -عليه الصلاة والسلام-، وما مرَ به من مواقف وأحداث، قصدا استخلاص العظة والعبرة، يقول في خطبة طويلة له متحدثاً عن معجزات الرسول الكريم محمد: “أُعطى من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر، وكانت له في الغار آيات بينات خفي بها على القوم الأثر، وارتج لمولده إيوان كسرى، وخمدت نار فارس وكان ضرمها يتسعر، وأتته أخبار السماء فما عمي في الأرض الخبر، فحدث عن الغيوب وما هو على الغيب بضنين. وجعل له القرآن معجزة تتلى، يبلى الزمان وهي لا تبلى، وتعلو كلماتها على الكلم ولا تُعلى”.

 

ويحاول الواعظ أن يربط بين قصص الملوك الغابرين ذوي الجاه والسلطان وبين ما يجري في عصره من أحداث، فيتخذ من تلك القصص وسيلة للتحريض على الجهاد ضد أعداء الدين، فما دام الموت قد أفنى أولئك الجبابرة، فلم تبق إلا آثارهم، فعلى الأندلسيين استخلاص العبرة والعظة من سيرتهم، فينبذون الدنيا وزخرفها، وينهضون إلى جهاد حملة الصليب الأسبان، يقول ابن أبي الخصال في خطبة له: “… سلوا الكواكب إذا اصطفت في مجاريها، ورفت في غدائر الظلماء مداريها عن ملوك نيط سلطانهم بالنجوم وصياصيها، وعقت تيجانهم بنواصيها، عاجلهم -والله – الفطام، وهمدوا كما همد الحطام، ولفظتهم تلك القصور والآطام، فما عندهم من أمان لخائف، ولا مقام لطائف، فهل منكم مشتر لنعيمهم وملكهم بدرهم زائف، لشد -والله- ما زهدتم وبخلتم، ولحق أن تخالوا فيما خُولتم غير ما خلتم “.

 

وجُماع القول في الخطب الدينية ذات الطابع الزهدي أنها نجحت في استيعاب المضامين الفكرية للزهاد، وفي إيصال رسالتهم إلى الناس قصد إرشادهم وهدايتهم إلى طريق التقوى والرشاد، ورسم قواعد السلوك الاجتماعي القويم الذي يجدر أن يتحلى به كل عاقل أريب.

 

والحقيقة أنه برغم انشغال الخطباء الوعاظ باستمالة القلوب والأسماع، وحرصهم على إقناع جمهور المخاطبين بما يدعون إليه، فإنهم لم يغفلوا الجانب الفني لخطبهم، إذ اعتنوا به عناية كبيرة إلى جانب فصاحتهم العربية، وبلاغتهم الفطرية، فبدت آثار الإعداد واضحة جلية في كثير من الخطب، فقد مالوا إلى الاهتمام بإعداد خطبهم، والتأني في صوغها، والتدبر في ترتيب أجزائها، وتنسيق أفكارها، وكانوا يتأنفون في أسلوبها فيدبجون فيها ضروبا من المحسنات البديعية، والصور البيانية التي تزيد المعنى وضوحاً وجلاء، والفكرة رونقاً وبهاء، فاستكملت الخطابة الوعظية على أيديهم مقومات بنائها الفني.

 

وكانت خطبهم في نجوة من الضعف والتردي في زخرف التصنيع اللفظي الذي عرفته الخطابة فيما بعد، كما أنها كشفت بوضوح عن قدرة الأندلسيين الخطابية، وعما كانوا يتمتعون به من فصاحة القول وحسن البيان، وجودة الإبانة والإفهام، مما أهلهم للالتحاق بركب الخطباء المقتدرين.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات