طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    فضل أيام عشر ذي الحجة    ||    وسائل إعلام عبرية: إيران تبني مصنعًا للصواريخ بسوريا    ||    إيران تدشن أول جامعة لها في العراق    ||    الاحتلال الصهيوني يقتحم منزل الشيخ "رائد صلاح" ويعتقله    ||    المجلس الروهينغي الأوروبي يحذر من إبادة جماعية للمسلمين بميانمار    ||    السبسي يثير أزمة دينية في تونس .. إفتاء تونس تؤيد وعلماء الزيتونة ينتفضون والأزهر يعترض    ||    السعودية : المفتي يحذر من المغالاة في أسعار حملات الحج    ||    مسؤول إيراني: حدودنا اليوم "عقائدية" ولا نعترف بالحدود الدولية    ||    ليبيا:مذكرة توقيف دولية بحق قائد في قوات "حفتر"    ||    أخبار منوعة:    ||    ألحان خشخشة الأكياس    ||    توليد اليقين للأزمات...!    ||    الطائفة المنصورة: وتأملات ما قبل المراجعات    ||    حقائق عن مجتمع وجنود الكيان الصهيوني    ||    هل ننتظر المهدي    ||    صناعة القدوات بين ماضي البناء وحاضر الهدم    ||    فرعون الواعظ أم مؤمن آلِه الواعظ!    ||    علمني زكريا    ||    منهجنا .. بين الأمنيات والعمل (1)    ||    الكسوف والخسوف تخويف لا تسويف    ||    التغيير، الحل الوحيد لإيران والمنطقة    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > عبادة الحج بين الإسلام والعلمانية

ملتقى الخطباء

(820)
1343

عبادة الحج بين الإسلام والعلمانية

منذ اسبوعين
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

العبادات في الإسلام ليست مجرد ممارسات متفرقة تؤدى في أزمنة وأمكنة ومواقيت محددة بحيث لا يربطها رابط يجمع مؤديها لتحقيق غايات أعظم، بل هي خريطة متكاملة يؤمر بها المسلم لتخرج في النهاية مسيرة حياته إلى آخرته على أفضل ما يكون، وكما…

 

 

مفهوم العبادة بين الإسلام والعلمانية:

العبادة في حياة المسلمين ليست بالأمر الثانوي الذي يقعُ على هامش الحياة، يستروح بها الإنسان من عنت الحياة ومشقة ممارسة أدوارها اليومية، أو يلبي بها حاجاته الفطرية نحو التقديس والتعظيم لغيب لا يعلمه، بل إنَّها المحور الذي تتَّصل به تصرُّفات الإنسان وكل ما يصدر عنه من سلوك؛ ولذا كانت مهمَّة الرُّسل جميعًا الدعوة إلى تحقيق التوحيد كواقع عملي ذي انعكاسات سلوكية وممارسات أخلاقية، فقد كان المبدأ الأوَّل في كل رسالة، وأول ما يطرق به الرسل آذان أقوامهم قوله تعالى: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36]، وكذلك قوله تعالى: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [هود: 50].

 

ويتباين فهم الناس للعبادة؛ فمنهم من يراها محصورة في ركن من أركان الإسلام أو جانب واحد من جوانبه دون أن يكون لها أثر في تكوين الأفراد وإعدادهم لمهمتهم الأساسية، ومنهم من ينظر إلى العبادة على أنها ممارسة مستقلَة بذاتها دون أن يكون لها أي أثر على السلوك العام وتكوين الشخصية، فهي أمر خاص بالفرد لا يتصل بدنيا الواقع.

 

وكل ذلك لا يمت لتشريع العبادة في شيء، وإلا كانت عبادة علمانية من جنس عبادات الأوروبيين في عصر ما بعد النهضة الصناعية، فالعبادة في الإسلام ذات مدلول شامل، وهي تحمل في طياتها إلى جانب الطاعة والنظام كثيرًا من الصفات الخلقيَّة الحميدة، كما أنها ذات أبعاد نفسية وصحية واجتماعية، وتظهر أهمية العبادة في اقترانها بالإخلاص والاعتقاد الصحيح، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة: 5].

 

فالعبادة هدفها تأكيد العقيدة وتجليتها، ولأن الإنسان ضعيف فهو عرضة للوساوس والانحراف، ولا يكون الخلاص إلا بتقوية الصلة بين الإنسان وخالقه.

 

من هنا تنبع أهمية العبادة لأنها تعمل على إزالة اللبس، وتفتح البصيرة، وتحقق التواصل الدائم مع الحق -سبحانه-، فبالتالي فإن للعبادة دوراً رئيسيًّا في حياتنا وسلوكنا.

 

ومن هنا فإن المسلم مطالب برفض اعتبار العبادة مجرد شعائر، وهذا المفهوم الشامل للعبادة ينطوي على مردودٍ تربوي هام، ذلك أنَّه يُؤكِّد على تكامُل السلوك الإنساني الموصول بالخالق -سبحانه وتعالى-.

 

وعلى رأس تلك العبادات التي يتكامل فيها كل المفاهيم الإيمانية والتربوية والأخلاقية ؛ عبادة الحج.

 

مكانة الحج في خريطة العبادات وخطاب التشريع:

العبادات في الإسلام ليست مجرد ممارسات متفرقة تؤدى في أزمنة وأمكنة ومواقيت محددة بحيث لا يربطها رابط يجمع مؤديها لتحقيق غايات أعظم، بل هي خريطة متكاملة يؤمر بها المسلم لتخرج في النهاية مسيرة حياته إلى آخرته على أفضل ما يكون وكما أمر المولى -جلَّ في علاه-.

 

وفي خريطة عبادات المرء يأتي الحج في القمة السامقة، فهو ركن الإسلام الأعظم، وآخر ما نزل من الفرائض، ولا يوفق إليه إلا من اجتباه ومنَّ عليه المولى سبحانه واصطفاه وييسر عليه هذا الشعيرة العظيمة. فقد ورد ذكر الحج في أربع سور من القرآن الكريم: البقرة وآل عمران وإبراهيم والحج، وذلك في حوالي خمسين آية من هذه السور، تناولت هذه العبادة الكبرى من عدة جوانب: من الجانب الفقهي، والجانب التربوي، والجانب التاريخي، والجانب الإيماني، والجانب الأخلاقي، لترسم في المحصلة لوحة معبرة لأثر هذه الفريضة في حياة المسلم.

 

وإذا كان الحطاب القرآني قد ركز على وضع الكليات والأسس في فهم شعيرة الحج والمقاصد العليا منها، فإن الخطاب النبوي عن الحج قد ركز على الفضائل والمكارم والدروس المستفادة من الحج، والسنة والقرآن يكملان بعضهما بعضا وهما المصدران الرئيسان لتشريع هذه الأمة، وجناحي الطائر لكل من يريد أن يحلق في سماء المعرفة والخير والهداية.

 

وهذه جملة من أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- التي توضح مكانة ومنزلة هذه الشعيرة العظيمة، وكبرى الدروس المستفادة منها:

 

1- الحج أفضل الطاعات والقربات، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أفضل؟ قال: “إيمان بالله ورسوله” قيل: ثم ماذا؟ قال: “جهاد في سبيل الله”، قيل: ثم ماذا؟ قال: “حج مبرور”.

قال النووي -رحمه الله-: “الأصح الأشهر أن المبرور: هو الذي لا يخالطه إثم، مأخوذ من البر وهو الطاعة، وقيل: هو المقبول. ومن علامة القبول: أن يرجع خيرا مما كان ولا يعاود المعاصي. وقيل: هو الذي لا رياء فيه. وقيل: الذي لا يعقبه معصية. وهما داخلان فيما قبلهما”.

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: “قال ابن خالويه: المبرور المقبول، وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي، وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل”.

 

2- الحج يعدل الجهاد لمن عجز عنه، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل؟ قال: “لكن أفضل الجهاد حج مبرور”.

قولها: “نرى الجهاد أفضل العمل” هو بفتح النون، أي نعتقد ونعلم؛ وذلك لكثرة ما يسمع من فضائله في الكتاب والسنة. قوله: “لكن أفضل الجهاد”، قال ابن حجر -رحمه الله-: “اختلف في ضبط “لكن” فالأكثر بضمّ الكاف خطاب للنسوة، قال القابسي: وهو الذي تميل إليه نفسي. وفي رواية الحموي: “لكِن” بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها بلفظ الاستدراك، والأول أكثر فائدة؛ لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج وعلى جواب سؤالها عن الجهاد، وسماه جهاداً لما فيه من مجاهدة النفس”.

 

3- الحج كفارة للذنوب كلها، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”. قال النووي -رحمه الله-: “قال القاضي: هذا من قوله تعالى: (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ) [البقرة: 197]، والرفث اسم للفحش من القول، وقيل: هو الجماع. وهذا قول الجمهور في الآية، قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ) [البقرة: 187]، وقيل: الرفث التصريح بذكر الجماع. قال الأزهري: “هي كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. وكأن ابن عباس يخصصه بما خوطب به النساء”. قوله: “ولم يفسق” أي: لم يأت بسيئة ولا معصية. وقوله: “رجع كيوم ولدته أمه” أي: بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات.

 

4- الحج الخالص المخلص ثوابه الجنة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”. قال النووي -رحمه الله-: “ومعنى: “ليس له جزاء إلا الجنة”: أنه لا يُقْتَصَر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بد أن يدخله الجنة، والله أعلم”.

 

5- الحج يهدم ما قبله من الذنوب والمعاصي، فعن ابن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقه الموت، فبكى طويلاً… وفيه قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله”.

 

تربويات الحج بين الإسلام والعلمانية:

العبادة وفق المنظور العلماني لا تمت بصلة للحياة، فهي مجرد شعائر فولكلورية يشبع بها الإنسان رغباته الفطرية نحو التأليه والتعظيم والتقديس للقوى الغيبية، ولا يحجر على إنسان ممارسة شعائره التعبدية مهما كان شططها مادام ملتزماً بالأسس العامة للعلمانية وعلى رأسها فصل الدين عن الحياة.

 

هذه النظرة المجتزئة للعبادة خلقت أجيالاً من الملحدين واللا دينيين الذين لم يروا أثر العبادة الحقيقي في الحياة؛ سلوكاً وخلقاً وعلاقات وممارسات، فبالتالي كان خيار الإلحاد عندهم هو الأسهل والأقل تبعة والأقرب للعقل المتسق مع ثقافته وبيئته.

كما أنها خلقت أيضا أجيالاً من ممارسي العبادة الفارغين الذين يخرجون من كنائسهم وبيعهم وصلواتهم ليكون بعضها من أسوأ النماذج البشرية في السلوك والخلاق والتعامل، وذلك كله بسبب النظرة الفاسدة لمفهوم العبادة في العلمانية.

 

أما في الإسلام فالصورة مختلفة تماماً -نعم يوجد الكثير من المسلمين من يشاكلون عبادة العلمانيين ويفصلون بين الدين والحياة- إلا أننا نتكلم عن الواجب والنموذج والأمر الإلهي الواجب الاتباع كما أمر الله ورسوله.

 

والحج كركن الإسلام الأعظم يعتبر خير مثال عن أثر العبادة وفق المنظور الإسلامي وآثاره العظيمة في كل المجالات.

 

فالحج مدرسة إيمانية عظيمة، يتلقى فيه المسلمون الدروس العظيمة والفوائد الجليلة والعبر النافعة في شتى المجالات، وفي جميع أبواب الدين (العقائد والعبادات والسلوك والأخلاق) ويتفاوتون في قوة تحصيلها وحسن اكتسابها تفاوتاً عظيماً بين مقلٍّ ومستكثر؛ والتوفيق بيد الله وحده، لذلك كان من المفيد استخلاص جملة من التربويات المستفادة في الحج.

 

فالبعد التربوي من أبرز معالم هذه الشعيرة العظيمة، فرحلة الحج من مبدأها إلى منتهاها عبارة عن سلسلة متواصلة من الدروس التربوية، مع كل منسك وشعيرة وفعلة وسكنة، للحج فيها دروس تربوية وسلوكية فائقة، من أبرزها:

 

1- الحج تربية على التجرد:

فالمسلم الذي ينوي القيام بمناسك الحج، يستحضر نية الهجرة، حيث أنه مهاجر برحلته المقدسة هذه إلى الله -سبحانه-، ملتمسا حبه ورضاه، وملبيا دعوته ونداءه، ومستحضرا جلال الموقف، وهيبة ذلك المكان الذي هو موئل الأنبياء، ومهبط الملائكة الأصفياء، ولاسيما جبريل -عليه السلام-، ومستشعرا حرمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبالأخص حين يزور المدينة لمنورة، ومسجده النبوي المنيف، ويتنعم في روضته الشريفة بين بيته ومنبره، وهذا النوع من الهجرة داخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”.

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- عند شرحه لهذا الحديث: “وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى، فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها، كالجهاد، والحج، وغيرها”.

 

2- الحج تربية على الاخلاص:

قال تعالى: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة: 196] قال شهاب الدين القرافي -رحمه الله- في هذه الآية: “قال الله -تعالى-: ((وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ)، ولم يقل في الصلاة وغيرها: (لِلّهِ)؛ لأنهما مما يكثر الرياء فيهما جدا، ويدل على ذلك الاستقراء حتى إن كثيرا من الحجاج لا يكاد يسمع حديثا في شيء من ذكر الحج إلا ذكر ما اتفق له أو لغيره في حجه، فلما كانا مظنة الرياء قيل فيهما لله، اعتناء بالإخلاص”.

 

فالحج عبادة مثل الصلاة والزكاة والصوم، يلزم فيها الإخلاص، وتعلق القلب بالله أولاً وأخيراً، مع الحمد والشكر له عز وجل، إذ هو المنعم بالإيجاد والإمداد، وهو المتفضل بالصحة، والمال، وهو الذي قدر التوفيق لاستعمال الأقدام في وجهة يحبها ويرضاها.

 

قال العز بن عبد السلام -رحمه الله-: “الإخلاص أن لا تعمل الطاعة إلا لله، خوفا، أو رجاء، أو محبة، أو حياء، أو إجلالا، ومهابة، على قدر منازل العالمين”.

 

ومن ثم وجب أن يذهب المسلم إلى تلك الديار بقلب منكسر خاشع خاضع لجلال الله -سبحانه-، عسى أن يتقبل منه حجه، ويرجع مغفورا له إن شاء الله، دون أن يريد من وراء ذلك سمعة أو رياء.

 

3- الحج تربية على التوحيد:

فتوحيد الله -تعالى- هو أسمى عقائد الإسلام ولأجله خلق الله الخلق، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، وشعائر الإسلام كلها جاءت لترسيخ التوحيد في النفوس، والتوحيد هو أصل المنهج الرباني ولا تزال الأمة بخير ما تمسكت به، ولم تذق طعم الذل وكيزان الهزائم إلا يوم أن فشا الشرك في كثير من أرجائها، حتى بات التوحيد ودعاته في غربة وقلة؛ لذلك فإن أركان الإسلام ومنها الحج، مجال ونطاق لتوحيد الله -سبحانه-، إذ هو المقصود الأعظم من كل عبادة.

 

وتتجلى هذه القضية في الحج من جوانب عدة، فعند الإحرام يهل الحاج بالإحرام مستحضراً ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم-: “اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة”.

 

والتلبية كلها توحيد: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”.

 

فإذا طاف بالبيت وصلى ركعتي الطواف قرأ سورة الكافرون في الأولى وسورة الإخلاص في الثانية، وكلاهما في التوحيد والبراءة من دين المشركين، فإذا أراد السعي ورقى على الصفا شرع له أن يتوجه إلى الكعبة قائلاً: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

 

وفي عرفة كان الدعاء بالتوحيد هو خير ما يقوله الحاج في خير أيام الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: “أفضل الدعاء يوم عرفة, وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير”.

 

وفي رمي الجمار إعلان للتوحيد، فالتكبير توحيد والدعاء توحيد، قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر 6:]، وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)”.

 

وفي الذبح وإسالة الدم توحيد، وارتباط بإمام الموحدين وابنه -عليهما السلام- الذين كانا في غاية الاستسلام لأمر ربهما.

 

وهكذا نجد أن كل أفعال الحج ترتبط بقضية التوحيد ارتباطاً كاملاً وذلك لكي يتربى الحاج تربية عملية على التوحيد، فالتوحيد هو الغاية العظمى لجميع رسالات الله -تعالى- إلى أهل الأرض كما قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) [النحل: 36]، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25].

 

كما أنه من شروط النصر والرفعة، وقد تجلى هذا واضحاً في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن أول ما بدأ به هو غرس التوحيد وتثبيته في أنفس الصحابة، فلما اكتمل البناء وثبت التوحيد في نفوسهم صمدوا وجاهدوا حتى نشر الله التوحيد وأزهق الشرك وأهله.

 

أيضا الحج الحج من مواسم التأكيد على عقيدة الولاء والبراء من خلال مخالفة المشركين، لم يقتصر أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه على تحقيق التوحيد في التلبية فقط بل تعدى إلى الأمر بمخالفة المشركين فيما كانوا يفعلونه عند حجهم.

 

فلقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن تلبية المشركين بما كانوا يزيدونه في التلبية بقولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.

 

وخالفهم عليه الصلاة والسلام في عدة مواضع؛ منها: أنه تجاوز الوقوف بمزدلفة ووقف في عرفات مع الناس بأمر من ربه -عز وجل-، قالت عائشة -رضي الله عنها-: ” كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحُمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله -تعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها وذلك قوله عز وجل: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) [البقرة: 199].

 

ثم خالف عليه الصلاة والسلام المشركين عند دفعه من مزدلفة وذلك بدفعه بعدما أسفر جداً وقبل طلوع الشمس مخالفة لقريش الذين كانوا ينتظرون طلوع الشمس ويقولون: أشرق ثَبِيْر كيما نُغير. ويقصدون بذلك جبل ثبير؛ لأن الشمس تشرق من خلفه، كما خالف النبي -صلى الله عليه وسلم- المشركين بعدم النزول في وادي مُحسّر، وذلك لأن الله -تعالى- قد حبس الفيل في هذا الوادي، ولأن قريشاً كانت تنزل فيه وتفتخر بأنسابها وأحسابها، فخالفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمر الصحابة بالإسراع ولم ينزل في الوادي ولم يفعل ما كانت تفعله قريش.

 

وهذا يدعو كل مسلم ومسلمة إلى الاعتزاز بدينه ومخالفة المشركين في أعمالهم.

 

4- الحج تربية على الأخلاق الحميدة:

فالحج ميدان فسيح لمن أراد ذلك؛ فالحاج يتدرب عملياً على الحلم، والصبر، والمداراة، وكظم الغيظ من جرّاء ما يلقى الزحام، والتعب، والنصب سواء في الطريق إلى الحج، أو في الطواف، أو في السعي، أو في رمي الجمار، أو في غيرها من المناسك، فيتحمل الحاج ما يلقاه من ذلك؛ لعلمه بأن الحج أيام معدودة، ولخوفه من فساد حجه إذا هو أطلق لنفسه نوازع الشر، ولإدراكه بأن الحجاج ضيوف الرحمن؛ فإكرامهم، والصبر على ما يصدر من بعضهم دليل على إجلال الله -عز وجل-. فإذا تحمل الحاج تلك المشاق في أيام الحج صار ذلك دافعاً لأن يتخلق بالأخلاق الجميلة بقية عمره.

 

فالحج تربية للناس على السكينة والوقار، وتحقيق مبدأ الإيثار، ولذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم حين الانصراف من عرفة: “السكينة، السكينة”؛ لأنها مظنة التزاحم وإيذاء غيره من المسلمين، والوقار والسكينة صفة لازمة للمسلم كما وصفه الله في كتابه كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) [الفرقان: 63].

 

5- الحج تربية على تعظيم شعائر الله:

وتعظيم الشعائر على وجهين: أحدهما: أن يختارها عظام الأجسام، حساناً، جساماً، سماناً، غالية الأثمان، فروي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن أبيه: “أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار، فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبيعها ويشتري بثمنها بدناً، فنهاه عن ذلك، وقال: بل أهدها، وأهدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب”.

 

والوجه الثاني في تعظيم شعائر الله -تعالى-: أن يعتقد أن طاعة الله -تعالى- في التقرب بها، وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لا بد وأن يحتفل به، ويتسارع فيه.

 

والشعائر: اختلف في معناها فقال بعضهم: هي كل عبادة، وقال بعضهم: بل المناسك في الحج، وقال بعضهم: بل المراد الهدى خاصة، والأصل في الشعائر الأعلام التي بها يعرف الشيء. وتعظيم شعائر الله تقتضي أمورا: تعظيم الله -تعالى-، وتعظيم ما جاء عنه في محكم التنزيل، وتعظيم رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وتعظيم حرماته وهي كل ما يجب احترامه، وتعظيم حرماته هو العلم بوجوبها، والإقرار بها، والقيام بحقوقها.

 

والشعائر منها ما هو زماني، ومنها ما هو مكاني.

فأما الشعائر الزمانية فمن ذلك الأشهر الحرم، وشهر رمضان.

والشعائر المكانية منها الثلاثة المساجد: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وبيت المقدس؛ والمساجد من شعائر الله، ورفع الأذان فيها من شعائر الله، وتعظيمها من تعظيم شعائر الله.

 

ولقد بلغ من تعظيم السلف لحرمات الله وشعائره في الحج أن أحدهم كان لا يستطيع إتمام التلبية استشعاراً لعظمتها، قال سفيان: “حج علي بن الحسين، فلما أحرم، اصفر وانتفض ولم يستطع أن يلبي، فقيل: ألا تلبي؟ قال: أخشى أن أقول: لبيك، فيقول لي: لا لبيك، فلما لبى، غشي عليه، وسقط من راحلته فلم يزل بعض ذلك به حتى قضى حجه”.

 

وكان شريح إذا أحرم كأنه حية صماء.

 

هكذا كان حال السلف في تعظيم الله -عز وجل- وزهدهم في الدنيا وتسابقهم إلى الآخرة، والأمة اليوم أحوج ما تكون إلى أن تعظم ربها وتعظم شعائره وتعظم دينه، فحال المسلمين يشمت العدو ولا يسر الصديق، وقد بلغ بهم الأمر إلى أن يتهاونوا بالمعاصي أثناء الحج وفي الحرم وصور المعاصي المنتشرة كثيرة تعكس واقع المسلمين في أقطارهم وبلدانهم.

 

6- الحج تربية على العبودية:

لم يكلف الله -تعالى- الخلق بعبادته للعنت والمشقة، ولم يفرضها عليها رغبة في الزيادة في ملك أو طمعاً في السلطان، فهو سبحانه الغني المستغني عن عباده، بل لا غنى للخلق عن ربهم طرفة عين، قال تعالى في الحديث القدسي: “يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”.

 

وفرض الله -تعالى- العبادة لما لها من أثر في النفس وعلى الأخلاق والسلوك، وبالرغم من تنوع هذه العبادات فإن الغاية العظمى منها هي تزكية النفس وتطهيرها والسمو بالأخلاق إلى سمو الدرجة التي تؤهل العبد لدخول الجنة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق”.

 

فالصلاة صلة بين العبد وربه، وتكفير للسيئات، وتنهى أهلها عن الفحشاء والمنكر: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45].

 

وفي الصيام تهذيب للنفس وتربية لها على اجتناب المباح لكي تقوى على ترك الحرام، وهذا من أعظم مقاصد الصيام، ولذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”، وجماع ذلك تقوى الله -عز وجل- كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) [البقرة: 183].

 

ولو تأملنا في أثر الزكاة التربوي لوجدنا أن فيها تطهيراً للنفس من الشح وطرداً للبخل، وتربية على البذل والندى، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: 103].

 

وكذلك الحج، فإنه ليس مجرد رحلة تعبدية يجهد فيها المسلم بدنه وينفق ماله دون أثر تربوي وبعد أخلاقي، بل هو عبادة تسمو بالروح إلى علياء التوحيد، وتطهر النفس من أدران الذنوب.

 

فموسم الحج من أعظم الفرص لانبعاث العبودية في قلب ، عبودية القلب والجوارح، عبودية الظاهر والباطن، وعلى رأس هذه الطاعات: تقوى الله -عز وجل-.

 

والتقوى غاية الأمر، وجماع الخير، ووصية الله للأولين والآخرين، والحج فرصة عظمى للتزود من التقوى، قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) [البقرة: 197]، وقال عز وجل: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) [الحج: 32]، فأولو الألباب الذين خصهم الله بالنداء لتقواه يأخذون من الحج عبرة للتزود من التقوى، فينظرون إلى أصل التشريع الإلهي، ومكانته المهمة في الدين، ويعلمون أن صدق المحبة والعبودية لله لا يكون إلا بتقديم مراد الله على كل مراد.

 

ومن العبوديات التي يطلقها موسم الحج ويربي المسلم عليها: عبودية المراقبة، فالحاج يطوف بالبيت العتيق سبعاً ويسعى بين الصفا والمروة سبعاً، ويرمي الجمار سبعاً، ويقف بعرفة في وقت محدد، وينصرف منها في وقت محدد، ويبيت في المزدلفة في وقت محدد، وهكذا..، فلا تراه يزيد في الجمار أو ينقص، ولا تراه يفعل عملاً من أعمال الحج في غير وقته، ولا تراه يأتي محظوراً من محظورات الإحرام عالماً عامداً، لماذا؟ لأنه يخشى من فساد حجه، ولأنه يعلم بأن الله مطّلع عليه.

 

وهذا درس عظيم يبعث المسلم إلى مراقبة الله -عز وجل- في شتى شؤونه وأعماله؛ فالمطلع على أعمال الحج مطلع على غيرها من الأعمال.

 

7- الحج والتربية على قبول المخالف:

ولا يقصد به أي خلاف مهما كانت غرابته أو شذوذه، ولكن الخلاف السائغ في الأمور الاجتهادية التي اختلفت فيها اقوال السابقين، وكان لكل فريق من الأدلة والبراهين ما يسوغ ما ذهب إليه واختار.

 

والخلاف نوعان: مذموم، وهو ما كان في أصل الدين مثل خلاف الخوارج والمرجئة والرافضة والقرآنيين وأرباب البدع المغلطة أو الكفرية، وهذا النوع هذا المسؤول عن تشرذم الأمة وضعفها وذهاب ريحها أمام أعدائها.

 

والثاني: سائغ مقبول، في فروع العقيدة والفقه، مثل الاختلاف في رؤية الرسول -صلى الله عليه وسلم- لربه -عز وجل- ليلة الإسراء والمعراج، أو الخلاف في الوسائل الحديثة للدعوة الإسلامية، والخلاف على دخول المجالس النيابية، إلى غير ذلك.

 

ولقد اختلف السلف في العديد من المسائل، ولكن بأدب جم، واحترام متبادل.

 

فقد اختلفوا في مكان دفنه صلى الله عليه وسلم، واختلفوا يوم سقيفة بني ساعدة، واختلفوا في قتال مانعي الزكاة، واختلف عمر بن الخطاب وابن مسعود -رضي الله عنهما- في أكثر من مائة مسألة.

 

وبالجملة فقد اختلف الصحابة ومن بعدهم من التابعين في كثير من المسائل، فمنهم من كان يجهر بالبسملة في الصلاة، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من كان يتوضأ من الرعاف والقيء والحجامة، ومن من لا يرى ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل أو مما مسته النار، ومنهم من يرى رأيه لعدم بلوغ الدليل.

 

ولم يكن هذا الاختلاف مبرراً للطعن والتثريب والتفسيق والعداوة والبغضاء فيما بينهم.

 

وفي موسم الحج فرصة عظيمة لقبول الرأي الآخر والمخالف، حيث يجد الحاج نفسه منذ بداية الرحلة أمام ثلاثة أنساك، له حرية الاختيار من بينها، والمتمتع والقارن لا ينكران بأي حال على المفرد، ومن تأخر في المبيت في منى لا ينكر على من تعجل فكلاهما سواء، وإن كان الأفضل التأخر لموافقة هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

وفي الطواف يسن لمن قدر على تقبيل الحجر الأسود أن يقبله، كما أنه يشرع له أن يستلمه أو يشير إليه ولو كان قادراً على تقبيله، فهذه أفعال مختلفة في ركن واحد من أركان الحج لكن الخلاف فيها لا يرقى إلى درجة إبطال الركن، إنما هو خلاف تنوع، ولو أن الأمة عملت بهذه القاعدة العظيمة فتركت الشقاق والنزاع والتحزب على مسائل خلافية تحتملها الأدلة وتتسع لها النصوص للمسنا آثار ذلك مزيداً من الألفة والوحدة والتعاون بين المسلمين.

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “كانوا يتناظرون في المسائل العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا دين”.

 

وقال يونس الصدفي: “ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا ولقيته فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة”.

 

قال سفيان الثوري -رحمه الله-: “إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه، وما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً عنه من إخواني أن يأخذ به”.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات