طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > خطبة الوداع وأول ميثاق عالمي لحقوق الإنسان

ملتقى الخطباء

(744)
1276

خطبة الوداع وأول ميثاق عالمي لحقوق الإنسان

تاريخ النشر : 1438/11/09
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إذا تأملنا خطبة الوداع التي بين أيدينا كمثال استنباطي على تقرير الإسلام لحقوق الإنسان، ودققنا فيها النظر، وجدنا كل ما يتشدق به الشرق والغرب من نظريات وأفكار موجودًا في هذه الكلمات المعدودة، بل إننا نجد ما هو أكثر منه وأهم…

تختلف نظرة الإسلام إلى الإنسان عن نظرة الفلسفات البشرية والمناهج الوضعية والشرائع المحرفة؛ حيث يعتبره الإسلام المخلوق المستخلف في أرض الله، وأنه مزيج من الروح والجسد، وبحاجة ماسّة لتلبية متطلبات روحه ونفسه وجسمه وعقله وقلبه معًا، دون أن يطغى جانب منه على جانب.

 

وقد كرم الله الإنسان وفضّله على كثير ممن خلق تفضيلاً: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [الجاثية: 13]، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.

 

في حين أن الفلسفة المادية العربية تنظر إلى الإنسان من زاوية بحتة مجردة من أي بعد سماوي، وأثر ديني، وذلك منذ الفصام النكد الذي وقع بين الكنيسة والشعوب بسبب تسلط الكنيسة، وتدخل الرهبان والقساوسة بالتحريف والعبث في أبسط مفردات الحياة اليومية للمجتمعات الأوروبية.

 

هذه النظرة المادية البحتة تجعل حقوق الإنسان مستقاة من نظرة التحدي بين الأرض والسماء، والمخلوق والخالق، والصراع الوهمي الافتراضي على أثمن درة يمتلكها الإنسان؛ حريته.

 

والعالم اليوم في مسيس الحاجة إلى معرفة تكريم الإسلام لهذا الإنسان، ومدى الحقوق التي منحها إياه، وكيف أنه حرّم دمه وماله وعرضه، وجعل ذلك أشد حرمة عند الله من حرمة الكعبة، لا سيما في زمن أُهدرت فيه هذه الحقوق، وداستْها السياساتُ المحلية والعالمية، وهوت بها عن مكانتها في مكان سحيق.

 

وقد تحدث الإسلام عن حقوق الإنسان، ووضَع أسسها، وأرسى دعائمها منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا.

 

ومن المؤسف حقًا في هذا الصدد: أننا في أكثر الأحيان لا نتحدث عن أمر من أمور الإسلام إلا من جهة الدفاع ورد الشبهات عنه، كأنما الإسلام في قفص الاتهام، ونحن ندافع عنه، ونثبت براءته.

 

في حين أننا لا نعرض ديننا ومبادئه السمحة ومقاصده الباهرة بطريق المبادأة والمبادرة التي نملك من إمكاناتها الكثير، والتي يتمتع الإسلام منها بأوفر نصيب، دون أن يكون حديثنا رد فعل، أو دفاعًا عن الإسلام “المتهم”.

 

وإذا تأملنا خطبة الوداع التي بين أيدينا كمثال استنباطي على تقرير الإسلام لحقوق الإنسان، ودققنا فيها النظر، وجدنا كل ما يتشدق به الشرق والغرب من نظريات وأفكار موجودًا في هذه الكلمات المعدودة، بل إننا نجد ما هو أكثر منه وأهم.

 

أولاً: نص خطبة الوداع:

خطبة الوداع لها عدة روايات كلها صحيحة ثابتة؛ ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- قد كررها يوم عرفة ثلاث مرات في عدة مواطن بسبب الزحام الكبير، وهذا هو نص أشمل الروايات التي وردت في الخطبة الشريفة:

بعد أن حمد النبي -صلى الله عليه وسلمَ-  اللهَ وأثنى عليه، قال: “أيها الناس: اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا. أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلَّغت، فمن كانت عنده أمانة فلْيؤدِّها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكنْ لكم رءوسُ أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوعٌ كله، وإن كل دمٍ كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضَعًا في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أيها الناس: إن الشيطان قد يئس من أن يُعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه إن يُطَعْ فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم. أيها الناس: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ) [التوبة: 37]، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاثة متوالية، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان. أيها الناس: إن لكم على نسائكم حقًّا، ولهن عليكم حقًّا، لكم عليهن ألا يُوطئن فرُشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غير مبرِّح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوانٍ، لا يملكْنَ لأنفسهنَّ شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلَّغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا، أمرًا بينًا: كتابِ الله، وسنةَ نبيِّه. أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمُنَّ أن كلَّ مسلمٍ أخٌ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تَظلمُنَّ أنفسَكم، اللهم هل بلغت؟” قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: “اللهم اشهد”.

 

ثانياً: بنود ميثاق حقوق الإنسان:

أولا: حق الإنسان في الأمن على ماله ودمه وعرضه:

الحقيقة أن الإسلام لم يرتب حرمة على شيء كما رتبها على دم الإنسان وعرضه وماله، ولا أدل على ذلك من أن علماء الإسلام جعلوا هذه الأمور من كليات مقاصد الشريعة الإسلامية، بل جعلوها أهم المقاصد حين أدرجوها في رتبة الضروريات، وهو ما عرف في تراثنا الأصولي باسم: “الكليات الخمسة”، أو الستة على خلافٍ.

 

فليس لأحد كائنا من كان أن يعتدي على إنسان ما دام لم يأت من الأفعال والأقوال ما يستوجب ذلك كما قرره الشارع الحكيم.

 

وقد توعد القرآن الكريم من يعتدي على النفس البشرية بأشد الوعيد حين قال: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) [النساء: 93]، قال ابن كثير: “وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [الفرقان: 68]، وقال تعالى: (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) [الأنعام: 151]، والأحاديث في تحريم القتل وانتهاك حرمة المسلم كثيرة جدا؛ فمن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: “أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء”، وفى حديث آخر يوضح النبي -عليه الصلاة والسلام-: أن كل ذنب يرتكبه الإنسان يمكن التحلل منه، ولا يبعده ذلك الذنب عن حظيرة الإسلام إلا إذا تخضبت يده بدم حرام، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: “لا يزال المؤمن مُعنقًا صالحًا ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بلح”، وفى حديث آخر يبرز مدى حرمة هذا الدم، حتى لو كان زوال الدنيا كلها في كفة، وزوال نفس مسلمة بغير حق في كفة لرجحت كفة النفس، فقال عليه الصلاة والسلام: “لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم”، وفى الحديث الآخر يتوعد النبي -صلى الله عليه وسلمَ- هذا الفاعل حتى لو كان أهل الأرض جميعًا، فهوانهم على الله يسير ما داموا أصابوا هذا الدم الحرام، فقال: “لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار”، وفى كلام آخر للنبي  -صلى الله عليه وسلمَ-  يوسع دائرة التأثيم لتشمل كل من يشارك في هذه الجريمة حتى لو بكلمة أو إشارة أو غير ذلك، فقال: “من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله”.

 

وقد كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا، ولا شك أن هذا من آية النساء السابقة، فماذا بعد جهنم والخلود فيها وغضبِ الله عليه ولعْنه إياه والعذاب العظيم الذي ينتظره؟!

 

بل إن هناك ما هو أعظم من ذلك، وهو أن الإسلام حمى الإنسان من نفسه فحرم عليه الانتحار، وأن يلقى بيده إلى التهلكة، فقال: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29]، وقال: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195].

 

وأمر المسلم أن لا يهمل بدنه، وأن له عليه حقًا من الراحة والمطعم والملبس، وينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، وهذا ما قاله سلمان لأبى الدرداء -رضي الله عنهما- وصدَّقه النبي -عليه السلام- فقد: “آخى النبي -صلى الله عليه وسلمَ- بين سلمان وأبى الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلمَ- فذكر ذلك له، فقال النبي -صلى الله عليه وسلمَ- : “صدق سلمان”.

 

والإسلام الذي جعل القصاص لقاتل النفس عمدًا، شرع حد السرقة بشروطه لمن تعدى وسرق مال أخيه الإنسان، وحافظ على المال من تبديده ومصادرته بالباطل، فقال القرآن: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 188]، وقال متوعدا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا) [النساء: 29 – 30].

 

وحافظ الإسلام على عرضه، وشدد النكير على من يستبيحه، وكفى بما في سورة النور وسورة الحجرات حجة ودليلاً، وما جاء فيهما من حدود وآداب تحفظ على الإنسان عرضه، وتجعله يعيش آمنًا مطمئنًا.

 

وذلك ما أعلنه النبي -صلى الله عليه وسلمَ- في مطلع خطبته: “أيها الناس: اسمعوا قولي، فإني لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا. أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا”.

 

ثانيًا: حق الإنسان في العدل:

ولقد قامت السماوات والأرض على العدل والحق، وهو سمة الإسلام الأولى، واسم من أسماء الله الحسنى، ولم يرسل الله الرسل، أو ينزل الكتب إلا من أجله، فقال: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: 25]، وقال: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل) [النحل: 90]، وشدد على المعاملة في أموال اليتامى وشئونهم أن تكون بالقسط، فقال: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) [الأنعام: 152]، وقال: (وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) [النساء: 127].

 

وأكد على أن العدل أمر مقرر في الشهادة أيضًا، حتى لو كان بينك وبين المشهود له شحناء أو شنآن، أو كان المشهود عليه نفسك، أو الوالدين والأقربين، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ) [النساء: 135].

 

وأمر الله رسوله أن يحكم بالقسط بين أهل الكتاب: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [المائدة: 42]، وقال مخاطبا جماعة المؤمنين: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) [النساء: 58]، وعن أبى هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- قال: “سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل”.

 

وكما أمر الله بالعدل في كل شأن من شئون الحياة، فقد حرم سبحانه الظلم بكل صوره، وبلغ من فداحته أن الله -تعالى- لم يحرمه على عباده فقط، لكنه حرمه على نفسه، مع أن كل شيء مِلْكٌ له سبحانه؛ ففي أجل حديث لأهل الشام عن أبى ذر -رَضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- فيما روى عن الله -تبارك وتعالى- أنه قال: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا”.

 

وهذا ما خاطب به النبي -صلى الله عليه وسلمَ- الأمة في حجة الوداع آمرًا بأداء الأمانة، محذرًا من كل صور الظلم حين قال: “وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فلْيؤدِّها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربًا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوعٌ كله”.

 

ثالثا: حق الرجل على المرأة وحق المرأة على الرجل:

وهذه هي العلاقة الأولى التي ترسى دعائم أول لبنة في بناء المجتمع، فإن كان الأساس قويًا متينًا على تقوى من الله ورضوان فهو الفلاح والعزة للمجتمع المسلم، أما إن كان على شفا جرف هَارٍ فالويل للمجتمع والضنك والذل في الدنيا، والعذاب والهلاك في الآخرة، يوم ينهار هذا البنيان بصاحبه في نار جهنم -والعياذ بالله-: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَيَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [التوبة: 109].

 

ولا شك أن عدم التأسيس على تقوى من الله ورضوان ظلمٌ بيِّنٌ كما ختمت الآية، فهو قد ظلم نفسه، وظلم أولاده، وظلم زوجته، وظلم مجتمعه، وظلم دنياه كما ظلم آخرته.

 

ولقد لخص القرآن دستور العلاقة بين الزوجين أجمل تلخيص حين قال: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [البقرة: 228]، قال الإمام القرطبي: “أي لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن؛ ولهذا قال ابن عباس: “إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها عليّ”؛ لأن الله -تعالى- قال: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي زينة من غير مأثم، وعنه أيضًا: “أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة، فيما أوجبه عليهن لأزواجهن، وقيل: إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن، كما كان ذلك عليهن لأزواجهن”، وقوله: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) قال ابن كثير: “أي في الفضيلة في الخَلق والخُلق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة”.

 

وقد قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: 34].

 

ويحذر الله -تعالى- في آخر هذه الآية من العبث بمقدرات هذه الأسرة أو “المجتمع الصغير”، ومخالفة أوامر الله فيها وتشريعاته لها في تذييل الآية: (وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ) [البقرة: 228] أي عزيز في انتقامه ممن عصاه، وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره.

 

وما أحسن ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلمَ-  في خطبته الجامعة التي أسمعها لعشرات الآلاف، في أمر النساء بالذات، فقال: “أما بعد أيها الناس: فإن لكم على نسائكم حقًّا، ولهن عليكم حقًّا، لكم عليهن ألا يُوطئن فرُشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غير مبرِّح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عوانٍ، لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت”.

 

رابعا: حق الحاكمية:

وهو ما قاله النبي -عليه الصلاة والسلام- في خطبته الكريمة: “وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا بعدى أبدًا، أمرًا بينًا: كتاب الله وسنة نبيه”.

 

إن عدم الاعتصام بهذين الأصلين يؤدى حتما إلى ضلال، كما يفهم بالمخالفة من قول النبي -صلى الله عليه وسلمَ-: “لن تضلوا بعدى أبدًا”.

 

وقد يكون الضلال هنا ضلالاً سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو تنظيميًا أو أمنيًا أو ثقافيًا وفكريًا أو تعليميًا وتربويًا… الخ، كل هذه أنواع من الضلال أوجزها الرسول في هذه الكلمات الثلاث.

 

والأمة معرضة بالفعل للضلال في أي مجال من هذه المجالات إن لم تحكِّم شرع الله فيه، وقد وصف الله -تعالى- من لم يحْكم بشرعه بالكفر والفسق والظلم، ولا غرو فقد كفرَ قانونَ الله، وبذلك يكون خرج أو فسق عن منهج الله، والنتيجة الحتمية لذلك كله هي الظلم البين، سواء أكان لنفسه أو لمجتمعه.

 

والأمة الإسلامية ينبغي أن تنطلق من مصدرين أساسين عليهما مناط التشريع، وهما: الكتاب والسنة، فمن أخذ بهما فإنه لن يضل ولن يهزم أبدًا.

 

ومن هنا فإن أحدًا من الخلق لا يجوز له مهما كان قانونه، ومهما كانت قوته أن يحول بين الأمة وبين كتاب الله الذي هو روحها وحاديها إلى الصراط المستقيم

 

خامسًا: حق الرابطة:

لقد أعلن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- هذا الحق على الدنيا فقال: “أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمُنَّ أن كلَّ مسلم أخٌ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمُنَّ أنفسَكم، اللهم هل بلغت؟” فقرر النبي -صلى الله عليه وسلمَ- أن الرابطة التي كونت هذه الأخوة هي الإسلام والإيمان، فالمؤمنون إنما هم إخوة كما قال القرآن، فلا أخوّة بلا إيمان، ولا إيمان بدون أخوة.

 

وهذه هي رابطة الأهلية الحقيقية ومناطها، والتي قررها الله -تعالى- مع نبيه نوح -عليه السلام- حين قال له: (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) [هود: 45]، فصحح الله له مفهوم الأهلية، فقال: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) [هود: 46].

 

ولا تكوِّن هذه الرابطة سوى الإيمان بالله -تعالى-، والعمل الخالص لوجهه، ولو جمعتَ كل أموال الدنيا لما استطعت تكوينها من دون الإيمان بالله والعمل الصالح الخالص له: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 63].

 

إن هذه الرابطة إذا قويت في مجتمع من المجتمعات فلن تجد في هذا المجتمع فقيرًا أو محتاجًا أو مظلومًا، ولما وجدنا تناحرًا ولا تفرقًا، ولا حسدًا وحقدًا بين المسلمين؛ لأن هذه الرابطة القوية تحول بين المؤمن وبين هذا كله بما تحمله في طياتها من إيمان بالله واليوم الآخر، وعمل صالح، وقلب أوَّاهٍ منيب، يحب الخير للناس، ولا يتمنى لهم الخطأ أو الشر والعثار.

 

وحيث بلغ النبي -صلى الله عليه وسلمَ- هذه الحقوق والواجبات في حشود بلغت عشرات الآلاف وجب على هذه الجماهير المؤمنة أن تحمل هذا الخير للأجيال من بعدها لتتواصل المسيرة، ويعم نفع الغير وعمل الخير؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلمَ- يقول بصوت مرتفع: “اللهم هل بلغت”، فتجيبه الجماهير: “اللهم نعم”، فيرفع يديه لرب السماء قائلاً: “اللهم اشهد”.

 

ثالثاً: مزايا ميثاق  حقوق الإنسان في الإسلام:

من خلال قراءة نصوص ميثاق حقوق الإنسان الوارد في خطبة الوداع، يتضح لنا انفراد وخصوصية حقوق الإنسان في الإسلام عن نظيرتها الغربية بعدة أمور:

 

ربانية المصدر:

حقوق الإنسان في الوثائق الوضعية الغربية مصدرها الإنسان، الذي هو مركب النقص، وهو يخطئ  أكثر مما يصيب؛ إن أحاط بجزئيةٍ، غفل عن أكثرها، وإن أدرك أمراً قصر عنه آخر ؛ كما أن الإنسان بطبيعته يغلب عليه الهوى، فيرى الحق ولا يتبعه، يدل على ذلك أن المجتمعات الغربية تسمح بالزنا وتسمح بشرب الخمر وغير ذلك من الأمور التي لا يشك عاقل في أنها مضرة بالمجتمع.

 

أمَّا في الإسلام فمصدر حقوق الإنسان كتاب الله المعجز، وسنة رسول -صلى الله عليه وسلمَ- الذي لا ينطق عن الهوى، فهي تشريعات ربانية، لا خلل فيها، ولا نقص، ولا تقصير، ولا ضيق نظر، فهي متوازنة، وتراعي مصلحة الفرد كفرد في مجتمع وتراعي مصلحة المجتمع.

 

إلزامية التنفيذ:

فالوثائق الوضعية التي وضعها الإنسان ليست إلا مجرد تصريحات، وتوصيات صادرة عن الأمم المتحدة، لا إجبار وإلزام فيها، ولا يترتب على الإخلال بها أي جزاء قانوني، بل صارت في العقود الأخيرة أداة من أدوات الضغط والتدخل في شئون الدول ومحاولة الاستحواذ والسيطرة على مقدراتها، ألعوبة يتلاعبون بها لصالح أجندات ومشاريع استعمارية، لذلك نجد أن منظمات حقوق الإنسان لا تتكلم إلا عن دول العالم الإسلامي، أما الانتهاكات في الغرب فيغضون الطرف عنها كأنها لم تقع من الأصل.

 

أما في الإسلام فحقوق الإنسان أبدية، ثابتة، إلزامية، لا تقبل: الجزئية، والحذف، والتبديل.

 

وعلى الفرد: الأخذ بها؛ راجياً ثواب الله، خائفاً من عقابه، ومن تُسوّل له نفسه العبثَ بها، فإن مِن حق السلطة العامة في الإسلام، إجباره على تنفذيها، وإيقاع العقوبة الشرعية عليه، في حال إخلاله بها.

 

الأسبقية:

فأول وثيقة لحقوق الإنسان عرفها الغرب، كانت ما جاء به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في القرن الثالث عشر الميلادي سنة 1215م.

 

أما في الإسلام فبدأت بظهور الإسلام نفسه، وقد اشتملت على حقوق ثابتة لله، وحقوق للعباد، كحقوقه المدنية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، إلي غيرها من الحقوق الأخرى.

 

وما كانت الآيات القرآنية، وأحاديث الرسول في حقيقتها إلا مواثيق وقوانين.

 

ويُعَدُّ من أشهر المواثيق في الإسلام لحقوق الإنسان ما جاء على لسان الرسول -صلى الله عليه وسلمَ- في حجة الوداع وخطبته المشهورة في تلك المناسبة العظيمة.

 

الضمان والحماية:

في الوثائق الدولية حقوق الإنسان وكذلك الحماية الدولية لها لا تعدو كونها توصيات أدبية، ومحاولات لم تصل إلى حد التنفيذ.

 

وعلى كلٍ  فهي تقوم على أمرين:

أ- محاولة الاتفاق على أساس عام ومعترف به بين الدول جميعاً.

 

ب- محاولة وضع جزاءات ملزمة، تدين الدولة التي تنتهك حقوق الإنسان.

 

وهذه التوصيات في حقيقتها لا تعدو كونها حبر على ورق، يتلاعب بها واضعوها حسبما ما تمليه عليه أهواؤهم، وشهواتهم، ومصالحهم، وإن كان فيه الضرر البالغ على الأفراد، بل وعلى الأمم.

 

أمَّا في الإسلام فالحقوق التي منحها الله للإنسان محمية مضمونة، وذلك لأنها:

 

أ- مقدسة قد أُلبست الهيبة والاحترام؛ لأنها منزلة من عند الله، وهذا يُشَكِّلُ رادعاً للأفراد والحكام على السواء عن تعديها وتجاوزها.

 

ب- احترامها نابع من داخل النفس المؤمنة بالله.

 

جـ- لا يمكن إلغاؤها، أو نسخها، أو تعديلها.

 

د- أنها خالية من الإفراط والتفريط.

 

الشمولية:

الإسلام يتميّز عن غيره بالشمولية، ونذكر هنا بعض حقوق الإنسان التي لم يذكرها مشرعو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي كالآتي:

1- حقوق اليتامى: ففي الميثاق العالمي أشار إلى حق رعاية الطفل فقط. أمَّا الإسلام؛ فقد تميز بإعطاء عناية خاصة لليتامى، وحَفِظَ حقوقهم، وأمر بالإحسان إليهم، بكافة أنواع الإحسان، بل ورتَّبَ على ذلك الأجر، والثواب، والتحذير من المساس بهذه الحقوق.

 

2- حق ضعاف العقول: كفل لهم الإسلام حق الرعاية والاهتمام، وأمر بحسن معاملتهم، كما قال تعالى: (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) [النساء: 5].

 

3- حق الميراث: وهذا الحق قد غفلت وتغافلت عنه الوثائق البشرية، بينما نظم الإسلام، وأقرّ هذا الحق، في أروع صوره، وأبطل ما كان عليه الناس قبل الإسلام، من إسقاط حق المرأة في الميراث؛ قال: (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) [النساء: 7]، وقد أفاض الإسلام في هذا الأمر، وبيّن مقدار الأنصبة في كثير من الآيات

 

4- حق الدفاع عن النفس: أيضاً هذا الحق من الحقوق التي لم يذكرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بينما وردت العديد من الآيات والأحاديث، التي تقرّ هذا الحق وتنظمه؛ كما في قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 194].

 

5- حق العفو: الإسلام دين رحمة، وتسامح، وعفو، وإحسان، من غير استسلام، أو ذل، أو تمكين للأشرار، وهذا ما لم يهتم به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات