طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الآثار المدمرة للإعلام المعاصر على البيت المسلم

ملتقى الخطباء

(276)
1273

الآثار المدمرة للإعلام المعاصر على البيت المسلم

تاريخ النشر : 1438/11/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

في هذا العالم الذي تداخلت فيه الأمور وتشابكت معه الاهتمامات، وتعقدت بصورة مذهلة، وبدأت فيه ملامح صراع كبير وعنيد بين الحضارات، وتداخلت فيه الثقافات، وبدا واضحا مدى التأثير القوي للتكتلات الاقتصادية والإقليمية والدولية متمثلة بالشركات متعددة الجنسيات العابرة للحدود من جهة والإعلام بقوته التي…

من المنطلقات الإسلامية الثابتة: أن المسلم يمارس حياته وفقاً لعقيدته التي يؤمن بها، وأفكار يعتنقها، وتشكل مجموعة الأفكار التي ينطلق منها سلوك المسلم في حياته مفهوم الثقافة والوعي الإدراكي للأمور والأحداث.

 

ولكن مكمن الخطورة يأتي في الاختلاف البيني في عالم الأفكار والقيم -التي يؤمن بها الفرد- عن عالم الوسائل في منهج التطبيق، والذي من شأنه أن ينحرف بثمرات الإبداع المادي عن كونها وسائل بناء وإعمار لحضارة إنسانية مستقرة وآمنة، إلى وسائل دمار وفناء.

 

إذاً، فمعتقدات الإنسان ومعارفه هي منطلقات سلوكه، وقد كان الدين منذ وجد الإنسان أقوى هذه المعتقدات وأسمى هذه المعارف، ولأن الإسلام هو الدين العام والخالد للبشر جميعاً، فقد كان الجانب العقائدي والعلم بحقائق الوجود من الأهمية بمكان في تصور الإسلام بحيث أولت الثقافة الإسلامية هذين الجانبين أهمية قصوى، وبقدر سلامة معتقد الإنسان وعلمه يكون سلوكه منتجاً ومحققاً لمبدأ الاستخلاف في الأرض.

 

والإنسان يولد على الفطرة فيؤخذ منذ صغره برعاية أسرته ثم مؤسسات التنشئة والتثقيف الأخرى، ومنها المساجد ومؤسسات التعليم وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة وغيرها من المنظمات المعنية بالاشتراك في العملية التربوية لأجيال المقبلة، ويعد أي إخفاق في قيام هذه المنظمات بوظائفها سبباً من أسباب الاضطراب الثقافي والمعرفي، ومن ثم الأخلاقي والسلوكي الذي ينتج عنه انهيار في الحضارات والأمم.

 

ولقد تقلص دور الأسرة في تثقيف النشء بسبب ما لحق بنظام الأسرة من تغيرات العصر الحديث، حين ينتقل النشء بعد ذلك إلى مؤسسات التعليم يجدها قد شهدت هي الأخرى تغيرات وقفت بها عن القيام بمهمتها التثقيفية، بل يصل الأمر إلى حد التناقض بين أنظمة التعليم في القطر الواحد، فتصبح العملية التعليمية ذاتها عقبة تعرقل سعي الإنسان نحو تنمية وبناء معارفه.

 

وعلى خط متواز مع مؤسسات التعليم والتنشئة تعمل مؤسسات الإعلام التي نمت وتطورت واستطاعت أن تسيطر على معظم أوقات الإنسان، طفلاً كان أم شاباً أم كهلاً، حيث تقدم وسائل الإعلام مزيجاً من المعارف والأفكار وأنماط السلوك مما انعكس بصورة كبيرة على البناء التربوي والأخلاقي للمجتمعات المسلمة، أنتجت أنماطاً سلوكية وأخلاقية مغايرة، ونماذج معرفية مختلفة بالكلية عن النموذج الإسلامي، كانت في مجملها شديدة الضرر على هذه المجتمعات.

 

وسوف نناقش في هذا المقام الآثار المدمرة للإعلام المرئي على البيوت والأسر والمجتمعات المسلمة.

 

أولاً: إرساء منظومة العلمانية:

في هذا العالم الذي تداخلت فيه الأمور وتشابكت معه الاهتمامات وتعقدت بصورة مذهلة، وبدأت فيه ملامح صراع كبير وعنيد بين الحضارات، وتداخلت فيه الثقافات، وبدا واضحا مدى التأثير القوي للتكتلات الاقتصادية والإقليمية والدولية متمثلة بالشركات متعددة الجنسيات العابرة للحدود من جهة والإعلام بقوته التي منحته إياها تطورات التكنولوجية والاتصالات في ثورة المعلوماتية من جهة ثانية يسهم هذان الاتجاهان الكبيران بقوة في تشكيل الوعي والثقافات وتكوين الرأي العام.

 

ومن هنا نلحظ: أن الإعلام أضحى رأس الحربة المتقدم في الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الأوروبية ومنتجها الثقافي المعاصر؛ العلمانية، بحيث عاد الصراع واضحاً بكل جلاء بين الإسلام كمنهج قيمي وسلوكي وأخلاقي والعلمانية بكل تداعياتها وخلفيات ظهورها في المجتمع الغربي.

 

ومن ثم نجد أن القوى الرأسمالية العالمية بما تمتلكه من وسائل إعلام جبارة تحاول بكل إصرار فرض نموذجها الثقافي -العلمانية- في بلاد الإسلام مستغلة حالة الفراغ الإعلامي الإسلامي والقصور الشديد لدى الدول والمجتمعات الإسلامية في هذا المضمار، ومن ثم سَهُل ولوج مبادئ وقيم العلمانية عبر شاشات وفضائيات ومرئيات الإعلام العلماني.

 

ولقد أصبحت تيارات تدفق الإعلام العلماني من الشمال إلى الجنوب كالسيل العارم يطيح بكل ما يتعرضه فيحطم كل توازن طبيعي لا يتماشى مع أهوائه ولا يستجيب إلى أغراضه وإن كل اختلاف يتصل بتدفق الإعلام له انعكاساته على نظرة الفرد إلى مقومات المجتمع الثقافية التي يستمد منها أصوله ويثبت لها انتسابه إلى هذا المجتمع.

ومن هنا كانت التغريب في أشد صوره.

 

فالتدين علاقة شخصية بين العبد وربه، لا دخل لها في الحياة، الشريعة تخلف لا يواكب العصر، وحجاب المرأة حجر على شخصيتها، والحلال والحرام يعطل كثيراً من عجلة الحياة، والعلاقة بين الرجال والنساء حرية شخصية وأمور عادية، وهكذا طابور لا تنتهي مفرداته التي يجري بها استبدال المحتوى الثقافي الإسلامي القيمي بالمحتوى العلماني المتفلت.

 

ثانياً: سلخ الشخصية المسلمة من هويتها الإسلامية:

الهوية مصير، وهي التي تحفظ سياج الشخصية، وبدونها يتحول الإنسان إلى كائن تافه فارغ غافل تابع مقلد مطموس الشخصية مسطح الثقافة؛ لأن للهوية علاقة أساسية بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية، وبالتالي تحديد سمات شخصيته فتجعله إنسانًا ذا قيمة ولحياته معنى وغاية.

 

فالأمم لا تحيى بدون هُوية؛ إذ الهُويَّة بالنسبة للأمة بمثابة البصمة التي تُميزها عن غيرها، وهي أيضًا: الثوابت التي تتجدَّد، ولكنَّها لا تتغيَّر، ولا يمكن لأمة تريد لنفسها البقاء والتميُّز أن تتخلَّى عن هُويتها، فإذا حدث ذلك فمعناه: أن الأمة فقدت استقلالها وتميُّزها، وأصبحتْ بدون محتوى فكري، أو رصيدٍ حضاري، ومن ثَمَّ تَتَفَكَّك أواصرُ الولاء بين أفرادها، وتتلاشى شبكة العلاقات الاجتماعية فيها.

 

والنتيجة المحتَّمَة هي السقوط الحضاري المدوِّي؛ بل وتداعي الأمم عليها كما تداعى الأكَلة إلى قصعتها، فتأكل خيرها، وتغزو فكرها، وتطمس معالم وجودها، وتمحو أثرها من ذاكرة التاريخ.

 

والأمم تحاول وهي على طريق الحفاظ على هويتها التعرض دائما بالهجوم على هويات الأمم الأخرى، من باب أن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نفهم حركة الاستشراق الثقافية التي قادها علماء الغرب منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى وقتنا الحالي، ليس من باب التعرف على حضارة وثقافة العرب والمسلمين، ولكن من باب التحصين الفكري لثقافتهم وحضارتهم، يقول الأستاذ محمود محمد شاكر: “وبيِّنٌ لك الآن بلا خفاء أن كتب “الاستشراق” ومقالاته ودراساته كلها مكتوبة أصلاً للمثقف الأوربي وحده لا لغيره، وأنها كتبتْ له لهدفٍ معين في زمان معينٍ، وبأسلوب معين، لا يراد به الوصول إلى الحقيقة المجردة، بل الوصول الموفق إلى حماية عقل هذا الأوربي المثقف من أن يتحرَّك في جهةٍ مخالفة للجهة التي يستقبلها زحف المسيحية الشمالية على دار الإسلام في الجنوب، وأن تكون له نظرة ثابتة هو مقتنع كل الاقتناع بصحتها، ينظر بها إلى صورة واضحة المعالِم لهذا العالَم العربي وثقافته وحضارته وأهله، وأن يكون قادرًا على خَوْض ما يخوض فيه من الحديث، مع من سوف يلاقيهم، أو يُعاشرهم من المسلمين.

 

ومن هنا ندرك الخطر الحقيقي الداهم في الدور الذي يلعبه الإعلام في مجتمعاتنا هو نقل قيم غربية ذميمة مع خلق أنماط تفكير وأنماط سلوك غربية، وتمييع الشخصية الإسلامية وسلخها من هويتها الإسلامية ودمجها في شخصية جديدة يحاولون إنشاءها تدعى حالياً “الشخصية الشرق أوسطية”، بحيث لا يختلف فيها الشخص اليهودي عن المواطن الأردني أو السوري أو المصري طالما أن كلاً منهم ينتمي إلى منطقة جغرافية واحدة هي منطقة الشرق الأوسط.

 

وإن هذا هو الخطر الأول وينتج عنه مجموعة من الأخطار، فعملية نقل وتحويل القيم تتبعها صراعات اجتماعية ونفسية خطيرة، فالإنسان المسلم اليوم يعيش حالة من الصراع النفسي الرهيب بين ما يؤمن به ويعتقد فيه من مبادئ وقيم، وبين ما يراه الآن في المجتمع وما تنقله وسائل الإعلام من تحرر وإباحية.

 

ثالثاً: نشر ثقافة الفاحشة:

إذا نظرنا إلى الإعلام المعاصر وجدناه بالإضافة إلى فلسفته العلمانية، فإنه يتعمد -وبخاصة المرئي- إلى دغدغة مشاعر الناس لاسيما المراهقين منهم، بقصص الغرام الملتهبة، بالإضافة إلى كم العري والموديلات الجديدة في الأزياء خاصة أزياء النساء حتى تتوافق مع موجات الإباحية وإظهار المفاتن والعورات مما يهيج الشباب تهييجاً شديداً, ثم يعود هذا الشباب فيصطدم بالواقع من صعوبة الزواج وتحصين النفس ويصاب بالتدمير الداخلي الكامل حتى تنحرف الأمة، وهذا كله يدخل تحت قول الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور: 19].

 

علماً بأن هذه الآية الكريمة نزلت في الذين يتلقون الفاحشة بأفواههم، فكيف بمن يدعو إلى ارتكابها ويبرر حدوثها ويمارس صوراً منها علناً أمام الشاشة، أو يدعو إلى بعض صورها في صراحة ووضوح وبجاحة.

 

وإن ما تنشره وسائل الإعلام اليوم يتجاوز كونه مجرد صور وأفلام تتأجج الفتنة وتوقد نار الشهوة إلى كونه منظومة متكاملة تبث ثقافة الفاحشة بحيث تكون اختياراً مفضلاً عند قطاعات كثيرة من الشباب، وقديماً قال القس زويمر في مؤتمر التنصير الذي عقد بالقاهرة وهي تحت ظل الاحتلال الإنجليزي سنة 1906 قال أمام الحضور: ” كأس وغانية تعمل في أمة محمد أشد من ألف مدفع”.

 

إن الأفلام التي تعرض في التلفاز وخاصة السينمائية منها تتسم كلها بنداء الجنس الهائج مما يحطم الحصون الدفاعية للفتيان والفتيات، ويوقع بهم أسرى لهذا النداء الرهيب.

 

إن الشباب المسلم حتى المتدين منه عندما يجلس ساعات أمام وسائل الإعلام ينهزم نفسياً، ويصاب بالخذلان وتتحطم معنوياته، إذ كيف له أن يستقيم على منهج الإسلام بطهارته ونقائه، فضلاً عن الدعوة إليه والعمل على تطبيقه، وهو الذي لا يزال تناديه الشهوة والرغبة، وتتدغدغ مشاعره حين يجلس أمام مشهد لقبلة ساخنة بين ممثل وممثلة، أو أمام مشهد آخر قد يكون أكثر إثارة وإغراء.

 

إن الشاب يجد نفسه في هذه الحالة في اختبار عسير وصراع رهيب، وهو اليافع الذي لم يجرب بعد تلك الشهوات، فقد يفشل في الاختبار وينهزم في المواجهة، وهنا يصاب بالإحباط ويظل أسير تلك النظرة المحرمة وتداعياتها.

 

إن أسوأ ما في الأمر أن هذا المشهد لن ينتهي من مخيلة الفتى أو الفتاة بمجرد أن ينتهي العرض على الشاشة، بل سيبقي مختزناً في مخيلته وفق نظريات علم نفس المعرفة التي تؤكد أن ما يدخل الذهن عن طريق الحواس مثل العين والأذن لا يخرج منها أبداً, يتداعى إليه كل صباح ومساء، ويترائي له كلما أوى إلى فراشه، مع تبديل أشخاص المشهد حسبما يسرح خياله، وما يصاحب كل ذلك وينتج عنه من مشكلات نفسية وسلوكية -نسأل الله لشبابنا العافية منها-.

 

ونشر ثقافة الفاحشة أشد وأخطر من نشر الفاحشة نفسها، فنشر الثقافة يصاحبه تغير النظرة تجاه المنكرات والمحرمات، والعبث بالمصطلحات الشرعية، وتزيين الباطل، فالعري وكشف العورات اسمه: فن وإبداع، والزنا والفجور اسمه: ممارسة الجنس خارج الزواج، والزانية التي أصبح لديها ولد من الزنا اسمها: “الأم العزباء” ، والتهتك والانحلال اسمه: تحرر وانفتاح، وهكذا..

 

ومن هنا ندرك تمامًا خطورة تلك البرامج الإعلامية الماكرة على الشباب والمجتمع المسلم من جانب، وخطورة إظهار هؤلاء المتدنسين بالزنا والفواحش من جانب آخر، وكأنهم قدوة الشباب والفتيات في مجتمعاتنا، وخطورة نشر الفاحشة علنًا أو تضمينًا بتلك الوسائل المشبوهة من جانب ثالث.

 

إن انتشارَ تلك الظاهرة المريبة في المجتمع المسلم من المحرمات الكبرى التي نهى الإسلامُ عنها، فنحن مجتمعٌ مسلم، يحكمه دينُه وقِيَمُه وأخلاقُه، ولا يحل لأحد أن يمتلكَ الوصاية عليه باسم الفن والمسرح والإعلام، كما لا يحل لأحد أن يتملَّقَ على قِيَمِه ومُثُلِه الفاضلة الأبية.

 

فها هي نصوص القرآن والسنة تدْعونا إلى الفرارِ من الفاحشة والخنا، وتدعونا إلى التحذير من الذين يريدون أن يدمِّروا بيوتهم ومجتمعَهم من أجل نشر الفواحش والمنكَرات فيها، وتدعونا إلى مراعاة حُرُمات الله -تعالى-، وألا نتعدَّى على أعراض الناس؛ مسلمين كانوا أو غير مسلمين، وأن نغضَّ البصر عن كل حرام، وأن نترك كل خَلوة بين رجل وامرأة تُفْضِي إلى فعل الحرام.

 

رابعاً: تسطيح الدين:

التعريف اللغوي “للدين” في معاجم اللغة: “هو الإحسان، وهو العبادة وهو التذلل والخضوع، وهو العادة، وهو الإسلام والتوحيد، وهو اسم لكل ما يعتقد، أو لكل ما يتعبد الله به.

 

وقد لخص الدكتور: محمد عبد الله دراز المعنى اللغوي لكلمة: “الدين” كما يستخدمها العرب، بأن لها معان عديدة، تشير كلها إلى علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر، ويخضع له، فإذا وصف بها الطرف الأول كانت خضوعاً وانقياداً، وإذا وصف بها الطرف الآخر كانت أمراً وسلطاناً، وحكماً وإلزاما، وإذا نظر بها إلى الرباط الجامع بين الطرفين كانت هي الدستور المنظم لتلك العلاقة أو المظهر الذي يعبر عنها.

 

فالدين لا يكون إلا وحياً إلى الأنبياء الذين يختارهم الله من عباده، ويرسلهم ليهدوا بأمر الله.

 

ويقدم الأستاذ أبو الأعلى المودوي تعريفاً شاملاً للدين باعتباره: نظاماً للحياة، يذعن فيه المرء لسلطة عليا لكائن ما، ثم يقبل إطاعته واتباعه، ويتقيد في حياته بحدوده، وقواعده وقوانينه، ويرجو في إطاعته العزة، والترقي في الدرجات، وحسن الجزاء، ويخشى في عصيانه الذلة والخزي وسوء العقاب.

 

والدين له سمات ثلاثة:

أولاً: الدين قطرة إنسانية: ومما يقطع بحقيقة فطرية الدين ما جاء في القرآن الكريم من قول الله -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 172]، وهذا هو الميثاق الأول الذي أخذه الله على عباده قبل أن يكونوا بشراً.

 

وفي البخاري بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء”، وتلا أبو هريرة -رضي الله عنه-: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) الروم: 30]، ولم يرد في نص الحديث: “يؤسلمانه” مما يؤكد أن الفطرة هي الإسلام.

 

ثانيا: الدين ضرورة اجتماعية: فالدين على وجه العموم أصل هام لكل الحضارات مهما اختلفت صورها، وهو ينطوي في ذاته -ومنذ البدء- على جميع العناصر التي أدت إلى نشأة مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية، وتدل شواهد التاريخ أن الإنسان إذا ترك بدون توجيه ديني، تصبح حياته مهددة بشيوع الفوضى والاضطراب.

 

وتتفاوت فيها الموازين إلى حد قد يصل إلى التناقض، كما تختلف نظرة الإنسان إلى الأشياء.

 

والإنسان لا تسوقه الحياة المادية، بل هو مقود دائماً “بفكرة” صحيحة أو فاسدة، إذا صلحت، صلحت حياته، وإذا فسدت فسدت حياته، قال صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”.

 

وعلى ذلك “فليست قوانين الجماعات، ولا سلطان الحكومات بكافيين –وحدهما- لإقامة مدينة فاضلة، تحترم فيها الحقوق، وتؤدي فيها الواجبات على وجهها الأكمل” فالدين حتمية اجتماعية لازمة لحياة المخلوقين بحكمة الله ومشيئته.

 

ثالثاً: الدين واحد وهو الإسلام: ثالث خصائص الدين الحق أن الدين واحد من آدم -عليه السلام- إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمته إلى يوم القيامة، واحد المصدر لأنه من عند الله، واحد الأصل لأنه قائم على التوحيد، وكل ما اختلفت فيه الشرائع السابقة أنها كانت مرتبطة بأمم بعينها، ولم تكن عامة، كما جاءت الرسالة الخاتم.

 

فالرسالات السابقة كانت خاصة بأقوامها بحيث ينتهي العمل بها عند مجيء دين آخر، أما دين الإسلام فهو الدين العام الذي لا يخص أقواماً بأعيانهم، والخالد الذي لا تنسخه رسالة أخرى، وهو خاتمها كلها إلى يوم القيامة، قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [الأعراف: 158]، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: “نحن معاشر الأنبياء أولاد علات وديننا واحد” أي هو عبادة الله وحده، وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى: “أولاد علات”، وهم الأخوة من أمهات شتى”، وروى الترمذي بسنده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وجملها، وترك منها موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون بالبناء، ويعجبون منه، ويقولون: “لو تم موضع تلك اللبنة، وأنا في النبيين بموضع تلك اللبنة”.

 

ومن العرض السابق يمكن التأكيد على أن الفكرة الدينية تعبر عن حاجات النفس الإنسانية في مختلف ملكاتها، ومظاهرها.

 

فما هو المفهوم الذي تقدمه وسائل الإعلام عن الدين؟

 

الدين المقدم في وسائل الإعلام هو الدين الفولكلوري الذي يقتصر على الجانب الشعائري الذي يقلص مفهوم الدين في معناه الخاص -العبادة بين العبد وربه- في حين لا مكان لهذا الدين في الحياة والمجتمع والعلاقات اليومية.

 

لذلك نجد وسائل الإعلام تنقل المناسبات الشعائرية -صلاة الجمعة، صلاة العيد، وقفة عرفات،..- في يتم تجاهل دور الدين في القضايا الاجتماعية الكبرى، بل لا نكون مبالغين لو قلنا: إن الدين الذي يقدم في وسائل الإعلام هو دين علماني! فالبرامج الدينية المقدمة في الإعلام هامشية لا تتعدي في الغالب تناول العبادات أو العقائد بشكل سطحي مع تعمد العرض في أوقات ميتة من زمن البث بحيث تكرس مفهوم فصل الدين عن الحياة لإكمال الصورة العلمانية التي تحاول تعميق أن يبقى الدين محصوراً في المسجد، وبعيداً عن التأثير المباشر في حياة الناس، إذ من المعروف أن العلمانية لا تنكر وجود الدين -بعكس الشيوعية والوجودية- لكنها لا تعترف بالدين إلا في إطار دور العبادة، وأداء بعض الطقوس الخاصة مثل مراسم الزواج، وشعار العلمانية معروف: “دع ما لقصير لقيصر وما لله لله”.

 

خامساً: نشر السلبية وقتل الفاعلية:

إن من أسوأ ما يروج عبر وسائل الإعلام حالياً هو الاهتمام بسفاسف الأمور وشؤون فئات المجتمع من أهل المجاهرة بألوان شتى من الفجور، بل ويقدمون على أنهم قدوات للمجتمع، على أفراد المجتمع أن يتلقفوا طرق معيشة هؤلاء ومغامراتهم وعلاقاتهم على أنها أمثلة تحتذى.

 

كما أن وسائل الإعلام تعمل على تغير مصادر التلقي لدى الشعوب حيث تصبح البرامج الإعلامية هي المصدر الأول والرئيسي -إن لم يكن المصدر الوحيد- من مصادر نقل وتلقي الثقافة، والثقافة الإعلامية تتميز بالإيجاز والتبسيط الشديد، والاعتماد على نقل الصور الحياتية في القوالب الدرامية، كما أنها ثقافة أحادية الاتجاه لا تسمح للمتلقي بالمناقشة والتحليل والرفض أو الاعتراض أو حتى مجرد الاستفسار عن بعض النقاط الغامضة, كما أنها ثقافة أحادية مصدر المرسل، وكل هذه العوامل وغيرها تؤدي إلى:

1- قلة القراءة وتراجع أهميتها كمصدر أساسي من مصادر نقل وتلقي الثقافة, وتقلص دور الكتاب سواء أن كان علميا أو فكريا أو أدبيا.

 

2- اكتفاء المجتمع بنوع من الثقافة العامة سطحية وهامشية تقدم بصورة شديد التبسيط مما يفقد أفراد المجتمع ملكة العمق في التناول لأي موضوع.

 

3- قتل ملكة الإبداع باضمحلال القدرة على التخيل والتصور والتجريد، وبالتالي الإبداع بتكوين الصور والرؤى الجديدة لدي أفراد المجتمع لاعتمادهم دائما على الصورة الحسية في مصادر الثقافة.

 

4- تسطيح الوعي والفكر والثقافة لدى عموم الناس بقتل ملكة المناقشة وإبداء الآراء وتبادل الأفكار بعد أن أصبح المشاهدون في خانة واحدة هي خانة المتلقي فقط.

 

5- إضاعة الأوقات في الفوارغ والتفاهات، وذلك بعد إعادة هيكلة الوقت والبرنامج اليومي للفرد بما يتناسب مع مشاهدة البرامج الإعلامية, مما يقلل فرص القيام بأعمال أخرى كثيرة، وخلق نمط من السلوك اللا حركي لدى الأفراد لا يعتمد على كثرة الحركة وممارسة الرياضة مثلا، وما إلى ذلك، مع تقليل فرصة الانضمام النشط والفعال إلى مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات العمل العام، مثل النقابات والأندية الاجتماعية، والمنتديات الثقافية، والأندية الرياضية، والأحزاب السياسية، والجمعيات والمؤسسات الخيرية والتطوعية.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات