طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    الجيش يسيطر على الحكم بزيمبابوي ويقيد إقامة الرئيس    ||    الجزائر تعلن موعد الانتهاء من إنشاء ثالث أكبر مساجد العالم    ||    محامون يسلمون الجنائية الدولية ملفًا بجرائم حرب لحفتر وقواته    ||    قرار أممي يدعو ميليشيات إيران إلى مغادرة سوريا    ||    ارتفاع حصيلة قتلى الزلزال الذي ضرب الحدود العراقيه الإيرانية لأكثر من ٥٣٠ شخصًا    ||    بريطانيا تحمّل جيش ميانمار مسؤولية أزمة الروهينغيا    ||    412 ألف عاطل عن العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة    ||    السعودية توقع مع منظمة الصحة العالمية مشروعين لعلاج ومكافحة الكوليرا في اليمن    ||    عاجزون أمام الزلازل!    ||    كف عن التماس الأعذار وتب لربك!    ||    تصاعد الانهيار الأخلاقي في الغرب    ||    أوراق الفساد تتناثر!    ||    لا عليك ما فاتك من الدنيا (1)    ||    تسريبات " الفردوس" و"محيطات" الفساد    ||    زهرة الصومالية    ||    مسلمو الهند والإرهاب الهندوسي    ||    أيتها الزوجة.. لا تحكي لزوجك عن هذه الأشياء!    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > المشروع الأمريكي في حرب أهل السنة (3 – 3)

ملتقى الخطباء

(137)
1005

المشروع الأمريكي في حرب أهل السنة (3 – 3)

منذ 5 أشهر
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إن الحرب على الأخلاق والقيم الفاضلة تزداد يوماً بعد يوم، ولم يعد خافياً على أحد ذلكم الطوفان الذي يبذل فيه المفسدون جهدهم من خلال وسائل الإعلام، والقنوات والشبكة العنكبوتية، في إفساد أخلاق المجتمعات المسلمة، وبث الانحلال في أوساط شباب الأمة، وإفساد المرأة وتغريبها، وامتلأت…

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

ثالثاً: الحرب الاقتصادية:

وهذا النوع من الحرب على أهل السنة لم يعد خافياً على أحد حيث تستخدم أمريكا وحلفاؤها في المنطقة هذا النوع من السلاح، لعدة أهداف منها:

 

الهدف الأول: وسيلة ضغط على أهل السنة، وذلك بالتضيق عليهم في أرزاقهم، وضرورياتهم، وإضعاف معنوياتهم، حتى يقبلوا بالتنازل عن عقيدتهم، والتبعية لأعدائهم، وإضعاف أي مقاومة للغزاة والمحتلين، وقبول الهجرة من ديارهم، والأمثلة في ذلك واضحة وصارخة، وذلك في ما يقوم به اليهود من حصار خانق لأهل السنة في غزة، بدعم وتحريض الولايات المتحدة، وما يقوم به الروس وطاغية الشام والروافض من حصار لأهل السنة في حلب، وحمص، والغوطة والزبداني، لم يعد خافياً على أحد، وأمريكا من وراء ذلك داعمة ومغتبطة، وقل مثل ذلك في حصار مدن أهل السنة في العراق، من قبل الحشد الرافضي الخبيث، وما تقوم به أمريكا وحلفاؤها من دعم جوي بالطائرات، ودعم عسكري على الأرض.

 

الهدف الثاني: تركيع المجاهدين وقبولهم بالمساومات والتنازلات، التي يفرضها عليهم المشروع الأمريكي، من التخلي عن أهداف الجهاد، ومعاداة الكفار، بل التخلي عن مشروع الجهاد أصلاً، والقبول بحلول سياسية مهينة ومذلة.

 

الهدف الثالث: انفضاض الحاضنة الشعبية عن مجاهدي أهل السنة، والإيحاء إليهم أن ما يصيبهم من حصار وجوع وخوف، إنما هو بسبب المجاهدين، فينفروا عنهم، وذلك كما قال الله -عز وجل- عن المنافقين في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) [المنافقون: 7].

 

ومن صور هذه الحرب الاقتصادية الإجرامية:

أولاً: تجفيف منابع الدعم المالي لأهل السنة، حيث بذلت أمريكا ومن يدور في فلكها كل وسعها في القضاء على أي جهة خيرية فردية أو جماعية، يدعم من خلالها المجاهدون، أو حاضنتهم الشعبية في مناطقهم المحررة، وأرهبوا الناس، وجرموا من يقوم بدعم المجاهدين، أو المدن السنية المحاصرة، وسنوا القوانين والتشريعات الإجرامية، التي تمنع من ذلك، وتجرم من يمتنع عن ذلك، فتحكم عليه بالسجن، وعلى كل من يتعاطف أو يدعم أو يحض على الدعم، وصادروا أموالهم التي جمعوها، أو جمدوها، فكم من جمعية خيرية كانت تدعم الأيتام والأرامل، وحلق تحفيظ القرآن، أُغلِقت، وسجن القائمون عليها، وكم من تاجر محسن أرهب بالسجن، وتجميد أمواله -عندما علم الظلمة أنه يدعم إخوانه من أهل السنة، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً…

 

ثانياً: الحصار الخانق الذي يضربه الشيعة الرافضة، بدعم عسكري من أمريكا وحلفائها، على مدن أهل السنة في العراق، كتكريت والرمادي والفلوجة والموصل، وما يقوم به الروس المجرمون، وجيش الطاغية بشار، وإيران الرافضة، وحزب الشيطان اللبناني، من حصار ظالم على مدن أهل السنة في سوريا كالزبداني، وغوطة دمشق، وحمص، وحلب، حتى مات كثير من الأطفال والشيوخ من الجوع، وانتشرت الأمراض والأوبئة بسبب نقص التغذية، وانتشار النفايات، وتلوث المياه بمياه المجاري، وكل ذلك يتم تحت سمع العالم وبصره، ومباركة وتأييد واغتباط من أمريكا الطاغية وحلفائها.

 

ثالثاً: التدمير المتواصل لمدن أهل السنة بالقصف الجوي، والمدفعي بمختلف الأسلحة المدمرة، التي تسعى إلى إبادة أهل السنة، وتدمير البنية الاقتصادية في تلك المدن الظاهرة منها والتحتية، بما في ذلك البيوت والعمارات، والمدارس والمستشفيات، والمزارع والأسواق التجارية، حتى انتشر الغلاء، وجرائم السرقة، ومساومة الناس في أديانهم وأعراضهم مقابل لقمة العيش – التي لم يعودوا يحصلوا عليها، بسبب هذا التدمير الممنهج.

 

ونظرة سريعة إلى ما حصل من تدمير رهيب للرمادي والفلوجة والموصل في العراق، أو ما كان منه في حلب وحمص وداريا في سوريا، تطلعنا على هول ما حصل في هذه المدن السنية، وكل ذلك بدعم مباشر ومشاركة من الطيران الأمريكي، ومن معه من التحالف الدولي، أو دعم غير مباشر ومباركة لما يقوم به الدب الروسي وجيش بشار من قصف وتدمير لمدن أهل السنة.

 

رابعاً: إنهاك اقتصاد الدول ذات الأغلبية السنية، وربطه بالاقتصاد الرأسمالي الربوي، وتوريطه في مشاكل وحروب تأكل مدخرات هذه الدول، فتعيش شعوبها في ضيق من العيش والغلاء، ليكونوا ذليلين لأعدائهم، وهذا هو الرق الاقتصادي.

 

خامسا: الحرب السياسية:

السياسة المعاصرة في دول العالم اليوم -ولاسيما السياسة الأمريكية- تقوم على الكذب والمكر والدجل والخداع، وهذه التي يسمونها بالدبلوماسية والميكافيلية، والتي تقوم على سياسة ذي الوجهين، أو الكيل بمكيالين، حسبما تقتضيه مصلحة الدول، وقد فضح الله -عز وجل- هذه السياسة بقوله عز وجل: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) [المطففين: 1 – 3].

 

ومن سياسة الدجل والكذب والتضليل التي تمارسها دولة الكفر والطغيان -أمريكا- في حربها السياسية على أهل السنة:

أولاً: اختراعها مصطلح "الحرب على الإرهاب" في مواجهة وقتال كل من يعاديها، ويقاوم غزوها واحتلالها، ووصف المجاهدين -بناء على ذلك- بالإرهابيين، وكل من لم يكن معها فهو ضدها، واستخدمت هذا المصطلح في إعلامها، وإعلام الدول المتحالفة معها، حتى كاد هذا التلبس والخداع أن ينطلي على كثير من الناس، ثم هي -وبكل صفاقة، وقلة حياء، وعدم احترام لعقول الناس- تصف إرهابها وتدميرها وقتلها الممنهج بأنه دفاعاً عن الحرية والعدالة والكرامة، ونشر وإحياء لها في مناطق أهل السنة التي تدمرها وصدق القائل: "رمتني بدائها وانسلت".

 

ثانياً: تشويه المنهج السلفي وعلمائه ودعاته ومجاهديه، وإشعال الحرب الإعلامية المضادة لهذا المنهج ورموزه، ورميه بأبشع التهم، ووصفه بمنهج الكراهية والقتل والعدوان، والوقوف أمام التطور والتقدم، وتسميتهم بأصحاب الإسلام السياسي الذي يسعون فيه إلى تصفية كل من خالفهم، وإقصاء وإلزام الناس بأحكام الإسلام القاسية التي تهدر حقوق الإنسان! زعموا.

 

ثالثاً: تشويه صورة المجاهدين بما تبثه وسائل الإعلام المختلفة من أكاذيب وافتراءات مختلقة ومفبركة، تصور المجاهد بأنه مصاص دماء، غاصب للنساء، لاهث وراء الدنيا والمناصب والزعامات.

 

رابعاً: ومن أخطر سياساتها الإجرامية العمل بمبدأ: "فرق تسد" فجندت كل ما تملك من استخبارات وأموال وعملاء، وضغوط عسكرية واقتصادية، في استمالة فريق من المجاهدين على حساب الفريق الآخر، وسعت لبث الفرقة والاختلاف، وتبادل التهم بين المجاهدين، حتى وصل الأمر ببعض الفصائل إلى الاقتتال والاحتراب فيما بينها.

 

خامساً: وجهت عملاءها من المنافقين إلى اختراق صفوف بعض الفصائل الجهادية حتى وصلوا إلى قياداتها، أو ما يقرب منها، ووظفوا هذا الاختراق في التجسس على المجاهدين، وفي دفعهم إلى مواقف يريدونها، ولا يحمد المجاهدون عقباها.

 

سادساً: محاولة إجهاض المشروع الجهادي، وجر بعض الفصائل المجاهدة إلى طاولة المفاوضات، والحلول السياسية السلمية، بعد أن اقنعتهم بعدم جدوى الحلول العسكرية، وبث روح الإحباط واليأس في نفوس المجاهدين.

 

سابعاً: الرق السياسي الذي تمارسه أمريكا على دول أهل السنة، بحيث يكونوا تابعين لها في مواقفها السياسية.

 

ثامناً: ومن سياسات أمريكا الخبيثة تجاه السنة وأهلها ومجاهديها: أنها تفتعل في مناطقهم مشاكل وأزمات، قد جهزت مسبقاً حلولاً لها، ثم بعد حدوثها تساهم في تحقيق أهداف لها من افتعال هذه الأزمات.

 

تاسعاً: الكيل بمكيالين إزاء حوادث القتل والعدوان وحقوق الانسان، فإن كان المقتول في ديار المسلمين والسنة من المسلمين، ولو كان بالألاف من الأطفال والنساء والشيوخ، فلا تحرك، ولا يقظة ضمير، ولا تعاطف مع المقتول، ولا كف للظالم القاتل، ولا مكان لحقوق الانسان، هنا أما ان كان المقتول علج من علوج الكفار في ديارهم، أو خارج ديارهم، فإن الانكار والشجب، وتهديد الجاني، والتعاطف مع الضحية، هو المسيطر على الموقف، بل قد تتخذ إجراءات عملية رادعة وهنا يرفع شعار حقوق الانسان وكرامته والحرب على الارهاب.

 

عاشراً: السيطرة على مجلس الأمن "الخوف" وعلى قرارات هيئة الأمم، حيث تقرر وتنفذ أمريكا من خلال مجلس الأمن وهيئة الأمم -باسم الشرعية الدولية- ما تريده من المواقف والواضح حيفها وضررها على أهل السنة وقضاياهم، وليس للمجتمعين إلا الموافقة.

 

خامساً: الحرب على الأخلاق والسلوك:

إن الحرب على الأخلاق والقيم الفاضلة تزداد يوماً بعد يوم، ولم يعد خافياً على أحد ذلكم الطوفان الذي يبذل فيه المفسدون جهدهم من خلال وسائل الإعلام، والقنوات والشبكة العنكبوتية، في إفساد أخلاق المجتمعات المسلمة، وبث الانحلال في أوساط شباب الأمة، وإفساد المرأة وتغريبها، وامتلأت بيوت كثير من المسلمين بأجهزة الفساد، التي تعج بصور النساء شبه العاريات، والأغاني الماجنة، وامتلأت شبكات الإنترنت بالمواقع الإباحية والإجرامية، وسَخِر الإعلام الموجه من العلاقات الأسرية والاجتماعية التي تحكم الأسرة والمجتمع المسلم، ولا عاصم من هذه الشرور إلا الله -عز وجل-.

 

إن خطورة الانحلال وفساد الأخلاق والأعراض هي باب من أبواب التبعية للغرب الكافر، وعلى رأسه: أمريكا الطاغية.

وإذا انحلت أخلاق الأمة سهل تغريبها، ومن ثم سهل غزوها، ذلك أن في ذهاب الأخلاق مدعاة للذلة والمهانة، وعدم القدرة على المقاومة، والانحلال من أقوى الأسباب التي تُسَهل للعدو الغازي احتلال البلاد والعباد.

كما أن في ذهاب الأخلاق ورق السلوك ضعف العقيدة، وضعف أركانها من الولاء والبراء، والاخلاص والتوكل، والخوف والرجاء، وهذا ما يبغيه أعداء الأمة الكفرة الذي ما فتئوا يسعون لحرف الناس عن عقيدتهم، وتفريغ الإسلام من مضمونه، ليصبح إسلاماً بالهوية، أو إسلاماً على الطريقة العلمانية الأمريكية.

والعدو يدرك أن نجاحه في حرب الأخلاق يسهل نجاحه في حرب الأفكار.

 

واجبنا في مواجهة هذه الحرب:

أولاً: يقول الله -عز وجل-: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [التوبة: 1] إنه لا خيار للمسلم بعد قراءة هذه الآية وفهمها في ظل الواقع الذي نشهده اليوم، وفي هذه الحرب المشبوبة على أهل السنة بمحاوره الخمسة التي ينطلق منها العدو الكافر في حربه وغزوه لبلدان المسلمين من أهل السنة، وفتنهم في دينهم وأنفسهم وعقولهم وأموالهم وأعراضهم.

 

نعم لا خيار لمسلم يعي هذا الواقع ويعي حقيقة أعداء الأمة وأهدافها أن يقعد متفرجاً بارد القلب.

 

إن جهاد أعداء الله الكفرة أصبح متعيناً على كل مسلم -حسب قدرته، وجهده، وعلمه- وأعني بالجهاد هنا: كل أنواع الجهاد المذكور في كتاب الله -عز وجل-، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-: "الجهاد بالسنان والجهاد باللسان والبيان والجهاد بالمال"، قال الله -عز وجل- عن جهاد البيان بالقرآن: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان: 52]، وسورة الفرقان مكية لم يفرض فيها جهاد السنان والسيف بعد.

 

وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"(7).

 

فكما أن حرب الكفار لنا تنطلق على الصعيد العسكري بالسلاح، وعلى الصعيد الفكري العقدي، وعلى الصعيد الاقتصادي، والصعيد السياسي، والأخلاقي، كما فصلته في الأوراق السابقة ، فهذا يوجب على المسلمين أن يواجهوا كل حرب بما يناسبها ويبطلها، فحربهم العسكرية؛ تواجه بالجهاد بالسلاح في ميادين القتال. وهو ما يقوم به -نيابة عن الأمة- فصائل الجهاد المختلفة التي أثخنت في العدو، وأحبطت عليه مكره.

 

فجزاهم الله عن أمتهم خيراً، ونسأل الله -عز وجل- أن يثبتهم، ويجمع كلمتهم، ويوحد صفوفهم، وأن يعيذهم من الفرقة والاختلاف.

 

وأما مواجهة حرب الكفار الفكرية فتكون بجهاد البيان من أهل العلم، والبيان برد شبهاتهم، وبيان باطلهم، ورفع اللبس عن الأمة، وبيان دين الله الحق للناس، الذي هو سبيل المؤمنين، وبيان سبيل المجرمين.

 

وأما حربهم السياسية فتكون مواجهتها بفضحها، وبيان كذبها ومكرها، والحذر منها، وتحذير الناس من ألاعيبها، وإبراز السياسة الشرعية العادلة الرحيمة، وبيانها للناس، وأما حربهم الإباحية الموجهة للأخلاق والأعراض؛ فتكون بمزيد من التحصين والاحتساب والتربية لأبناء الأمة، وتوظيف جميع الوسائل الدعوية والإعلامية، والمحاضرات التربوية في التحذير من هذه الحملات، وتربية الأفراد والأسر على الأخلاق الإسلامية وتكريههم لأخلاق الكفار المنافية للشرع والعقل والفطرة، والتركيز في التربية على إقامة واعظ الله وتعظيمه وخشيته في القلوب، ومواجهة حربهم الاقتصادية؛ بتحذير الناس من نار الربا المحرقة، وبتوظيف أموال أهل السنة من المحسنين في دعم الدعوة إلى منهج السلف، وحرب المناهج الباطلة، ودعم الجهاد والمجاهدين في سبيل الله -تعالى-، وإعانة المسلمين، وأن لا يكترثوا بتخويف شياطين الجن والأنس وإرهابهم.

 

فهذه بعض حالات الجهاد التي تُدفَع بها حروب الكفار الموجهة لأهل السنة من المسلمين، فليختر المسلم أي نوع من أنواع الجهاد يناسبه، ويمكن أن يدافع من خلاله عن الحق وأهله، ولا عذر لقاعد بعد ذلك.

 

وهنا مسألة مهمة يجب التنبيه عليها ألا وهي: وجوب التعاون بين القائمين بواجب الجهاد – بمختلف مجالاته، العسكري، والفكري، والتربوي، والاحتسابي، والمالي-، وأن يكمل بعضهم بعضاً، وأن لا تُهوِّن ولا تُحقِّر طائفة -نفرت في نوع من أنواع الجهاد- جهد الطائفة الأخرى، التي نفرت في مجالات أخري، بل يجب أن يتم التعاون والمحبة والإخاء والفرح بما يتحقق من الخير، أو يندفع من الباطل، سواء تحقق هذا على يد هذه الطائفة أو تلك، وأن يكونوا أشبه بجامعة تضم كليات مختلفة التخصص، يكمل بعضها بعضاً، لأنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وإذا تحول هذا الاختلاف المحمود إلى اختلاف تضاد وفرقة، وخصومة وتحزب، فإن هذا ما يريده العدو الكافر، ويفرح به، لكونه سببا للفشل والهزيمة وذهاب الريح، قال الله -عز وجل-: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 46].

 

ثانيا: على النافرين في مواجهة حرب الكفار الشاملة على أهل السنة أن يحققوا شروط النصر والتوفيق في قيامهم لنصرة الدين، ألا وهي:

 

الشرط الأول: الإخلاص لله -عز وجل- في قومتهم، وعدم إرادتهم شيئاً من أعراض الدنيا، ومن الإخلاص؛ الحرص على الجماعة والائتلاف، والاستعلاء على حظوظ النفس.

 

الشرط الثاني: المتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكونهم قائمين في أمر مشروع، وحق يحبه الله -عز وجل-.

 

الشرط الثالث: استعانتهم بالله -عز وجل-، وتجريد التوكل عليه سبحانه، والتبرؤ من الحول والقوة إلى حول الله وقوته، واليقين بأنه لولا الله تعالى لما حصلت الهداية، ولا التوفيق، ولا التسديد، وهذا ينفي العجب والغرور بالنفس، ويقتضي سؤال الله -تعالى- التسديد والإعانة والتوفيق.

 

الشرط الرابع: اتخاذ كافة الأسباب المتاحة والممكنة والمشروعة، في مواجهة أعداء الأمة، وبذل كل ما في الوسع والطاقة لنصرة هذا الدين وأهله.

 

الشرط الخامس: التحلي بالصبر، وعدم الاستعجال في جني الثمار، أو اعتساف الطريق.

 

وعن أهمية الشروط الثلاثة الأولى في حصول التوفيق والنصر والتأييد، يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فإذا قام العبد بالحق على غيره، وعلى نفسه أولاً، وكان قيامه بالله، ولله، لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجاً ومخرجاً ; وإنما يؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة، أو في اثنين منها، أو في واحد. فمن كان قيامه في باطل لم ينصر، وإن نصر نصراً عارضاً فلا عاقبة له، وهو مذموم مخذول، وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله، وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق، أو التوصل إلى غرض دنيوي، وكان هو المقصود أولا، والقيام في الحق وسيلة إليه، فهذا لم تضمن له النصرة ; فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمن كان قيامه لنفسه ولهواه، فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين، وإن نصر فبحسب ما معه من الحق ; فإن الله لا ينصر إلا الحق، وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر، والصبر منصور أبدا; فإن كان صاحبه محقا، كان منصورًا، وله العاقبة، وإن كان مبطلا لم يكن له عاقبة، وإذا قام العبد بالحق لله، ولكن قام بنفسه وقوته، ولم يقم بالله مستعينا به، متوكلا عليه، مفوضا إليه، بريئًا من الحول والقوة إلا به، فله من الخذلان، وضعف النصرة، بحسب ما قام به من ذلك، ونكتة المسألة أن تجريد التوحيد في أمر الله لا يقوم له شيء البتة، وصاحبه مؤيد منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء"(8).

 

ثالثاً: التحذير لمن شرفه الله -عز وجل- بنصرة دينه، والقيام بواجب مدافعة هذه الحرب العالمية الإجرامية، من أن يقع في فخ الأعداء وخندقهم، فيقدم لهم خدمة وهو لا يشعر، كأن يدعونه للقتال تحت رايتهم، وغطائهم الجوي، لقتال فصيل آخر بحجة إرهابه وجرائمه، فيصطف في صف الكفار، والواجب عليه عداوته لهم، وقتالهم، أو أن يقع في فخ آخر؛ بأن يكون له موقفاً معيناً من أخطاء بعض الفصائل المجاهدة، أو بعض الجماعات الإسلامية السنية، فيسعى جاهداً في بعض المنابر الإعلامية إلى نقدها، وتخطئة أصحابها، وإلصاق بعض التهم بهم، كتُهَم الغلو أو العمالة وغيرها. ولا شك أن هذا مما يفرح الأعداء المحاربين، ويجعلهم يسعون لتوظيفها في حرب المجاهدين، والدعاة من أهل السنة، الذين يتصدون لحرب مشروعهم الخبيث، ويستخدمون ذلك في تشويه منهجهم الذي يحملونه، ولا يعني هذا؛ السكوت عن الأخطاء، وعدم مناصحة أهلها، بل يجب أن تتم المناصحة والتحذير من هذه الأخطاء ولكن بصورة خاصة، وليست على منابر عامة، يوظفها الأعداء في تحقيق أهدافهم، وتبرير عدوانهم، وهذا مما تقرره الشريعة، ويتفق مع أصولها ومقاصدها الثابتة، ومسألتنا هذه المذكورة آنفاً تندرج تحت قاعدة سد الذرائع، حيث إن الفعل في حد ذاته قد يكون جائزا أو مستحباً، ولكن إذا كان سيؤدي إلى أمر محرم أو إلى مفسدة متحققة، فإن المتعين في هذه الحالة تركه، وقد قرر الفقهاء: أن المنكر إذا كان سيترتب على إنكاره منكر أكبر منه؛ فلا يجوز -والحالة هذه- إنكاره، والأصل في ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: 108]؛ فنهى الله -عز وجل- المسلمين عن سب آلهة المشركين، لما سيترتب على ذلك من سب الله -تعالى- ولدينه، مع أن سب آلهة المشركين جائز بل متعين وواجب أحياناً.

 

رابعاً: التفاؤل بنصرة الحق وأهله وبسقوط الباطل ودولته، قال الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال: 36]، (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 120]، وقال سبحانه: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات: 171 – 173]؛ ففي الآية الأولى خبر يقين صادق من فاطر السموات والأرض (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا) [النساء: 87] أن مآل الكفار، وما ينفقونه في الصد عن سبيل الله -عز وجل- إلى أن يُغلَبوا، وإلى ان يرتد ذلك عليهم بالحسرة والخسران، وفي الآخرة عذاب جهنم وبئس المصير وفي الآية الثانية سنة من سنن الله -عز وجل-، وهي أن كل كيد ومكر يكيده الكفار على المسلمين فإن الله سيبطله، ويحمي عباده المؤمنين من شره وضرره، ولكن ذلك مشروطاً بقوله تعالى: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) [آل عمران: 120]، والصبر والتقوى يقتضيان إخلاص العمل لله تعالى، والمتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والاستعانة بالله وحده، وصدق التوكل عليه، والتبرؤ من الحول والقوة، إلا به وسلامة القلوب واجتماعها وتآلفها.

 

 ومما يؤكد قرب نصر الله -عز وجل-، وسقوط المحاربين والكائدين لدين الإسلام وأهله: علامات بدت وملامح ظهرت في تصريحات وممارسات وأحوال الغرب الكافر بقيادة دولة الكفر والطغيان؛ منها:

أولاً: اعترافات الكفرة بفشل حربهم وبأسهم: يقول د/ عبدالعزيز كامل: لقد بدأوا يعترفون بخسارة "حرب الأفكار" مثلما خسروا حرب الحديد والنار، في بقاع عديدة من العالم الإسلامي، وقد اعترف رامسفيلد نفسه – مُشعل "حرب الأفكار" – في تصريح له في 16 فبراير 2006م، بأن أمريكا تخسر حربها الدعائية والفكرية ضد "المتشددين" الإسلاميين، وأضاف: "ينبغي إيجاد وسائل أخرى بديلة لكسب قلوب وعقول الناس في العالم الإسلامي، حيث نجح المتشددون في تسميم الأفكار عن أمريكا".

 

وكذلك أقرَّ تقرير أعدَّته هيئة استشارية تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" أن أمريكا عجزت عن إقناع العالم الإسلامي باستراتيجيتها الدبلوماسية والعسكرية، وهو ما اعتبره التقرير خسارة لما يسمى "حرب الأفكار"، وقال التقرير الذي قُدم في نوفمبر 2004م: "إنه لا أحد يصدِّق وعود أمريكا عن الحرية والديمقراطية"، وبين أن تدخلات أمريكا في العديد من بقاع العالم الإسلامي، رفعت من أسهم القوى المناوئة لها.

 

وقد صرح "مارك جنزبيرج" السفير الأمريكي السابق في المغرب، وأحد الخبراء الأمريكيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط بأن أمريكا تواجه هزيمة في حرب الأفكار، رغم ضخامة الإمكانات المرصودة لها، وقال في حديث له نشرته صحيفة "الواشنطن بوست": "نحن نُهزم في حرب الأفكار لسببين: الأول: أننا تركنا الساحة للمتشددين الإسلاميين، ليزاحمونا، بما عندهم، والثاني: أننا لم نساعد حلفاءنا بالقدر الكافي في مواجهة هؤلاء المتشددين".

 

ومؤخراً صدر للبنتاجون تقرير -كان سرياً- عن نتائج الحرب الأمريكية العالمية على ما تسميه بالإرهاب، اشتمل على انتقادات حادة لإدارة بوش لهذه الحرب، وقد أعد التقرير "المجلس العلمي للدفاع" في البنتاجون، واختص هذا التقرير بوضع تصور عن كيفية كسب حرب الأفكار ضد ما أسماه: "الجماعات المعادية لأمريكا"، ونصت خلاصة التقرير على ضرورة العمل على إجراء تحول في الاتصالات الاستراتيجية للولايات المتحدة، بعد أن فشلت في إيصال رسالتها في الداخل والخارج عن أهمية الحرب على الإرهاب، وبدأت تخسر معركة الأفكار أيضاً. وأكد التقرير على أن أساليب إدارة بوش كانت فاشلة في إدارة تلك الحرب بشِقَّيْها العسكري والفكري.

 

إن مئات الملايين من الدولارات التي أُنفقت ولا تزال تُنفق لإطفاء نور الوحي؛ لم تزده إلا وهجاً وضياء؛ فهناك عدد من مراكز الأبحاث المتخصصة في شؤون الشرق الإسلامي المسمى ب "الشرق الأوسط" مثل مركز "أمريكان أنترابرايز" الذي يهيمن عليه المحافظون اليهود الجدد، ومعهد "بروكنجر"، ومعهد "كارنيجي"، ومعهد "الشرق الأوسط" الذي يعرِّف منطقة الشرق الأوسط بالأراضي الممتدة من أفغانستان إلى المغرب العربي، وهذه المراكز تُرصَد لها ميزانيات بالملايين سنوياً؛ لأنهم لا ينتظرون منها أرباحاً، إلا إثبات النجاح في اختراق حصوننا، من الداخل أو الخارج!

 

وقد رُصد لمعهد الشرق الأوسط وحده، ميزانية تصل إلى مليون دولار سنوياً، وهي ميزانية تجيء من أرباح وقفية، وقفتها على ذلك المركز شركات عديدة كبرى لكنَّ نتائج جهود تلك المراكز تعكس حتى الآن الفشل والخيبة والخذلان، وصدق الله إذ يقول: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال: 36].

 

مع كل ما يبدو من إشاراتٍ على الهزيمة الأمريكية والغربية في "حرب الأفكار" فإنَّ هذا لا ينبغي أن يصرفنا عن استشعار خطرها، والاستمرار في تطوير الأساليب للتصدي لها، باعتبارها أدقَّ وأخطر من الحرب العسكرية؛ لأن حرب الأفكار بالمعنى الذي سبق استعراضه، هي حرب باردة جديدة، وهي أخطر من الحروب الساخنة؛ لأنها تستهدف ما في العقول والقلوب، بينما تستهدف الأُخرى ما تحت الأيدي والأرجل، ولأن الحروب الساخنة يمكن أن تتوقف أو تبرد، ولكن صراع الفكر والمناهج يظل مستعراً.

 

والذي نعتقده: أنَّ الإسلام العظيم، عظمته ذاتية، ولذلك فإنه يسجل بخلوص الولاء له أمجادًا لأهله وحامليه، كما يسجل انتصارات ومعجزات عسكرية -بإذن الله- بأدنى الإمكانات المادية المستطاعة، كالذي هو حاصلٌ في العراق وأفغانستان وغيرهما، وبدون سندٍ ولا مددٍ لأنصاره إلا من الولي النصير سبحانه؛ فإنه سوف يحرز انتصارات أُخرى مماثلة في "حرب الأفكار" بعونٍ من الواحد القهار، مكور الليل على النهار: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)[يوسف: 21](9).

 

ثانياً: الظلم الذي بلغ منتهاه في دول الغرب الكافر -ولاسيما دولة الطغيان أمريكا وسنة الله -عز وجل- أن يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، والله -عز وجل- بعزته، وقوته، وحكمته، ورحمته، لا يترك الظالم يظلم للأبد، بل له موعد قد جعله الله لمحقه وسقوطه، قال تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أهلكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا) [الكهف: 59]، وقوله تعالى: (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود: 102] والآيات في تقرير هذه السنة الإلهية كثيرة في القرآن الكريم.

 

وإذا ما نظرنا إلى الكوارث التي تحل اليوم بالكفرة الأمريكان وحلفائهم في ضوء هذه الآيات الكريمات، والتي تمثل سنة الله -عز وجل- في أخذه للظالمين، لرأيناها تنطبق عليهم تمام الانطباق، فما من ظلم وقعت فيه أمة من الأمم السابقة التي أهلكها الله -عز وجل- إلا وقد اجتمع في أمة الكفر المعاصرة، وذلك في أعتى صوره وأبشعها، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

1- كفرهم بالله -عز وجل-، سواء الملحد منهم، أو القائل بعقيدة النصارى في التثليث وتأليه عيسى -عليه السلام-، وسعيهم في الأرض فساداً، بنشر عقيدة النصارى الوثنية، وتسخير المليارات للجمعيات التنصيرية لنشر الشرك والكفر في أمم الأرض.

 

2- الفساد الأخلاقي المريع الذي لم تصل إليه البشرية في تاريخها الماضي الطويل، حيث استباحة الزنا، وشرب الخمور، وهتك الأعراض، وتفكك الأسر بل وصل بهم الفساد والإباحية إلى أن يكون للشواذ والشاذات جنسياً جمعيات ومؤسسات مرخصة لفعل اللواط والسحاق.

 

3- الفساد المالي الذريع، وقيام اقتصادهم على الحرية المطلقة الفوضوية، والتي عمودها الربا المضاعف، والبيوع المحرمة، وتسلط القوي على الفقير، ونشر ذلك في أمم الأرض، وإفساد اقتصادها.

 

4- ظلمهم لشعوب الأرض، ولا سيما المسلمين في أوطانهم، حيث جاءت جيوشهم الجرارة، واحتلت بعض بلدان المسلمين، وقتلوا النساء والأطفال، وسرقوا ثرواتهم، وعذبوا أبناءهم في السجون، وشردوهم من ديارهم.

 

5- حصارهم للمسلمين في ديارهم، حتى مات من جراء ذلك مليون طفل في العراق، وكذلك ما قاموا به على أيدي اليهود من حصار الفلسطينيين المستضعفين في غزة، وقطع موارد الحياة عنهم، وما يجري اليوم من حصار على مدن أهل السنة في العراق والشام، وسبحان الله وبحمده الذي جازاهم بجنس فعلهم فحاصرهم في ديارهم حصاراً اقتصادياً لم يجدوا منه مخرجاً.

 

6- القضاء على الجمعيات الخيرية المنتشرة في بلدان المسلمين، وبخاصة في دول الخليج التي كانت تكفل أيتام المسلمين، وفقرائهم، ودعاتهم، فتعطلت كثير من هذه الجمعيات، وتوقفت الإغاثات التي كانت تقوم بها.

 

7- ظلمهم للمسلمين في أديانهم وأخلاقهم، حيث تدخلوا في عقائد المسلمين ومناهجهم، وعقولهم، وسعوا عن طريق المنافقين من أبناء المسلمين في تبديل الدين وإفساد الأخلاق.

 

كل ذلك ليصدوا عن سبيل الله -تعالى-، قال الله -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس: 81]، وقال سبحانه: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [المائدة: 64].

 

8- ظلمهم لشعوبهم بإغراقهم بالديون والقروض الربوية التي عجزوا عنها بعد أن امتصوا دماءهم، واستولوا على أملاكهم، وأخرجوهم منها بعد أن عجزوا عن السداد. وأصبح 10% من طواغيت المال والربا يتحكمون في 90% من الناس في بلادهم، هم تحت رحمة هؤلاء الظلمة الطواغيت.

 

هذه مجرد أمثلة لظلم هذه الأمة الطاغية، فهل بعد هذه المظالم من ظلم، ولقد عذب الله الأمم السالفة وأهلكها بظلمها، وكفرها الذي إذا قيس بظلم هذه الأمة الطاغية؛ لا يساوي عنده شيئاً، ومع ذلك فقد حلم الله -عز وجل- عنهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة، وأملى لهم، إنه حليم حكيم عليم خبير.

 

والآن نشهد بدايات عقوبة الله -عز وجل- لهم، وانهيارهم، وتسليط الكوارث الكونية والاقتصادية عليهم، والفضائح السياسية والأخلاقية التي عمّت وطمّت: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [القلم: 33].

 

ولقد صرح بذلك بعض مفكريهم وخبرائهم، يقول "ديفيد وركر" كبير مفتشي الحكومة الأمريكية، وهو ممسك بالملف الوطني الأمريكي كله: "إن الولايات المتحدة الأمريكية تقف الآن على حافة الهاوية، وذلك في صورة سياسات وممارسات لا تطيقها البلاد، تسببت في العجز الشديد في الميزانية، والنقص الحاد في الرعاية الصحية، وتزايد التزاماتها العسكرية الخارجية، مما يهدد باندلاع أزمة طاحنة. إن وضع البلاد يشبه وضع "روما" القديمة قبل احتراقها وانهيارها".

 

وقال الفيلسوف البريطاني "جون غراي" معلقاً على الأزمة الاقتصادية الأمريكية "ما نراه اليوم هو تحول تاريخي لا رجعة عنه في موازين القوى العالمية نتيجته النهائية أن عصر القيادة الأمريكية للعالم قد ولى إلى غير رجعة".

 

ثالثاً: ما تشهده الأمة من يقظة في مختلف جوانبها وبما تعيشه من نوازل، كشفت لها حقيقة وهوية أعدائها، والتي أفرزت سريان روح المقاومة، وبعثت عقيدة الولاء والبراء في النفوس، مما قويت به جذوة الجهاد في كثير من الثغور، واليقين بأنه لن يرفع الذلة والمهانة، ويرد كيد الأعداء إلا الجهاد في سبيل الله، والإعداد له نفسياً وإيمانياً ومادياً، وهذا كله من علامات قرب نصر الله -عز وجل- لدينه وأوليائه.

 

نسأل الله -عز وجل- أن يرفع علم الجهاد، وأن يؤلف بين أهله، ويوحد صفوفهم، وأن يجنبهم الفرقة والاختلاف، وأن ينصرهم على القوم الكافرين.

 

وفي خاتمة هذه البشائر أقول لإخواني الدعاة والمجاهدين القابضين على الجمر، أصحاب النفوس الكبيرة، والعزائم الشريفة: هنيئاً لكم ما أنتم عليه، فأنتم صفوة الناس وأشرافهم، وأولياء الله، ولا أحد أحسن منكم قولاً ولا عملاً ولا غاية، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33].

 

وأنتم صمام الأمان لمجتمعاتكم، لأنكم تقومون بما قام به أنبياء الله ورسله -عليهم الصلاة والسلام – فلا تستوحشوا الطريق، ولا تشعروا بأنكم قلة وضعفاء، فأنتم أقوياء بإيمانكم، وأنتم الأكثرون إذا تذكرتم أنكم ضمن قافلة شريفة عظيمة، تنتسب إليها ملائكة الرحمن -الذين لا يُحصون عددًا- وأنبياء الله -عز وجل-، والصالحون من عباده، بل والكون كله رفيق المؤمنين؛ لأنه مسبح عابد لربه -تعالى-، ولم ينفرد عن هذه العبودية الشرعية إلا الكافر الظالم لنفسه، فماذا يساوي بالنسبة لبقية العوالم المستسلمة لربها -عز وجل-؟ إنه لا يساوي شيئاً، وإنما هو نشاز عن الطريق اللاحب الواسع، الذي هو طريق الله -عز وجل- وسبيله، قال تعالى: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ) [غافر: 4]، فاجتمعوا ولا تفرقوا، واصبروا على طاعة الله -عز وجل-، وترك معاصيه، ولا يهولنكم ضغط الواقع، وقوة العدو، فالله -عز وجل- أقوى وأعز، وهو القاهر فوق عباده، ونواصي الخلق بيده، "والله مولانا ولا مولى لهم"، ولا تستطيلوا الطريق، واتقوا الله واصبروا، فإن العاقبة للمتقين الصابرين، مهما أجلب أعداء الدين وتكالبوا على حربه، ومهما كثر المنافقون والمخذلون، فإن العاقبة لأهل الاستقامة، الذين ثبتوا على دين الله -عز وجل- ولم يضعفوا ولم يهنوا ولم يستكينوا، قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 173 – 175].

 

أسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا من أنصار دينه، الذين (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة: 54].

 

نسأل الله -عز وجل- من فضله، كما نسأله سبحانه أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يرد كيد الكافرين في نحورهم، وأن يخالف بين كلمتهم، وأن يجعل بأسهم بينهم شديد، وأن يقر أعيننا ويشفي صدورنا بهزيمتهم، وذهاب دولتهم، إنه سميع قريب.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.

 

_________

(7) أبو داود: 2506، وصححه الألباني في أبي داود: 2262.

(8) إعلام الموقعين (2/178).

(9) انظر مقال: "حرب الأفكار بين يأس الأمريكيين وبأسهم" مجله البيان عدد: 238.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات