طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الغزل الإيراني المسموم

ملتقى الخطباء

(297)
938

الغزل الإيراني المسموم

تاريخ النشر : 1438/08/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

يقف النظام الإيراني اليوم في مفترق طرق فيما يتعلق بمحاولة تحقيق نفوذه الإقليمي، إذ قطع منتصف الطريق نحو تنفيذ أهدافه، ولم يكن وهو يتفاوض سرًّا مع المنظومة الغربية منذ 12 سنة حول برنامجه النووي بعيداً عن التحولات الإقليمية في الشرق الأوسط؛ بل كان فاعلاً رئيساً فيها، وبخاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في إبريل عام 2003م، وبسبب هذا الاحتلال، تمكن النظام الإيراني من العودة لعمقه الطائفي، حيث تغلغل نفوذه داخل…

 

 

 

من مؤتمر دافوس في سويسرا، لسان حال الإمبريالية والرأسمالية العالمية، حيث تعقد الصفقات بين الحكومات، ويناقش اقتصاد العالم، دعا وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف المملكة العربية السعودية للتعاون للمساعدة في إنهاء الصراعات في سوريا واليمن. هذا الموقف، وهذه اللهجة الإيرانية الجديدة تكررت على لسان ثلاثة من المسئولين الإيرانيين خلال الأيام الأخيرة، أولهم أمين المجلس القومي الإيراني، (علي شمخاني)، تبعها تصريحات من الرئيس الإيراني نفسه حسن روحاني، ولحق بها أخيرًا تصريحات وزير الخارجية جواد ظريف في دافوس، وهذا كله يعني أن هذه الدعوة ليست فردية من قبل ظريف، بل هذه رؤية كاملة للنظام الإيراني.

 

جوقة الغزل الإيراني امتدت ليشارك فيها وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري الذي قام بنقل نقل رسائل بين طهران والرياض في مسعى متواصل لتخفيف حدة التوتر في العلاقات بين البلدين. قابلها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بزيارة وصفت بالتاريخية إلى العراق لأكبر مسئول سعودي يزور العراق منذ فترة طويلة.

 

التصريحات تحولت لتحركات دبلوماسية مكثفة بدأت بموافقة إيران على المشاركة في اجتماع وفود الحج المقرر سنوياً بعد مقاطعة الموسم العام الماضي وإطلاق حملة إعلامية مسعورة بالتواكب مع هذه المقاطعة وصلت إلى حد التلويح بالحرب الشاملة. بزيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى الكويت وعمان من أجل فتح ثغرات في الطريق المسدود بين إيران ودول الخليج عامة والعربية السعودية خاصة، وجاءت زيارة روحاني الخاطفة إلى عُمان والكويت للرد على رسالة سلمها له أواخر شهر يناير وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الخالد الصباح، تتعلق بالعلاقات الخليجية الإيرانية. والرسالة كُلفت الكويت بإيصالها خلال قمة المنامة الخليجية التي عُقدت في ديسمبر الماضي. الكويت وصفت على لسان نائب وزير خارجيتها خالد الجار الله زيارة روحاني بالإيجابية والناجحة، وعبرت عن أملها في "أن تسهم في ترسيخ أسس الحوار الخليجي الإيراني، وبلورة رؤى وتوافق مشترك بين الجانبين".

فما سر هذه الدعوة المفاجئة؟ وهل يمكن لهذا التعاون أن يتحقق فعلًا، خصوصًا في سوريا واليمن، في ظل التباين الحاد لمصالح الدولتين هناك؟ والأهم من ذلك هل إيران كدولة وكيان وجوار إقليمي يمكن التصالح معه، فضلاً عن التقارب معه إستراتيجياً؟

 

بعبع ترامب:

كثير من المراقبين يرجع الغزل الإيراني بدول الخليج ومحاولات التقارب معه إلى قدوم ترامب إلى رئاسة أمريكا بما يحمله من أجندة متشددة تجاه إيران، وأخرى انتهازية وابتزازية تجاه الخليج والسعودية، فترامب يهدد بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران ويراه مجحفاً بحق أمريكا، وفرض عقوبات تجاه أفراد وكيانات إيرانية، وفي الوقت نفسه يعلن تحسّره على ترك أمريكا البترول العراقي وعدم نهبه بالكامل، ويطالب دول الخليج بدفع فاتورة الحماية الأمريكية ضد الأخطار الإيرانية. فثمة رغبة مشتركة بين الجانبين لبدء حوارات جادة وحقيقية حول مستقبل المنطقة.

 

بالون الاختبار اللبناني:

لبنان أحد ميادين التنافس السعودي الإيراني في المنطقة ، فإيران تعبث بأمن لبنان عبر ذراعها المليشياوي  (حزب الله) الذي يسيطر على السلاح اللبناني، والسعودية تحاول جاهدة الحفاظ على كيان أهل السنّة هناك، ولكن النفوذ الإيراني عبر ذراعها العسكري عطل كثيراً من محاولات إصلاح الشأن اللبناني، حتى وصل الأمر لسحب السعودية لاستثماراتها في لبنان ووقف مساعداتها السخية لنظام أسير بالكلية لرغبة ملالي طهران، وقد وصل قمة الاشتباك السعودي الإيراني في لبنان في مسألة اختيار الرئيس اللبناني والذي ظل معلقاً لقرابة العامين دون حسم.

 

وبعد مباحثات جانبية وتنسيق وترتيب بين العديد من الدبلوماسيين السعوديين والإيرانيين تم الانتهاء من الأزمة، وتم التوافق على ميشيل عون الذي قام بزيارة السعودية في إعلان صريح عن التوافق السعودي الإيراني في اختياره، وقد أُعلن نجاح التعاون الأخير في لبنان، حيث قال جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني على هامش مؤتمر دافوس: "إن إيران والمملكة العربية السعودية يجب أن يعملا معاً للمساعدة على إنهاء الصراعات في سوريا واليمن، بعد التعاون بنجاح بشأن لبنان العام الماضي" وتابع ظريف: "تمكنت إيران والسعودية من وقف عرقلة عملية الانتخابات الرئاسية في لبنان، ولقد حققنا نجاحا".

 

إيران والخطاب المزدوج:

في الوقت الذي كان جواد ظريف يثني على التعاون السعودي الإيراني في حل الأزمة اللبنانية كان الرئيس الإيراني روحاني يهاجم السعودية بعنف مطالباً إياها بوقف (عدوانها) على اليمن و(تدخلاتها) في المنطقة. حيث قال روحاني "إن السعودية هي التي أوجدت مشاكل بمهاجمتها لبلد جار، الأمر الذي لم يكن يستند إلى أي منطق"، وأنه "من مصلحة المنطقة والسعودية أن تتوقف بأسرع ما يمكن الهجمات على اليمن". وأضاف روحاني: "ليست لدينا مشاكل ثنائية مع السعودية، إن مشاكلنا تتعلق بعدوان السعودية على اليمن وتدخلاتها في البحرين وفي المنطقة". فكيف يمكن فهم هذه الازدواجية الإيرانية ؟! وهل إيران تريد التقارب فعلاً، أما أنها تريدي شراء مزيداً من الوقت لخطط ومؤامرات جديدة بخصوص المنطقة ؟!

 

النظام الإيراني يجمع بين النفعية والفكرية، ويستخدمهما بالتبادل لتحقيق كل مصالحه وعقيدته الدينية، فالمصالح تخدم الفكر، وهو له هدف أساسي لا يخجل من إعلانه صراحة، وهو السيطرة على إقليم المشرق العربي، وأن يبسط نفوذه على العالم الإسلامي في النهاية بمذهبيته الشيعية، بداية في الدول الهشة المستهدفة من حروب الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش في كل من أفغانستان والعراق، وصولاً إلى سوريا التي ساند فيها النظام الإيراني نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وتفاخر بأنه يسيطر الآن على عدة عواصم عربية.

 

ومن خلال التوليفة التي تجمع بين الانتهازية والأيديولوجية الطائفية لدى النظام الإيراني، نستطيع القول إن تحركاته الحالية، التي يستخدم فيها تلك الازدواجية بمهارة شديدة، ليس طبقاً لمنظومة القيم الحاكمة للرؤية الإيرانية، ولكن تبعاً للخصم الذي تتعامل معه ومتغيرات البيئة الإقليمية؛ فهو يتعامل بطائفية شديدة مع الصراعات المذهبية في الإقليم، بينما يتعامل بعقلانية شديدة مع الدول الكبرى، وعلى رأسها روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، ويستخدم تلك العلاقة والازدواجية في تحقيق مصالحه التي ترمي في النهاية إلى تحقيق فكره، كما يستخدم الفكر والعاطفة المذهبية في الداخل الإيراني من أجل تسويغ تدخلاته الخارجية، التي يحرق فيها الموارد الاقتصادية المحدودة للدولة الإيرانية في محاولة تحقيق أهدافه الفكرية وتصدير مبادئ الثورة الخومينية التي يغطيها بغلاف مذهبي عندما يتعلق الأمر بخوض معارك خارجية في مناطق بعيدة عن حدوده القريبة بحجة الدفاع عن الأضرحة المقدسة في سورية، والشعارات البراقة مثل " كل أرض كربلاء ، وكل يوم عاشوراء " التي تجذب المجذوبين طائفياً، وباستخدامه التنظيمات المتطرفة في الإقليم سحابة دخان تخفي وراءها أطماعه التوسعية للسيطرة على إقليم المشرق العربي.

 

يقف النظام الإيراني اليوم في مفترق طرق فيما يتعلق بمحاولة تحقيق نفوذه الإقليمي، إذ قطع منتصف الطريق نحو تنفيذ أهدافه، ولم يكن وهو يتفاوض سرًّا مع المنظومة الغربية منذ 12 سنة حول برنامجه النووي بعيداً عن التحولات الإقليمية في الشرق الأوسط؛ بل كان فاعلاً رئيساً فيها، وبخاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في إبريل عام 2003م، وبسبب هذا الاحتلال، تمكن النظام الإيراني من العودة لعمقه الطائفي، حيث تغلغل نفوذه داخل مؤسسات الدولة العراقية،  واستثمره أيضاً سياسيًّا وعسكريًّا في لبنان وسوريا واليمن، واستطاع الحرس الثوري أن يؤدي دورًا محوريًّا في إنتاج السياسي الخارجي الإيراني وتصريفه، عبر ترسيخ دور المليشيات المسلحة في جغرافية سياسية واسعة، تضم المكون الشيعي في تركيبتها السكانية.

 

ليس صعباً على دول الخليج العربية مصافحة الرئيس حسن روحاني، وتوقيع اتفاق صداقة مع بلاده إيران، وطي خلاف ثلاثين سنة. نظرياً، هذا أمر سهل جداً لكنه يبقى اتفاقاً لا يساوي الحبر الذي يوقع به إن لم تكن له ضمانات تحمي الخليج من حالة السعار العدوانية الإيرانية التي تحاصر بها إقليم أهل السنّة، في العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن والسودان والمغرب والجزائر وحتى في عمقه الإستراتيجي في نيجيريا والسنغال. ولسنا في حاجة إلى بذل كبير جهد لاستشراف مغزى الغزل الإيراني المسموم، فما تسعى إليه إيران اليوم ليس صفحة جديدة بل (تقية) سياسية، و(التقية) بمفهومها الشيعي تعني: (مصانعة الناس والتظاهر بغير ما يعتقد وكتمان الحقائق وستر الاعتقاد فيها، ثم التظاهر بعكس الحقائق الخفية أمام الآخرين، لحين بلوغ الهدف)، وهذا السلاح الخبيث الذي لا يقلّ خطراً عن سلاح إيران النووي، ديدنها ودينها ولا يجوز تركه إلى يوم القيامة، فتركه بمنزلة ترك الصلاة. فكيف إذا يمكن التعامل أو التصالح أو التقارب مع قوم دينهم الخداع والالتواء والانتهازية ؟!

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات