طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > اللغة العربية وحروب الهوية

ملتقى الخطباء

(461)
932

اللغة العربية وحروب الهوية

تاريخ النشر : 1438/07/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

اللغة هي الوسيلة الأولى للتخاطب بين الناس، وهي أهم أداة من أدوات التفكير، وهي وعاء العلم والمعرفة، تحفظها الكتابة من الضياع. هذه الأمور الثلاثة من البديهيات، ولكن الناس لم يعطوا هذه البديهيات ما تستحقه من الاهتمام، ومع أنها مشتركة بين اللغة العربية وسواها؛ إلا…

 

 

اللغة وعاء الثقافات، فاللغة تشكل تركيباً سطحياً دالاًّ على معان عميقة، فأي لغة قوم هي عبارة عن مفردات تعكس كمية من المعاني العميقة، فعندما تستبدل بترجمة وعبارات من لغة أخرى؛ فإنها لا تعكس نفس المعاني العميقة حتى ولو كان المقابل اللفظي واحد والترجمة صحيحة، ففي هذا المقابل اللفظي دلالات شعورية وأخيلة وظلال معنوية متنوعة، وبالطبع هي تابعة لمصدر اللغة؛ لذلك نحن نحتاج إلى حملة قيمية تتبنى فكرة الاعتزاز بالهوية واللغة العربية كمكون أصيل من مكونات تلك الهوية.

 

واللغة أقدم تجليات الهويَّة، أو لنقل: هي التي صاغت أول هويَّة لجماعة في تاريخ الإنسان، إن اللسان الواحد هو الذي جعل من كل فئة من الناس "جماعة" واحدة، ذات هويَّة مستقلة، ويزداد الاهتمام باللغة والهويَّة معًا، ويشيع الحديث عنهما، في المنعطفات أو المفاصل التاريخية في حياة الجماعات، وهي منعطفات أو مفاصل ليست من نوع واحد، فقد يكون منعطفًا أو مفصلاً حضاريا إيجابيا تصاعد الجماعة، أو تثب فيه نحو الحضارة والتقدم، وقد يكون سلبيًّا تتعرَّض فيه للانكسار، وتغزوها رِياح التشتت والانطماس، وربما الغياب عن ساحة الفعل والتأثير، في كلا الحالين تبرز قضية اللغة، وقضية الهويَّة، وفي الغالب يتم الربط بينهما ويتماهيان إلى درجة أنهما يكادان يصبحان شيئًا واحدًا.

 

والهُويَّة هي حقيقة الشيء أَو الإنسان التي تميزه عن غيره، ولغة الإنسان جزء أصيل من  هويته، وهي تفكيره، ولقد تكونت الهوية العربية من استخدام العربية لغة، ومن الاعتزاز بالإسلام دينا، ومن التراث الأدبي والفكري ومن العسير أن نتصور شعبا بدون هوية، وأثبتت الدراسات السوسيولوجية أن لكل جماعة أو أمة مجموعة من الخصائص والمميزات الاجتماعية والنفسية والمعيشية والتاريخية المتماثلة التي تعبر عن كيان ينصهر فيه قوم منسجمون ومتشابهون بتأثير هذه الخصائص والميزات التي تجمعهم.

 

ومن هذا الشعور القومي ذاته، يستمد الفرد إحساسه بالهُويَّة والانتماء، ويحس بأنه ليس مجرد فرد نكرة، وإنما يشترك مع عدد كبير من أفراد الجماعة في عدد من المعطيات والمكونات والأهداف، وينتمي إلى ثقافة مركبة من جملة من المعايير وفي حالة انعدام شعور الفرد بهويته نتيجة عوامل داخلية وخارجية، يتولد لديه ما يمكن أَن تسميه بأزمة الهُويَّة التي تفرز بدورها أزمة وعي تؤدي إلى ضياع الهُويَّة نهائيا، فينتهي بذلك وجوده.

 

والهُويَّة تتضمن مكونات ثابتة وأخرى قابلة للتغيير، ويعتبر الدين واللغة من الثوابت الراسخة، بينما تكون المكونات الأخرى من عادات وقيم وطرق تفكير؛ قابلة للتغيير في الشكل الإيجابي الذي تحدده حركية المجتمع وتفاعله بمحيطه الخارجي.

 

وإذا كان القول بثبات اللغة كمعطى أَساسي يحيل على الهوية، فإن ذلك لا يعني تخشيبها وتقديسها، والحيلولة دون تطوير بنيتها؛ لإنتاج أفكار جديدة وتوليد مصطلحات لغوية ذات قيمة.

 

ولا شك أن الهُويَّة العربية التي بدأت في التشكل دستوريا منذ كتابة صحيفة النبي -صلى الله عليه وسلمَ- بعد هجرته إلى يثرب، وانطلقت من مبدأ التغير مع الإبقاء على الثوابت، ولذلك شاركت الهُّويَّة العربية في منظومة الإنتاج الحضاري وبناء التراث العالمي، وبقيت اللغة العربية محافظة على ثباتها الإيجابي، باعتبارها مكونا أساسيا للهوية العربية.

 

نحن في حاجة إلى أن نتأمل مفهوم الخسارة الكبرى للشعوب عندما تتنازل عن هويتها، إن الشعب يستعبد عندما يسلب اللسان الذي تركه له الأجداد ليضيع للأبد وفي نهاية القرن الماضي أصدرت منظمة اليونسكو قائمة باللغات التي ماتت خلالَ قرن، فكان منها (300) لغة، لكن الأكثر فزعا أنها أصدرت قائمة باللغات المرشحة للموت في القرنِ الجديد، وكانت من بينها العربية.

 

اللغة العربية والإسلام:

اللغة هي الوسيلة الأولى للتخاطب بين الناس، وهي أهم أداة من أدوات التفكير، وهي وعاء العلم والمعرفة، تحفظها الكتابة من الضياع.

 

هذه الأمور الثلاثة من البديهيات، ولكن الناس لم يعطوا هذه البديهيات ما تستحقه من الاهتمام، ومع أنها مشتركة بين اللغة العربية وسواها؛ إلا أن العربية تتميز عن غيرها بأنها لغة الدين الإسلامي، فالقرآن الكريم نزل باللغة العربية؛ قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف: 2]، وقال: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [فصلت: 3]، والرسول -صلى الله عليه وسلمَ- خاطب قومه العرب بلسانهم؛ قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [إبراهيم: 4].

 

وهكذا فإن الأساسين الأَولين لهذا الدين (القرآنَ والسنةَ) هما باللغة العربية، ولا يمكن فهمُهما، ومعرفةُ أسرارِهما، واستنباطُ الأحكام منهما لغير المتمكن من هذه اللغة المباركة، يقول عمرُ بن الخطاب -رضي َالله عنه-: "تعلَّموا العربيةَ؛ فإنها من دينِكم، وتعلَّموا الفرائضَ؛ فإنها من دينكم"، وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما-: "أمَّا بعد: فتفقهوا في السنةِ، وتفقهوا في العربية، وأَعْرِبُوا القرآنَ فإنه عربي"، وفي توجيهِ عمر هذا أمران: الأول: الدعوةُ إلى فقهِ العربية. والثاني: الدعوةُ إلى فقهِ الشَّريعة.

 

وبيَّن شيخُ الإسلام سببَ قول عمر: "تفقهوا في السنةِ، وتفقهوا في العربية"؛ حيث قال: "لأنَّ الدِّينَ فيه فقهُ أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريقُ إلى فقه الأقوال، وفقه الشريعة هو الطريقُ إلى فقه الأعمال"، وقال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "ما كنتُ أدري ما معنى (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام: 14] حتى سمعتُ امرأةً من العربِ تقول: أنا فطرتُه؛ أي: ابتدأته"، وقال: "إذا خَفِيَ عليكم شيءٌ من القرآنِ، فابتغوه في الشِّعرِ؛ فإنَّه ديوانُ العرب".

 

وقد أدرك الأئمةُ الأقدمون أهميةَ اللغة العربية في فهم كلام الله -سبحانه وتعالى- وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلمَ-، فهذا الإمام الشافعي -رحمه الله- يقول عنه زوجُ ابنته: "أقام الشافعي علمَ العربية وأيامَ الناس عشرين سنة، فقلنا له في هذا، فقال: ما أردت بهذا إلا استعانةً للفقه" أي ظلّ عشرين سنة يتبحّر في اللغة العربية وعلومها ليفقه ويفهمَ القرآن والسنة، ولا يستغرب منه هذا، فهو الذي يقول: "أصحاب العربية جن الإنس، يبصرون ما لم يبصر غيرهم"، وكان علماء الدين يقولون: "من تكلّم في الفقه بغير لغة تكلم بلسان قصير"! واجتمع الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة، فقال الكسائي: "من تبحَّر في علمِ النحو، اهتدى إلى سائر العلوم، فقال له محمد: ما تقولُ فيمن سها في سجودِ السهو، هل يسجد مرة أخرى؟ قال: لا، قال: لِمَ ذا؟ قال: لأنَّ النحاة يقولون: المصغَّر لا يُصغر، قال محمد: فما تقول في تعليقِ العتق بالملك؟ قال: لا يصحُّ، قال: لِمَ؟ قال: لأنَّ السيل لا يسبق المطر"، والمقام لا يتسع للتفصيل، وفيما ذكر كفاية لإثبات المراد.

 

الغرب والحفاظ على هويته ولغته:

في الوقت الذي كان العرب يستميت في حملة شعواء ضد اللغة العربية من أجل طمس هوية الأمة الإسلامية والعربية، في هذا الوقت يحرص الغرب أشد الحرص على الدفاع عن لغته والاعتزاز بها والوقوف ضد أي محاولة تسلل أجنبية على هذه اللغة ، ومن أبرز هذه النماذج:

 

النموذج الفرنسي:

فرنسا الوطنية تختلف تماماً عن فرنسا الاستعمارية الصليبية ذات الوجه الكالح العنصري المتكبر. ففرنسا الاستعمارية كانت تعمل على محو اللغات الوطنية وإحلال اللغة الفرنسية مكانها من أجل التهام هذه الحضارات ثقافياً وهويتياً بعد أن التهمتها اقتصاديا وعسكرياً.

 

وفي هذا الشأن يقول الحاكم الفرنسي في الجزائر بمناسبة مرور مائة عام على احتلالها: "يجب أن نُزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم؛ حتى ننتصر عليهم".

 

وتجلى ذلك في ممارسات الفرنسيين الذين اقتحموا الأزهر إبَّان الحملة الفرنسية، وجعلوه إسطبلاً لخيولهم، وكذلك في إغلاق المساجد في الجزائر (بعد احتلالها) وتحويل بعضها إلى كنائس، وهم الذين قاموا بمحاولة القضاء على اللغة العربية والثقافة الإسلامية في الشمال الإفريقي، ناهيك عن المجازر الوحشية التي ارتكبها هؤلاء وغيرهم في البلدان العربية والإسلامية المستعمرة.

 

أما فرنسا الوطنية فعندما استشعرت بالخطر على هويتها ولغتها الوطنية تصرفت بصورة مغايرة، ففي عهد الرئيس "ميتران" كان لدى الفرنسيون شعور بأن اللغة الفرنسية قد أصبحت مهددة وتعاني من التراجع على الصعيد العالمي، مع انحسار الاستعمار المباشر وبسبب ذلك فإن دولة فرنسا قد بدأت تصبح في مصاف الدول ذات المرتبة الثانية في العالم، بعد أن كانت فرنسا على مرّ التاريخ من دول الصف الأول دائماً، وبدأت تجاهد الحركة الفرانكفونية على بقاء نفوذ الثقافة الفرنسية في العالم بعد انحلال إمبراطورتيها، فقامت عدة مراكز إستراتيجية بدراسة سبب هذه المشكلة ووصلت إلى أن أحد أسبابها هو ضعف اللغة الفرنسية، وقلة انتشارها في العالم بعد هيمنة اللغة الانجليزية، فقاموا بإنشاء مشاريع طويلة الأجل لتقوية اللغة الفرنسية ونشرها في العالم أجمع وبعد سنوات طويلة، كانت تلك النتيجة المثمرة، والتي لربما ترون ما الذي وصل إليه الكيان الفرنسي الآن، وكيف اعتزاز الفرنسيون بلغتهم، بل حتى إن النظام الفرنسي يمنع الكتابة على لوحات الشوارع والمحلات التجارية بأي لغة أخرى غير الفرنسية.

 

النموذج اليهودي:

والبداية كانت في أواسط القرن التاسع عشر، حين كان اليهود موزعين على أكثر من مائة دولة في العالم، وتتحدث كل جماعة منهم لغة البلد الذي تَعيش فيه، ولا توجد اللغة العبرية إلا في بيوت العبادة، وفي بعض عبارات التخاطب والمجاملة، وكانت تعتبر لغة دينية ميتة، وعندما بدأت فكرة إقامة وطن لليهود رفع أحد مفكريهم (وهو "إليعازر بن يهوذا") شعارًا مهمًّا، وهو: "لا حياة لأمَّة بدون لغة"، وقرر أن يسعى لكي يجعل من العبرية لغة حية على مستوى الكتابة وتدوين المعرفة والتخاطُب في الحياة اليومية، وبدا هذا الهدف عند اليهود أنفسهم صعبًا إن لم يكن مستحيلاً، ولكنه تمسك بفكرته رغم سخرية أصدقائه منه، وقرر الهجرة إلى فلسطين سنة 1881 مع زوجته وأسرته، وأنشأ أول بيت يهودي تفرض فيه اللغة العبرية لغة للتخاطب والحديث في كل شؤون الحياة، وساعده على ذلك أفراد أسرته رغم سخرية كل الناس منه، ولكنه ظل متمسكًا برأيه عاملاً على إنجاحه أربعين سنة متصلة، أسس رابطة للمتكلمين بالعبرية في فلسطين، وصارت داره منتدى يتم الحديث فيه بالعبريَّة، وأصدر صحيفة بالعبريَّة، وجعل جزءًا منها مخصصًا للأطفال، وحرص على أن يسمي أبطال قصصهم بأسماء عبريَّة، وعكف على تأليف قاموس كبير للغة العبرية، بالاستعانة بالتراث اليهودي واللغات السامية، وابتكار مصطلحات جديدة في كل مجالات المعرفة، وقد استطاع في حياته أن ينجز منه تسعة أجزاء، وأكمله تلاميذه إلى ستة عشر مجلدًا، وأثمرت دعوته؛ فانتشرت المدارس العبرية في فلسطين المحتلة، وامتد التعلم والتأليف بالعبرية إلى كل المناهج، ثم امتد إلى الجامعات التي تدرس كل موادها بما في ذلك الطب والهندسة والعلوم بمختلف ألوانها باللغة العِبريَّة، وتُعقَد فيها المؤتمرات على أعلى مستوى بهذه اللغة، مع الاستفادة من تعلم اللغات الأخرى؛ لأنهم يدركون جيدًا الفرق بين تعلم اللغات الأجنبية (وهو أمر مطلوب وضروري لكل حضارة وتقدم) وبين التعلم باللغات الأجنبية (وهو أمر يقضي على الشخصية واللغة القومية على المدى البعيد) ولا يُساعِد (كما يقول الباحثون) على تَوطين المعرفة لدى الأمة.

 

وامتدت تجربة اللغة العبرية إلى كل مَناحي الحياة؛ الاقتصادية والاجتماعية، والفنية والسياسية، فأصبحت المؤتمرات تعقد بها، وتكتب لافتات المتاجر والأماكن العامَّة والمنتديات بها، والمسئولون يلقون كلماتهم في أي دولة أجنبية بها، وبهذا الجهد الخارق استطاعت أمة أن تُحيي لغتها من العدم، وأن تحيا هي بهذه اللغة، ويتشكل لها كيان وهُويَّة.

 

النموذج الياباني:

الأمة اليابانية تعرضت لإبادة شاملة في الحرب العالمية الثانية تم تدمير مقومات الحضارة والحياة الطبيعية فيها، وتحولت المدنية إلى أطلال، وخضعت لعملية إخضاع وقهر وتطويع عالمية باسم "مشروع مارشال" من أجل طمس الهوية وتغريب اليابانيين المعتزين بهويتهم وحضارتهم ولغتهم، ومع ذلك صمد اليابانيون بكل قوة أمام محاولات طمس هويتهم وسلب خصوصيتهم، وأصروا على أن تكون لغة التعامل والتعليم والتداول والتبادل حتى استعادوا مكانتهم وصاروا من السبعة الكبار على مستوى العالم.

 

خطة الغرب ضد اللغة العربية: تعرضت الأمة العربية والإسلامية للاستعمار الغربي المباشر، ورَزَحت تحت وطأته سنين عدة كثيرٌ من البُلدان العربية، من المحيط إلى الخليج، ولقد أدى هذا الزحف الاستعماري المستبِد الغاشم إلى تخلف الوطن العربي؛ لغة وشعبًا وحضارة… إلخ، وخلف آثارًا مقيتة، أبرزها تلك الآثار الخطيرة والظلال الوخيمة  التي ألقاها على اللغة العربية، فقد عمد الاحتلال الغربي في البلد العربي الذي وقع فريسة له إلى أن يمحو ذاكرة التاريخ والحضارة، وأن ينزع ألسنتهم، ويستبدل بها لسانه، وأن ينتزع الإيمان من صدورهم، وأن يمحو حضارتهم من أرضهم وعقولهم ، وذلك بإتباع الخطوات التالية:

أولاً: تحويل أبجدية اللغات الإقليمية إلى اللاتينية، وكانت تكتب أساسًا بالعربية، كما حدث في إندونيسيا وبعض بلاد إفريقية وآسيا.

 

ثانيًا: تقديم اللغات الأجنبية في الأقطار الإسلامية على اللغة العربية، خاصة في الشام وبلاد المغرب.  

 

ثالثًا: تقديم اللهجات واللغات المحلية، وتشجيعها. ومن أوائل المستشرقين الذين روجوا لفكرة استخدام العامية بدل العربية الفصحى: "ولهلم سبيتا" الألماني الذي كان مديراً لدار الكتب المصرية في القرن التاسع عشر، وقد حاول وضع قواعد للعامية المصرية، مشيراً إلى أن الفصحى دخيلة، جاءت مع الفتح الإسلامي، وقام القاضي الإنجليزي "بول" وكان من قضاة المحكمة الأهلية بالقاهرة، فدعا إلى تبني اللهجة العامية، وكذلك "فيلوث" الأستاذ في كامبرج، وكلكتا للغات الشرقية، قام هو و "بول" بوضع كتاب أسمياه: "المقتضب في عربية مصر".

 

رابعًا: ابتعاث الطلاب إلى الغرب لدراسة لغاته، وكان ذلك إيمانًا بأن اللغة هي الوجه الثاني للفكر، وأن من يجيد لغة أمَّة لا بد أن يعجب بتاريخها وفكرها، ويصير له انتماء من نوع ما إلى هذه الأمة.

 

والهدف الرئيس الكلي من هذه الحرب السافرة على اللغة العربية طمس الهوية المميزة لأمة الإسلام.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات