طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > سهام الليل في مرامي الظالمين

ملتقى الخطباء

(793)
903

سهام الليل في مرامي الظالمين

تاريخ النشر : 1438/04/27
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ومن أزجر ما نقل في التاريخ: قصة عن خالد بن عبد الله البرمكيِّ وولده في حوار بينهما وهما في السجن، فيقول له: يا أبتاه! بعد العز والملك صرنا في القيد والحبس. فقال له: يا بنيّ! دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها والله لم يغفل عنها.

 

 

 

يروى أن أهل بغداد اشتكوا إلى الخليفة المعتصم إساءة غلمان الأتراك وقد أكثر المعتصم من شرائهم ليقوي الجيش بهم، حتى ملئوا بغداد وكانوا عجمًا جفاة، وجاء وفد من الصالحين للخليفة المعتصم وقالوا له: "تحول عنا بجيش الأتراك هذا وإلا قاتلناك" فقال لهم المعتصم: "وكيف تقاتلوني وفي عسكري ثمانون ألف دارع؟" فقالوا: "نقاتلك بسهام الليل". فقال: "لا طاقة لي بذلك". وتحول بجيشه إلى مدينة جديدة اسمها "سر من رأى" أو سامرا الآن.

 

حقًا إن سهام الليل لا يقوى على صدها أحد ولا يعرف قيمتها الآن إلا القليل فإنها السلاح الأقوى والسيف الأمضى الذي سقط من حسابات كثير من المسلمين، إنها وصلة العبد برب الأرض والسماء، ومسامرة المظلومين في حوالك الظلامات، فكم من سهام كشفت مظلمة وقمعت ظالمًا وردت طاغيًا. فالدعاء عبادة روحية عظيمة يلجأ فيها المخلوق الضعيف إلى الخالق العظيم، بعد أن تنقطع به الأسباب وتنعدم عنده الحيل ولا يجد له ملجأ إلا إلى الله الواحد جل جلاله، فيتوجه بقلبه وقالبه إلى الله –سبحانه-؛ ليجد عنده ما لم يجد عند أحد من البشر. والدعاء أكرم شيء عند الله –سبحانه- لما جاء في الحديث عن أبي هريرة  -رضي الله عنه-  عن النبي  -صلى الله عليه وسلم-  أنه قال: " ليس شيءٌ أكرمَ على الله سبحانه من الدُعاء ". فدعوة المظلوم سلاح على الظالم لا يبقي وإن طال الدهر، قال -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- حين بعثَه إلى اليمن: "واتَّقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ".

 

فنحن في أمس الحاجة لأن نبري سهامنا ونشد أوتارنا ونرفع أقواسنا ونأجر في جوف الليل الغابر لمن وسع سمعه الأصوات كلها، ولمن يشك في قوة سهام الليل ومدى فاعليتها فليسمع لتلك المواقف.

-عن جابر بن سمُرة قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر حتى قالوا: إنه لا يحسن يصلي. فقال سعد: أما أنا فإني كنت أصلِّي بهم صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا أخرم عنها، أركد في الأَوليين وأحذف في الأُخريين. قال عمر: والله ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. ثم بعث عمر رجالاً يسألون عنه في مجالس الكوفة، فكانوا لا يأتون مجلسًا إلا أثنوا عليه خيرًا، وقالوا معروفًا، حتى أتَوا مسجدًا من مساجدهم فقال رجل -يُقال له: أبو سعدة-: "اللهم إذ سألتمونا فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسَّوِيّة، ولا يسير بالسرِيَّة". وهكذا الظالم إذا تبِع هواه انطلق لسانه بما يهوى، وانطلقت جوارحه بما تهوى نفسه الأمارة. فقال سعد: اللهم إن كان كاذبًا فأعم بصره، وأطل فقره، وعرضه للفتن. قال عبد الملك -راوي الحديث-: فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك، فإذا قيل له: انته يا أبا سعدة! قال: كبير فقير مفتون أصابتني دعوة سعد.

 

ادعت أروي بنت أوس على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئاً من أرضها فذهبت تشكوه إلى الخليفة عبد الملك بن مروان الذي استدعاه وسأله هل أخذت شيئاً من أرض هذه المرأة؟ فقال: كيف آخذ من أرضها شيئاً وقد سمعت رسول الله يقول في ذلك الأمر كلاماً عظيماً ووعيداً شديداً قال: وماذا يقول صلى الله عليه وسلم؟ قال يقول: "من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة" قال له: اذهب لا أسألك بينة بعد ذلك. وعرف الخليفة أنها كاذبة فقد دعا عليها سعيد بن زيد فقال: اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واقتلها في أرضها. فاستجاب الله لدعوة سعيد بن زيد فبعد مدة وجيزة من الزمن عمي بصرها وبينما كانت تسير في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت فيها.

 

حكى ابن أبي الدنيا أن رجلاً من مناوئي عثمان -رضي الله عنه-  آلى على نفسه أن يلطم وجهَ عثمان –الشريف- وفي القصة قال: فدخلت مع صاحبي وإذا رأس عثمان في حجر امرأته، فقال لها صاحبي: اكشفي وجهه. فقالت: لم؟ قال: ألطم حُرَّ وجهه. قالت: أمَا تذكر ما قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟! قال فيه كذا وكذا – ثم عددت مزاياه العظيمة -، قال: فاستحيا صاحبي بعد ذلك فرجع، فقلت لها أنا: اكشفي عن وجهه. قال: فذهبت – أي: امرأة عثمان – تدعو عليَّ، ومع ذلك قال: فلطمت وجهَهُ. فقالت: ما لكَ يبَّس الله يدك، وأعمى بصرك، ولا غفر لك ذنبكَ. قال: فو الله ما خرجت من الباب حتى يبست يدي، وعمي بصري، وما أرى الله أن يغفر لي ذنبي. ثم رؤي يطوف في الكعبة ويتألى على الله عقوبة له، فيقول وهو أعمى: اللهم اغفر لي، وما أراك تفعل.

 

حكي أن رجلاً من قتلة الحسين بن علي -رضي الله عنهما- رماه بسهم. فقال الحسين: يا هذا! ايتني بماء أشربه، فلما رماه هذا الرجل حال بينه وبين الماء، فقال الحسين: اللهم أظمئه. فرؤي هذا الرامي وهو عند موته في الاحتضار وهو يصيح من الحر في بطنه، ويصيح من البرد في ظهره، فبين يديه المراوح والثلج وخلفه المصطلى، وهو يقول: اسقوني أهلكني العطش، فيؤتى بإناء عظيم فيه السويق وهو الماء واللبن، لو شربه خمسة لكفاهم، فيشربه جميعًا، ثم يعود فيقول: اسقوني أهلكني العطش، ثم انقدَّ بطنه كانقداد البعير.

 

لما قتل الحجاج العالم الرباني "سعيد بن جبير" ووصل هذا الخبر للحسن البصري رفع يديه في جوف الليل وقال: "اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج" فمات الحجاج من ليلته.

 

أصيب مالك بن دينار الزاهد العابد بالحمى عدة أيام، ثم وجد خفَّة فخرج لبعض حاجته، فمر بعض أصحاب الشرط بين يديه قوم، قال: فأعجلوني فاعترضت في الطريق، فلحقني إنسان من أعوانه فقنعني أسواطًا -أي: ضربني أسواطًا-  كانت أشد عليَّ من تلك الحمى. فقلت: قطع الله يدك، فلما كان من الغد غدوت إلى الجسر في حاجة لي فتلقاني ذلك الرجل مقطوعة يده يحملها في عنقه، بعد أن قطعت في حد السرقة.

 

ومن أزجر ما نقل في التاريخ: قصة عن خالد بن عبد الله البرمكيِّ وولده في حوار بينهما وهما في السجن، فيقول له: يا أبتاه! بعد العز والملك صرنا في القيد والحبس. فقال له: يا بنيّ! دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها والله لم يغفل عنها.

ومن الناس الذين جعلهم الله -عز وجل- عبرة لغيرهم في محنة القول بخلق القرآن: الجلادون الذين كانوا يضربون الإمام أحمد بالسياط، فكان منهم رجلان: أبو ذر، وأبو العروق. أما أبوذر، فكان ممن يضرب الإمام بين يدي المعتصم، فأصيب بالبرص والمرض، وتقطع جسمه، وأهلكه الله بسوء عمله، وأما أبو العروق، فكان هلاكه أسوأ من صاحبه، فمكث خمسة وأربعين يومًا ينبح كما ينبح الكلب، ابتلاه الله بمرض، فصار ينبح كالكلاب.

 

كانت دولة الأغالبة ولاة الأمور على "إفريقية" – تونس الآن-  أيام الخلافة العباسية، وفي سنة 196هـ كان الوالي الأمير عبد الله بن الأغلب وكان سيئ السلوك والأخلاق ظلومًا غشومًا، وأسرف في ظلم الناس، فجاءه عالم إفريقية وقتها وهو "حفص بن حميد" فقال له: "يا أيها الأمير اتق الله في شبابك وارحم جمالك وأشفق على بدنك من النار، وارفع هذه الضرائب الجائرة عن الرعية، وخذ بكتاب الله وسنة رسول الله". فأعرض الأمير عبد الله عن سماعه ولم يأخذ بنصيحته بل غالى في المكوس والضرائب كرد فعل عكسي للوعظ والإرشاد، فقال حفص بن حميد: "قد يئسنا من المخلوق فلا نيأس من الخالق فاسألوا المولى وتضرعوا إليه في زوال ظلمه عن المسلمين فإن فتح في الدعاء فقد أذن في الإجابة". فقام الناس فتوضأوا وساروا إلى المصلى ودعوا الله بعد صلاة العشاء أن يكف عن المسلمين أذى هذا الأمير الظالم وأن يريحهم من أيامه، فإذا بالأمير الظلوم تصيبه قرحة تحت أذنه لم يستطع أن يصمد أمام وجعها سوى خمسة أيام فقط وخلالها تغير لون بشرته البيضاء وكان من أجمل أهل زمانه حتى ضربوا به الأمثال في الوجاهة والوسامة إلى اللون الأسود كأنه زنجي بعد هذه الخمسة أيام مات غير مأسوف عليه ولا مبكى.

 

دخل أحد الصالحين على "ابن بقية" وزير المقتدر بالله العباسي -وقيل: غيره من الوزراء- فنصحه ووعظه لرفع المظالم عن الناس، فغضب ابن بقية ورفع يده وضرب بها هذا الرجل الصالح، فقال له الصالح: لأرُدَّنَّ عليك بسهام الليل، قال: اذهب أنت وسهامك. فاشتكى إلى الله، وجلس بعدها بليلة في السحر يرفع شكواه إلى الواحد الأحد يدعو ويشكو ويبكي ويقول: يا رب! لطمني – والله يعرف أنه لطمه- اللهم كما لطمني بيده، اللهم اقطعها في الدنيا. فقتل الخليفة المقتدر بالله، وجاء من بعده الخليفة القاهر بالله للخلافة، وأتى بالوزير فقطع يده، وعلقها بباب الطاق عند مدخل بغداد، فمر هذا الفقير ورأى اليد مقطوعة، كما طلب من ربه في سهمه الذي رمى به فؤاد ظالمه.

روى ابن أبي الدنيا في مستجابي الدعاء بسنده قال رأيت رجلاً مقطوع اليد من الكتف وهو ينادي من رآني فلا يظلمن أحداً فتقدمت إليه فقلت له يا أخي ما قصتك؟ قال قصة عجيبة وذلك إني كنت من أعوان الظلمة فرأيت يوماً صياداً وقد اصطاد سمكة كبيرة فأعجبتني فجئت إليه فقلت اعطني هذه السمكة فقال لا أعطيها إلا بثمنها قوتاً لعيالي فضربته وأخذتها منه قهراً ومضيت بها قال فبينا أنا امشي بها حاملها إذ عضت على إبهامي عضة قوية فلما جئت بها إلى بيتي وألقيتها من يدي ضربت على إبهامي وآلمتني ألماً شديداً حتى لم أنم من شدة الوجع، والألم وورمت يدي، فلما أصبحت أتيت الطبيب وشكوت إليه الألم فقال هذه بدء الآكلة اقطعها وإلا نقطع يديك فقطعت إبهامي ثم ضربت على يدي فلم أطق النوم ولا القرار من شدة الألم فقيل لي اقطع كفك فقطعته وانتشر الألم إلى الساعد وآلمني ألما شديداً ولم أطق القرار، وجعلت أستغيث من شدة الألم فقيل لي اقطعها إلى المرفق فقطعتها فانتشر الألم ثم قطعتها من كتفي. فقال لي الناس ما سبب ألمك؟ فذكرت لهم صاحب السمكة فقيل لي: لو كنت رجعت في أول ما أصابك الألم إلى صاحب السمكة واستحللت منه وأرضيته لما قطعت من أعضائك عضو، فاذهب الآن إليه واطلب رضاه قبل أن يصل الألم إلى بدنك قال فلم أزل أطلبه فى البلد حتى وجدته فوقعت على رجليه أقبلها وأبكي وقلت له يا سيدي سألتك بالله إلا عفوت عني. فقال لي: ومن أنت؟ قلت: أنا الذي أخذت منك السمكة غصباً، وذكرت ما جرى، وأريته يدي فبكى حين رآها. ثم قال: يا أخي قد أحللتك منها لما قد رأيته بك من هذا البلاء. فقلت: يا سيدي بالله هل كنت قد دعوت علي لما أخذتها؟ قال: نعم. قلت: اللهم إن هذا قد تقوى علي بقوته على ضعفي على ما رزقتني ظلماً فأرني قدرتك فيه. فقلت: يا سيدي قد أراك الله قدرته فيَّ وأنا تائب إلى الله -عز وجل- عما كنت عليه من خدمة الظلمة ولا عدت أقف لهم على باب ولا أكون من أعوانهم مادمت حياً إن شاء الله.

 

عندما مات صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- سنة 589هـ تقسمت مملكته بين أبنائه وإخوته وكان حكم الديار المصرية من نصيب ولده "العزيز عثمان" وكان هذا الولد مخالطًا لصحبة سوء من أصحاب العقائد الضالة وأتباع الفرق المنحرفة وكان معظمهم من فرقة الجهمية التي شعارها نفي الصفات والأسماء والقول بالجبر في القدر، وقد زين له هؤلاء الجهمية أن يقوم بطرد علماء الحنابلة وحتى أتباعهم من العوام من الديار المصرية بأسرها، وبالفعل عزم "العزيز عثمان" على ذلك وشاع الأمر وانتشر الخبر فاجتمع علماء الحنابلة في أحد المساجد وأخذوا في الدعاء عليه في ليلة من شهر محرم وبالتحديد 19 محرم سنة 595هـ، فما كان من "العزيز عثمان" إلا أن قد خرج من يومه للصيد فساق خلف ذئب بفرسه فكبا به فرسه فسقط من فوقه فمات في الحال وأهلكه الله -عز وجل- سريعًا وعظم قدر الحنابلة بين المسلمين بمصر والشام.

 

كان الحافظ عبد الغني المقدسي من كبار علماء الحديث وصاحب تصانيف بارعة في علم الحديث وأحوال الرجال كما كان من كبار علماء الحنابلة ومشهورًا بين العامة والخاصة بالورع والتقى والصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، هذا إضافة لكونه واعظًا شديد التأثير، رقيق القلب، سريع الدمعة، له قبول كبير عند العوام، وكل هذه الصفات جعل حساده كثر والساعين عليهم أكثر، وفي يوم 24 من ذي الحجة سنة 594هـ جلس الحافظ عبد الغني بمسجد دمشق يلقي درسًا في العقيدة على مذهب السلف فغضب منه رجلان من الأشاعرة هما القاضي ابن الزكي والخطيب ضياء الدين الدولعي، وأثاروا عليه أمير البلد وعقدوا له مجلسًا للمناظرة انتصر فيه عليهما مما زادهما حسدًا وغيظًا فسعوا به عند الأمير حتى أخرجه من دمشق، فقام الحافظ عبد الغني فدعا عليهما دعوات بالغة فما كان من الإثنين إلا أن ماتا في نفس الفترة وقد أصيب القاضي ابن الزكي بالجنون والصرع فجأة فكان يصرع ثم يفيق ثم يصرع حتى مات.

وصدق الشاعر:

سهام الليل صائبة المرامي***إذا وترت بأوتار الخشوع

 

يفوقها إلى المرمى رجال***يطيلون السجود مع الركوع

 

بألسنة تهمهم في دعاء***وأجفان تفيض من الدموع

 

إذا أوترن ثم رمين سهماً***فما يغني التحصن بالدروع

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات