طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الدعاة وترويض النفوس العصيّة

ملتقى الخطباء

(500)
892

الدعاة وترويض النفوس العصيّة

تاريخ النشر : 1438/03/28
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

سماع المدح هو من أخطر الأبواب على النفس، فإذا ما فتح أمامها فإنها تجد المجال خصبًا لكي تنتفخ وتتعاظم. فهو الشراب الحلو اللذيذ الذي يسكرها ويجعلها تعيش في أجواء النشوة والسرور والطرب. لذلك قيل: المدح هو الذبح، فمن أراد أن يذبح أحدًا فليكثر من مدحه، كما قال -صلى الله عليه وسلم- لمن مدح رجلاً عنده: “ويحك قطعت عنق صاحبك، لو سمعها ما أفلح” ثم قال: “إن كان أحدكم لابد مادحًا أخاه فليقل أحسب فلانًا ولا أزكي على الله أحدًا، حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك”.

 

 

 

من محاسن الإسلام العظيمة أنه دين شامل لكل نواحي الحياة، فلا انفصال فيه بين العبادة والسلوك، ولا بين العلم والعمل. ومما لا شك فيه أن من أعظم غايات العبادات التي شرعها الإسلام ـ وجوبا أو استحبابا ـ هو تزكية النفوس وتهذيبها والترقي بها نحو محاسن الأخلاق ومكارمها بحيث يصير المسلم المقيم لفرائض الله –تعالى- من أحسن الناس أخلاقاً وأنبلهم سلوكاً وأكرمهم شيماً.

 

وهذه الغاية نلمسها في كل شعيرة من شعائر الإسلام وكل ركن من أركانه، وتهذيب النفس وتزكيتها أمر واجب على كل مسلم ومسلمة، وقد بعث الله –سبحانه- نبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ لتزكية النفوس كما قال سبحانه: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران: 164]، وبين سبحانه أن المفلح هو من يزكي نفسه كما قال عز وجل: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)[الشمس: 7-10]، وتزكية النفس ليس أمراً سهلاً ، بل يحتاج إلى صبر ومصابرة ومجاهدة طويلة.

 

فالنفس البشرية نفس عصيّة طمّاعة تبحث عن نصيبها من كل أفعال العباد، وهي وثابة مستولية تريد أن تشاطر العبد كل ما يصدر منه ويرد عليه، فهي هلوعة عند الفزع، منوعة عند الطمع، جزوعة عند الوجع، عجولة عند الشبع، وهذا هو الأصل فيها والغالب عليها إلا من رحم ربي ورزقه نفساً آمنة مطمئنة.

 

وإذا كانت النفس تحاول أن تأخذ حظها من كل فعل يقوم به العبد، ولا تكل ولا تمل من وقوفها على أبواب الرغبة والرهبة، فإن هذه المحاولات تزداد عند حالات معينة، لذلك علينا أن نكون على حذر باستمرار، وأن يعمل الدعاة جاهدين على تعليم الناس وتبصيرهم بتلك المواقف حتى يتم غلق الأبواب أمامها؛ لتفشل في محاولاتها، في الاستيلاء على أفعال العباد وإحباط قيمة هذه الطاعات أو تقليل آثارها، ومراقبة تحركات النفوس جيداً في مواطن الاستشراف والتطلع، ومن أهم هذه المواطن والمواقف:

أولاً: النفس عند تكاثر النعم:

قال الله -عز وجل-:(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35]، وقال أيضاً: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الأعراف: 168]، فالعبد يتبلى بالسراء والضراء، والخير والشر، والغنى والفقر، والنفس لها مواقف متغيرة ومتباينة مع كل موطن من هذه المواطن. وبين الحين والآخر ترد نعم كبيرة على العبد مثل زيادة في الرزق، ونجاح في عمل أو دراسة، شراء بيت جديد إلخ.

 

عند ذلك تثب النفس لنيل حظها من انفتاح الدنيا وكثرة النعم، وتجد أنها أمام فرصة ومجالاً واسعًا للاستعظام، والفخر، والشعور بالتميز عن الآخرين بهذه النعم، وتلبس لباس الفخر والتيه، وتنسب هذا الفتح الدنيوي لنفسها وذكائها وقدرتها، كما قال قارون لعنه الله (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص: 78].

 

 فماذا يفعل الداعية كي يعلم الناس غلق هذا الباب أمام النفوس العصيّة؟

العلاج يكون من خلال اتباع الخطوات التالية، والتي تدور معظمها في فلك تحقيق عبودية الشكر والامتنان لله الواحد الرزاق، وذلك بما يلي:

1-سرعة ربط النعمة بالمنعم -سبحانه وتعالى- وحمده عليها، كما قال تعالى لنوح -عليه السلام-: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [المؤمنون: 28 ].

 

2-سجود الشكر الفوري بعد ورود النعمة: وإطالة هذا السجود، ومناجاة الله فيه، واعترافنا بفضله علينا، وأنه لولا كرمه وجوده –سبحانه- ما حصلنا على هذه النعمة. فعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبًا من عزوراء (موضع قريب من مكة) نزل ثم رفع يديه، فدعا الله ساعة، ثم خر ساجدًا، فمكث طويلًا، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدًا – فعله ثلاثًا – وقال: "إني سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي – فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدًا لربي" رواه أبو داود. ويوضح ابن القيم أهمية الشكر الفوري لله -عز وجل- بعد ورود النعم فيقول: "حدوث النعمة يوجب فرح النفس وانبساطها، وكثيرًا ما يجر ذلك إلى الأشر والبطر، والسجود ذل لله وعبودية وتضرع.. فإذا تلقى به نعمته كان جديرًا بدوام تلك النعمة، وإذا تلقاه بالفرح الذي لا يحبه الله والأشر والبطر، كما يفعله الجهال عندما يحدث لهم من النعم، كانت سريعة الزوال وشيكة الانتقال، وانقلبت نقمة، وعادت استدراجًا. وليكن سجود الشكر فور ورود النعمة، فتأخرنا عن ذلك يعطي للشيطان فرصة لإضعاف همتنا نحو الشكر".

 

قال بكر بن عبد الله: "ينزل بالعبد الأمر فيدعو الله -عز وجل- فيصرفه عنه، فيأتيه الشيطان فيضعف شكره، يقول: إن الأمر كان أيسر مما تذهب إليه، قال: أو لا يقول العبد: كان الأمر أشد مما أذهب إليه، ولكن الله -عز وجل- صرفه عني.

 

3-الإنفاق مما تحبه النفس: سواء كان ذلك في صورة صدقة أو هدية، فالنفس يزداد شحها في وقت إقبال النعم عليها وعلاجها بالإنفاق مرة بعد مرة حتى تسكن. ولما تاب الله على كعب بن مالك سجد وألقى رداءه إلى الذي بشره.

 

4-المبالغة في القيام بصور التواضع: وبخاصة الجلوس مع المساكين وتقديم الطعام لهم، والقيام على خدمتهم. وفي الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما فتح الله عليه مكة دخلها خاشعاً مطأطأ رأسه تواضعاً لله -عز وجل- وشكراً لنعمته عليه بالفتح المبين. وجاء في الزهد للإمام أحمد: مما أوحى الله لعيسى -عليه السلام-: "إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك".

5-كثرة العبادة: وبخاصة قيام الليل، فعندما سألت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن سبب قيامه بالليل حتى تورمت قدماه مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال لها: "أفلا أكون عبدًا شكورًا ". فاستقبال النعمة بهذه الأعمال سيكون له -بمشيئة الله- دور كبير في عدم السماح للنفس بالاستعظام والشعور بالتميز عن الآخرين، بل قد تكون هذه النعمة بمثابة وسيلة للقرب من الله -عز وجل.

 

ثانياً: النفس وفتوح الطاعات:

عندما يوفق الله -عز وجل- العبد للقيام بالطاعات وأداء ما افترض عليه من القربات، ثم يفتح عليه بنوافلها، فيؤدي العبد بعض الأعمال المميزة التي يوفقه الله -عز وجل- فيها للقبول، مثل قيام الليل، أو النجاح بدعوة مسلم شارد إلى المسجد، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، يقلع صاحب المنكر بعده عن منكره ، إلى آخر أمثال الطاعات ، عند مثل هذه الأحوال تجد النفس أمامها المجال رحبًا لجعل صاحبها يحمدها، ويعجب بها، ويستعظم فعاله، وهذا باب خطير لو فتح أمام العبد عليه إغلاقه بسرعة، وإلا تعرض عمله الذي تعب فيه للضياع. وهنا يلزمه عدة أمور:

1-إخفاء العمل قدر الإمكان، وعدم التحدث به أمام أحد من الناس، فكلما كان العمل في الخفاء قلت فرصة النفس للإلحاح على صاحبها بحمدها. قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله -عز وجل- يحب العبد التقي الخفي". قال الحسن: "لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع  لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم -عز وجل". ووعظ الناس يومًا، فتنفس رجل الصعداء، فقال: "يا ابن أخي ما عساك أردت بما صنعت؟ إن كنت صادقًا فقد شهرت نفسك، وإن كنت كاذبًا فقد أهلكتها". وقال محمد بن واسع: "أدركت رجالاً، كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بل ما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده لا يشعر به الذي إلى جانبه".

 

فالاجتهاد على إحاطة الأعمال بأسوار عالية من السرية والكتمان-قدر الإمكان- ولا يسمح لأحد بالاطلاع عليها، تنفيذاً لوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل".

2-نسيان العمل: فكلما نسي العبد عمله الصالح بعد أدائه، كان ذلك أدعى لتعرضه للقبول من الله -عز وجل-؛ لابتعاده عن محاولات النفس لسرقته والاستيلاء عليه، ومن ثم نفي الإخلاص منه.

 

ومن أهم وسائل نسيان العمل:

سؤال الله -عز وجل- أن يصرف عنا التفكير في هذا العمل، وعدم طلب رأى الناس فيه. وهذا أمر مهم في هذا الباب، فالبعض يحرص بعد قيامه بعمل ما -كإلقائه موعظة أو قيامه بخدمة الآخرين- على استطلاع آراء الناس؛ ليشنف آذانه بكلمات الثناء العاطرة التي تخدر النفوس وتسكر العقول، مما يفتح للنفس بابًا عظيمًا للاستعظام والانتشاء والطرب.

 

3-استقلال العمل: فكلما صغر العمل في عين صاحبه كان بعيدًا عن سطوة النفس:

ومما يعين على ذلك: عدم إحصاء أعمالنا الصالحة، فلا نسجل مثلاً عدد ختمات القرآن التي ختمناها، ولا عدد العمرات التي أديناها. وكذلك: الاستتار من الكرامات كرؤية صالحة أو موقف فيه ولاية من الله -عز وجل. قال ابن رجب: "وأما العلماء فلا تعظم هذه الخوارق عندهم، بل يرون الزهد فيها، وإنهاء من نوع الفتنة والمحنة وبسط الدنيا على العبد، فيخافون من الاشتغال بها، والوقوف معها، والانقطاع عن الله". ودخل إبراهيم الحصري على أحمد بن حنبل فقال: إن أمي رأت لك منامًا، هو كذا وكذا، وذكرت الجنة، فقال: يا أخي إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا وخرج إلى سفك الدماء.

 

4-تخويف النفس: ومن طبيعة النفس أنها كالطفل إذا خوف خاف، هكذا خلقها الله -عز وجل- فإذا ما ألحت علينا أنفسنا بحمدها: علينا أن نذكرها ونخوفها من عاقبة العجب، وأنه يحبط العمل الذي أخذ منا وقتًا وجهدًا، وأنه كذلك يعرضنا لمقت الله -عز وجل- وحرمان التوفيق نستقبل من أعمال.

 

ثالثاً: النفس ومدح الآخرين:

سماع المدح هو من أخطر الأبواب على النفس، فإذا ما فتح أمامها فإنها تجد المجال خصبًا لكي تنتفخ وتتعاظم. فهو الشراب الحلو اللذيذ الذي يسكرها ويجعلها تعيش في أجواء النشوة والسرور والطرب. لذلك قيل: المدح هو الذبح، فمن أراد أن يذبح أحدًا فليكثر من مدحه، كما قال -صلى الله عليه وسلم- لمن مدح رجلاً عنده: "ويحك قطعت عنق صاحبك، لو سمعها ما أفلح" ثم قال: "إن كان أحدكم لابد مادحًا أخاه فليقل أحسب فلانًا ولا أزكي على الله أحدًا، حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك".

 

وحتى يتمكن العبد من مواجهة سيف المدح يلزمه عدة أمور:

1-عدم الاسترسال أو التجاوب مع المدح ومدافعته بشتى الطرق، فهذا رسولنا الحبيب -صلى الله عليه وسلم-يقول لأصحابه: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله". وعن أنس أن رجلاً قال: يا محمد أيا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس، عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله".

 

أطرى رجل عمر بن عبد العزيز في وجهه، فقال: يا هذا؟ لو عرفت من نفسي ما أعرف منها، ما نظرت في وجهي. وذكر أن العلاء بن زياد قال له رجل: رأيت كأنك في الجنة، فقال له، ويحك، أما وجد الشيطان أن أحدًا يسخر به غيري وغيرك؟ قال الحسن البصري: لمن قال له مادحاً: ما أقل التفاتك في صلاتك" وأحسن خشوعك!! فقال: يا ابن أخي، وما يدريك أين كان قلبي؟ وقيل لأحمد بن حنبل: ما أكثر الداعين لك، فتغرغرت عيناه، وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا.

 

2-زجر ونهي المادح: فلو زجر كل مادح، فلن يستمر في المدح، ولن يعود إلى تكرار ذلك مرة أخرى. قال -صلى الله عليه وسلم-: "احثوا التراب في وجوه المداحين"، وقال رجل يومًا لابن عمر: يا خير الناس، وابن خير الناس، فقال: ما أنا خير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله، وأرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه.

 

3-التركيز على حمد الله: فيجب تذكير المادح بحقيقة النعمة، وأن الذي يستوجب الحمد هو الله، لا البشر الضعاف، ولو تركنا المنعم ولم يمدنا بأسباب التوفيق ما وفقنا.

 

قال ابن رجب: "من هنا كان أئمة الهدى ينهون عن حمدهم على أعمالهم، وما يصدر منهم من الإحسان إلى الخلق، ويأمرون بإضافة الحمد على ذلك لله -وحده لا شريك له- فإن النعم كلها منه. وكان عمر بن عبد العزيز شديد العناية بذلك، وكتب مرة إلى أهل الموسم كتابًا يقرأ عليهم، وفيه الأمر بالإحسان إليهم، وإزالة المظالم التي كانت عليهم، وفى الكتاب: ولا تحمدوا على ذلك إلا الله، فإنه إن وكلني إلى نفسي كنت كغيري.

 

رابعاً: النفوس ومواطن القيادة والمسئولية:

المسئولية والإمارة والقيادة باب فتنة عظيمة للنفس، وأسرع وسيلة لخلع جلباب الذل والانكسار والعبودية لله -عز وجل-، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من طلبها، ففي الحديث: "يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها". وإن وجود المرء في موقع المسئولية والصدارة من شأنه أن ينسيه حقيقة نفسه من ضعف وعجز، وأن ينخدع في السلطة التي تحت يديه فيشمخ أنفه، وترنو نفسه، ويستعلي على الآخرين. وحتى تنجو النفوس من مزالق الإمارة والقيادة يلزمه أن يدفع عن نفسه الإمارة، وليتهرب منها غاية الإمكان، فإذا ما كلف بمسئولية ما، ولم يجد له مناصًا من قبولها فعليه لزوم الخوف والحذر من تبعاتها، وعليه كذلك المداومة على استشارة من حوله، وعدم الانفراد برأيه، وأن يكثر من الدعاء وطلب التوفيق والمدد من الله.

 

خامساً: النفوس وخدمة الناس:

فخدمة الناس وقضاء حوائجهم من القربات العظيمة، ولكنها أيضا من الأبواب التي تجد النفس عند فتحها فرصة عظيمة للاستطالة على غيرها، والشعور بالعلو والتميز عنهم، وعندما يشعر العبد بتحركات نفسه من أجل التعاظم على الآخرين والفخر عليهم، وتبدأ نفسه في الإلحاح عليه بالمن على هؤلاء، وتذكيرهم بما فعله معهم من بذل وتضحية، مع العمل الدائم على استنطاقهم ومعرفة رأيهم فيما تم معهم، بل وجرهم للثناء عليه وشكره. فإنه يجب أن يلزم ما يلي:

 

1-تذكير النفس بخطورة المن بالعطايا على الآخرين -سواء كانت مادية أو معنوية- وأنها تحبط العمل. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) [البقرة: 264]. قال الضحاك في هذه الآية: من أنفق نفقة ثم مَنّ بها، أو آذى الذي أعطاه النفقة حبط أجره، فضرب مثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فلم يدع من التراب شيئًا، فكذلك يمحق الله أجر الذي يعطي صدقته ثم يمن بها كما يمحق المطر ذلك التراب. والمن لا يحبط العمل فقط، ولكنه كذلك يستوجب غضب الله -عز وجل- على فاعله: قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لا يدخل الجنة منان. فشق ذلك عليّ حتى وجدت في كتاب الله في المنان (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) [البقرة:264].

 

2-الاجتهاد في عدم مقابلة من أسديت إليه الخدمة أو الاتصال به فترة من الزمن تنسي فيها النفس ما حدث وتنشغل بأمور أخرى.

 

3-التقليل من شأن وحجم العمل الذي قمنا به مع الآخرين، ونشعرهم أننا لم نتكلف الشيء الكبير بفعلنا هذا إذا ما حاولوا شكرنا عليه.

4-العمل على خدمة الآخرين دون أن يشعروا بك، أو يعرفوا هويتك. وهو من أنجع العلاجات وأفواها. كان علي بن الحسين يتهم بالبخل، فلما مات، وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة وكان الناس في المدينة يعيشون لا يدرون من أين يأتي معاشهم، فلما مات على بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به الليل.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات