طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > غصون رمضانية (30) شروق العيد

ملتقى الخطباء

(1٬048)
817

غصون رمضانية (30) شروق العيد

تاريخ النشر : 1437/09/30
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فالله أكبر! تعظيم وتوحيد لمن عُبد بالصيام وسائر القربات، والله أكبر! حداء طلائع الاستقبال؛ فرحًا بتفضل الله عليهم بإكمال فريضة الصيام، وما حفه من الطاعات العظام، لا فرحًا بملاقاة ملذات النهار المفطرة بعد فراق شهر كامل، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58]. والله أكبر! شعار وليدِ رمضان يُلقى في أذن الزمن الجديد في كل مكان: في المساجد والبيوت، والطرقات والأسواق، يردده الجميع: زرافات ووحدانًا، ابتداء من ليلة العيد إلى صعود الخطيب المنبر..

 

 

 

 

ذبلت رياض رمضان الندية، ورحلت أيامه السعيدة، ولياليه المشرقة، رزقنا الله فيه القبول، وأخلف لنا بعده صلاح العاقبة، وحسن المنقلب، ودوام الاستقامة.

 

وعلى عقب رحيله شرعت النفوس في استقبال مولوده وخليفته من بعده، فغربت شمس رمضان فطلع هلال شوال مؤذنًا بحلول عيد الفطر فأهل الناس بالتكبير؛ شكراً لله تعالى على نعمة الإتمام للصيام، (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185]. لقد صدحت الأجواء، وتعالت أصوات المكبرين في الأرجاء قائلين: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد، إنها عبارات عذبة تفوه بها القلوب والألسنة بأصوات جهورية؛ لتسمع الكون حروف التعظيم، وجُمل التوحيد، وكلمات الشكر والاعتراف بالنعمة، فمعبود المسلمين عز وجل أكبر من كل شيء يُتقرب إليه بعبادة، أو يتزلف إليه بقربة.

 

فالله أكبر! تعظيم وتوحيد لمن عُبد بالصيام وسائر القربات، والله أكبر! حداء طلائع الاستقبال؛ فرحًا بتفضل الله عليهم بإكمال فريضة الصيام، وما حفه من الطاعات العظام، لا فرحًا بملاقاة ملذات النهار المفطرة بعد فراق شهر كامل، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58]. والله أكبر! شعار وليدِ رمضان يُلقى في أذن الزمن الجديد في كل مكان: في المساجد والبيوت، والطرقات والأسواق، يردده الجميع: زرافات ووحدانًا، ابتداء من ليلة العيد إلى صعود الخطيب المنبر.

 

إن العيد عَودٌ حميد إلى الأرض بعد رحلة ممتعة حلّقت بها الروح في فضاء الصفاء، فعانقت هناك نجوم السمو الروحي فاقتبست من أنوارها مشاعل هداية ممتدة.

 

والعيد تذكير بعوائد الله تعالى وفضائله على عباده، وأن عادة الله إكرام خلقه، وإسباغ نوائله عليهم، ولكن معاصيهم حجب عنهم استمرارها.

العيد ولادة جديدة من رحم شهر التربية والاستقامة فيخرج منه المؤمن صقيلاً مطهَّراً.

 

فالاغتسال عند الذهاب للمصلى تفاؤلٌ مبكِّر بإزالة الخطايا بماء التكفير والعتق في ختام رمضان، ولبس الجديد تفاؤل بفتح صفحة ناصعة مع الله تعالى وعزم على الاجتلاء والبهاء، فالاغتسال تخلية ولبس الجديد تحلية، والتطيب حرص على التعطر بأفعال يطيب سماعها، وتحسن رؤيتها؛ فالسمعة الطيبة هي عَرْف الصالحين بين العالمين.

 

تنطلق الجموع المكبرة إلى مصلياتها وقد أفطرت على تمرات أو غيرها، وخرجت من الإمساك إلى الإفطار؛ فصلاً بين الزمانين، وتمييز مبكر ليوم الفطر.

 

تتقاطر فئام المسلمين إلى المصليات وهي تحمل على ألسنتها ذكر الله تعالى، وعلى وجوهها البسمة والألق، وعلى قلوبها الفرحة والمحبة، تتلاقى الأعناق وتتصافح الأيدي، وتزهر بينهم عبارات التهنئة بسلامة البقاء، والدعاء بقبول العمل، وحسن ما يجيء في المستقبل.

 

ما أعظم ذلك الجمع الذي خرج إلى صعيد واحد رجالاً ونساء صغاراً وكباراً!.

ما أشبه اليوم بالغد! يوم يبعثر ما في القبور، ويخرج الخلق كأنهم جراد منتشر إلى صعيد القيامة منتظرين، اليوم خرجوا من بيوتهم إلى المصلى ينتظرون حلول الصلاة، وغداً يخرجون من قبورهم ينتظرون فصل القضاء بين يدي الله.

 

في العيد تبتهج النفوس، وتنداح دائرة السرور، فأكمل الناس حظًا في العيد من أدخلوا الفرحة إلى قلوب البؤساء والمحزونين، يمسحون دمعة يتيم، ويخففون وجْد أرملة، ويمدون أغصان الإحسان إلى مسكين فيلامس في أكفهم السخاء، ويسمع من ألسنتهم القول المعروف، وتسبق إلى فؤاده بسماتهم، قبل أن تصل إلى كفه عطاياهم.

 

هؤلاء السعداء المسعِدون يتفقدون الجار والقريب، ويبحثون عن أحلاس البيوت من الحاجة، ويتفرسون في الوجوه والأحوال فيعرفون الذين أحصروا عن الفرحة لعوزهم وفاقتهم، غشاهم الحياء، وسترهم التعفف والرضا بالقضاء، (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [البقرة: 273].

 

هؤلاء الأسخياء هم الذين تتم لهم الفرحة، وتكتمل في قلوبهم ووجوههم البهجة؛ فأسعدُ الناس مَن أسعدَ الناس، كما قيل.

وإذا كان يوم العيد يومَ فرحة وحبور فإن ذلك لا يعني الانطلاق إلى هتك حدود المآثم، ومعانقة المخالفات والجرائم، ففرحة المسلم يجب أن تكون في إطار حدود الله، الذي منَّ بالفرحة فيجب فعل ما يرضى تعبداً وشكراً.

 

وفرحة العيد عند النظر العميق هي لأهل الاجتهاد في رمضان الذين بذلوا وقدموا وصبروا، فحق لهم أن يبتهجوا بيوم الجوائز للفائز، وكأن حالهم في هذا اليوم كحال المؤمنين يوم القيامة الذين صبروا ابتغاء وجه الله في الدنيا، وعملوا لذلك اليوم فهنيئًا لهم أن يقال لهم: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: 32]، فيطير الواحد منهم فرحًا قائلاً: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة: 19 – 24]. أما أهل التفريط والكسل في شهر البذر فلماذا يفرحون، وبماذا يفرحون؟! فلعل بعضهم يفرح لكونه عتق من حبس رمضان لشهواته، وانطلاقه لجرائره، فهل بهذا يفرح العاقل، وقد فاته موسم خصب جدّ فيه زارعون فحصدوا يوم العيد جزاءَ جدّهم جنى الرحمن المبارك؟!

 

من فاته ربح الشهر الكريم، وخسر فيه جوائز الرحمن، فبغروب شمس رمضان يتنفس الصعداء فيقول بلسان حاله:

رمضانُ ولّى هاتها يا ساقي
مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ
ما كان أكثرَه على ألَّافِها
وأقلَّه في طاعة الخلاّق
بالأمسِ قد كنّا سجيني طاعةٍ
واليوم منَّ العيد بالإطلاق

فيَشرعُ يمدُّ مائدة المحظورات ليختار ما لذ وطاب لديه من الخطيئات في سمع أو بصر أو قول أو فعل!

 

والعجب كل العجب ممن أحسنوا في رمضان بعض الإحسان فجاء العيد فركبوا إلى المخالفة كلَّ صعب وذلول مسافرين إلى معاطن الفساد، ومراضع اللهو، وسوح الاختلاط، يوزعون حسنات رمضان في تلك الملاهي، مجارين للعابثين، ومشاركين للمفرّطين، فأصبح حالهم كالتي ذكر الله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) [النحل: 92]، فينكثون ما أبرموه، ويبددون ما جمعوه، ويضيعون ما تعبوا من أجله!.

 

فطوبى لمن كان يوم فطره يزيد في أجره، ويكفِّر من وزره، ويصبح بشرى مشرقة لابتداء حياة الطاعة الخاصة بعد حياة الطاعة العامة، وبهذا يعرف أهل العزائم والمغانم من أهل الفتور والمغارم.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات