طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > الأدلة القرآنية الدالة على ظهور الإسلام وعودته وسيادته

ملتقى الخطباء

(686)
811

الأدلة القرآنية الدالة على ظهور الإسلام وعودته وسيادته

تاريخ النشر : 1437/09/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إن الله – جلت قدرته وعظم شأنه – أقسم وأمر وأعلن نكاية باليهود بهم أنه سيُسخر عليهم من جنوده من يسومهم سوء العذاب، وهذا التسخير لا ينقطع فهو على مر العصور وكر الدهور إلى قيام الساعة، والتأريخ القديم والحديث شاهد على ذلك، ومن أصدق من الله قيلاً، وهذا يحتاج إلى ثلة أو جماعة مجاهدة قوية قائمة بأمر الله متواجدة تسوم بني إسرائيل سوء العذاب وإلى يوم القيامة..

 

 

 

لقد ذكر الله -عز وجل- في كتابة العزيز إشارات ودلالات على أن الإسلام سيسود العالم من بعد ضعف وسيكون له الغلبة والنصرة والمنعة، بعد أن كان للأنظمة الأرضية والقهرية والاستبدادية والعلمانية والإباحية السيادة والطغيان في الأرض، والتي بسببها انتشر الظلم والجور والتعسف، وسادت الفوضى، وعمَّ التخبط، وأصبح للرذيلة مناهج وقوانين يحتذى بها وتطبق على البشر كنظام حياة تحت قوة السلاح والقهر والاستبداد.

 

فقد أخبر الله -عز وجل- في أكثر من موضع من كتابه العزيز على ظهور الإسلام وعودته وسيادته، وأنه سيملئ به الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.

 

وليعلم كل مسلم بادئ ذي بدء أن القرآن برمته دال دلالة قاطعة لا مرية فيها على تمكين الإسلام وغلبته على سائر الأديان، ولكننا أردنا في هذه العجالة أن نذكر بعض الآيات مع تبيان تفسير كل واحدة منها، ليكون منا إقراراً واعترافاً بوعد الله على تحقيق ما سيكون بإذنه ومشيئته جل في علاه:

1- قال الله تعالى: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللهِ )[1].

 

قال ابن كثير: "إنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس" [2]، وكنتم: تفيد الاستمرار والدوام والتمام، قال الطبري: "كنتم بمعنى التمام، كأن تأويله خلقتم خير أمة، أو وجدتم خير أمة، كان معنى صحيحاً"[3]، وهذه الأمة حتى تكون خير الأمم عليها أن تحقق شروطها الثلاثة كما أرادها الله لها، وهي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان المطلق بالله -عز وجل-.

 

قال محمد رشيد رضا: "والحق أقول: إن هذه الأمة ما فتئت خير أمة أخرجت للناس، حتى تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: وقد بين الفخر الرازي كون وصف الأمة هنا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان علة لكونها خير أمة أخرجت للناس، فقال: وأعلم أن هذا الكلام مستأنف، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول: زيد كريم، يطعم الناس ويكسوهم، ويقوم بما يصلحهم" [4].

 

وقال ابن النحاس: "وعلى قول مجاهد: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وقيل: إنما صارت أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- خير أمة، لأن المسلمين منهم أكثروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى" [5].

 

وقد وردت عدة أحاديث تشير إلى خيرية هذه الأمة، وأنها مستمرة بالعطاء والخيرية حتى قيام الساعة، حيث سيبقى فيها دعاة وعلماء ربانيون مخلصون يعملون بهذه الشروط الثلاثة، وما أن يذهب واحد منهم حتى يخلفه آخر، وهكذا تستمر الخيرية لها، فقد روى الترمذي في تفسير هذه الآية أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنْكُمْ تَتِمُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيرُهَا وَأكْرَمُهَا عَلَى اللهِ" [6].

 

والخيرية سمة هذه الأمة وصفتها على الدوام، فهي – أي الخيرية – تكريم من الله لها، كما في حديث الإمام أحمد، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحْدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ"، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ فقال: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأرْضِ، وَسُمِيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُوراً، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ" [7].

 

قال سيد قطب: "وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة، لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها هي خير أمة، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض، ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية، إنما ينبغي دائماً أن تعطي هذه الأمم مما لديها، وأن يكون لديها دائماً ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح، والتصور الصحيح، والنظام الصحيح، والخلق الصحيح، والمعرفة الصحيحة، والعلم الصحيح، هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها" [8].

 

فخيريتها تتمثل [9]: بإيمانها بالله -عز وجل-، وأنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وكونها خير الأمم للناس وأنفعها لهم، وكونها أكثر الناس استجابة للأنبياء، وكونها لا تجتمع على ضلالة، وكون الكتاب الذي أنزل عليها خير الكتب السماوية من حيث أنه أحسن الحديث، وأنه الكتاب السماوي الوحيد الذي تكفل الله بحفظه وصيانته من الزيادة والنقصان ومن التحريف والتبديل، وأنه الكتاب المهيمن على الكتب التي قبله، وأنه الكتاب الوحيد الذي تحدى الله البشر بأن يأتوا بسورة من مثله، وكون نبيها أفضل الأنبياء والرسل، وأن الله ختم به الأديان ونسخها، فلا يعبد الله إلاَّ به، وتقديمها على الأمم في الحشر والحساب يوم القيامة ودخول الجنة مع كونها آخر الأمم، وكونها أكثر أهل الجنة.

 

وهذه الآية تدل على عودة الإسلام وسيادته وظهوره من حيث أن خيريتها تفيد الاستمرار، ولا يعدمها الله سبحانه وتعالى هذه الخيرية، فهي أمة العطاء المستمر الذي لا ينضب ولا ينقطع، وفي المقابل نجد أن الأمم الأخرى يسودها الفساد والطغيان وتفشي الرذيلة، وحتى سلاحها الذي تنتجه ففيه البلاء الكبير على البشرية برمتها رغم تقدمها في الصناعات وتطورها التكنولوجي إلاَّ أنها لا تعطي الغذاء الروحاني والفضيلة والأخلاق، وبالأمس القريب دخل الإسلام حاخام يهودي هو وعائلته في تركيا، ولما سئل عن سبب دخوله الإسلام؟.

أجاب: بأنه فتش الأديان جميعاً وأمعن فيها ملياً فلم يجد مثل الإسلام دين رحمة وسلام ووئام، ولم يجد ديناً مثله شمل الناس جميعاً، ويقول: لقد سئمت دين اليهودية، فلم أجد فيه من الغذاء الروحاني ما ينقذني من الاضطراب النفسي الذي علق بي لفترة طويلة، ولم أجد ذلك إلاَّ في الإسلام فأسلمت وأعلنت إسلامي أنا وعائلتي.

 

2- قوله تعالى: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامِةِ يَكُونُ عَلَيهمْ شَهِيداً ) [10].

قال ابن كثير: "أي أمارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه كما ثبت ذلك في الصحيح، "أنَّ اللهَ لمْ يَخْلُقْ دَاءً إلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفاءً" [11]، ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله تعالى ببركة دعائه" [12].

 

ففي هذه الآية دلالة على أن الإسلام سيحكم مجدداً ويعم الأرض جميعاً بخيره وبركته، فيهلك الطغاة وأصحاب المناهج الضالة المنحرفة، ويسود العدل والحق، ويكون قتل الدجال على أيدي تلك الثلة المباركة التي ستحكم بالإسلام، والتي ستقود الناس إلى جادة الصواب بعد انحراف وضلال.

 

3- قوله تعالى: ( الْيَوْمً أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَاً ) [13]، فهذه الآية الكريمة تشير إلى ختم الله -عز وجل- الأديان بدين الإسلام، وهذا يعني أيضاً أن الله سيحفظ أمة الإسلام وسيبقيها ظاهرة على غيرها، لأنها هي الحاضنة والحاملة له مهما تعاقب الليل والنهار، ومهما كاد لها الأعداء، والتأريخ هو الشاهد على صدق ما نقول، فإن الله لا يخذل أتباعه، لهذا حار الأعداء وتحيروا، واخترعوا شتى الأساليب للقضاء عليه وعلى أهله، ولكن الله -عز وجل- يأبى إلاَّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

 

قال سيد قطب: "إن كتاب هذه الأمة هو كتاب الله الأخير للبشر، وهو يصدق ما بين يديه من الكتاب في أصل الاعتقاد والتصور، ولكنه – بما أنه هو الكتاب الأخير- يهيمن على كل من سبقه وإليه تنتهي شريعة الله التي ارتضاها لعباده إلى يوم الدين" [14].

 

4- قوله تعالى: ( يَا أَيْهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُونَهُ أَذِلَةً عَلَى الْمُؤمِنِينَ أَعِزَةٍ عَلَى الكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكّ فَضْلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [15].

 

قال ابن كثير: "يقول تعالى مخبراً عن قدرته العظيمة: إنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته بأن الله سيستبدل به من هو خير لها منه، وأشد منعة وأقوم سبيلاً" [16].

 

إذن هو جهاد باق ومستمر إلى يوم المعاد، وجهاد من هذا النوع يحتاج إلى عصبة لا تخاف إلاَّ الله، ويجب أن تكون موجودة لا تنقطع، يصطفيها الله -عز وجل- بين الحين والآخر لحفظ دينه وبثه وإيصاله والدعوة إليه إلى كل من هب ودب من بني البشر. والناظر في تسلسل الأحداث عبر التاريخ يجد أن هذه الثلة من الأطهار لم تنعدم سواء أكانت متمثلة في فرد أم متمثلة في أمة.

 

وأنك اليوم تشاهد انتشار القنوات الفضائية الإسلامية التي يراها ملايين الناس، وتؤيد التقارير وكتابات العلماء والمثقفين الإسلاميين دخول العشرات من الناس في دين الإسلام يومياً من النصارى وغيرهم، فضلاً عن الزيادة المطردة في نسبة التائبين والعائدين إلى هذا الدين. كل هذا وذاك مؤشر على ظهوره مجدداً بإذنه تعالى.

 

قال الشيخ الرباني عبد القادر الكيلاني:

أنا من رجال لا يخاف جليسهم

ريب الزمان ولا يرى ما يرهب

أفلت شموس الأولين وشمسنا

أبداً على فلك العلا لا تغرب

 

5- قوله تعالى ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ )[17].

 

إن الله – جلت قدرته وعظم شأنه – أقسم وأمر وأعلن نكاية باليهود بهم أنه سيُسخر عليهم من جنوده من يسومهم سوء العذاب، وهذا التسخير لا ينقطع فهو على مر العصور وكر الدهور إلى قيام الساعة، والتأريخ القديم والحديث شاهد على ذلك، ومن أصدق من الله قيلاً، وهذا يحتاج إلى ثلة أو جماعة مجاهدة قوية قائمة بأمر الله متواجدة تسوم بني إسرائيل سوء العذاب وإلى يوم القيامة.

 

قال ابن كثير: "أي بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه واحتيالهم على المحارم، ويقال إن موسى عليه السلام ضرب عليهم الخراج سبع سنين وقيل ثلاث عشرة سنة وكان أول من ضرب الخراج، ثم كانوا في قهر الملوك اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين ثم صاروا إلى قهر النصارى وإذلالهم إياهم وأخذهم منهم الجزية والخراج، ثم جاء الإسلام ومحمد -صلى الله عليه وسلم- فكانوا تحت قهره وذمته يؤدون الخراج والجزية"، ثم قال: قال عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب، قال: يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية، قلت: ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصاراً للدجال فيقتلهم المسلمون مع عيسى ابن مريم عليه السلام وذلك آخر الزمان" [18].

 

أقول: إن ما يتلقاه اليهود اليوم على أيدي المجاهدين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس من ضربات موجعة وإذلال وخوف، لدليل قاطع لا يقبل الشك لمراد الله -عز وجل- في هذه الآية.

 

6- قوله تعالى: ( ثمَّ نُنَّجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقَّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤمِنينَ ) [19] بما أن الرسل عليهم السلام قد ختم الله سلسلتهم بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- إلاَّ أن من بعده سيقومون بأعباء الرسالة المحمدية، لذا تحقق فيهم وعد الله -عز وجل- بنجاتهم ( كَذلِكَ حَقَّاً عَلَينَا نُنْجِ الْمُؤمِنينَ )، وهذه النجاة مستمرة وباقية إلى قيام الساعة ما دام في هذه الأمة صادقون، وهم موجودون في كل زمان حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

 

قال ابن كثير: "أي ونهلك المكذبين بالرسل ( كَذلِكَ حَقَّاً عَلَينَا نُنْجِ الْمُؤمِنينَ ) أي حقاً أوجبه الله على نفسه الكريمة كقوله: ( كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) " [20] [21].

 

7- قوله تعالى: ( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [22]، قال ابن كثير: "ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل" [23]، فهو باقٍ محفوظ لا يندثر ولا يتبدل، ولا يلتبس بالباطل، ولا يمسه التحريف، وهو يقودهم إلى الحق برعاية الله وحفظه، وإنما تعهده -عز وجل- بحفظ كتابه العزيز كدليل قاطع لا لبس فيه على أن هذه الأمة خالدة مع خلود القرآن، ولابد من عصبة مؤمنة تحمل أعباءه وتعمل بمقتضاه، وتحكَّم أحوالها به، وتحتاج إليه على الدوام، حتى يأتي وعد الله بتحكيمه وسيادته على كافة المناهج والقوانين الوضعية التي تخالفه.

 

8- قوله تعالى: ( فَإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ) [24].

 ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ): ليُحْزِنُوكم حُزناً يبدو في وجوهكم، ( وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرَاً ): لِيُهْلكُوا ويُدَمِّرُوا، على ما استولوا عليه.

 فهذه الآية من المبشرات على سيادة الإسلام وعودته وظهوره، فاليهود اليوم يستوطنون في بيت المقدس، ويعيثون فيها فساداً، واستيطانهم وتجمعهم هذا هو نهايتهم بإذن الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلَهُمْ المسْلِمُونَ، حَتى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَو الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِي خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ" [25].

 

قال سيد قطب: "ولقد عادوا إلى الإفساد فسلط الله عليهم المسلمين فأخرجوهم من الجزيرة كلها، ثم عادوا إلى الإفساد فسلط عليهم عباداً آخرين، حتى كان العصر الحديث فسلط عليهم (هتلر)، ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة (إسرائيل) التي أذاقت العرب أصحاب الأرض الويلات، وليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب تصديقاً لوعد الله القاطع وفاقاً لسنته التي لا تتخلف، وإن غداً لناظره قريب" [26].

 

9- قوله تعالى: ( الَّذينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَولا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبِعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكْنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) ([27]، وقد تحقق ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم-، وسيتحقق للطائفة المنصورة التي ستسير على نهجهم بإذنه تعالى، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، وإنما ذكر الله تعالى المعابد وأماكن العبادة دلالة على التوقيت الزمني التي عاشتها الأمم فيما مضى، وختمها بالمساجد، والمساجد لا تكون إلاَّ للمسلمين، وهي الأماكن التي يتعبدون الله فيها، وهذا دليل قرآني مبارك على سيادة الإسلام وعودته بإذنه تعالى، فبقاؤهم ببقاء المساجد، والمساجد آخر العهد مع هذه الدنيا، وهذه الزيادة اليوم في عدد المساجد في أنحاء العالم، ولاسيما الدول الأوربية التي لا تدين بالإسلام، لأمر يدعو إلى الفرح والسرور، وأن من مميزاته أنه ينتشر بسرعة وأن أتباعه عاملون له باستمرار، لا يكلون ولا يملون.

 

واليوم نجد بعض الدول الأوربية أخذت تحارب بناء المساجد في دولهم منعاً من انتشار الإسلام، فخرج المسلمون على شكل تظاهرات تندد بتلك الإجراءات اليائسة، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن دين الله أخذ ينتشر بين الأوربيين بشكل كبير.

 

قال سيد قطب: "فوعد الله المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف، هو أن ينصر من ينصره.. فمن هؤلاء الذين ينصرون الله، فيستحقون نصر الله، القوي العزيز الذي لا يهزم من يتولاه إنهم هؤلاء الذين إن مكناهم في الأرض فحققنا لهم النصر، وثبتنا لهم الأمر" [28].

 

10- قوله تعالى: ( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيِنَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) [29].

 

فهذا وعد من الله -عز وجل- لعباده المخلصين بالنصر المستمر، هذا الطريق الطويل لا يخلو من دعاة ومجددين ومبشرين ومجاهدين وتبقى الأرض بإذن الله مليئة بتلكم الأصناف المباركة، حتى يأتي وعد الله في قيام دولة الإسلام مجدداً كما قامت من قبل، فلبنة على لبنة حتى يكتمل البناء ويشمخ ويزهو..، ولم يكن كما يقول المثبطون: إن الأمة إلى زوال وإدبار.. فهذا النص الكريم يوحي بأن البناء سيكتمل عندما يأذن الله، وحينها سيتحقق وعد الله الحق.

 

يقول الدكتور القرضاوي: "يتحدث كثير من الدعاة عن آخر الزمان، وعن أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة حديثاً يوحي مُجْمَله أن الكفر في إقبال، وأن الإسلام في إدبار، وأن الشر ينتصر، والخير ينهزم، وأن أهل المنكر غالبون، وأهل المعروف ودعاته مخذلون، ومعنى هذا: أن لا أمل في تغيير، ولا رجاء في إصلاح، وأننا ننتقل من سيئ إلى أسوأ، ومن الأسوأ إلى الأشد، فما من يوم يمضي إلاَّ والذي بعده شر منه، حتى تقوم الساعة، وهذا لا شك خطأ جسيم وسوء فهم، لما ورد من بعض النصوص الجزئية، وإغفال للمبشرات الكثيرة الناصعة القاطعة بأن المستقبل للإسلام، وأن هذا الدين سيظهره الله على كل الأديان ولو كره المشركون" [30].

 

والاستخلاف الذي أشارت إليه هذه الآية يعني السيادة في الأرض، ولا يكون ذلك إلاَّ بتوافر صفات معينة، وهذه الصفات هي: الإيمان، والعمل الصالح، وعبادته سبحانه العبادة الحقة الخالية من الشرك، وهذه الجماعة أو الطائفة أو العصابة التي توافرت فيها هذه الصفات والمقومات، ستبقى تسود العالم ما بقيت متمسكة بأوامر الله -عز وجل-، ودون ذلك لا يتحقق لها هذا الاستخلاف، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه ستكون طائفة من أمته متمسكة بأمر الله -عز وجل-، وسيكون لها الغلبة والسيادة، فعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس" [31].

 

قال ابن كثير وهو يسرد انتصارات المسلمين: "هذا وعد من الله تعالى لرسوله -صلوات الله وسلامه عليه- بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمناً وحكماً منهم، وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة، فإنه -صلى الله عليه وسلم- لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملَّك بعد أصحمة (رحمه الله وأكرمه)، ثم لما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلَّمَ شعث ما وهي بعد موته -صلى الله عليه وسلم- وأخذ جزيرة العرب ومهدها وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- ففتحوا طرفاً منها وقتلوا خلقاً من أهلها، وجيشاً آخر صحبة أبي عبيدة -رضي الله عنه- ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثاً صحبة عمرو بن العاص -رضي الله عنه- إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله -عز وجل- واختار له ما عنده من الكرامة، ومنَّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قياماً تاماً لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته وقصر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة، ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جداً، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" [32] فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله" [33].

 

وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية في قول الله تعالى: ( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيِنَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ) : (قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سراً، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح فصبروا على ذلك ما شاء الله، ثم إن رجلاً من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لن تصبروا إلاَّ يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيه حديدة" [34]، وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فآمنوا ووضعوا السلاح، ثم إن الله تعالى قبض نبيه -صلى الله عليه وسلم- فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه فأدخل عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشرط وغيروا فغير بهم) [35].

 

وأخرج أحمد وابن مردويه واللفظ له والبيهقي في الدلائل عن أبي بن كعب، قال: لما نزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، قال: "بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" [36].

 

11- قوله تعالى: ( الم * غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بعْدُ وَيَوَمَئذٍ يَفْرُحُ الْمُؤمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهَ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [37].

 

قال سيد قطب: "ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين. وقد روى ابن جرير بإسناده عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: كانت فارس ظاهرة على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وهو أقرب إلى دينهم، فلما نزلت: (  الم * غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ ) قالوا: يا أبا بكر: إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين. قال: صدق. قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فبايعوه على أربع قلائص سبع سنين. فمضت السبع ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك، فشق على المسلمين، فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ما بضع سنين عندكم؟" قالوا: دون العشر، قال: "اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل"، قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك" [38].

 

12- قوله تعالى: ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبيّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِ شَيءٍ عَلِيمَاً )[39] وهذا دليل آخر على قيادة هذه الأمة للعالم من بعده -صلى الله عليه وسلم-، وهذا معنى خاتم النبيين، إنه ختم الرسالات السماوية به -صلى الله عليه وسلم-.

 

قال سيد قطب: "ومن ثم فهو يشرع الشرائع الباقية، لتسير عليها البشرية، وفق آخر رسالة السماء إلى الأرض، التي لا تبديل فيها بعد ذلك ولا تغيير  ( وَكَانَ اللهُ بِكُلِ شَيءٍ عَلِيمَاً )، فهو الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية، وما يصلحها، وهو الذي فرض على النبي ما فرض، واختار له ما اختار" [40].

 

وقال ابن كثير: "فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، فلا رسول بالطريق الأولى والأخرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس" [41]، ثم ذكر حديث الإمام أحمد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الرِّسَالةَ وَالنُّبُوةَ قَدْ انْقَطَعَتْ فَلا رَسُولَ بَعْدِي وَلا نَبيَ" [42].

 

وبهذا يظل شرع الله قائماً، يقوم بتطبيقه أشخاص صالحون على منهجه -صلى الله عليه وسلم-، حتى يأتي أمر الله -عز وجل- بتحكيمه على نطاق العالم، وهذا يدل على أن هذا من المبشرات بعودة الإسلام وسيادته على العالم.

 

13- قوله تعالى: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَى يَتَبَينَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحقُّ ) [43].

يقول الدكتور القرضاوي: "وهذا وعد من الله تعالى يبرز منه في كل زمن ما نشهده بأعيننا، وما نسمعه بآذاننا، وما نحسه بقلوبنا، ومن جملة ذلك ما نراه في عصرنا من دراسات من أهل العلم الطبيعي والرياضي لبيان أوجه جديدة للأعجاز العلمي في القرآن ومن بعض هذه الدراسات نظرات جيدة وعميقة اعترف بها عدد من غير المسلمين" [44].

 

ولو تدبرنا هذه الآية المباركة لوجدنا أنها تحتوي على الوعد بظهور الدين متمثلة في الخضوع لقدرة مشرعها، والاعتراف بالحق الذي لا حق بعده، وأن الغلبة لهذا الدين والذي يكون في مجالين أساسين:

فالأول: المجال الكوني المتمثل في آفاق السموات والأرض من الأدلة العلمية التي تصدع القلوب بالإيمان، وتملؤها باليقين، ولا شك أن ما يتوصل إليه من دراسات الفضاء ومكونات الوجود في الأرض وما فوقها لهو مقدمة لهذا الدين بالعودة وتحقيق الوعد في سيادته على العالم.

 

والثاني: ينصب على المجال الإنساني، وذلك لا يتحقق إلاَّ بإفلاس كل الفلسفات والنظم والشرائع الناشئة عن الفكر البشري، والتقنين الوضعي، وهذا ما نراه اليوم من الإفلاس، وتوجه كثير من الناس اليوم إلى دين خالقهم ومولاهم، وأن دراسات الباحثين والمفكرين على اختلاف اتجاهاتهم وثقافاتهم تقطع بأن المستقبل لهذا الدين [45].

 

ونتيجة لهذه الاكتشافات وموافقتها لما جاء في كتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإن العشرات من العلماء الغربيين يدخلون الإسلام بين الحين والآخر، تحقيقاً لهذه الآية بأن منهج الله هو الحق، وهو السبيل إلى النجاة من طغيان الماديات على بني البشر.

 

14- قوله تعالى: ( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً ) [46].

 

ففي هذه الآية إشارة متجددة لحصول النصر على مر الأزمنة، مهما كانت قوة الأعداء، فهو حق متجدد لهذه الأمة، ما بقوا متمسكين بأهداب الشريعة، ثم إن هذه الأمة أمانها وعافيتها بدينها ما إن تمسكت به، فكلما كانت معه سبحانه فلن يغلبها العدو ويقهرها ويقطع شأفتها فإن الله -عز وجل- تكفل ببقائها، وبقاء منهجها الحق الذي يؤوي إليه كل عاقل حصيف.

 

وبقاء البيت الحرام إلى يوم القيامة يؤمه المسلمون في أدائهم للحج والعمرة، وهما – أي الحج والعمرة – جزء من عبادتهم دليل هذه الآية على أن المستقبل لهذا الدين.

 

قال سيد قطب: "فوعد الله قد تحقق في الصورة السياسية الظاهرة قبل مضي قرن من الزمان بعد البعثة المحمدية، ووعد الله ما يزال متحققاً في الصورة الموضوعية الثابتة، وما يزال هذا الدين ظاهراً على الدين كله في حقيقته، بل إنه هو الدين الوحيد الباقي قادراً على العمل، والقيادة في جميع الأحوال" [47].

 

فقوله سبحانه: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )، أي يغلب جميع الأديان ويعلوا عليها مهما كانت الأسباب والأحوال.

 

ويقول سيد قطب أيضاً: "وشهادة الله لهذا الدين، بأنه الهدى ودين الحق هي الشهادة، وهي كلمة الفصل التي ليس بعدها زيادة، ولقد تمت إرادة الله فظهر هذا الدين على الدين كله، ظهر في ذاته كدين، فما يثبت له دين آخر في حقيقته وفي طبيعته، فأما الديانات الوثنية، فليست في شيء في هذا المجال، وأما الديانات الكتابية، فهذا الدين خاتمها، وهو الصورة الأخيرة الكاملة الشاملة منها، وهو الصورة العليا الصالحة إلى نهاية الزمان، وثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إنَّ اللهَ زَوَى ليَ الأرْضَ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أمَتي مَا زَوَى ليَ مِنْهَا" [48] [49].

 

15- قوله تعالى: ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهم وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) [50].

فهذه آية تحدي قد تحدى الله -عز وجل- بها أعداء الإسلام على مختلف أشكالهم وألوانهم وقوة عداوتهم، فهم في مأزق كلما اصطدموا بصخرة الإسلام.

 

وقد استعرض سيد قطب (رحمه الله) الحملات العدائية التي قام بها أعداء الإسلام منذ ظهروه وإلى الآن، حيث قال: "ولقد وقف بنو إسرائيل في وجه هذا الدين الجديد وقفة العداء والكيد والتضليل، وحاربوه بشتى الوسائل والطرق حرباً شعواء لم تضع أوزارها حتى اليوم، حاربوه بالاتهام: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبيِّنَاتِ قَالُوْا هذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) كما قال الذين لا يعرفون الكتاب ولا يعرفون البشارة بالدين الجديد، وحاربوه بالدس والوقيعة داخل المعسكر الإسلامي، للإيقاع بين المهاجرين والأنصار في المدينة، وبين الأوس والخزرج من الأنصار، وحاربوه بالتآمر مع المنافقين تارة ومع المشركين تارة أخرى، وحاربوه بالانضمام إلى معسكرات المهاجمين كما وقع في غزوة الأحزاب، وحاربوه بالإشاعات الباطلة كما جرى في حديث الإفك على يد عبد الله بن أبي ابن سلول، ثم جرى في فتنة عثمان على يد عدو الله عبد الله بن سبأ، وحاربوه بالأكاذيب والإسرائيليات التي دسوها في الحديث وفي السيرة وفي التفسير – حين عجزوا عن الوضع والكذب في القرآن الكريم، ولم تضع الحرب أوزارها لحظة واحدة حتى اللحظة الحاضرة، فقد دأبت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على الكيد للإسلام، وظلتا تَغِيرانَ عليه أو تؤلبان عليه في غير وناة ولا هدنة في جيل من الأجيال، حاربوه في الحروب الصليبية في المشرق، وحاربوه في الأندلس في المغرب، وحاربوه في الوسط في دولة الخلافة الأخيرة حرباً شعواء حتى مزقوها وقسموا تركة ما كانوا يسمونه (الرجل المريض).. واحتاجوا أن يخلقوا أبطالاً مزيفين في أرض الإسلام يعملون لهم في تنفيذ أحقادهم ومكايدهم ضد الإسلام، فلما أرادوا تحطيم (الخلافة) والإجهاز على آخر مظهر من مظاهر الحكم الإسلامي صنعوا في تركيا (بطلاً).. ونفخوا فيه، وتراجعت جيوش الحلفاء التي كانت تحتل الأستانة أمامه لتحقق منه بطلاً في أعين مواطنيه، بطلاً يستطيع إلغاء الخلافة، وإلغاء اللغة العربية، وفصل تركيا عن المسلمين، وإعلانها دولة مدنية لا علاقة لها بالدين، وهم يكررون صنع هذه البطولات المزيفة كلما أرادوا أن يضربوا الإسلام والحركات الإسلامية في بلد من بلاد المسلمين، ليقيموا مكانه عصبية غير عصبية الدين، وراية غير راية الدين" [51].

 

وإنما نقلته بتمامه لصلته بما نقصده من معرفة مراد الله -عز وجل- من هذه الآية، ورغم هذه المكائد التي ما يزال أعداء الإسلام يكيدون بها للإسلام ولأهله نقول: إن الله جل في علاه لن يتخلف عن وعده بإتمام نوره على أرضه ومملكته ( وَاللهُ مُتِمُ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ )، وقد صدق وعده، وأتم نوره في حياة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه، وما يزال وعده قائماً على الرغم من كل ما جرى على الإسلام والمسلمين من حرب وكيد وتنكيل وتشريد وبطش، لأن نور الله لا يمكن أن تطفئه الأفواه النتنة، ولا أن تطمسه كذلك بالنار والحديد في أيدي المخلوقين، وإن خُيل للطغاة الجبارين، وللأبطال المصنوعين على أعين الصليبيين واليهود أنهم بالغوا هذا الهدف البعيد. فلن يبلغوا أبداً، والله بالغ أمره ولو كره الكافرون.

______

[1] آل عمران: 110.

[2] تفسير ابن كثير: 1/391.

[3] تفسير الطبري: 4/45.

[4] الوسطية: 71.

[5] إعراب القرآن: 1/175.

[6] سنن الترمذي: 5/211 برقم (3001) وقال: هذا حديث حسن، ووافقه الألباني كما في المشكاة برقم (6285).

[7] مسند أحمد: 1/98 و 158، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 1/265 و 266: وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيء الحفظ، قال الترمذي: صدق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل (البخاري) يقول: كـان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قلت: فالحديث حسن، والله أعلم. ينظر: الوسطية للصلابي: 72.

[8] الظلال: 2/32.

[9] الوسطية للصلابي: 72 وما بعدها.

[10] النساء: 159.

[11] المعجم الكبير للطبراني: 11/153 برقم (11337)، مصنف بن أبي شيبة: 5/31 برقم (23419).

[12] ينظر: تفسير ابن كثير: 1/ 768.

[13] المائدة: 3.

[14] ينظر: في ظلال القرآن: 2/630.

[15] المائدة: 54.

[16] ينظر: مختصر ابن كثير: 1/369.

[17] الأعراف: 167.

[18] تفسير ابن كثير: 2/248.

[19] يونس: 103.

[20] الأنعام: 12.

[21] تفسير ابن كثير: 2/570.

[22] الحجر: 9.

[23] ينظر: تفسير ابن كثير: 3/ 578، مختصر ابن كثير: 3/72 الإسراء: 7.

[24] الإسراء: 7.

[25] صحيح مسلم: 4/2239 برقم (2922)، مسند أحمد: 2/417 برقم (9387).

[26] الظلال: ج5 ص308.

[27] الحج: 39 و 40.

[28] الظلال: ج5 ص606.

[29] النور: 55.

[30] المبشرات: 30.

[31] صحيح مسلم: 7/75 – 76 برقم (1037).

[32] صحيح مسلم: 4/2215 برقم (2889)، سنن أبي داود: 2/499 برقم (4252)، سنن الترمذي: 4/ 472 برقم (2176)، مسند أحمد: 4/123 برقم (17156) وغيرهم.

[33] تفسير ابن كثير: 3/290.

[34] أخرجه ابن جرير في التفسير: 18/159 من حديث الربيع عن أبي العالية مرسلاً وله شاهده من حديث أبي بن كعب موقوفاً عليه، وأخرجه الحاكم: 2/401، والبيهقي في الدلائل: (3/6-7) والطبراني في الأوسط، كما في م

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات