طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > وعي الخطيب > مقالات في الوعي > كيف أسهم الإعلام الليبرالي في تعزيز شرعية الغلاة؟

ملتقى الخطباء

(607)
785

كيف أسهم الإعلام الليبرالي في تعزيز شرعية الغلاة؟

تاريخ النشر : 1437/07/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وفي موقع الحادث، وبين المتجمهرين على أشلاء المداهمات؛ تتواثب لاقطات الإعلام الليبرالي بمنظومة كُتّابه وصحفييه، يعرض نفسه باعتباره محامي المجتمع ضد الغلو.. ووكيل البلد في صياغة المرافعة ضد الغلاة.. فهل كان الإعلام الليبرالي “محامياً ناجحاً” في كسب قضيته؟ أم كان من ذلك النوع من المحامين الذي وصفه مالك بن نبي؟ حيث يستعمل مالك بن نبي في بعض كتبه مصطلحاً طريفاً سماه ..

 

 

– مدخل:

 

الحمد لله

 

وبعد: من المُلمّات التي فجعت مجتمعنا المسلم، ومازال ممسكاً برأسه من هولها؛ رؤية فلذات كبد البلد المسلم يستدرجون أبناء عمهم وأولاد خالتهم إلى الفلوات يلطمونهم بزخات الرصاص ويصورونهم وهم يخفقون الأرض متشحطين بدمائهم، باسم الجهاد في سبيل الله.. ويدخل الواحد منهم بحزامه الناسف مخاتلاً بين صفوف الراكعين الساجدين في بيوت الرحمن ليدُكّها على المصلين وشفاههم رطبة بذكر الله، باسم ذروة سنام الإسلام.. وعهدك بأحدهم ينفخ الضباب في استراحات الضياع يصارع في أحسن أحواله لإدراك الصلاة قبيل خروج وقتها، ثم ينقلب في أسبوع يفتيك في تكفير المعينين وإخراجهم من أصل الإسلام..

 

وفي موقع الحادث، وبين المتجمهرين على أشلاء المداهمات؛ تتواثب لاقطات "الإعلام الليبرالي" بمنظومة كُتّابه وصحفييه، يعرض نفسه باعتباره محامي المجتمع ضد الغلو.. ووكيل البلد في صياغة المرافعة ضد الغلاة..

 

فهل كان الإعلام الليبرالي "محامياً ناجحاً" في كسب قضيته؟ أم كان من ذلك النوع من المحامين الذي وصفه مالك بن نبي؟ حيث يستعمل "مالك بن نبي" (ت 1973م) في بعض كتبه مصطلحاً طريفاً سماه "المحامي المُورِّط" (l’avocat compromettant) ويشرحه مالك كما يلي: (خطة يمكن أن نسميها "خُطّة المحامي المورِّط" الذي يورِّط موكله بدعوى أنه يقوم بالدفاع عنه) [بن نبي، الصراع الفكري، ص113].[ Bennabi, La Lutte Idéologique, p.121].

 

هذا ما سنحاول تحليله بعلمية وموضوعية هادئة –بإذن الله- من خلال فقرات هذه الدراسة، وسأقدم أولاً بفقرات تمهيدية خمس، وهي (الفهم العلمي لمُركَّب الغلو، حجة كثرة الاستشهاد دليل الامتداد، التراث السني كرأسمال رمزي، الرأسمال الرمزي في خطاب الغلاة، تحليل نتائج الإحالات المرجعية)، ثم سندخل إلى صلب الموضوع بإذن الله، أعني الجواب على السؤال المفتوح على صدر هذه الورقة: أين وقف الإعلام الليبرالي في معركة الغلو؟

 

وقد عرضت هذه الورقة قبل نشرها على بعض أهل الخبرة بالعلم والفكر، واستفدت من ملحوظاتهم وتصويباتهم ما حمدت الله معه أنني استشرتهم، والله وحده يجزيهم على صنيعه خيراً.

 

– الفهم العلمي لمُركّب الغلو:

 

الغلو المقصود هنا هو الغلو الذي وصل إلى حالة استحلال الدماء المعصومة بالتأويلات الدينية الباطلة؛ كالغدر بالأهل والأقارب من أهل لا إله إلا الله واستدراجهم خارج البنيان وقتلهم وتصوير ذلك تبجحاً، وقتل الثوار الذين يجاهدون الطغيان النصيري، وهدم المساجد على المصلين الراكعين الساجدين، وتجرئة الشاب الجاهل على الحكم بإخراج المعيّنين من الإسلام بالجملة، والاستهانة بدماء غير المحاربين من النساء والأطفال والمستأمنين، ونحوها.

 

وهناك من تناول هذه الظاهرة في سياق المناكفات واللدد، فضيّع القدرة على التحليل العلمي الهادئ للظاهرة، ولا شيء أكثر حزناً من ضمور الاستعداد للفحص الهادئ الجادّ للظواهر في زحام المغايظات والمشاحنات الفكرية والتراشق الإعلامي.

 

ومن تأمل هذه الظاهرة بعلمية وموضوعية هادئة؛ أدرك أن الضال بالغلو هو أولاً فرد ضمن "جماعة غلو"، وهذه الجماعة تقدم له مُغذِّيات التلاحم المعنوية والمادية، كالتساند والتآزر والتأكيد المستمر للشرعية والمهمات المشتركة الخ، والأفراد في هذه الظاهرة وإن اجتمعوا في مقولات عامة مشتركة إلا أن بينهم تفاوتاً في الخلفيات والبواعث، فمنهم القيادات الجائعة للنفوذ والهيمنة التي تسعى عبر توظيف الأفكار الحرورية لاستقطاب المتحمس الأعمى وتشتيت المزاحمين، وفيهم الشاب الصادق المخدوع الذي يستخدمه رؤوس الغلاة حطباً في مشروعهم، وبينهما شرائح متعددة، سنتناول بعضها فيما يلي:

 

فهناك الشاب الصادق المجروح من المظالم التي تقع على المسلمين وأهل السنة في كل مكان، وهوانهم على الناس، لكنه محدود العلم ومحدود الخبرة فلا يعلم كيف ينصر دينه وأمته ويسترد عزتها، فيرى هذا الخطاب الذي يتظاهر أنه يتحدى العالم، ويستقطبه بالبيانات الصوتية العنترية والمقاطع الهوليودية المُضلِّلَة التي تركز كلها على فكرة "الاستمالة بحكايات الغلبة"، والاستمالة بحكايات الغلبة نموذج تفسيري ظهر لي من خلال دراسة وثائق التنظيم يمكن تلخيصه بالحكاية التالية: (اجتمعت الأمم علينا ومازلنا ننتصر، وأن الأمم تخاف منا، وأن الناس يتوافدون يبايعون خليفتنا، وأن الشباب ينشقون عن الفصائل ويأتون إلينا، وأن العامة في المناطق التي نحكمها منبهرين بنا وبإدارتنا للاقتصاد ونهينا عن المنكر، وأننا في رفاه … الخ). وللتعزيز البصري لهذه الحكاية يصورون أحياناً أنفسهم متحلّقين حول ألوان الأطعمة، بل والحلويات، وأطفال البلدات الشامية حولهم جوعى محاصَرون، ويصورون عمليات حقيقة ووهمية، ويلتقطون صوراً لأرتال سياراتهم من زوايا فنية يراد بها صناعة الهالة وتعزيز حكاية الغلبة وتوالي الظفر.

 

هذا التصوير لحكايات الغلبة الوهمية بغرض استقطاب الشباب وتجنيدهم؛ يجري إنتاجه بشكل دوري ومستمر في خطابات العدناني العنترية الرسمية للتنظيم، وفي مقاطعهم الهوليودية.

 

فإذا اقترب منهم الشاب الصادق محدود العلم بدؤوا يغذونه بالتأويلات الدينية المغلوطة والاقتباسات العشوائية من كتب التراث التي تؤكد له بشكل مستمر شرعية وبسالة عمله، بل و "كفر وردة وضلال" كل المنافسين الجهاديين! فضلاً عن "كفر وردة" قطاعات العلم والدعوة والإصلاح والثقافة في دول المسلمين اليوم، وأن كل العالم اليوم تقريباً عملاء للنظام العالمي وأنهم هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة القائمة في وجهه، وأنه يرتعد خوفاً منهم.

 

وقد يكون مثل هذا الشاب الصادق في نصرة الدين عنده شيء من العلم، وليس جاهلاً محضاً، ولكن عنده غيرة زائدة عن القدر الشرعي تحمله على التغاضي عن الانتهاكات الشرعية في الدماء المعصومة في سبيل مغايظة ومراغمة الدول المعاصرة، فما يزال به الأمر حتى يصل لتزيين تلك الجرائم العظيمة.

 

وهذه الشريحة كثرت عنها الدراسات الحديثة ويسمونها أحياناً "الشباب المسلم الغاضب" (angry Muslim youth)، ويفسرون بها سبب انخراط شباب مسلم من أصقاع متباعدة عاش حياته في العواصم الأوروبية أو في أنحاء العالم العربي في بعض كيانات الغلو، برغم أنه لم يكن بين هؤلاء الأفراد أي تكوينات فكرية مشتركة مسبقاً، لا سلفية ولا غير سلفية.

 

وهناك شريحة -أيضاً- في قاعها النفسي العميق خدوش وشِجاج وقروح من تجربة اعتقال له أو لبعض أقاربه، فما يزال الكمد يتضخم حتى يصبح في سبيل الانتقام والنكاية يبحث عن أشد خطاب معارض للدولة التي اعتقلته، حتى لو كان خطاب غلاة سفاحين، فيتبناه للثأر وشفاء الغيظ في البداية، ويلتمس لهم المعاذير، ثم ما يلبث أن يصبح جزءاً عضوياً من هذا الكيان والخطاب، ويعادي أشد العداء كل عالِم أو داعية أو مثقف يبدي أدنى مرونة مع الدولة التي اعتقلته أو اعتقلت قريباً له، قال الإمام ابن تيمية (من اعتاد الانتقام لابد أن يقع في الظلم، فإن النفس لا تقتصر على قدر العدل الواجب لها).

 

وهناك -أيضاً- الشاب الذي فيه نزعة غريزية للبطش والعجرفة والتسلط والشِّجار، حتى قد يكون تورط مسبقاً بمشكلات في أقسام الشُّرَط، ووجد في خطاب الغلاة الجبروتي ما يشبع نهمته أن يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا، بلبوس ديني، فتجده يدخل مع الغلاة بحماسة، بل ربما يصوّر نفسه برشاشه وهو يهين أحد المخالفين بتلذذ، كما قال ابن تيمية (وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله) [الفتاوى:28/207]. ولدى هذه الشريحة قابلية واسعة جداً لأي تأويل ديني يعزز هذا السلوك العنجهي المُحبّب لها، واستعداد واسع لتخطئة المعلومات الشرعية غير الملائمة.

 

وهناك شريحة –أيضاً- يمكن توصيفها بصورة أدق باعتبار أنها لم تدخل مع الغلاة والغلو بعد اكتماله النهائي، وإنما واصلت الطريق التدريجي معها لاعتبارات صلات تاريخية، بحيث أن كل خطوة ترقّق ما بعدها، فقد يكون شارك مع بعض الجماعات في جهاد مشروع في أصله، ونشأت بينهم علاقات حميمية بحيث يمثلون له (سند وعزوة) لا يحتمل الغضاضة عليهم، فيتأول لهم بصورة متوالية كل دركة ينزلونها في مشروع الغلو حتى يصبح جزءاً من المنظومة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، وقد قال الإمام ابن تيمية (ولأجل هذا وَقَع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض، بالمعاشرة والمشاكلة) [الاقتضاء:1/547]

 

وهناك شريحة –أيضاً- تكثر في القيادات والمرجعيات داخل جماعات الغلو، يكون لديها هوى خفي في شهوة الرياسة والنفوذ، فتجدها توفر المستندات والتأويلات لشرعنة الغلو، إما لحصد الحضور داخل المنظومة، أو لتوسيع هيمنة الجماعة، أو لكسر المنافس الجهادي، ولدى هذه الشريحة قابلية واسعة للتأويلات المساندة لسلطتهم بسبب هذا الهوى الخفي، ولصرف المعطيات الشرعية التي تقلص هيمنتهم عن ظاهرها.

 

وإذا زاد الباحث في فحص هذه الظاهره فسيلاحظ المعطى المفاجئ فعلاً، وهو أن قطاعاً واسعاً من المنتسبين للغلاة ممن قاموا بجرائم داخل المجتمع المسلم وكان لها دوي إعلامي؛ ليس لهم تجربة تديّن سابق أصلاً، بل بعضهم ذكر والده في مقابلة معه أنه كان يتغيب عن الصلاة في المسجد، ونشر الإعلام لشخص آخر حياته الصاخبة بالموسيقي والمحرمات، ونحو ذلك، بما يعني أنه لم يوجد لهم تجربة كافية للتشكل بأي منظومة شرعية أصلاَ.

 

وأما ما تعلنه جماعات الغلاة من الاستدلالات والاحتجاجات والاستشهادات بالقرآن والحديث وتراث أهل السنة، فعامته لا يخرج عن آلية (وضع نصوص الشرع ونصوص العلماء في غير موضعها)، وسأضرب لذلك أمثلة تبيّنها:

 

فتجدهم يدورون حول عدة مفاهيم قرآنية وأثرية مثل: الكفر بالطاغوت، وكفر الحكم بغير ما أنزل الله، وكفر تولي الكفار، وقتال أبي بكر للمرتدين، ونحوها، فيضعونها في غير موضعها بتجريدها من قيودها وشروطها وموانعها، فمثلاً يأتون إلى من أَجَّلَ تطبيق بعض الأحكام الشرعية للعجز وعدم القدرة والإمكان، فينزلون عليه كفر الحكم بغير ما أنزل الله، برغم أن أهل العلم كافةً لا يختلفون أن من شروط التكليف أصلاً الوسع والاستطاعة.

 

أو يأتون إلى النصوص الشرعية في ردة من تولى الكفار وناصرهم على استئصال المسلمين وعلو كلمة الكفر وظهور دين الكفار، ثم يسقطونها على شخص في أحد الكيانات التي ينازعونها، وغاية حجتهم صورة يتناقلونها بينهم بشيء من التهويل فيها جلوسه وتبسمه مع مسؤول كافر في أحد الدول المعاصرة، ويجعلونها حجة على مظاهرة الكفار على المسلمين! برغم أن أهل العلم لا يختلفون أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ السفراء والرسل وفاوض الكفار وحاورهم، وتبسم وتلطف لبعضهم بحسب المصلحة الشرعية الراجحة.

 

فإذا تأمل الباحث الموضوعي هذه الصورة بكاملها، في البواعث والاستدلالات، تبيّن له أن حصيلة الخلل مُركّب من أمرين غالباً: الغلط في العلم، واتباع هوى النفس.

 

وهل هذا استنتاج شخصي؟ لا، بل هذا أمر نبّهنا عليه القرآن، وإليه ترجع عامة أصول الخلل في التيارات الفكرية المنحرفة المنتسبة إلى الإسلام طوال التاريخ، وقد قال الله سبحانه: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ}.

 

واتباع الظن غلط في العلم وهو من جنس الشبهة، واتباع الهوى خلل في الإرادة وهو من جنس الشهوة، وأعمال ابن آدم هي حصيلة العلم والإرادة، فتكمل وتنقص بحسبهما، وقال الإمام ابن تيمية (إذا خالط الظن والغلط في العلم هوى النفوس ومناها في العمل؛ صار لصاحبها نصيب من قول الله "إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس").

 

وقد كان الإمام ابن تيمية يكرر هذا النموذج التفسيري للتيارات المنحرفة كثيراً، كقوله (كل من خالف الرسول لا يخرج عن: الظن، وما تهوى الأنفس)، وقال (عامة مواضع التفرق والاختلاف تصدر عن: اتباع الظن، وما تهوى الأنفس)، وقال (وثمّ قسم آخر وهم غالب، وهو أن يكون له هوى فيه شبهة، فيجمع الشهوة والشبهة).

 

واستعمل ابن تيمية هذا المعنى –أعني تركُّب الأمر من الظن والهوى- في تفسير كثير من الفتن في الدماء والمحدثات في أصول الدين. (انظر مثلاً: الاستقامة:2/253، منهاج السنة:4/543، النبوات:1/420)، وكلامه في هذا كثير منتشر، كقوله مثلاً (الباغي قد يكون متأولاً معتقداً أنه على حق، وقد يكون متعمداً يعلم أنه باغٍ، وقد يكون بغيه مركباً من شبهة وشهوة، وهو الغالب) [المنهاج:4/385].

 

فالشبهة تفسد العلم والتصور والإدراك، فيرى الأمور على غير ما هي عليه، في فهم النص وتصور الواقع، كليهما.

 

وعامة المحاولات التي سعت لتفسير "ظاهرة الغلو" دخل عليها نقص الدقة من جهة التفسير الاختزالي للظاهرة، كمن حاول نفي أن يكون لهم شبهة في العلم، أو من جعلهم صادقين عقائديين ضد الطغيان المعاصر ولم يتفطن للهوى الظاهر والخفي، أو من جعلهم كلهم -أفرداً وقيادات- مجرد سياسيين مطلقاً لا بواعث صادقة عندهم أو عند بعضهم البتة، أو من جعلهم مجرد صنيعة استخباراتية محضة، أو من نفى عنهم مطلقاً أية اختراق خارجي، فكل هذه التفسيرات غير دقيقة، والأدق –في نظري- أن هذه الظاهرة "مركبة"، فيها شبهة في العلم، ونوع هوى في الإرادة، وهم شرائح متفاوتة البواعث والمقاصد والأغراض وإن تقاسموا مقولات نهائية مشتركة فيها انحراف وإجرام.

 

هذه جولة مختصرة حول ظاهرة الغلو الجماعاتي، هدفها فقط بيان "التركيبية" في هذه الظاهرة، ولمزيد التفصيل يمكن مراجعة خمس دراسات سابقة منشورة على موقع صيد الفوائد (1-رسالة إلى المنتسب لتنظيم الدولة. 2-قتل الأهل والأقارب عند تنظيم الدولة. 3-منزلة المجاهدين عند تنظيم الدولة. 4-تفجير مساجد أهل السنة. 5-التعبد لله بتقبيل أقدام الولاة).

 

– حجة "كثرة الاستشهاد دليل الامتداد":

 

إلى أي مدرسة فكرية يرجع الغلو؟ ومن أين استمدوا أفكارهم في استحلال دماء المسلمين؟ للجواب عن هذا السؤال يستخدم بعض الناس حجة خلاصتها أن "كثرة الاستشهاد دليل الامتداد"، وكمثال على ذلك يقولون: "طالما أن بعض الغلاة يُكثِر من الاستشهاد بابن تيمية فهو امتداد له وتطبيق لفكره ونتيجة لفقهه"، ويتحاشى هؤلاء عادةً الفحص والتمحيص لعلاقة الفكر المُستشهَد به، بتطبيقات المُستشهِد.

 

وسنعرض هاهنا أربعة نماذج لنبرهن بها عدم دقة هذه الحجة، وأنه قد يوجد في عالم الأفكار والتيارات كثيرٌ ممن يستشهد بفكر ويكثر من الإحالة عليه والنقل عنه ومع ذلك لا يقبل الباحث والمتابع الإقرار للمُستشهِد بصحة استشهاده، إما لغلط في العلم أو هوى في التأويل أو ما هو مركب منهما، وهذه النماذج الأربع هي (الفراعنة والدستور الديمقراطي، إيران وآل بيت النبوة، الحداثيون والشاطبي، الخوارج والقرآن).

 

أ- النموذج الأول: الفراعنة والدستور الديمقراطي:

 

حين يستعرض الباحث سيرة عتاة المستبدين في العالم العربي كالأسد والقذافي وزين العابدين بن علي وأشباههم، وما فعلوه من الاضطهاد والقمع والحياة الاستخباراتية واستحلال الدماء والأموال، ثم يستعرض خطاباتهم وكلماتهم، يلاحظ أنهم جميعاً يحتجون ويستشهدون بمبادئ الحريات والحقوق والديمقراطية الخ، بل ويرصعون دساتيرهم -التي هي أعلى وثيقة قانونية في الدولة- بمثل هذه الشعارات، وهذه بعض الأمثلة:

 

في دستور سوريا الأسد: (الحرية حق مقدس، والسيادة للشعب، ولكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية، وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم وكرامتهم، ولا يجوز تعذيب أحد، جسدياً أو معنوياً، أو معاملته معاملة مُهينة، والمساكن مصونة، لا يجوز دخولها ولا تفتيشها إلا بحسب القانون، ويصبح المرشح رئيساً للجمهورية بحصوله على الأكثرية المطلقة) [دستور الجمهورية العربية السورية، المواد: 2، 25، 26، 28، 31، 84].

 

وفي دستور ليبيا القذافي: (ليبيا ديمقراطية، والسيادة للشعب، والملكية العامة للشعب، حرية الرأي مكفولة، القضاة مستقلون، الخ) [دستور الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية، المواد:1، 8، 13، 28].

 

وفي دستور اليمن بعهد علي عبد الله صالح (الشعب مالك السلطة، ولكل مواطن الحق في الإسهام في الحياة السياسية، وللمواطن حق الانتخاب والترشيح، وتداول السلطة سلمياً، ولا يجوز لأي شخص تولي منصب الرئيس لأكثر من دورتين، والقضاء سلطة مستقلة، وتؤكد الدولة العمل بحقوق الإنسان، والثروات الطبيعية تستغل للمصلحة العامة) [دستور الجمهورية اليمنية، المواد:4، 5، 6، 8، 42، 43، 112، 149].

 

ونحو هذا في كل دساتير الدول الجبروتية الفاسدة في العالم العربي، ويكثرون –أيضاً- من الاستشهاد بهذه المفاهيم في خطاباتهم وكلماتهم في المحافل.

 

فهل يمكن أن يقول باحث موضوعي إن مفاهيم الحرية وسيادة الشعب وكرامة الشعب ومنع التعذيب وصيانة المساكن وحق الإسهام في الحياة السياسية والانتخابات هي المسؤولة عن عنف هؤلاء المستبدين وبطشهم وإرهابهم لأنهم يعلنون دوماً الاستناد لها ومرجعيتها ولأن "كثرة الاستشهاد دليل الامتداد"؟ أم أن هذا مجرد توظيف وتطويع واستغلال؟!

 

وليس المراد بهذا النموذج القول بأن الغلاة مماثلون للمستبدين في مدى الإيمان بالشعارات التي يرفعها كل منهم، لا قطعاً، بل المقصود فقط بيان خطأ الاحتجاج بأن "كثرة الاستشهاد دليل الامتداد".

 

فلو قال قائل: فلماذا تتابع كل هؤلاء الفراعنة العرب على اختيار (الفكر الديمقراطي) لتبرير جرائمهم؟ فالجواب: لأن المجرم يبحث "تلقائياً" في مجاله التداولي عن أكثر منظومة فكرية لها قبول وجاه، وفي النظام الدولي المعاصر تعتبر مبادئ الفكر الديمقراطي هي الفكر الذي يحقق ذلك.

 

ولذلك لا تجد أحداً يوافق أصلاً على صحة هذه الاستشهادات والاحتجاجات، ولا تجد أحداً يقول إن جرائم الاستبداد هي تطبيق للدساتير الديمقراطية، لأن هذا مؤداه (تسليم الشرعية الديمقراطية والحقوقية للمجرم).

 

ب- النموذج الثاني: إيران وآل بيت النبوة:

 

حين عرض الدستور الإيراني أسس النظام قال (على أساس الكتاب، وسُنَّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين) [ الدستور الإيراني، المادة: 2/أ].

 

ويعني بالمعصومين الأئمة الاثني عشر من آل البيت وهم علي والحسن والحسين وذريته، رضوان الله عليهم، ويدخل في العصمة عندهم طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم وابنته فاطمة رضي الله عنها.

 

وينص الدستور على صيغة اليمين التي يؤديها رئيس الجمهورية (مستعيناً بالله ومتبعاً لنبي الإسلام والأئمة الأطهار "عليهم السلام") [الدستور الإيراني، المادة:121].

 

وهؤلاء الأئمة الأطهار الذين تُظهِر إيران اتباعهم ويُقسِم رئيس الجمهورية على ذلك؛ هم هؤلاء الأئمة الاثنا عشر من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 

والتصور التفصيلي لفقه "آل بيت النبي صلى الله عليهم وسلم" عندهم يجسده المذهب الشيعي الاثنا عشري، كما ينص الدستور الإيراني صراحة: (الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنا عشري، ويبقى هذا المبدأ قائماً وغير قابل للتغيير إلى الأبد) [الدستور الإيراني، المادة:12].

 

وفي المادة المتعلقة بطرق تعديل الدستور نص الدستور على الأحكام المطلقة التي لا تقبل التعديل ومنها (المذهب الجعفري الاثني عشري غير قابل للتعديل) [الدستور الإيراني، المادة:177].

 

حسناً، السؤال هنا: هل تعرف بالله عليك عالماً أو مثقفاً مسلماً يُصدِّق فعلاً أن هذه الجرائم التي تقوم بها إيران وميليشياتها في التنكيل والتفنن في التعذيب والتقتيل لأهل السنة أنها امتداد وتطبيق لفقه وأخلاق آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على أن "كثرة الاستشهاد دليل الامتداد"؟!

 

لا شك أنه لا يوجد أحدٌ أصلاً من المسلمين يُصدّق هذا الهراء! فهذا مما يبيّن خطأ هذه الحجة وهي أن "كثرة الاستشهاد دليل الامتداد"، وأي باحث يدرك أن المنتسبين للتشيع متفاوتون، ففي كثير من عوامهم البسطاء من هو جاهل بفقه آل البيت ويتبع الظن والباطل والوهم الذي يظنه راجع إليهم، ويظن أنه ينصرهم بذلك، وفي أهل الاطلاع فيهم كثير جداً ممن يدرك بطلان المذهب في نفسه أو تعتريه شكوك كثيرة فيه لكن فيه هوى، إما هوى مشاحنة للخصوم أو هوى نفوذ أو غير ذلك، وفيهم من حاله مركب من الأمرين.

 

وليس المراد هاهنا القول بأن العلاقة بين الشيعة وآل البيت، والعلاقة بين الغلاة والتراث، هي علاقة متماثلة، بل المراد فقط إيضاح خطأ الاحتجاج بأن كثرة الاستشهاد دليل الامتداد، فكثرة استشهاد المنتسبين للتشيع بفقه آل البيت ليست دليلاً البتة على صحة كونهم امتداداً لهم.

 

ومن طعن في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم واتهمهم بأنهم مصدر الإرهاب باعتبار أن الإجرام الميليشياتي الشيعي يحتج بهم ويكثر من الاستشهاد بهم؛ فتفسيره هذا ليس مقاومة لإرهاب هذه الميليشيات، بل هو من أشد ما يسعد هذه الميليشيات ويبهجها، لأنه يسبغ عليها شرعية البيت المطهر.

 

ج- النموذج الثالث: الحداثيون والشاطبي:

 

يعرف المتابعون اليوم أن الدراسات الحداثية في إعادة قراءة التراث الإسلامي سكبت من الإشادات والتنويهات بالإمام "الشاطبي" ما يملأ مكتبة الإسكندر! وتذكر هذه الدراسات أنها تسير على طريقة الشاطبي وأنها هي التي فهمته وأن مدارس أهل السنة السلفية والتقليدية هجرت فكر الشاطبي وإبداعه.[انظر مثلاً: الجابري، بنية العقل العربي، ص547].

 

ثم يعرض الحداثيون آراءهم الفقهية في مسائل الحرية وأحكام المرأة والجهاد والعلاقة بغير المسلم وأهل الذمة والحدود الجنائية الخ، ويزعمون أن هذا كله بناءً على تفطنهم واستعمالهم لمقاصد الشريعة التي بشَّر بها الشاطبي وقعّدها وأصّلها في موافقاته، ويُعيدون ويُبدؤون بإطراء الشاطبي.

 

ويعرف أهل الخبرة بالفقه وأصوله أن الشاطبي لا علاقة له البتة بهذه الآراء التغريبية في مسائل الحرية والمرأة والجهاد والحدود الخ، لأن الشاطبي أصلاً من صقور المحافظة المذهبية في الفقه الإسلامي، وكلامه الكثير المنتشر في التعظيم البالغ لأئمة السلف واتباعهم، وتعظيم قاعدة "سد الذرائع"، وكلامه في التغليظ على جعل الخلاف حجة، والتشديد في منع تتبع رخص المذاهب، والفتيا بمشهور المذهب فقط، والتأكيد على اعتبار الجزئيات الشرعية وعدم إهمالها باسم الكليات، وتقديم المصالح الأخروية على الدنيوية، وتقديم النقل على العقل، وأن كل الأحكام تغطيها النصوص الشرعية، وتعظيم الشاطبي لمرجعية العالم وأن "المفتي قائم في الأمة مقام النبي" عنده، وتحذيره من الاعتراض على الكبار من أهل العلم، وتحقيره للفلسفة، الخ. حتى أنه نُسِب إلى التشدد والتعسير في الفتيا الفقهية وروى بنفسه هذه التهمة (انظر: الاعتصام، 1/28).

 

إذن لماذا يُظهِر الحداثيون هذه الإشادات بالشاطبي؟ الواقع أن الشاطبي وموافقاته ومقاصده لم يكن هو الحافز الحقيقي المحرك لهم لهذه التأويلات الفقهية لأحكام الشريعة التي ينشرونها، وإنما هي آراء تلقّوها من الفكر الغربي الحديث ولهم فيها هوى عظيم، ثم بحثوا في التراث الإسلامي عن تأصيل لها، فرأوا الشاطبي يؤكد على المقاصد العامة والضرورات الكبرى، فصارت لهم شبهة تركبت مع هواهم، فصاروا يذكرون الشاطبي وينوهون به ويشيدون بعبقريته، وحذاقهم يعلمون جيداً التناقض بين موافقات الشاطبي والتغريب الفقهي، وأما عوام من دخل في هذه القراءات الحداثية فقد يقع عند كثير منهم التوهم فعلاً أن مقاصد الشاطبي تساند الآراء الفقهية المستغربة المحببة لهم، فيكون قد جمع بين اتباع الظن وما تهوى الأنفس، ويكون حاله مركبة من شبهة وشهوة.

 

والمراد هنا أن كثرة استشهاد الحداثيين بالشاطبي لا يعني صحة كونهم امتداد له، بل استشهادهم به دائر بين الغلط في العلم والهوى في التأويل، بما يعني أنه ليس دقيقاً أن كثرة الاستشهاد دليل على الامتداد.

 

ومن وجه آخر فلو جاء شخص وقال: "إلى متى الصمت؟! يجب نقد الشاطبي وأنه سبب التغريب الفقهي!" فهذا القائل في الحقيقة لا يزعج الحداثيين البتة، وليس هذا نقداً لهم ولا مناقشة لفكرهم، بل هو من أعظم ما يدخل السرور عليهم، حيث يؤكد لهم صحة مسارهم وشرعيتهم التراثية التاريخية.

 

د-الخوارج والقرآن:

 

معروف تاريخياً أن الخوارج قاموا على الناس يطلبون تحكيم كتاب الله في الناس، كما قال ابن تيمية "وأصل مذهب الخوارج تعظيم القرآن وطلب اتباعه"، وقال أيضاً "الخوارج لم يكونوا زنادقة بل كان قصدهم اتباع القرآن" (الفتاوى:13/208، الإخنائية:213).

 

ومع ذلك سفكوا الدماء، وبقروا البطون، وكفّروا خيار المسلمين وفضلاءهم، وكان شرّهم على أهل الإسلام أعظم من خطرهم على أهل الأوثان.

 

فهل يمكن أن يقول الباحث الموضوعي أن الخوارج هم امتداد للقرآن وتطبيق له وأثر من آثاره باعتبار أن كثرة الاستشهاد دليل على الامتداد؟!

 

وهل يمكن أن يقول شخص "كيف نتساءل عن سبب خروج الخوارج وهم يحتجون بالقرآن فمؤكد أن القرآن هو سبب غلوهم"؟!

 

لا، قطعاً، فليس في من يُظهِر الإسلام من يقول بذلك، وإن كان قد يعتقده في الباطن من فيه نفاق يواريه، بل جميع من يُظهِر الإسلام كالمتفقين على أن ما يزعمه الخوارج من القيام بالقرآن وتعظيمه والعمل به والتشوف لتحكيمه؛ أنه غلط في الفهم وسوء في التصور وخطأ في الاستدلال وجهل حاد، كما قال الإمام ابن تيمية: (وصار الخوارج يتتبعون المتشابه من القرآن، فيتأولونه على غير تأويله، من غير معرفة منهم بمعناه، ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن) [الفتاوى:13/210].

 

ولفت ابن تيمية الانتباه إلى إشارة النبي صلى الله عليه وسلم المسبقة إلى مسألة "غلط الفهم" عند الخوارج فقال (فإن الخوارج لم يكونوا زنادقة منافقين، بل كان قصدهم اتباع القرآن، لكن لم يكونوا يفهمونه، كما قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم "يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، فالمبتدع العابد الجاهل يشبههم من هذا الوجه) [الإخنائية:213].

 

فإذا ثبت هذا، وهو أن القرآن بلغ الغاية في البيان والهدى والدلالة والإرشاد، ومع ذلك تأوّله الخوارج ووضعوه في غير موضعه بالغلط والجهل وسوء الفهم، حتى استحلوا به دماء المسلمين، فكيف يستبعد أن يتأول بعض الغلاة المعاصرين بعض تراث وفتاوى أهل السنة ويضعها في غير موضعها ويسيء فهمها وتصورها وتنزيلها على الواقع؟!

 

ومن الجدير بالذكر التنبيه إلى أن هذ الغلط في الفهم والجهل في التصور والاستدلال عند الخوارج لا يسلم من هوى ظاهر وخفي، ولذلك من حذق السلف سمّوهم "أهل الأهواء"، فالخوارج وإن كان يغلب عليهم التدين بالباطل وقد يظهر منهم الصدق في القيام بالتكفير والقتال المنحرف؛ إلا أن من تأمل سيرتهم استبان له دقة السلف في تسميتهم أهل الأهواء، فيظهر عندهم أهواء كثيرة تمتزج بغلطهم في العلم.

 

ومن ذلك مثلاً أن نجدة بن عامر لما وقع ابنه في مكفّر أحدث عندهم "العذر بالجهل" (مقالات الإسلاميين، الأشعري، ت ريتر:90) وقايةً لابنه مما لم يكونوا يقبلونه سابقاً، كما أن فرقة الحسينية من الخوارج "يقولون بالإرجاء في موافقيهم خاصة" (مقالات:119) وهذه امتيازات حزبية باعثها هوى العصبية، وكان قطري بن الفجاءة يستخلف على جماعته رجلاً من قبيلته فشكوه وعاتبوه فكفّر من عاتبه فثارت بينهم الانشقاقات (مقالات:87)، ونافع بن الأزرق أحدث تكفير من لم يهاجر إليه (مقالات الإسلاميين:86) وهذا فيه طلب رياسة ظاهر، ونحو هذه الظواهر التي تؤكد امتزاج الهوى بالغلط في الفهم عند النموذج الرئيسي للغلاة وهم الخوارج، وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى هوى الرياسة عند بعض الخوارج (منهاج السنة:5/250).

 

-التراث السني كرأسمال رمزي:

 

كان علم الاجتماع الماركسي يطرح مفهوم الطبقة (Class) مختزلة في البعد الاقتصادي، وفي سياق منافرته المعروفة لماركس أضاف عالم الاجتماع الألماني الأشهر ماكس فيبر (1920م) مكونات جديدة ضمن مفهوم المكانة (Status)، ثم واصل عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (2002م) هذا المسار ضمن مفهوم "الرأسمال الرمزي"، وهو امتداد لفيبر [Susen & Turner (ed), The Legacy of Pierre Bourdieu, p.34]، وهو بالمعنى العام: أي مورد من موارد المكانة والقيمة ضمن ثقافة معينة، وبات يوظّف تخصيبياً في سياقات كثيرة، من ضمنها دراسات مصادر الشرعية السياسية، ولقي رواجاً واسعاً.

 

و"التراث السني"، سيما رموزه من أئمة الدين، هو من أعظم أرصدة الرأسمال الرمزي، لأنه يتضمن الحق والصدق والهدى في نفس الأمر، ولما له في نفوس المسلمين من المكانة والجاه والتوقير والانتماء، ولذلك فقد يقوم به ويرفعه صادق في العمل بموجبه، وقد يرفعه ويوظّفه من يخالفه بسبب هوى وأغراض، ظاهرة أو خفية.

 

وقد نبّهت النصوص الشرعية على التحذير من ظاهرة توظيف الدين للمصالح الخاصة كبناء النفوذ أو الثروة وأشباه ذلك، ويجمعها أهل العلم في أبواب خاصة بالإخلاص والتجرد ونحوها، كحديث الترمذي (من طلب العلم ليصرف به وجوه الناس إليه).

 

ويكثر في كلام السلف التنبيه على هذه الظواهر المنحرفة لحرك الدين في المجتمع، كالبيت المتداول لإمام أتباع التابعين في زمانه عبد الله بن المبارك (يا جاعل الدين له بازياً**يصطاد أموال المساكين) [روضة العقلاء:37]. وهذا تشبيه بليغ للغاية من ابن المبارك، حيث صور الدين كجارح قد يتخذه بعضهم وسيلة صيد لاقتناص الفريسة من الحظوظ الدنيوية.

 

وهذا لا يقتصر على "العلم"، بل حتى "الجهاد" فقد كان من رؤوس الملوك من يقاتل منافسيه لحظوظ الرياسة ويظهر ذلك في قالب الجهاد الشرعي، ويدخل في هواه بعض المنتسبين للفقه فيسبغون الشرعية الجهادية على قتال الملك، وقد فصّل هذه الظاهرة الإمام ابن تيمية في مواضع (مثلاً: الفتاوى:4/450-452).

 

وهل كل من ظهر للناس منتسباً إلى تراث أئمة السنة يكون نتيجة له ومحسوباً عليه؟ لا، طبعاً، لأنه قد يكون من باب الجهل والغلط في الفهم وسوء التصور وخطأ التطبيق وهو نوع من "اتباع الظن"، وقد يكون تطبيقه لبعض الأحكام وتنزيلها على بعض الوقائع هو نوع من التوظيف بسبب الهوى الظاهر أو الخفي، أو قد يكون مركباً منهما وهو الأكثر في الواقع.

 

وكلا الأمرين حاضران بشدة في النصوص الشرعية، فقد نبهت النصوص على خطر القول على الله بغير علم والتشديد في الجرأة على الفتيا وهي من أعظم أسباب الغلط في العلم، كما نبّهت على خطر اتباع الهوى ابتغاء صرف وجوه الناس ونيل الجاه والسلطان أو هوى المشاحنة والشنآن، وكثيراً ما يجر الهوى صاحبه إلى تبني التفسيرات المغلوطة إذا كان فيها سندٌ لهواه.

 

– الرأسمال الرمزي في خطاب الغلاة:

 

يُظهِر الغلاة في خطابهم الرسمي الاستناد لثلاث مصادر: القرآن، والحديث النبوي، وكتب التراث الإسلامي بمشاربه المختلفة، وسأعرض نماذج لذلك:

 

فأما إظهار (الاستشهاد بالقرآن)، فأعلى مصدر رسمي للتنظيم هو البيانات الرسمية بصوت المتحدث الرسمي العدناني، وهذه نماذج منتخبة من بياناته وعدد الآيات فيها:

 

– بيان بعنوان "ثم نبتهل": الاستشهاد بـ(11) آية قرآنية.

– بيان بعنوان " الآن الآن جاء القتال": الاستشهاد بـ(13) آية قرآنية.

– بيان بعنوان " إنما أعظكم بواحدة": الاستشهاد بـ(13) آية قرآنية

– بيان بعنوان "دولة الإسلام باقية": الاستشهاد بـ(17) آية قرآنية.

– بيان بعنوان "إن ربك لبالمرصاد": الاستشهاد بـ(20) آية قرآنية.

– بيان بعنوان "هذا وعد الله": الاستشهاد بـ(25) آية قرآنية.

– بيان بعنوان " السلمية دين من" : الاستشهاد بـ(35) آية.

وأما إظهار (الاستشهاد بالحديث النبوي) فتنظيم الدولة شحن مجلته الرسمية باستدعاء الأحاديث النبوية الشريفة، وينقل عن المصادر المشهورة مثل: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه، الدرامي، مسند أحمد، ابن حبان، الحاكم، الطبراني، الخ.[انظر مثلاً: (مجلة دابق، ع 4، ص:15، 30، 33، 34)، (مجلة دابق، ع5، ص: 7، 8، 25، 26، 27، 29) ، (مجلة دابق، ع6، ص:16، 17، 26، 63)].

 

ويدخل في هذا دخولاً أولياً توظيف "أحاديث الملاحم" وهي من الأمور والأهوال التي تكون آخر الزمان كحديث دابق ونحوه.

 

وطريقتهم في التخريج أنهم يذكرون اسم المصدر هكذا (رواه البخاري، رواه مسلم، رواه الترمذي، الخ) ولا يذكرون الموضع، لا بالجزء والصفحة، ولا برقم الحديث، ويضيفون أحياناً الحكم على الحديث فيقولون: حديث حسن، حديث صحيح. ولا ينقلون أحكام الأئمة عليه ولا يبينون وجه التصحيح إن كان هناك خلاف في تصحيحه وإعلاله.

 

وأما إظهار (الاستشهاد بمصادر التراث الإسلامي) بمشاربه المختلفة، فسنأخذ عينةً لفحص هذه المصادر، وهي مجلة تنظيم الدولة الرسمية "مجلة دابق"، وهي مجلة بات يعرفها الإعلام الليبرالي، ويكتب عنها، ويتحدث عن محتوياتها ووزنها التمثيلي [انظر مثلاً: جريدة الرياض: العدد (17046) والعدد ( 17053)، والعدد (17060). وجريدة الجزيرة: العدد (15842). وصحيفة عكاظ: العدد (5292).].

 

وهاهنا عرض لكل عدد من أعداد هذه المجلة، وأسماء المصادر التراثية التي صرحوا بالرجوع لها، وأنبّه أن أرقام الصفحات هنا تشير إلى رقم الصفحة في مجلة دابق نفسها من ذات العدد، أي موضع ورود المرجع في المجلة:

 

– العدد الأول: تفسير ابن كثير ص(14)، تفسير القرطبي ص(23)، السنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني ص(35).

 

– العدد الثاني: تفسير الشوكاني ص(6)، تفسير الطاهر ابن عاشور ص(8)، فتح الباري لابن حجر ص(11)، تفسير ابن كثير ص(21)، ابن القيم مختصر الصواعق (22)، زاد المعاد لابن القيم ص(22)، القول المنبي للسخاوي ص(22)، تفسير الطبري ص(22)، الدرر السنية ص(22)، النبوات والواسطية لابن تيمية ص(23)، مفتاح دار السعادة والصواعق المرسلة وشفاء العليل ثلاثتها لابن القيم ص(23)، التبيان في أقسام القرآن لابن القيم ص(27)، الفوائد لابن القيم ص(29)، ابن الصلاح عبر إغاثة اللهفان ص(30).

 

– العدد الثالث: مدارج السالكين لابن القيم ص(5)، شرح السنة للبغوي ص(7)، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ص(7)، كفاية الحاجة شرح ابن ماجة للسندي ص(7)، مدارج السالكين لابن القيم ص(8)، إتحاف الجماعة في أشراط الساعة للشيخ حمود التويجري(8)، مجموع الفتاوى لابن تيمية ص(10)، تفسير ابن كثير ص(11)، جامع العلوم والحكم لابن رجب ص(26)، مدارج السالكين لابن القيم(26)، بهجة المجالس لابن عبد البر ص(29)، زاد المعاد لابن القيم ص(30)، فتح الباري لابن حجر ص(30)، تفسير ابن كثير ص(31)، الفروسية لابن القيم ص(31)، مجموع الفتاوى لابن تيمية ص(31)، مدارج السالكين لابن القيم ص(33)، روضة المحبين لابن القيم ص(34)، الزهد للإمام أحمد ص(34) .

 

– العدد الرابع: الحكم الجديرة بالإذاعة لابن رجب ص(10)، الطبقات الكبرى لابن سعد ص(11)، فتح الباري لابن رجب ص(16)، جامع العلوم والحكم لابن رجب ص(16)، شرح صحيح مسلم للنووي ص(17)، مدارج السالكين لابن القيم ص(37).

 

– العدد الخامس: تفسير الشنقيطي ص(6-7)، تفسير الكشاف للزمخشري ص(7)، تفسير ابن الجوزي "زاد المسير" ص(8)، معجم البلدان لياقوت الحموي ص(28).

 

– العدد السادس: النقل عن الإمام مالك ص(9)، النقل عن الصاحب بن عبّاد ص(9)، شرح صحيح مسلم للنووي ص(10)، النقل عن الإمام محمد بن عبد الوهاب من عقيدته التي أرسلها لأهل القصيم ص(11)، النقل عن الفضيل بن عياض ص(14)، فضل علم السلف لابن رجب ص(17)، الرسائل الشخصية للإمام محمد بن عبد الوهاب ص(19)، الدرر السنية ص(19)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية ص(19).

 

– العدد السابع: تاريخ الطبري ص(7)، البداية والنهاية لابن كثير ص(7)، تاريخ الطبري ص(18)، تاريخ ابن كثير ص(18)، تفسير ابن كثير ص(21)، تفسير الطبري ص(21)، الإيمان الأوسط لابن تيمية ص(22) و (23)، تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص(22)، الجواب الكافي لابن القيم ص(55)، سيرة ابن هشام ص(55)، الدرر السنية ص(60)، صفة النفاق للفريابي ص(63)، مجموع الفتاوى لابن تيمية(64)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ص(68).

 

– العدد الثامن: تاريخ دمشق لابن عساكر ص(12)، الإبانة الكبرى لابن بطة ص(12)، الاعتقاد للبيهقي ص(12)، تاريخ دمشق لابن عساكر ص(13)، مسند الفاروق لابن كثير ص(13)، جامع الأصول لابن الأثير ص(13)، المغني لابن قدامة ص(32)، الدرر السنية ص(32)، الإبانة الكبرى لابن بطة ص(39)، السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص(40)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ص(40)، الشريعة للآجري ص(40)، السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص(41)، السنة للخلال ص(41)، البداية والنهاية لابن كثير ص(41)، السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص(43-45)، اللالكائي ص(43)، مسائل أحمد وإسحاق بن راهويه ص(44)، تعظيم قدر الصلاة لابن نصر المروزي ص(44)، الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ص(45)، السنة لابن أبي عاصم ص(45)، تيسير العزيز الحميد ص(46)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ص(46)، الكلمات النافعات للشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب ص(46)، الرسالة للإمام الشافعي ص(47)، المنثور في القواعد الفقهية للزركشي ص(47)، نواقض الإسلام للإمام محمد بن عبد الوهاب ص(48)، الرسائل الشخصية للإمام محمد بن عبد الوهاب ص(48)، السنة للخلال ص(49-51)، صفة النفاق للفريابي ص(49)، الإبانة الكبرى لابن بطة ص(49)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية ص(50)، منهاج السنة لابن تيمية ص(50)، شرح صحيح مسلم للنووي ص(52)، مجموع الفتاوى لابن تيمية ص(52)، الدرر السنية ص(52).

 

– العدد التاسع: تفسير الطبري ص(9)، تفسير ابن المنذر ص(9)، غريب القرآن لابن قتيبة ص(9)، المغني لابن قدامة ص(12)، تفسير ابن أبي حاتم ص(13)، مجموع الفتاوى لابن تيمية ص(13)، مدارج السالكين لابن القيم ص(13)، جامع الأصول لابن الأثير ص(13)، الترغيب والترهيب للمنذري ص(13)، تفسير الطبري ص(18)، مغازي الواقدي ص(45)، الطبقات الكبرى لابن سعد ص(45)، زاد المعاد لابن القيم ص(45)، البداية والنهاية لابن كثير ص(47)، فتح الباري لابن حجر ص(48).

 

– العدد العاشر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ص (9-16)، المغني لابن قدامة ص(16)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية حرب ص(17)، الآداب الشرعية لابن مفلح ص(17)، مختصر منهاج القاصدين للمقدسي ص(17)، إحياء علوم الدين للغزالي ص(17)، غياث الأمم للجويني ص(19)، صبح الأعشى للقلقشندي ص(21)، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ص(21)، الأحكام السلطانية للماوردي ص(22)، المحلى لابن حزم الظاهري ص(22)، البداية والنهاية لابن كثير ص(23)، المغني لابن قدامة ص(24)، زاد المعاد لابن القيم ص(29)، حلية الأولياء لأبي نعيم ص(45)، البداية والنهاية لابن كثير ص(46)، الترغيب والترهيب للمنذري ص(50)، المغني لابن قدامة ص(52)، الإنصاف للمرداوي ص(52)، المغني لابن قدامة ص(53)، تيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب ص(56)، الكلمات النافعات ص(57)، مجموع الفتاوى لابن تيمية ص(57)، الدرر السنية ص(58-63)، مجموع الفتاوى لابن تيمية ص(63).

 

ويدخل في هذا دخولاً أوليا "توظيف معجم البسالات التاريخية" وهي المعارك الإسلامية ذات الصدى والجاه في التاريخ الإسلامي، والإيحاء بأن جرائمهم امتداد لتلك المعارك الشريفة، وسعيهم للالتصاق بهذه المعارك الفاضلة كثير منتشر في نصوصهم، ومن نماذجها قولهم في بيان رسمي: (فو الله لنعيدن بدرًا وأحدًا، لنعيدن مؤتة وحنين، لنعيدن القادسية واليرموك، لنعيدن اليمامة، ونعيد حطين وعين جالوت، ونعيد جلولاء والزلاقة، والزلاقة الثانية وبلاط الشهداء، سنعيد الفلوجة الأولى والثانية، وقسمًا، قسمًا؛ لتعودنّ نهاوند..) [العدناني، بيان بعنوان فيقتلون ويقتلون].

 

– تحليل نتائج الإحالات المرجعية:

 

شاهد القارئ الكريم محاولة مصممي خطاب الغلو أن يظهروا أنهم يعبرون عن رؤية علمية لا مجرد بلطجة عسكرية، وأن جرائمهم في استباحة دماء المعصومين هي مقتضى تقريرات أهل العلم، وأنهم صدروا عن كتب العلوم الشرعية ذات الثقل والوزن، وأن صلتهم بكتب التراث وثيقة.

 

وتبعاً لذلك يُظهِرون الإحالة إلى كل العلوم الإسلامية، ويوصلون رسالةً للقارئ أنهم لا يحصرون أنفسهم في علم العقيدة والتوحيد، ومن هذه العلوم: كتب التفسير (الطبري ابن الجوزي القرطبي ابن كثير السيوطي الشنقيطي ابن عاشور مثلاً)، وشروحات الأحاديث (شرح البخاري وشرح مسلم مثلاً)، والفقه المقارن (المغني مثلاً)، والسيرة النبوية (الواقدي وابن هشام مثلاً)، وغريب الحديث (النهاية لابن الأثير) وكتب التواريخ والطبقات والتراجم (تاريخ الطبري وتاريخ دمشق لابن عساكر والبداية والنهاية مثلاً)، بل حتى كتب السلوك والتصوف كإحياء علوم الدين للغزالي.

 

ومن الواضح جداً إظهارهم لأنفسهم أنهم ليسوا حكراً على عالم معيّن أو مدرسة بعينها، ولذلك ينقلون عن علماء من مذاهب مختلفة: فمن المالكية مثلاً: ابن عبد البر والقرطبي، ومن الشافعية: الجويني والماوردي والغزالي وابن الصلاح والنووي وابن كثير والزركشي وابن حجر والسخاوي. ومن الحنابلة: ابن الجوزي وابن قدامة وابن مفلح وابن رجب والمرداوي. كما يظهرون الإحالة إلى كتب ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب. ومذهب أهل الحديث المستقلين كابن حزم الظاهري والشوكاني.

 

كما يُظهِرون الإحالة إلى العلماء المعاصرين المعتنين بعلم مقاصد الشريعة كالإمام الطاهر بن عاشور، بل وحتى الزمخشري المعتزلي ينقلون عنه من تفسيره الكشاف المعروف.

 

ثم بعد هذه الاقتباسات العشوائية من القرآن والحديث وكتب التراث يتم استعمال المادة في تبرير استحلال دماء المعصومين وأموالهم، وهو أمر لم يفهمه من هذه المصادر عامة علماء أهل السنة طوال القرون، ويقع هذا الخلل عند الغلاة بذات المسلك المركب من الغلط في العلم والفهم والتصور، مع نوع من الهوى إما للحزب أو لبغض الخصم والمنافس.

 

وعامة غلطهم في العلم منشؤه –كما سبقت الإشارة- وضع نصوص الشرع ونصوص العلماء في غير مواضعها، وتفريغ الأحكام من شروطها وموانعها.

 

وهل تقتصر خطورة تقنية "تفريغ الأحكام من شروطها وموانعها" على الأحكام الشرعية فقط؟ لا، قطعاً، فأي منظومة تشريعية أو قانونية يستطيع أي سفاح أو مفسد –بجهل أو هوى أو مركب منهما- أن يستغل أحكامها في البطش بالناس مع تفريغها عن شروطها وموانعها.

 

فمثلاً لو جاء شخص لأي قانون في العالم يحكم بأن "الخيانة العظمى عقوبتها الإعدام" وهي قوانين كثيرة تحكم بمثل هذا الحكم، ثم أخذ يوزّع التخوين على المخالفين، ورتّب جداول لاغتيالهم باعتبار حكومة البلد مقصّرة في تطبيق القانون، فهل يمكن أن يقول قائل أن هذا القانون هو سبب الإرهاب؟ أم سيقول أن هذا المجرم إنما يوظّف حكم الإعدام مع تفريغه من شروطه وموانعه بسبب جهله وسوء فهمه أو بسبب هواه وانحيازه؟!

 

وهكذا لو جاء مجرم سفاح له هوى في النفوذ، في بيئة تعظّم الفلسفة والفكر الفلسفي، وأخذ يغتال منافسيه السياسيين ومن يواليهم من العلماء، محتجاً بأن كتب الفلسفة تقول "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"! فهل سيقبل عُشّاق الفلسفة هذا الفهم؟ أم سيقولون أن هذا توظيف وتطويع للفلسفة لخدمة برامج س

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات